الغناء العربي في العصر العباسي

الغناء العربي في العصر العباسي

عند مجيء العصر العباسي، انتقلت عاصمة الدولة من الشام إلى العراق. وقد كان اللهو عامة محدودا أو على الأصح مكبوتا في نفوس الناس في عهد “السفاح والمنصور”. فإنهما كانا رجلي كفاح وإدارة وحزم، فوق ما عرفا به من البخل. إلا أن السفاح قد ظهر للندماء ثم احتجب عنهم بعد سنة، لاقتناعه بنصيحة أسيد بن عبد الله الخزاعي. فاختفى وراء الستارة طربا مبتهجا صائحاً “أحسنت والله! أعد هذا الصوت!” فيعاد له مرارا، فيقول في كلها “أحسنت”، فتتلوها الصلة أو الكشوة. فقصره كان لا يخلو من الغناء، وما يتلوه من إحسان. فقد كان يقول: “العجب ممن يفرح إنسانا، فيتعجل السرور، ويجعل ثواب من سره تسويفا وعدة”. فكان في كل يوم وليلة يقعد فيه لشغله، لا ينصرف أحد ممن حضر إلا مسرورا، “ولم يكن هذا لعربي ولا عجمي قبله..”.

فأما أبو جعفر المنصور، فما كان يظهر لنديم قط، ولا رآه يشرب غير الماء. ويقول الجاحظ: “وكان بينه وبين الستارة عشرون ذراعا، وبين الستارة والندماء مثلها، فإذا غناه المغني أطربه، حركت الستارة بعض الجواري، فاطلع إليه الخادم صاحب الستارة فيقول: قل له: “أحسنت” بارك الله فيك!، وربما أراد أن يصفق بيديه، فيقوم عن مجلسه ويدخل بعض حجر نسائه، فيكون ذاك هناك. وكان لا يثيب أحدا من ندمائه وغيرهم درهما، فيكون له رسما في ديوان. ولم يقطع أحدا ممن كان يضاف إلى ملهية أو ضحك أو هزل، موضع قدم من الأرض. وكان يحفظ كل ما أعطى واحدا منهم عشر سنين ويحسبه ويذكره له”.

مع كل ما عرف عن السفاح والمنصور من قوة شكيمة وبطش للأخصام وحزم فاق الحد، فإن قصرهما قد عرف المنتديات الغنائية إلى الحد الذي وافق مبدأهما. ولا شك أنه كان للمنتديات الغنائية الأثر الأساسي الأول الذي تطور وتوسع في قصور أولادهما من الخلفاء العباسيين.

وما إن تولى المهدي الحكم حتى تفجر ذلك الكبت، فانتشر اللهو والغناء والشراب إلى حد الخلاعة والمجاهرة بها، ذلك لما صارت إليه الدولة من الاستقرار والأمن، ولما كان يدخل في خزائنها من باهظ الأموال التي تجبى من الخراج وغيره. هذا إلى كثرة الجواري من كل نوع، وإلى تلون الحياة الإجتماعية بألوان المدنية المشرقة في جميع نواحيها.. تلك الحياة التي لم يألفها العربي في صحرائه المجدبة والتي بهرته وطارت بعقله فلم يسعه إلى أن يغترف منها ما استطاع.

المهم إن المهدي في أول أمره كان يحتجب عن الندماء، متشبها بالمنصور نحواً من سنة، ثم ظهر لهم. فأشار إليه أبو عون بأن يحتجب عنهم، ولكنه رفض قائلا له ناهرا: “إليك عني يا جاهل! إنما اللذة في مشاهدة السرور وفي الدنو ممن سرني. فأما من وراء وراء، فما خيرها ولذتها؟ ولو لم يكن في الظهور للندماء والإخوان إلا أني أعطيهم من السرور بمشاهدتي مثل الذي يعطونني من فوائدهم، لجعلت لهم في ذلك حظا موفرا”.

ويقول الجاحظ في كتابه البيان والتبيين: لقد كان المهدي يحب القيان وسماع الغناء، وكان معجباً بجارية يقال لها جوهر، وكان اشتراها من مروان الشامي. فدخل عليه ذات يوم مروان الشامي وجوهر تغنيه، فقال مروان:

أنت يا جوهر عندي جوهرة في بياض الدرة المشتهرة
فإذا غـنت فنـار ضـرّمت قدحت في كل قلب شررة

فاتهمه المهدي، وأمر به فشدّ من عنقه إلى أن خرج، ثم قال: لجوهر: أطربيني.

لذا نرى أن القصر قد تطور من حيث الغناء ومجالسه، حيث بات الخليفة لا يتحرج من الجلوس مع الندماء والمغنين، يحدثهم ويحادثونه، يضحك معهم ويضاحكونه. إلا أنه لم يفقد سيطرته على نفسه، ولم يدع مجالا لأحد من الجالسين اجتياز حدوده كما كمان الهادي بعده. فرغم أن الهادي لم يحكم غير مدة قصرة إلا أنه تابع رحلة الحرية الغنائية في قصره والكرم اللامحدود بحضرته. فقد كان يأمر للمغنين بالمال الخطير والجزيل.

ويقال: إنه قال يوما، وعنده ابن جامع وابراهيم الموصلي ومعاد بن الطيب، وكان أول من دخل عليه معاذ، وكان حاذقا بالأغاني عازما بها، فقال: من أطربني منكم، فله حكمه.

فغناه ابن جامع غناء لم يحركه. وكان إبراهيم قد فهم غرضه، فغناه. فطرب حتى قام عن مجلسه ورفع صوته وقال: “أعد بالله، وبحياتي” . فأعاد، فقال: “أنت صاحبي، فاحتكم”.

وجاء هارون الرشيد الذي أصبح اسمه مألوفا لا في الشرق وحده بل في الغرب أيضا.. وكان قصره المركز بل المنتدى الذي يتزاحم إليه العقلاء والعلماء من جميع الأنحاء، والذي أولى البلاغة والشعر والتاريخ والفقه والعلم والطب والموسيقى والفنون، اهتماما كبيرا وكريما. كل ذلك آتى الأكل، وأكثره في العهود التالية وفي عهد المأمون خاصة.

كان الرشيد في أخلاق أبي جعفر المنصور، يمتثلها كلها إلا في العطايا والصلات والخلع. فإنه كان يقفو فعل أبي العباس والمهدي.

والغريب عن هارون الرشيد الذي صُور بأنه أسطورة الفسق والضلال، إنه لم يُُرَ قط يشرب إلا الماء. ويقول الجاحظ: “ومن رآه يشرب فكذبه”، هذا لأنه لا يحضر شربه إلا خاص جواريه، وربما طرب للغناء، فتحرك حركة بين الحركتين في القلة والكثرة.

والرشيد هو من بين خلفاء بني العباس، من جعل للمغنين مراتب وطبقات على نحو ما وضعهم أردشير بن بابل وأنو شروان. فكان إبراهيم الموصلي وإسماعيل بن جامع، وزلزل، ومنصور الضارب في الطبقة الأولى. أما في الطبقة الثانية فكان: سليم بن سلام أبو عبيد الله الكوفي وعمرو الغزال ومن أشبههما. أما في الطبقة الثالثة فكان: أصحاب المعازف والونج والطنابير.