الغناء العربي في صدر الإسلام

الغناء العربي في صدر الإسلام

لما جاء الاسلام وتم للمسلمين ما تم من الفتوح الإسلامية، وكانوا وما زالوا على ما عرفوا به من البداوة مع نضارة الدين الجديد ودعوته إلى التخلي عن كل ما ليس بنافع في دين ولا معاش، فإنهم هجروا الغناء ما استطاعوا، وإن لم يغفلوا أثر الصوت الجميل في الترنم بالشعر الذي هو دينهم ومذهبهم، وفي تلاوة القرآن الكريم وترجيعه، وفي آذان الصلاة.

أما موقف الإسلام من حيث الموسيقى والغناء، فقد تناقش فقهاؤه قروناً حول هذه القضية. فمنهم من حرّم ومنهم من حلل. فالإمام الشافعي يقول: “إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته”. وحكي عنه أنه كان يكره الطقطقة بالقضيب ويقول: “وضعته الزنادقة ليشتغلوا به عن القرآن”.

أما الإمام مالك فقد نهى عن الغناء وقال: “إذا اشترى أحدكم جارية فوجدها مغنية كان له ردها”. وقال أبو حنيفة: “فإنه كان يكره الغناء ويجعل سماعه من الذنوب”.

وجاء في محاضرات الأدباء، أنه مر مسلمة بن عبد الملك يوماً بقصر أخيه سليمان “فسمع صوت مغن، فغدا إلى سليمان وقال: يا أمير المؤمنين، مررت أمس بالقصر الذي فيه حرمك فسمعت فيه غناء، أما علمت أن الفرس يصهل فتشال الحجر، والحمار ينهق فتستودق له الأتان، والثور يخور فتستخرم له البقرة، والتيس ينب فيثغو له المعز، والكلب يعوي فتصرف له الكلبة، والمغني يغني فترتاح له النساء؟”. فقال سليمان: “قد وعظت وأحسنت والله علي راع وكفيل، لا يدخل داري مغن ذكر ولا أنثى”.

أما الإمام الغزالي فيقول في كتابه إحياء علوم الدين: “إعلم أن القول القائل: السماع حرام، معناه أن الله تعالى يعاقب عليه، وهذا أمر لا يعرف بمجرد العقل بل بالسمع. ومعرفة الشرعيات محصورة في النص أو القياس على المنصوص. وأعني بالنص ما أظهره الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله أو فعله. وبالقياس المعنى المفهوم من ألفاظه وأفعاله.. ولكن نستفتح ونقول: قد دل النص والقياس جميعا على إباحته.

“أما القياس فهو أن الغناء فيه معان ينبغي أن يبحث عن أفرادها ثم عن مجموعها. فإن في سماع صوت طيب موزون، مفهوم المعنى محرك للقلب، فالوصف الأعم أنه صوت طيب. ثم الطيب ينقسم إلى الموزون وغيره. والموزون ينقسم إلى المفهوم كالأشعار، وإلى غير المفهوم كأصوات الجمادات وسائر الحيوانات. أما سماع الصوت الطيب من حيث إنه طيب، فلا ينبغي أن يحرّم بل هو حلال بالنص والقياس. أما القياس فهو أنه يرجع إلى تلذذ حاسة السمع بإدراك ما هو مخصوص به، وللإنسان عقل وخمس حواس ولكل حاسة إدراك. وفي مدركات تلك الحاسة ما يستلذ. فلذة النظر في المبصرات الجميلة كالخضرة والماء الجاري والوجه الحسن وبالجملة سائر الألوان الجميلة، وهي في مقابلة ما يكره من الألوان الكدرة القبيحة. وللشم الروائح الطيبة، وهي في مقابلة الأنتان المستكرهة. وللذوق الطعوم اللذيذة كالدسومة والحلاوة والحموضة. وهي في مقابلة المرارة المستبعثة. وللمس لذة اللين والنعومة والملامسة، وهي في مقابلة الخشونة والضراسة. وللعقل لذة العلم والمعرفة وهي في مقابلة الجهل والبلادة.

“فكذلك الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى مستلذة كصوت العنادل والمزامير، ومستكرهة كنهيق الحمير وغيرها. مما أظهر قياس هذه الحاسة ولذتها على سائر الحواس ولذاتها.

“أما النص فيدل على إباحة سماع الصوت الحسن امتنان الله تعالى على عباده إذ قال: “يزيد في الخلق ما يشاء”، فقيل هو الصوت الحسن. وفي الحديث: “ما بعث الله نبياً إلا حسن الصوت”. وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: “لله أشد أذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة لقينته”. وفي الحديث في معرض المدح لداود عليه السلام: “كان داود حسن الصوت في النياحة على نفسه وفي تلاوة الزبور حتى كان يجتمع الإنس والجن والوحوش والطير لسماع صوته. وكان يحمل في مجلسه أربعمائة جنازة وما يقرب منها في الأوقات”. وقال الرسول عليه الصلاة والسلام في مدح أبي موسى الأشعري: “ولقد أعطي مزماراً من مزامير آل داود”. وقول الله تعالى” “إن أنكر الأصوات لصوت الحمير”، يدل بمفهومه على الصوت الحسن. ولو جاز صوت العندليب لأنه ليس من القرآن. وإذا جاز سماع صوت غفل لا معنى له فلمَ لا يجوز صوت يفهم منه الحكمة والمعاني الصحيحة؟ وإن من الشعر والحكمة”.

أما في عهد الخلفاء الراشدين، فقد بقي الحال على ما هو عليه في صدر الإسلام، وقد انصرفوا إلى الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله. ويقول أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني عن حالة الغناء في زمن عمر بن الخطاب: “إن الغناء العربي لم يكن يعرف في زمان عمر بن الخطاب إلا ما كانت العرب تستعمله من النصب والحداء، وذلك جار مجرى الإنشاد، إلا أنه يقع بتطريب وترجيع يسير ورفع الصوت”.

ومما ساعد على رواج الغناء، رقيق الفرس والروم. وهؤلاء من عُرفوا بالغناء فوقعوا في الحجاز وصاروا موالي العرب وغنوا جميعا الغناء المجزأ المؤلف بالفارسية والرومية بالعيدان والطنابير والمعازف والمزاهر.

إذن كان الأمر في بداية صدر الإسلام مقصوراً على اللحن الحسن في ترتيل القرآن والآذان وإنشاد الشعر.

وأقدم من ضرب بالدف عند ظهور الإسلام بالمدينة فتيات من بني النجار استقبلن الرسول عند هجرته إليها من مكة المكرمة وهن يضربن بالدفوف وينشدن:

نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار

وأول غناء تغنت به النساء والصبيان في المدينة عند قدوم الرسول هو:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع

ثم اشتهر في عصر صدر الإسلام من المغنيات كثير من القيان نذكر من بينهن: “سيرين” مولاة حسان بن ثابت وهي إحدى الجاريتين المصريتين اللتين أهداهما المقوقس في العام التاسع الهجري/ 630م إلى النبي.