الغزنويون

الغزنويون

بنو سبكتكين

الغزنزيون اصحاب الدوله الغزنويه والتي اخذت اسمها من عاصمتهم غزنه التي تقع الآن في اراضي دولة افغنستان الحاليه. انشؤوا دولتـهم على انقاض الدوله السامانيه التي كانت تحكم خراسان وبلاد ماوراء النهر، كما التهموا جميع اراضي البويهين قبل ذلك، حكموا خراسان وأغلب أراضي إيران الحاليه وباكستان والشمال الهندي وجميع اراضي ما وراء النهر قرابة قرنين من الزمان. كانت الدوله الغزنويه بغاية الشراسه فلقد أوقعت بالهنود وقائعا هي من اعنف الوقائع في التاريخ البشري.

في سنة ثلاثمئة وست وستين للهجرة مات عامل السامانيين على غزنة أبو إسحاق البتكين ولم يخلفْ من أهله وأقاربه من يصلح للتقدم لقيادتهم، فاجتمع عسكره واتفقوا على زوج ابنته القائد التركي سبكتكين لما عرفوه من قدرته على القيادة فقدموه عليهم وولوه أمرهم.‏ شرع سبكتكين هذا بعد أن جمع العساكر الغزنويه في مهاجمة الأراضي الهندية في معارك يشيب لها الولدان وشن الغارات تلو الغارات عليها، فاحتل من بلادهم قلاعا حصينة على شواهق الجبال ونهب ما فيها من الأموال وقتل من الهنود ما لا يدخل تحت الإحصاء ‏ففي عام واحد فقط أدخل خمسمئة الف من نساءهم وصبيانهم اسواق النخاسه.

عظم شأن سبكتكين بين الأمراء وارتفع قدره بين الناس وتعلقت الأطماع بالاستعانة به، فأتاه الأمراء يطلبون وده ودعمه. مثل طغان خان صاحب ولاية بست مستعينا به مستنصرا‏ دون السامانيين الذي هو عاملٌ لهم عليها.‏ بعد أن غلب على إمارته قائدٌ تركي اسمه بابي تور وأخرجه عنها. أعاده سبكتكين إلى مدينته بعد أن هزم بابي تور هزيمة نكراء وكر راجعا صوب أراضي الخيرات الضعيفة الملوك أرض الهند والتي أثرته وجعلته مشروع مؤسس دولة ستلتهم دولة السامانيين فيما يأتي من الايام.

جيبال ملك الهند وبعد أن رأى أن بلاده تـملك من أطرافها، من قبل الدوله الغزنويه الناشئه يحشد مئة ألف مقاتل من الجيوش المدعمة بالفيول ويشرع في استعادة ما اخذ من الأراضي الهندية، يشخص إليه سبكتكين من عاصمته غزنة ومعه عساكره وخلقٌ كثيرٌ جدا من المتطوعة، فالتقوا بالقرب من (عقبة غورك) الهندية واقتتلوا أياما كثيرة وصبر الفريقان‏.‏ سقطت الأمطار بغزاره واشتد البرد حتى هلك خلقٌ كثيرٌ من الجانبين وعميت عليهم المذاهب‏.‏ تناوب جيش الغزنويين القتال فأدرك الهنود التعب، ثم حمل سبكتكين الغزنوي واختلط بعضهم ببعض فانهزم الهنود وأخذهم السيف من كل جانب وأسر منهم ما لايحصى، وسار الغزنويون نحو الهند يقتلون أهلـها ويخرّبوا كل ما مروا عليه من بلادهم وقصدوا لمغان وهي من أحصن قلاعهم فدخلوها عنوة ‏‏ ولما قوي سبكتكين بعد هذه الوقعة أطاعه الأفغان والخلج وصاروا في طاعته‏ بعد ان ادخل في قلوبهم الرعب والهلع. ‏ ‏في سنة ثلاثمئة وأربع وثمانين للهجره الأمير نوح الساماني يرسل كتابا لسبكتكين في غزنة بعد ان راى تعاظم شأنه وما هو عليه من قوه يوليه فيه خراسان ليستعيد هرات ونيسابور وسائر الأعمال التي خرجت عن طاعة الأمير نوح الساماني على يدي امراء طامحين للسلطان. بعد أن أعلن الامير أبو علي ابن محتاج وقائده العسكري فائق العصيان على الأمير الساماني والهيمنة على ما في أيديهما من أعمال. وكانوا قد اعدوا جيشا كثيفا لاحتلال عاصمة السامانيين بخارى وإسقاط حكم السامانيين فيها، بالأستعانة بالأمير بغراخان صاحب  كاشغر وبلاساغون المتاخمتين لحدود الصين وكاتبوه على ذلك. جمع سبكتكين أمير غزنة العساكر وحشد‏ الأتباع فور وصول كتاب الأمير الساماني إليه وتجهز يريد خراسان. وفور وصول الأنباء للأميرين المخالفين على السامانيين ‏ راسلا فخر الدولة بن بويه يستنجدانه ويطلبان منه عسكرا فأجابهما إلى ذلك وسير إليهما عسكرا كبيرا‏.‏

التقى الجيشان في هراة واقتتلوا قتالا عنيفا ،انحاز بعض أمراء الحرب إلى الأمير الساماني بعد أن رؤوا الغلبة لعسكره. فأنهار الجيش المخالف وانهزم الجنود وركبهم أصحاب سبكتكين يأسرون ويقتلون وينهبون. وواصل السير صوب المدينة المخالفة الثانية نيسابور فملكها نوح ثانية دون قتال واستعمل عليها وعلى جيوش خراسان ابنه محمود بن سبكتكين ولقبّه سيف الدولة. في سنة ثلاثمئة وسبع وثمانين توفي عامل غزنة القوي سبكتكين وخلف ابنه محمود بن سبكتكين وتلقب بالسلطان وهو أشهر رجال البيت الغزنوي والذي سيعرف فيما بعد بالسلطان يمين الدولة محمود الغزنوي، المؤسس الفعلي للدولة الغزنويه، والتي ستلتهم لاحقا سابقتـها دولة أل  سامان والرجل الذي سيسجل في صفحات التأريخ احداثا مؤثرة للغايه غيرت ديموغرافية شبه القارة الهنديه إلى حد بعيد والى يومنا هذا.

السلطان يمين الدولة محمود الغزنوي يكاتب الامير الساماني الجديد منصور بن نوح ويطلب منه تولية خراسان بدل بكتوزون لما له ولوالده من فضل على الدولة السامانيه، ولكن الأمير الساماني يبذل له ولاية ما يشاء من الأعمال سوى خراسان، فأعاد الطلب مرات عده وكان الجواب ذاتـه في كل مره، ‏في هذه الظروف الحرجه، بكتوزون قائد جيوش الدولة السامانيه يخلع الأمير الساماني من الملك ويقبض عليه ويأمر بسمل عينيه بمعاونة جماعة  من أعيان العسكر وأقاموا أخاه عبد الملك الساماني مقامه في الملك بعد سنة وسبعة أشهر  من إمرته. وماج الناس بعضهم في بعض في بلاد ما وراء النهر وخوارزم لهذا الحدث الكبير، الأمر الذي قوى نفس يمين الدولة السلطان محمود الغزنوي وطمع في الاستقلال بالملك فسار نحو بخارى عازما على القتال‏.‏

سمع عبد الملك بن نوح الساماني وبكتوزون قائد جيوشه بمسير السلطان الغزنوي إليهم. تجهزوا للقتال وساروا إليه فالتقوا على أبواب مدينة مرو واقتتلوا أشد قتال رآه الناس، حتى أدركهم الليل فانهزم بكتوزون قائد الجيوش السامانيه إلى نيسابور ‏بعد أن لحقت بعسكره خسائر فادحه.‏ تبعه السلطان محمود الغزنوي ليمنعه من تنظيم قواته، والتقاط أنفاسه، فأدركه على أبوابها فأوقع به وقيعة مؤلمه. وعاد يمين الدولة السلطان محمود الغزنوي إلى بلخ مستقر والد ه فاتخذها دار ملك له.واتفق أصحاب الأطراف بخراسان على طاعته واستقر ملك محمود بخراسان كلها، فأزال عنها اسم السامانية وخطب فيها للقادر بالله العباسي، وبإقامة الخطبة هذه، يكون ملكه قد أصبح شرعيا لدى حكومة بغداد فأستقل بملكها منفردا. ‏‏ اجتمع الأمير الساماني المهزوم في بخارى هو وبكتوزون وغيرهما من الأمراء وقواد الجيش فقويت نفوسهم وشرعوا في جمع العساكر من المدن التي بقيت تحت أيديهم في بلاد ما وراء النهر وعزموا على العود إلى خراسان لاستعادتها من الغزنويين ‏.‏بلغ خبرهم يمين الدولة السلطان محمود الغزنوي. فبعث بالقائد العسكري ايلك الخان قائد جيوش الغزنويين متسلحا بأدوات الملك في ذلك الزمان (الحيلة والخديعة)، فسار في جمع الأتراك إلى بخارى وأظهر لعبد الملك المودة والموالاة ،والحمية له، فظنوه صادقا ولم يحترسوا منه، وخرج إليه بكتوزون وجميع الأمراء والقواد، فلما اجتمعوا إليه قبض عليهم وسار سريعا حتى دخل بخارى. وبها الامير الساماني لايعلم من الامر شيئا.

لم يدر عبد الملك الساماني ما يصنع لمّا دهموه الغزنويون لقلة عدده فاختفى ونزل ايلك الخان دار الإمارة وبث الطلب والعيون على عبد الملك. ودائما الناس سرعان ماتميل من المغلوب إلى الغالب.فلم يلبث بكتوزون طويلا حتى اتته الوشايه وظـفر بعبد الملك الساماني متخفيا عند بعض مريديه، فأودعه السجن فمات بها وكان آخر ملوك السامانية وانقضت دولتـهم على يده‏.‏ وحبس معه أخاه أبا الحرث منصور بن نوح الذي كان في الملك قبله وأخويه أبا إبراهيم إسماعيل وأبا يعقوب ابني نوح وعميه أبا زكريا وأبا سليمان وغيرهم من آل سامان وأ فرد كل واحد منهم في حجرة‏.‏

في سنة ثلاثمئة وتسعين للهجرة خرج أبو إبراهيم إسماعيل ابن نوح من محبسه بعد أن تنكر بزي الجواري التي تخدم السجن. فظنه الموكلون على السجن جارية. فلما خرج استخفى عند عجوز من أهل بخارى وحينما سكن الطلب عنه سار من بخارى إلى خوارزم وتلقب بالمنتصر وجمع إليه بقايا القواد السامانية والأجناد فكبر جمعه، وسير قائدا من أصحابه في عسكر إلى بخارى فبيّت من بها من الغزنويين فهزمهم وقتل منهم ،وكبس جماعة من أعيانهم وتبع المنهزمين إلى حدود سمرقند فلقي هناك عسكرا جرارا جعله الغزنويون لحفظ سمرقند فانضاف إليهم المنهزمون فحطوا من معنوياتهم.وفور اشتباك المنتصر الساماني معهم ولوا منهزمين وتبعهم عسكر المنتصر فغنموا أثقالهم وعادوا إلى بخارى فاستبشر أهلـها بعود السامانية‏.‏

بلغ الخبر الأمير يمين الدولة محمود الغزنوي فسار مجدا نحو نيسابور فلما قاربها سار عنها المنتصر الساماني وظل يتنقل من مدينه إلى أخرى والغزنويون في إثره، عاد المنتصر إلى نيسابور في آخر شوال سنة إحدى وتسعين وثلاثمئة للهجره فجبيت له الأموال بها. فأرسل إليه يمين الدولة جيشا بقيادة اخيه منصور بن سبكتكين من نيسابور فالتقوا بمدينة سرخس واقتتلوا قتالا ضاريا فانهزم المنتصر وأصحابه وأ سر أبو القاسم علي ابن محمد بن سيمجور وجماعة ٌمن أعيان عسكر السامانيين وحملوا إلى المنصور فسيرهم إلى غزنة وذلك في ربيع الأول سنة ثلاثمئة واثنتين وتسعين‏ للهجرة.‏ وسار المنتصر الساماني تائها حتى وافى الأتراك الغزية وكان لهم ميلٌ إلى آل سامان فحركتهم الحمية واجتمعوا حوله.

في شوال سنة ثلاثمئة وثلاث وتسعين للهجره سار الساماني بجيش من الاتراك الغزيه نحو جيوش الغزنويين لأعادة ملك السامانيين فتوجه إلى سمرقند وبها القائد التركي ايلك الخان ،فأشتبكوا في معركة رهيبه. فأوقع السامانيون بالجيش الغزنوي خسائر فادحه وأسروا معظم قواد ذلك الجيش واستولوا على الأثقال والأموال وعادوا إلى أوطانهم. طارت الأخبار سريعا إلى محمود الغزنوي فبعث برسالة إلى القواد العسكريين الذين مع الامير الساماني ينذرهم بالويل إن هم لم يطلقوا القواد الأسرى، فاجتمعوا على إطلاق الأسرى تقربا إلى محمود الغزنوي بذلك‏.‏ ومخافة من عقابه بعد أن أدركوا أن الملك قد أدبر عن السامانيين. فخاف المنتصر الساماني حينئذ بعد ان رأى ماصنع رجاله فاختار من أصحابه جماعة يثق بهم وسار بهم إلى مدينة آمل فلم يقبلوه فعبر النهر إلى بخارى فدفعوه عنها وكلما قصد مكانا رده أهلـه خوفا من معرته. وهنا أدرك الامير الساماني أن الدنيا قد أدبرت عنه.

في سنة ثلاثمئة وخمس وتسعين للهجرة زحف جيش الغزنويين في قضه وقضيضه قاصدا الأمير الساماني بعد أن علموا تراجع الغزية الذين كانوا معه إلى أوطانهم فالتقوا به بنواحي مدينة أشروسنة فانهزم المنتصر وأكثر الغزنويون في أصحابه القتل‏.‏ وسار المنتصر منهزما حتى عبر النهر، فسير يمين الدولة العساكر خلفه ففارق مكانـه وهم في أثره، فلما ضاقت عليه المذاهب عاد إلى ما وراء النهر وقد ضجـر أصحابه وسئموا من السهر والتعب والخوف، ولأن الناس دائما على دين القوي، فارقه كثيرٌ منهم إلى يمين الدولة محمود الغزنوي فأعلموه بمكانه فلم يشعر المنتصر الساماني إلا وقد أحاطت به الخيل من كل جانب فقاتلهم ساعة ثم فر من المواجهة والتجأ دخيلا بحلة من العرب فصانعوه حتى أظلم الليل، ثم وثبوا عليه وقتلوه وبعثوا برأسه إلى يمين الدولة السلطان محمود الغزنوي تقربا له وطمعا بالمكافأة وكان ذلك خاتمة أمر السامانيين وابتداء أمر الغزنويين. في سنة ثلاثمئة واثنتين وتسعين للهجره وبعد ان تمكن يمين الدوله محمود ابن سبكتكين من تثبيت اركان سلطانه توجه صوب الهند ،فنزل على مدينة برشور فأتاه جيبال ملك الهند في عساكر كثيرة فاختار يمين الدولة من عساكره والمطوعة خمسة عشر ألفا وسار نحوه فالتقوا في المحرم من هذه السنة فاقتتلوا وصبر الفريقان‏. فلما انتصف النهار انهزم الهنود وقـتل منهم مقتلة ٌعظيمة وأسر قائد الجيوش الهنديه جيبال ومعه جماعة ٌكثيرة من أهله وعشيرته وغنم يمين الدوله محمود ابن سبكتكين أموالا جليلة وجواهر نفيسة وغنموا خمس مئة ألف رأس من العبيد. فدى الهنود ملكهم بمال. ولكن جيبال ملك الهند وبعد ان اطلق سراحه، حلق راسه واشعل النار في جسده منتحرا امام حشد من جنده اعتذارا لهم عن الهزيمه التي الحقت بهم.

في سنة أربعمئة وست عشرة للهجره تحركت قوات يمين الدوله محمود الغزنوي مرة أخرى في ثلاثين ألف فارس من عساكره سوى المتطوعة صوب اقدس مدن الهنود(مدينة “سومنات”) وكان بها معبدٌ من أكبر معابد الهند، ” وكان الهندوس يعظمونه ويحملون إليه كل نفيس، ويغدقون الأموال على سدنته، وكانت مدينة سومنات تقع في أقصى جنوب الكجرات على شاطئ بحر العرب، فقطع الغزنوي الصحاري المهلكة حتى بلغها، طلب الهنود من محمود الغزنوي ان يقبل منهم مايشاء من الاموال على ان يترك معبدهم لحاله. طلب يمين الدوله محمود الغزنوي خمسة عشر مليون دينار لقاء ترك المعبد. وكان المبلغ كبيرا جدا فطلبوا مهلة لجمعه، وبعد أشهر اوصلوا المبلغ إلى يمين الدوله محمود الغزنوي وكان قد اشترك في جمعه كل سكان شبه القاره الهنديه تقريبا.

يمين الدوله الغزنوي وبعد أن قبض أموال الهنود يقرر احتلال المعبد بعد ان اعلمه اصحابه ان في المعبد المذكور اموالا طائله هي أكثر بكثير من المال الذي قبضه من الهنود. كان يوم جمعه تحركت كتائب يمين الدوله محمود الغزنوي إلى مدينة سومنات. فاحتمى الهنود بأسوار المدينه بعد ان رؤوا طلائع الجيوش قد بغتتهم في الصباح الباكر. نصب الغزنويون على سور المدينه السلالم وعبروه إلى فناء المدينه واشتد القتال وعظم الخطب حتى أدركهم الليل فكف بعضهم عن بعض‏.‏ فلما كان الغد بكر الغزنويون إليهم وقاتلوهم فأكثروا في الهنود القتل. وبعد ان يأس الهنود من دفع الغزنويين التجؤوا إلى داخل معبدهم سومنات ظنا منهم انه يحميهم.

قاتل الهنود على باب معبد هم سومنات أشد قتال وكان الفريق منهم بعد الفريق يدخلون إلى سومنات فيعتنقونه ويبكون ويعفرون وجوههم بالاوحال ويتضرعون إليه ويخرجون فيقاتلون إلى أن يقتلوا، حتى كاد الفناء يستوعبهم وهنا اقتحم محمود الغزنوي المعبد عنوة، وحاولت جموع الهنود الغفيرة إنقاذ المعبد، في قتال بغاية الشراسه سقطت فيه عشرات الالاف من القتلى. وسقط المعبد اخيرا بيد الغزنوين وفر من نجا من الموت إلى البحر بمراكب لهم لينجو فيها، فأدركهم الغزنويون وذهب كل سكان المدينه البالغ عددهم خمسون الف إنسان قتلا وغرقا.‏ وخـربت المدينه وهدم المعبد.وغنم محمود الغزنوي أكثر من عشرين مليونا أخرى من الدنانير فوق التي اخذها فداءا. وظلت ذكرى هدم معبد سومنات عالقة في ذاكرة الهنود لم يمحها كر السنين، حتى إذا ما ظفرت الهند باستقلالها عام 1947 للميلاد عمدت إلى بناء هذا المعبد من جديد في احتفال مهيب.

في ربيع الآخر من سنة اربعمئة وعشرين للهجره سار يمين الدولة محمود بن سبكتكين بعد ان ملأ خزائنـه بأموال الهنود وثرواتهم نحو الري وكانت تحت حكم البويهيين في اخريات ايامهم، فقاتلهم يسير قتال فهزمهم هزيمة نكراء وملك مدنهم وأراضيهم. فقتل وصلب من البويهيين خلقا كثيرا‏.‏ وأخذ من الأموال ألف ألف دينار ومن الجواهر ما قيمتـه خمسمئة ألف دينار ومن الثياب ستة آلاف ثوب ومن الآلات ما لا يحصى وقبض على مجد الدولة البويهي ثم سيره إلى خراسان.

في(23 من شهر ربيع الأول سنة اربعمئة وإحدى وعشرين للهجره الموافق= 29 من أبريل 1030م) توفي السلطان يمين الدوله محمود ابن سبكتكين الغزنوي بمرض الملاريا عن عمر ناهز التاسعة والخمسين. بعد أن أنشأ دولة واسعة، ضمّت معظم إيران وبلاد ما وراء النهر وشمال الهند كلـه،.بعد ان أوصى بالملك لابنه محمد وكان أصغر من ابنه مسعود. فاجتمعت العساكر على طاعته وفرق فيهم الأموال والخلع النفيسة فأسرف في ذلك‏.‏ وخـطب له في منابر الجوامع من أقاصي الهند إلى نيسابور.

بلغ خبر وفاة يمين الدوله محمود ابن سبكتكين الغزنوي إلى ولده الكبير مسعود وكان بأصبهان عاملا لوالده عليها بعد ان انتزعها من البويهيين. وبلغه أيضا ان والده اوصى لاخيه الاصغر محمد بالسلطان من بعده. ويبدو أن مسعودأ لم يفاجأ بذلك إذا انه كان مشاكسا لوالده طيلة حياته لايسمع منه كلاما رغم أنه كان بارعا في قيادة الجيوش. كتب مسعود إلى أخيه محمد أنه لا يريد ان ينازعه في ملكه، وأنه قانعٌ بما تحت يديه من أعمال، ويطلب منه الموافقة على اقراره عليها مثلما كان على عهد أبيه. لما وصل الكتاب إلى السلطان الغزنوي الجديد محمد ابن محمود ابن سبكتكين رد على كتاب أخيه الكبير مسعود أقبح رد ‏وطلب منه ان يتنحى عما في يديه من اعمال والا فهو في طريقه لقتاله.

سار الامير الغزنوي محمد ابن محمود ابن سبكتكين في عساكره إلى أخيه مسعود محاربا له بعد ان جعل مقدم جيشه عمه يوسف ابن سبكتكين ورغم أن الامير محمد اخذ العهود والمواثيق من كبار قادته على الاخلاص له، لم يكن يعلم ان الكثير من هؤلاء القواد وفي مقدمتهم قائد الجيوش عمه يوسف ابن سبكتكين نفسه يميل إلى أخيه مسعود لكبره وشجاعته، ولأنه قد اعتاد التقدم على الجيوش واحتلال البلدان، وبعضهم يخافـه لما يتمتع به من قوة نفس وعلو همه‏.‏ التونتاش صاحب خوارزم وكان من أصحاب أبيه محمود يشير على الامير الغزنوي الجديد بموافقة أخيه الكبير وترك مخالفته فلم يصغ إلى قوله وسار قاصدا حرب اخيه، وبينما هو في الطريق ثار به قواده فأخذوه وقيدوه وحبسوه ‏.‏ ونادوا بشعار أخيه مسعود وكتبوا إلى مسعود بالحال‏. ‏ في الثامن من جمادي الاخره سنة اربعمئة واثنتين وعشرين للهجره وصل مسعود ابن محمود ابن سبكتكين الامير الجديد إلى غزنة قبض على اخيه محمد وعلى عمه يوسف ابن سبكتكين وبعض قوادهما ،فقتل القواد المخالفين واودع عمه السجن فيما فقأ عيني أخيه، سعى مسعود فور وصوله عاصمة ملكهم غزنه سعيا حثيثا لتثبيت ملكه ،واطاعه القواد ودانوا له بالسلطان.واخذت تأتيه رسل الملوك من سائر الأقطار إلى بابه واجتمع له ملك خراسان وغزنة وبلاد الهند والسند وسجستان وكرمان ومكران والري وأصبهان وبلد الجبل وعظم سلطانـه وخـيف جانبه‏.‏ في رجب سنة اربعمئة وأربع وعشرين للهجره سار السلطان الغزنوي مسعود ابن محمود ابن سبكتكين إلى خراسان عازما على قصد العراق لتوسيع رقعة املاكه وللسيطره على عاصمة الخلافه بغداد لما لها من اهمية بالغه في النفوس.وليسبق السلاجقه في طرد البويهيين وهم في شيخوخة سلطانهم. فلما أبعد السلطان مسعود الغزنوي عن عاصمته غزنه عصى عليه نائبهم بالهند القائد أحمد ينال تكين فاضطر مسعود ان يعود إلى الهند، قبل وصول السلطان الغزنوي مسعود إلى الهند تأتيه الرسل من أحمد ينال تكين بالعوده على ما كان عليه. لكن السلطان تكلف الكثير من الاموال في غدوة عسكره ورواحه. فقصد قلعة سرستي وهي من أمنع حصون الهند وأحصنها فحصرها وقد كان أبوه حصرها غير مرة فلم يتهيأ له فتحها فلما حصرها مسعود راسله صاحبها وبذل له مالا  على الصلح فأجابه مسعود إلى ذلك‏.‏ الهندي صاحب القلعه يجمع المال من التجار المسلمين الموجودين بها ويبعثه إلى السلطان الغزنوي المحاصر للقلعه. قبض السلطان المال وقبل أن يرحل بجيوشه يأتيه سهمٌ عبر اسوار القلعه المحاصره يحمل رقعة تعرفه من اين قـبض المال. فرجع السلطان عن الصلح إلى الحرب بعد ان قبض المال.وشرع في طم خندقها بالشجر وقصب السكر ويقتحم القلعه وبعد قتال ضار يدخلها ويقتل كل من كان فيها من الرجال ويسبى الصبيان والنساء ويسوق البهائم.

في سنة اربعمئة وتسع وعشرين للهجره السلطان مسعود الغزنوي يجهز الجيوش ويفرق فيهم الأموال العظيمة ويسير في مئة الف فارس إلى خراسان بعد ان وصلت أخبار امتلاكها من قبل طغر بك السلجوقي ومعه من الفيلة عددٌ كثير فوصل إلى بلخ ففارقها السلجوقي إلى الجوزجان فقصده مسعود فأنتقل السلجوقي إلى مرو ومنها إلى سرخس وظل السلجوقي هكذا ثلاث سنوات كلما قصده السلطان الغزنوي يتحول إلى مكان اخر في حركه عسكريه مذهله كان يقصد منها اتعاب الجيش الغزنوي.واخيرا التقى الفريقان بين نيسابور ومرو.

بعد اصطفاف الجيشين تحصل منازعة في عسكر الغزنويين على الماء وكانت الوقت صيفا وجرى بينهم فتنة حتى صار بعضهم يقاتل بعضا وبعضهم ينهب بعضا. فعلم السلاجقه بما يدور بعسكر الغزنويين فتقدموا إليهم وحملوا عليهم وهم في ذلك التنازع والقتال والنهب فولوا منهزمين لا يلوون على شيء وكثر القتل فيهم والسلطان مسعود ووزيره ينأديانة م ويأمرانهم بالعود فلا يرجعون وتمت الهزيمة على العسكر. ومضى السلطان الغزنوي مسعود منهزما ومعه نحو مئة فارس فقط.وغنم السلاجقه من العسكر المسعودي ما لا يدخل تحت الإحصاء ولم ينزل عسكر السلاجقه ثلاثة أيام عن ظهور دوابهم لا يفارقونها خوفا من عود العسكر وسار طغرلبك إلى نيسابور فملكها واستولى السلجوقية حينئذ على جميع البلاد فسار بيغو أخو طغرل بك إلى هراة فدخلها وسار اخوه الثاني داود إلى بلخ فملكها أيضا.

في ربيع الأول سنة اربعمئة واثنتين وثلاثين‏ للهجره.‏ سار السلطان مسعود الغزنوي يريد بلاد الهند وأخذ معه أخاه محمدا مسمولا واستصحب الخزائن وكان عازما على الاستنجاد بالهنود على قتال السلجوقية ثقة بعهودهم‏.‏ فلما عبر نهر سيحون مع بعض الخزائن اجتمع أحد  قواده الكبار أنوشتكين البلخي وجمعٌ من الغلمان ونهبوا ما تخلف من الخزانة في الضفة الأولى وأقاموا أخاه المسمول محمدا وسلموا عليه بالإمارة فقبلها مكرها وبقي مسعود في عسكر قليل في الضفة الأخرى.وسرعان ماجهز المسمول محمد الغزنوي الجيوش وعبر إلى اخيه مسعود يروم القتال.

التقى الجمعان فاقتتلوا وعظم الخطب على الطائفتين ثم انهزم عسكر مسعود وتحصن هو في قلعه، فحصره أخوه فامتنع عليه فقالت له أمه‏:‏ إن مكانك لا يعصمك، ولأن تخرج إليهم بعهد خيرٌ من أن يأخذوك قهرا‏.‏  فخرج السلطان الغزنوي إلى اخيه الاصغر محمد والذي سمل عينيه من قبل فقال له أخوه محمد‏:‏ والله لا قابلتك على فعلك بي ولا عاملتك إلا بالجميل فانظر أين تريد أن تقيم حتى أحملك إليه ومعك أولادك وحرمك‏.‏ فاختار قلعة فأنفذه إليها محفوظا وأمر بإكرامه وصيانته‏ ومن الطبيعي ان يفوض محمد أمر دولته كونه ضرير إلى ولده أحمد، فمضى أحمد هذا إلى عمه مسعود والقاه في بئر وهو حي وسد رأسها، ليلقى حتفـه في جوفها.

وصل خبر عزل السلطان الغزنوي مسعود ومن ثم قتله إلى ابنه مودود وهو بخراسان فعاد مجدا في عساكره إلى غزنة فأصطفت جيوشه بإزاء جيوش عمه محمد في ثالث شعبان سنة اربعمئة واثنتين وثلاثين للهجره وبعد قتال عنيف سقطت فيه آلاف القتلى من الفريقين ،انهزم محمد وعسكره وقـبض عليه وعلى ولد ه أحمد وأنوشتكين البلخي فقتلهم وقتل أولاد عمه جميعهم وقتل كل من ساهم في القبض على والد ه، وأطاعت البلاد بأسرها مودودا ورست قدمه وثبت ملكه، ولما سمعت الغز السلجوقية ذلك خافوه واستشعروا منه وراسله ملك الترك بما وراء النهر بالانقياد والمتابعة‏.‏

في العشرين من رجب من سنة اربعمئة وثلاث واربعين للهجره توفي أبو الفتح مودود ابن مسعود ابن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وعمره تسع ٌوعشرون سنة وولي بعده عمه عبد الرشيد ابن محمود بعد ان اخرجوه من السجن. في سنة اربعمئة واربع واربعين للهجره السلطان الغزنوي الجديد عبد الرشيد ابن محمود يرسل قائد جيوشه طغرل لقتال السلاجقه في خراسان.ولكن طغرل هذا وبعد ان جهز جيشه للمضي إلى خراسان ثنى عنانه راجعا إلى غزنه طامعا بالاستيلاء عليها وحينما علم السلطان الغزنوي عود الجيوش بغير علمه علم المكيده، فصعد إلى قلعة المدينه وتحصن بها‏.‏ دخل طغرل المدينه وهدد الموكلين بالقلعه فسلموه إليه فأخذه طغرل وقتله واستولى على البلد وتزوج ابنة مسعود كرها‏. ‏ خرخيز أحد امراء الهنود وكان مقدما في البيت الغزنوى ساءه خروج السلطان من ذلك البيت فتقدم صوب غزنه بالعساكر الكثيره ودخل المدينه عنوة وقتل طغرل. وأقام خرخيز الهندي يدبر الأمور، وأخذ كل من أعان على قتل عبد الرشيد فقتله. وفي صفر من سنة اربعمئة وإحدى وخمسين للهجره إبراهيم ابن مسعود ابن محمود الغزنوي يصبح سلطان غزنه وفي عهده استقر الصلح بينه وبين السلاجقه في خراسان.ليتوجه صوب الهند لاثراء دولته. في سنة اربعمئة واثنتين وسبعين للهجره الملك إبراهيم ابن مسعود ابن محمود بن سبكتكين يتوجه بجيوشه إلى بلاد الهند فحصر قلعة روبال على رأس جبل شاهق وخلفها البحر وليس عليها قتال إلا من مكان ضيق وهو مملوء بالفيلة المقاتلة وبها من رجال الحرب ألوفٌ كثيرة فتابع عليهم الوقائع وألح عليهم بالقتال بجميع أنواع الحرب وأكثر القتل فيهم وسبى واسترق من النسوان والصبيان مئة ألف‏ نفس.‏

أرسلانشاه السلطان الغزنوي الجديد بعد وفاة والده يقبض على إخوته فيقتل بعضهم ويسجن البعض الاخر دون أن يخالفوه في شيء.ونجا من المذبحه اخٌ له يقال له بهرام. قصد بهرام هذا السلطان السلجوقي سنجر مستعينا به على اخيه وكان السلاجقه قد سيطروا على بلاد ماوراء النهر وخراسان كلها. فتجهز سنجر للمسير إلى غزنة وإقامة بهرامشاه في الملك‏ بدل اخيه ارسلان شاه.‏ سمع السلطان الغزنوي ارسلان شاه بتقدم الجيوش السلجوقيه فبعث بالرسل تبذل لهم الاموال ليتركوا غزنه وحالها ولكن السلطان  السلجوقي يأبى الا خلع السلطان الغزنوي ارسلان شاه.

وصلت الجيوش السلجوقيه إلى أبواب غزنه وكان السلطان الغزنوي أرسلان شاه وبعد ان يأس من الصلح قد جهز ثلاثين ألف فارس وخلقا كثيرا من الراجلة ومعه مئة ٌ وعشرون فيلا على كل فيل أربعة رجال فحملت الفيلة على القلب وفيه سنجر فأنهزمت الجيوش السلجوقيه بادئ الامر. فصاح سنجر بقواده وجنده يشجعهم ويخوفهم من الهزيمة مع بعد ديارهم. وترجل عن فرسه بنفسه وقصد كبير الفيلة ومتقدمها ودخل تحتها فشق بطنها ‏.وقال لغلمانه الأتراك ليرموها بالنشاب فتقدم ثلاثة آلاف غلام فرموا الفيلة رشقا واحدا فقتلوا عددا منها فعدلت الفيلة هلعة عن القلب إلى الميسرة.‏ امر السلطان السلجوقي سنجر كبير قواده انر ليحمل من وراء عسكر غزنة فكانت الهزيمة على الغزنوية وهلك جنود غزنه قتلا بالسيف‏ أو تحت اقدام الفيله المرتعبه.‏ ودخل السلطان سنجر غزنة في العشرين من شوال سنة خمسمئة وعشره للهجره ومعه بهرامشاه‏ ليقيمه سلطانا عليها وليخطب لاول مرة فيها للسلطان السلجوقي. وفي جمادي الاخره سنة خمسمئة واثنتي عشرة للهجره قبض بهرام على اخيه ارسلان شاه فخنقه بيديه ودفنه بغزنه وكان عمره انذاك سبعا وعشرين سنة.

في سنة خمسمئة وسبع واربعين للهجره توفي السلطان الغزنوي بهرام شاه ونصب بعده ابنه خسروشاه سلطانا للغزنويين. وفي سنة خمسمئة وخمسين للهجره طامحٌ جديد هو علاء الدين الحسين ابن الحسين الغوري نسبة إلى جبال الغور قرب كابل الآن والذي سيأسس الدولة الغوريه التي ستبتلع دولة الغزنوين لاحقا. يعد الجيوش قاصدا عاصمة الغزنويين بعد ان قوي امره في شمالها. سمع السلطان الغزنوي بمسير جيوش الغوريين صوب عاصمته غزنه.ففر مرتعبا مع خاصته إلى مدينة لاهور. دخل علاء الدين الحسين ابن الحسين الغوري إلى غزنه واباحاها ثلاثة ايام نهبا لجنده، فيما القى الرجال والنساء من على رؤوس الجبال في مذبحة مروعه. واخذ معه من تبقى من أهل غزنة وامرهم ان يرافقوا الجيش في مسيره بعد ان حملهم اكياسا مليئة بالتراب.

في ربيع سنة خمسمئة وتسع وسبعين للهجره سارت جيوش الغوريين في جمع عظيم وحشد كثير من خراسان نحو اخر معقل للغزنويين في مدينة لاهور وحاصروها. ارسل السلطان الغوري إلى السلطان الغزنوي المحاصر خسروشاه وإلى أهلها يتهددهم إن منعوه وأعلمهم أنه لايزول حتى يملك البلد. وبعد ادامة الحصار لعدة أشهر ،عانى المحاصرون شتى أنواع العذاب، وضجت الناس وضعفت نياتـهم في المقاومه ومالوا إلى الخذلان. ولما رأى ذلك السلطان الغزنوي المحاصر أرسل القاضي والخطيب يطلبان له الأمان من السلطان شهاب الدين الغوري فأجابه إلى ذلك وأعادهما اليه مع كتاب فيه قسم غليظ على بذل الامان والسلامه له ولولد ه. خرج خسروشاه اخر السلاطين الغزنوين إلى السلطان الغوري شهاب الدين وبيده كتاب الامان وبعد ان أصبح في قبضة يده حنث السلطان الغوري بيمينه وذبح السلطان الغزنوي وولد ه جميعا.

وهكذا انزوت دولة الغزنويين العملاقه في تلافيف التاريخ بعد ان حكمت معظم إيران الحاليه وبلاد ماوراء النهر وباكستان الحاليه وافغانستان وشمال دولة الهند أكثر من قرنين من الزمان.

ورد في “الكامل في التاريخ ” لابن الأثير:

” ملك سبكتكين مدينة غزنة وأعمالها وكان ابتداء أمره أنه كان من غلمان أبي إسحاق بن البتكين صاحب جيش غزنة للسامانية وكان مقدما عنده وعليه مدار أمره وقدم إلى بخارى أيام الأمير منصور بن نوح مع أبي إسحاق فعرفه أرباب تلك الدولة بالعقل والعفة وجودة الرأي والصرامة وعاد معه إلى غزنة فلم يلبث أبو إسحاق أن توفي ولم يخلف من أهله وأقاربه من يصلح للتقدم فاجتمع عسكره ونظروا فيمن يلي أمرهم ويجمع كلمتهم فاختلفوا ثم اتفقوا على سبكتكين لما عرفوه من عقله ودينه ومروءته وكمال خلال الخير فيه فقدموه عليهم وولوه أمرهم وحلفوا له وأطاعوه فوليهم وأحسن السيرة فيهم وساس أمورهم سياسة حسنة وجعل نفسه كأحدهم في الحال والمال وكان يذخر من إقطاعه ما يعمل منه طعاما لهم في كل أسبوع مرتين‏.‏

 ثم إنه جمع العساكر وسار نحو الهند مجاهدا وجرى بينه وبين الهنود حروب يشيب لها الوليد وكشف بلادهم وشن الغارات عليها وطمع فيها وخافه الهنود ففتح من بلادهم حصونا ومعاقل وقتل منهم ما لا يدخل تحت الإحصاء‏.‏

 واتفق له في بعض غزواته أن الهنود اجتمعوا في خلق كثير وطاولوه الأيام وماطلوه القتال فعدم الزاد عند المسلمين وعجزوا عن الامتيار فشكوا إليه ما هم فيه فقال لهم‏:‏ إني استصحبت لنفسي شيئا من السويق استظهارا وأنا أقسمه بينكم قسمة عادلة على السواء إلى أن يمن الله بالفرج فكان يعطي كل إنسان منهم ملء قدح معه ويأخذ لنفسه مثل أحدهم فيجتزئ به يوما وليلة وهم مع ذلك يقاتلون الكفار فرزقهم الله النصر عليهم والظفر بهم فقتلوا منهم وأسروا .

 ذكر ولاية سبكتكين على قصدار وبست

 ثم إن سبكتكين عظم شأنه وارتفع قدره وحسن بين الناس وذكره وتعلقت الأطماع بالاستعانة به فأتاه بعض الأمراء الكبار وهو صاحب بست واسمه طغان مستعينا به مستنصرا‏.‏

 وسبب ذلك أنه خرج عليه أمير يعرف ببابي تور فملك مدينة بست عليه وأجلاه عنها بعد حرب شديدة فقصد سبكتكين مستنصرا به وضمن له مالا مقررا وطاعة يبذلها له فتجهز وسار معه حتى نزل على بست وخرج إليه بابي تور فقاتله قتالا شديدا ثم انهزم بابي تور وتفرق هو وأصحابه وتسلم طغان البلد‏.‏

 فلما استقر فيه طالبه بكتكين بما استقر عليه من المال فأخذ في المطل فأغلظ له في القول لكثرة مطله فحمل طغان جهله على أن سل السيف فضرب يد سبكتكين فجرحها فأخذ سبكتكين السيف وضربه أيضا فجرحه وحجز العسكر بينهما وقامت الحرب على ساق فانهزم طغان واستولى سبكتكين على بست‏.‏

 ثم إنه سار إلى قصدار وكان متوليها قد عصى عليه لصعوبة مسالكها وحصانتها وظن أن ذلك يمنعه فسار إليه جريدة مجدا فلم يشعر إلا والخيل معه فأخذ من داره ثم إنه من عليه ورده إلى ولايته وقرر عليه مالا يحمله إليه كل سنة‏.‏

 ذكر مسير الهند إلى بلاد الإسلام

 وما كان منهم مع سبكتكين لما فرغ سبكتكين من بست وقصدار غزا الهند فافتتح قلاعا حصينة على شواهق الجبال وعاد سالما ظافرا‏.‏

 ولما رأى جيبال ملك الهند ما دهاه وأن بلاده تملك من أطرافها أخذه ما قدم وحدث فحشد وجمع واستكثر من الفيول وسار حتى اتصل بولاية سبكتكين وقد باض الشيطان في رأسه وفرخ فسار سبكتكين عن غزنة إليه ومعه عساكره وخلق كثير من المتطوعة فالتقوا واقتتلوا أياما كثيرة وصبر الفريقان‏.‏

 وكان بالقرب منهم عقبة غورك وفيها عين ماء لا تقبل نجسا ولا قذرا وإذا لقي فيه شيء من ذلك اكفهرت السماء وهبت الرياح وكثر الرعد والبرق والأمطار ولا تزال كذلك إلى أن تطهر من الذي ألقي فيها فأمر سبكتكين بإلقاء نجاسة في تلك العين فجاء الغيم والرعد والبرق وقامت القيامة على الهنود لأنهم رأوا ما لم يروا مثله وتوالت عليهم الصواعق والأمطار واشتد البرد حتى هلكوا وعميت عليهم المذاهب واستسلموا لشدة ما عاينوه‏.‏

 وأرسل ملك الهند إلى سبكتكين يطلب الصلح وترددت الرسل فأجابهم إليه بعد امتناع من ولده محمود على مال يؤديه وبلاد يسلمها وخمسين فيلا يحملها إليه فاستقر ذلك ورهن عنده جماعة من أهله على تسليم البلاد وسير معه سبكتكين من يتسلمها فإن المال والفيلة كانت معجلة فلما أبعد جيبال ملك الهند قبض على من معه من المسلمين وجعلهم عنده عوضا عن رهائنه‏.‏
 
 فلما سمع سبكتكين بذلك جمع العساكر وسار نحو الهند فأخرب كل ما مر عليه من بلادهم وقصد لمغان وهي من أحصن قلاعهم فافتتحها عنوة وهدم بيوت الأصنام وأقام فيها شعار الإسلام وسار عنها يفتح البلاد ويقتل أهلها فلما بلغ ما أراده عاد إلى غزنة‏.‏

 فلما بلغ الخبر إلى جيبال سقط في يده وجمع العساكر وسار في مائة ألف مقاتل فلقيه سبكتكين وأمر أصحابه أن يتناوبوا القتال مع الهنود ففعلوا ذلك فضجر الهنود من دوام القتال معهم وحملوا حملة واحدة فعند ذلك اشتد الأمر وعظم الخطب وحمل أيضا المسلمون جميعهم واختلط بعضهم ببعض فانهزم الهنود وأخذهم السيف من كل جانب وأسر منهم ما وذل الهنود بعد هذه الوقعة ولم يكن لهم بعدها راية ورضوا بأن لا يطلبوا في أقاصي بلادهم ولما قوي سبكتكين بعد هذه الوقعة أطاعه الأفغانية والخلج وصاروا في طاعته‏.‏

ورد في “تاريخ ابن خلدونالمجلد الرابع:

” هذه الدولة من فروع دولة بني سامان وناشئة عنها. وبلغت من الاستطالة والعزّ المبالغ العظيمة، واستولت على ما كانت دولة بني سامان عليه في عدوتي جيحون وما وراء النهر وخراسان وعراق العجم وبلاد الترك، وزيادة بلاد الهند. وكان مبدأ أمرهم عن غزنة. وذلك أنّ سبكتكين من موالي بني التيكين. وكان التيكين من موالي بني سامان، وكان في جملته، وولاّه حجابته، وورد بخارى أيام السعيد منصور بن نوح وهو إذ ذاك حاجبه. ثم توفي التيكين هذا، وعقد له السعيد منصور بن نوح سنة خمس وستين وثلاثمائة، وولّى إبنه نوح، ويكّنى أبا القاسم، واستوزر أبا الحسن العتبي، وولى على نيسابور أبا الحسن محمد بن سيجور. وكان سبكتكين شديد الطاعة له والقيام بحاجاته. وطرقت دولة بني سامان النكبة من الترك، واستولى بقراخان عل! بخارى من يد الأمير نوح. ثم رجع إليها، ومات أبو الحسن بن سيجور، وولي مكانه بخراسان ابنه أبو علي. واستبدّ على الأمير نوح في الاستيلاء على خراسان عند نكبة الترك. فلما عاد الأمير نوح إلى كرسيه وثبت في الملك قدمه كاشفه أبو علي في خراسان بالانتقاض، واستدعى أبا منصور سبكتكين يستمده على أبي علي ويستعين به في أحوال الدولة فبادر لذلك، وكان له المقام المحمود فيه. وولاّه الأمير نوح خراسان فدفع عنها أبا علي. ثم استبد بعد ذلك على بني سامان بها. ثم غلبهم على بخارى وما وراء النهر، ومحا اثر دولتهم وخلفهم أحسن خلف، وأورث ذلك بنيه. واتصلت دولتهم في تلك الأعمال إلى أن ظهر الغزّ، وملك الشرق والغرب بنو سلجوق منهم فغلبوهم على أمرهم، وملكوا تلك الأعمال جميعا من أيديهم حسبما يذكر ذلك كله. ولنبدأ الان بسبكتكين من الجهاد في بلاد الهند قبل ولايته خراسان. 

فتح بست:

كانت بست هذه من أعمال سجستان وفي ولايتها. ولما فسد نظام تلك الولاية بانقراض دولة بني الصفّار، واخترقت تلك العمالات طوائف فانفرد ببست أمير اسمه طغان. ثم غلبه عليها آخر إسمه كان، يكنى بأبي ثور فاستصرخ طغان سبكتكين على مال ضمنه على الطاعة والخدمة، فسار سبكتكين إلى بست وفتحها، وأخذ الوزير أبا الفتح علي بن محمد البستيّ الشاعر المشهور فأحضره واستكتبه، وكتب لابنه محمود من بعده. ثم استخلف سبكتكين وسار إلى قصدار من ورائها فملكها وتقبض على صاحبها. ثم أعاده إلى ملكه على مال يؤدّيه، وطاعة يبذلها له.

غزو الهند:

ثم سار سبكتكين بعدما فتح بست، وقصد غازيا بلاد الهند، وتوغل فيها حتى افتتح بلادا لم يدخلها أحد من بلاد الإسلام. ولما سمع به ملك الهند سار إليه في جيوشه، وقد عبى العساكر والفيلة على عادتهم في ذلك بالتعبية المعروفة بينهم. وانتهى إلى لمغان من ثغوره، وتجاوزه؟ وزحف إليه سبكتكين من غزنة في جموع المسلمين. والتقى الجمعان، ونصر الله المسلمين، وأسر ملك الهند وفدى نفسه على ألف ألف درهم، وخمسين فيلا، ورهن في ذلك من قومه. وبعث معه رجالا لقبض ذلك فغدر بهم في طريقه. وتقبض عليهم فسار سبكتكين في تعبيته إلى الهند فقبض كل من لقيه من جموعهم، وأثخن فيهم. وفتح لمغان وهدمها، وهي ثغر الهند مما يلي غزنة فاهتز لذلك جيبال واحتشد، وسار إلى سبكتكين  فكانت بينهم حرب شديدة. وانهزم جيبال وجموع الكفر، وخمدت شوكتهم، ولم يقم لملوك الهند بعدها معه قاثمة. ثم صرف وجهه إلى إعانة سلطانه الأمير نوح كما نذكر.

ولاية سبكتكين علي خراسان:

قد قدّمنا أن الأمير نوح بن منصور لما طرقته النكبة ببخارى من الترك، وملكها عليه بقراخان، عبر النهر إلى آمل الشطّ واستصرخ ابن سيجور صاحب خراسان وفائقا صاحب بلخ فلم يصرخاه، وبلغه مسير بقراخان عن بخارى فأغذّ السير إليها، وارتجع ملكه كما كان. وهلك بقراخان فثبت قدمه في سلطانه، وارتاب أبو علي وفائق بأمرهم عنده، وغلط فائق بالمبادرة إلى بخارى للتهنئة والتقدّم في الدولة من غير إذن في ذلك، فسّرح الأمير نوح غلمانه ومواليه فحاربوه، وملكوا بلخا من يده. ولحق بأبي علي بن سيجور فاستظهر به على فتنة الأمير نوح، وذلك سنة أربع وثمانين. فكتب الأمير نوح عند ذلك إلى سبكتكين يستدعيه للنصرة عليهما، وعقد له على خراسان وأعمالها، وكان في شغل شاغل من الجهاد بالهند كما ذكرناه فبادر لذلك. وسار إلى نوح فلقيه، واتفق معه. ثم رجع إلى غزنة، واحتشد وسار هو وابنه محمي، ولقيا الأمير نوحا بخراسان في الموضع الذي تواعد معه، ولقيهم أبو علي بن سيجور وفائق فهزمهما. وفتك فيهم أصحاب سبكتكين واتبعوهم إلى نيسابور، ثم صدوهم عنها إلى جرجان. واستولى نوح على نيسابور؟ واستعمل عليها وعلى جيوش خراسان محمود بن سبكتكين، وأنزله بها، ولّقبه سيف الدولة. وأنزل أباه سبكتكين بهراة، ولقّبه ناصر الدولة ورجع إلى بخارى. 

الفتنة بين سيجور وفائق بخراسان وظهور سبكتكين وابنه محمود عليهم:

ولما رجع نوح إلى بخارى، وطمع أبو علي بن سيجور وفائق في انتزاع خراسان من يد سبكتكين وابنه. وبادروا إلى محمود بن سبكتكين بنيسابور سنة خمس وثمانين وثلثمائة، وأعجلوه عن وصول المدد إليه من إبنه سبكتكين. وكان في قلّة فانهزم إلى أبيه بهراة، وملك أبو علي نيسابور؟ وسار إليه سبكتكين في العساكر، والتقوا بطوس فانهزم أبو علي وفائق حتى انتهيا إلى آمل الشطّ. واستعطف أبو علي الأمير نوحا فاستدعاه وحبسه، ثم بعث به إلى سبكتكين وحبسه عنده، ولحق فائق بملك الترك ايلك خان في كاشغر، وشفع فيه إلى الأمير نوح فولاه سمرقند كما مر ذلك كله في أخبارهم. وكان أبو القاسم أخو أبي علي قد نزع إلى سبكتكين يوم اللقاء فأقام عنده مدّة مديدة. ثم انتقض وزحف إلى نيسابور فجاء محمود بن سبكتكين فهرب، ولحق بفخر الدولة بن بويه فأقام عنده، واستولى سبكتكين على خراسان.

مزاحفة سبكتكين وايلك خان:

كان ايلك خان ولي بعد بقراخان على كاشغر وشاغور، وعلى أمم الترك، وطمع في أعمال الأمير نوح كما طمع أبوه، ومد يده إليها شيئا فشيئا. ثم اعتزم على الزحف إليه فكتب الأمير نوح إلى سبكتكين بخراسان يستجيشه على ايلك خان فاحتشد، وعبر النهر، وأقام بين نسف وكشف حتى لحقه ابنه محمود بالحشود من كل جهة، وهنالك وصله أبو علي بن سيجور مقيدا، بعث به إليه الأمير نوح فأبى من ذلك، وجمع ايلك خان أمم الترك من سائر النواحي. وبعث سبكتكين إلى الأمير نوح يستحثّه فخام عن اللقاء، وبعث قواده وجميع عساكره وجعلهم لنظره وفي تصريفه فألحّ عليه سبكتكين، وبعث أخاه بغراجق وابنه محمودا لاستحثاثه فهرب الوزير ابن عزيز خوفا منهم، وتفادى نوح من اللقاء فتركوه، وفت ذلك في عزم سبكتكين. وبعث ايلك خان في الصلح فبادر سبكتكين وبعث أبا القاسم. ثم ارتاب به عند عبوره إلى ايلك خان فحبسه مع أبي علي وأصحابه حتى رجع سبكتكين من طوس إلى بلخ فبلغ الخبر بمقتلهم، ووصل نعي مأمون بن محمد صاحب الجرجانية بخوارزم غدر به صاحب جيشه في صنيع أعده له وقتله، ووصل خبر الأمير نوح اثرهما وأنه هلك منتصف رجب سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.

أخبار سبكتكين مع فخر الدولة بن بويه:

كان أبو علي بن سيجور وفائق لما هزمهما سبكتكين لحقا بجرجان عند فخر الدولة بن بويه. ثم لمّا أجلب أبو القاسم على خراسان، وسار إليه محمود بن سبكتكين، وعمّه بغراجق وكان معه أبو نصر بن محمود الحاجب فهربا إلى فخر الدولة، وأقاما في نزله وتحت حرابه بقومس والدّامغان وجرجان، وأناخ سبكتكين على طوس. ثم وقعت المهاداة بينه وبين فخر الدولة بن بويه صاحب الريّ، وكان آخر هدية من سبكتكين جاء بها عبد الله الكاتب من ثغابة. ونمي إلى فخر الدولة أنه يتجسّس عدد الجند، وغوامض الطرق فبعث إلى سبكتكين بالعتاب في ذلك. ثم ضعف الحال بينهما، واتصل ما بين فخر الدولة والأمير نوح على يد سبكتكين.

وفاة سبكتكين وولاية ابنه إسمعيل  :

ولما فرغ سبكتكين من أمر ايلك خان ورجع إلى بلخ وأقام بها قليلا طرقه المرض فبادر به إلى غزنة، وهلك في طريقه في شعبان سنة سبع وثمانين لعشرين سنة من ملكه في غزنة وخراسان، ودفن بغزنة. وكان عادلا خيرا حسن العهد محافظا على الوفاء كثير الجهاد. ولما هلك بايع الجند لابنه إسمعيل بعهده إليه، وكان أصغر من محمود فأفاض فيهم العطاء وانعقد أمره بغزنة.

استيلاء محمود بن سبكتكين علي ملك أبيه وظفره بأخيه إسمعيل:

ولما ولي إسمعيل بغزنة استضعفه الجند واستولوا عليه، واشتطوا عليه في الطلب حتى أنفذ خزائن أبيه، وكان أخوه محمود بنيسابور فبعث إليه أن يكتب له بالأعمال التي لنظره مثل بلخ فأبى، وسعى أبو الحرب والي الجوزجان في الإصلاح بينهما فامتنع إسمعيل، فسار محمود إلى هراة معتزما عليه، وتحيّز معه عمه بغراجق. ثم سار إلى بست وبها أخوه نصر فاستماله، وساروا جميعا إلى غزنة. وقد كتب إليه الأمراء الذين مع إسمعيل واستدعوه ووعدوه بالطاعة. وأغذ السير ولقيه إسمعيل بظاهر غزنة فاقتتلوا قتالا شديدا. وانهزم إسمعيل واعتصم بقلعة غزنة. واستولى محمود على الملك وحاصر أخاه إسمعيل حتى استنزله على الأمان فأكرمه وأشركه في سلطانه، وذلك لسبعة أشهر من ولاية إسمعيل، واستقامت الممالك لمحمود ولقب بالسلطان، ولم يلقّب به أحد قبله ثم سار إلى بلخ.

استيلاء محمود علي خراسان:

لما ولي أبو الحارث منصور بعد نوح استوزر محمد بن إبراهيم، وفوّض أمره إلى فائق كفالة وتدبيرا لصغره. وكان عبد الله بن عزيز قد هرب من بخارى عند قدوم محمد إليها في استحثاث الأمير نوح للقاء ايلك خان كما مرّ، فلما مات الأمير نوح وولي ابنه منصور أطمع عزيز أبا منصور محمد بن الحسين الأسفيجابي في قيادة الجيش بخراسان، وجمله على الانحدار به إلى بخارى مستغيثا بأيلك خان على غرضه، فنهض ايلك خان لمصاحبتهما، وسار بهما كأنه يريد سمرقند. ثم قبض على أبي منصور وابن عزيز وأحضر فائقا وأمره بالمسير على مقدّمته إلى بخارى فهرب أبو الحارث، وملك فائق بخارى، ورجع ايلك خان. واستدعى فائق أبا الحارث فاطمأن، وبعث من مكانه بكثرزون الحاجب الأكبر على خراسان ولقّبه بستان الدولة، ورجع إلى بخارى فتلقاه فائق، وقام بتدبير دولته. وكانت بينه وبين بكثرزون ضغن فأصلح أبو الحارث بينهما، وأقام بكثرزون وجبى الأموال، وزحف إليه أبو القاسم بن سيجور، وكانت بينهما الفتنة التي مرّ ذكرها.

وجاء محمود إلى بلخ بعد فراغه من فتنة أخيه إسمعيل، فبعث إلى أبي الحارث منصور رسله وهداياه، فعقد له على بلخ وترمذ وهراة وبست. واعتذر عن نيسابور فراجعه مع ثقته أبي الحسن الحمولي فاستخلصه أبو الحارث لوزارته، وقعد عن رسالة صاحبه فأقبل محمود إلى نيسابور، وهرب عنها بكثرزون فنهض أبو الحارث إلى نيسابور، فخرج محمود عنها إلى مرو الروذ، وجمع أبو الحارث وكحلة وبكثرزون، وبايعوا لأخيه عبد الملك بن نوح.

وبعث محمود إلى فائق وبكثرزون بالعتاب على صنيعهما بالسلطان، وزحف إليهما فبرزا من مرو للقائه. ثم سألوه الإبقاء فأجاب وارتحل عنهم، وبعض أوباشهم في أعقابه فرجع إليهم. 

وحشدوا الناس للقائه فهزمهم وافترقوا فسار عبد الملك إلى بخارى وبكثرزون إلى نيسابور، وكان معهم أبو القاسم بن سيجور. ولحق بقهستان، واستولى محمود على خراسان وذلك سنة تسع وثمانين وثلثمائة.

ثم سار إلى طوس، وهرب بكثرزون إلى جرجان، وبعث محمود ارسلان الحاجب في اثره فأخرجه من نواحي خراسان فولّى ارسلان على طوس، وسار إلى هراة لمطالعة أحوالها فخالفه بكثرزون إلى نيسابور، وملكها. ورجع فطرده عنها أبو القاسم بن سيجور وملكها، وولّي محمود أخاه نصر بن سبكتكين قيادة الجيوش بخراسان، وأنزله بنيسابور. ثم سار إلى بلخ فأنزل بها سريره. ثم استراب بأخيه إسمعيل فاعتقله ببعض القلاع موسعا عليه، وكتب بالبيعة للقادر الخليفة من بني العبّاس فبعث إليه بالخلع والألوية على العادة. وأقام بين يديه السماطين، واستوثق له ملك خراسان، وبقي يردّد الغزو إلى الهند كل سنة.

استيلاء محمود علي سجستان:

كان خلف بن أحمد صاحب سجستان في طاعة بنى سامان ، ولما شغل عنه بالفتن استفحل أمره، وشغل للاستبداد فلما سار سبكتكين للقاء ملك الهند كما مرّ، اغتنم الفرصة من بست، وبعث إليها عسكرا فملكوها وجبوها. ولما رجع سبكتكين من الهند ظافرا تلقّاه بالمعاذير والتعزية والهدايا والطاعة فقبل وأعرض عنه، وارتهن عنده على طاعته. وسار معه الحارث أبو علي بن سيجور بخراسان فملأ يده ويد عسكره بالعطاء، وبتقدّمه لقتال ايلك خان بما وراء النهر كما مرّ فدسّ إلى ايلك خان يغريه بسبكتكين. واعتزم سبكتكين على غزو سجستان، ثم أدركه الموت فاغتنم خلف الفرصة وبعث طاهرا إلق قهستان وبوشنج فملكها، وكاتب البغراجق أخا سبكتكين. فلما فرغ محمود من شأن خراسان، بعث لبغراجق عمه بانتزاع قهستان وبوشنج، فسار إلى طاهر فهزمه واتبعه، وكّر عليه طاهر فقتله وانهزم الفريقان. وزحف محمود إلى خلف سنة تسعين وثلاثمائة فامتنع في حصن بلد، وهي قلعة عالية منيعة، وحاصره بها حتى لاذ بالطاعة.

وبذل مائة ألف دينار فأفرج عنه وسار إلى الهند فتوغّل فيها، وانتهى في اثني عشر ألف فارس، وثلاثين ألف راجل فاختار محمود من عساكره خمسة عشر ألفا، وسار لقتال جميال فهزمه وأسره في بنيه وحفدته وكثير من قرابته، ووجد في سلبه مقلد من فصوص يساوي مائة ألف دينار وأمثال ذلك، فوزّعها على أصحابه، وكان الأسرى والسبي خمسمائة ألف رأس، وذلك سنة إثنتين وتسعين وثلثمائة. وفتح من بلاد الهند بلادا أوسع من بلاد خراسان. ثم فادى جيبال ملك الهند نفسه بخمسين رأسا من الفيلة ارتهن فيها إبنه وحافده، وخرج إلى بلده فبعث إلى إبنه أندبال وشاهينة وراء سيجور فأعطوه تلك الفيلة، وسار لا يعود له ملك. وسار السلطان محمود إلى ويهند فحاصرها وافتتحها، وبعث العساكر لتدويخ نواحيها فأثخنوا في القتل في أوباش كانوا مجتمعين للفساد، مستترين بخمر الغياض فاستلحموهم.

ورجع السلطان محمود إلى غزنة. وكان خلف بن أحمد عند منصرف السلطان عنه أظهر النسك، وولّى ابنه طاهرا على سجستان فلما طالت غيبة السلطان، أراد الرجوع إلى ملكه فلم يمكّنه إبنه فتمارض وبعث إليه بالحضور للوصية، والاطلاع على خبايا الذخيرة. فلما حضر اعتقله، ثم قتله كما مرّ.

وجزعت نفوس قواده لذلك وخافوه، وبعثوا للسلطان محمود بطاعتهم ما بقيت له الدعوة في سجستان سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة. وسار السلطان محمود إلى خلف فامتنع منه في معقله بحصن الطاق، وهو في رأس شاهق تحيط به سبعة أسوار عالية، ويحيط به خندق بعيد المهوى، وطريقه واحدة على جسر فجثم عليه أشهرا. ثم فرض على أهل العسكر فطع الشجر التي تليه، وطم بها الخندق. وزحف إليه، وقدّم الفيول بين يديه على تعبيتها فحطم الفيل الأعظم على باب الحصن فقلعه ورمى به. وفشا القتل في أصحاب خلف، وتماسكوا داخل الباب يتناضلون بأحجار المجانيق والسهام والحراب فرأى خلف هول المطلع فأثاب واستأمن، وخرج إلى السلطان وأعطاه كثيرا من الذخيرة فرفع من قدره وخّيره في مقاماته فاختار الجوزجان، فأذن له في المسير إليها على ما بينه وبين ايلك خان من المداخلة.

ثم هلك خلف سنة تسع وتسعين وثلثمائة، وأبقى السلطان على ولده عمر، وكان خلف كثير الغاشية من الوافدين والعلماء، وكان محسنا لهم. ألف تفسيرا جمع له العلماء من أهل ايالته، وأنفق عليهم عشرين ألف دينار، ووضعه في مدرسة الصابوني بنيسابور. ونسخه يستغرق عمر الكاتب إلا أن يستغرق في النسخ. واستخلف السلطان على سجستان أحمد الفتحي من قوّاد أبيه ورجع إلى غزنة. ثم بلغه انتقاض أحمد بسجستان فسار إليهم في عشرة آلاف، ومعه أخوه صاحب الجيش أبي المظفّر نصر والتوتناش الحاجب وزعيم العرب أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الطائي فحاصرهم، وفتحها ثانية، ش ولى عليها أخاه صاحب الجيش نصر بن سبكتكين مضافة إلى نيسابور فاستخلف عليها وزيره أبا منصور نصر بن إسحق. وعاد السلطان محمود إلى بلخ مضمرا غزو الهند. هكذا مساق خبر السلطان محمود مع خلف بن أحمد، وخبر سجستان عند العيني. وأمّا عند ابن الأثير فعلى ما وقع في أخبار دولة بني الصفار.

غزوة بهاطية والملتان وكوكبر:

ولما فرغ السلطان محمود من سجستان اعتزم على غزو بهاطية من أعمال الهند، وهي وراء الملتان، مدينة حصينة عليها نطاق من الأصبوان، وآخر من الخنادق، بعيدة المهوى. وكانت مشحونة بالمقاتلة والعدّة، وإسم صاحبها بجير فعبر السلطان إليها جيحون، وبرز إليه بجير فاقتتلوا بظاهر بهاطية ثلاثة أيام. ثم انهزم بجير وأصحابه في الرابع. وتبعهم المسلمون إلى باب البلد فملكوه عليهم، وأخذتهم السيوف من أمامهم ومن ورائهم فبلغ القتل والسبي والسلب والنهب فيهم مبالغه. وسار بجير في رؤوس الجبال فستر في شعابها وبعث السلطان سرية في طلبه فأحاطوا به، وقتلوا من أصحابه. ولما أيقن بالهلكة قتل نفسه بخنجر معه، وأقام السلطان محمود في بهاطية حتى أصلح أمورها، واستخلف عليها من يعلم أهلها قواعد الإسلام، ورجع إلى غزنة فلقي في طريقه شدّة من الأمطار في الوحل وزيادة المدد في الأنهار، وغرق كثير من عسكره.

ثم بلغه عن أبي الفتوح والي الملتان أنه ملحد، وأنه يدعو أهل ولايته إلى مذهبه فاعتزم على جهاده، وسار كذلك. ومنعه سيجور من العبور لكثرة المدد فبعث السلطان إلى اندبال ملك الهند في أن يبيح له العبور إلى بلاده لغزو الملتان، فأبى فبدأ بجهاده، وسار في بلاده ودوخّها. وفّر اندبال بين يديه، وهو في طلبه إلى أن بلغ كشمير. ونقل أبو الفتوح أمواله على الفيول إلى سرنديب، وترك الملتان فقصدها السلطان، وامتنع أهلها فحاصرهم حتى افتتحها عنوة، وأغرمهم عشرين ألف ألف درهم عقوبة لهم على عصيانهم.

ثم سار إلى كوكبر واسم صاحبها بيدا، وكان بها ستمائة صنم فافتتحها، وأحرق أصنامها. وهرب صاحبها إلى قلعته وهي كاليجار، وهو حصن كبير يسع خمسمائة ألف إنسان، وفيه خمسمائة وعشرون ألف راية، وهو مشحون بالأقوات، والمسالك إليه متعذرة بخمر الشجر، وملتف الغياض فأمر بقطع الأشجار حتى اتضحت المسالك. واعترضه دون الحصن واد بعيد المهوى فطمّ منه عشرين ذراعا بالأجربة المحشوة بالتراب، وصيره جسرا ومضى منه إلى القلعة، وحاصرها ثلاثة وأربعين يوما حتى جنح صاحبها إلى السلم. وبلغ السلطان أن ايلك خان مجمع على غزو خراسان فصالح ملك الهند على خمسين فيلا وثلاثة آلاف من الفضة. وخلع عليه السلطان فلبس خلعته وشد منطقته. ثم قطع خلعته وأنفذها إلى السلطان، وتبعه بما عقد معه، وعاد السلطان إلى خراسان بعد أن كان عازما على التوغّل في بلاد الهند.

مسير ايلك خان إلى خراسان وهزيمته:

كان السلطان محمود لما ملك ايلك خان بخارى كما مرّ، وكتب إليه مهنئا، وتردّد السفراء بينهما في الوصلة، وأوفد عليه سهل بن محمد بن سليمان الصعلوكي إمام الحديث، ومعه طغان جقّ والي سرخس، في خطبة كريمته بهدية فاخرة من سبائك العقيان واليواقيت والدّر والمرجان والوشي والحمر، وصواني الذهب مملوءة بالعنبر والكافور والعود والنصول، وأمامه الفيول تحت الخروج المغشّاة فقوبلت الهدية بالقبول، والوافد بالتعظيم له ولمن أرسله. وزفّت المخطوبة بالهدايا والألطاف، واتحدت الحال بين السلطانين. ولم يزل السعاة يغرون ما بينهما حتى فسد ما بينهما، فلما سار السلطان محمود إلى الملتان اغتنم ايلك خان الفرصة، وبعث سباسي تكين قريبه وقائد جيشه إلى خراسان، وبعث معه أخاه جعفر تكين وذلك سنة تسعين فملك بلخا وأنزل بها جعفر تكين. وكان ارسلان الحاجب بهراة أنزله السلطان بها، وأمره إذا دهمه أن ينحاز إلى غزنة. وقصد سباسي هراة وسكنها، وندب الحسين بن نصر إلى نيسابور فملكها، ورتب العمّال واستخرج الأموال.

وطار الخبر إلى السلطان بالهند، وقصد بلخ فهرب جعفر تكين إلى ترمذ، واستقر السلطان ببلخ وسرح ارسلان الحاجب في عشرة آلاف من العساكر إلى سباسي تكين بهراة فسار سباسي إلى مرو، واعترضه التركمان، وقاتلهم فهزمهم وأثخن فيهم. ثم سار إلى أبيورد، ثم إلى نسا وارسلان في اتباعه حتى انتهى إلى جرجان فصد عنها، وركب قلل الجبال والغياض، وتسلط الكراكلة على أثقاله ورجاله، واستأمن طوائف من أصحابه إلى قابوس لعدم الظهر. ثم عاد إلى نسا وأصدر ما معه إلى خوارزم شاه أبي الحسن علي بن مأمون، وديعة لأيلك خان، واقتحم المفازة إلى مرو فسار السلطان لاعتراضه، ورماه محمد بن سبع بمائة من القواد حملوا إلى غزنة.

ونجا سباسي تكين في فلّ من أصحابه فعبر النهر إلى ايلك خان. وقد كان ايلك خان بعث أخاه جعفر تكين في ستة آلاف راجل إلى بلخ ليفتر من عزيمة السلطان عن قصد سباسي تكين فلم يفتر ذلك من عزمه، حتى أخرج سباسي من خراسان. ثم تصدهم فانهزموا أمامه، وتبعهم أخوه نصر بن سبكتكين صاحب جيش خراسان إلى ساحل جيحون فقطع دابرهم. ولما بلغ الخبر إلى ايلك خان قام في ركائبه وبعث بالصريخ إلى ملك الختّل وهو قدر خان بن بقراخان لقرابة بينهما وصهر فجاءه بنفسه، ونفر معه. واستجاش أحياء النزل ودهاقين ما وراء النهر، وعبر النهر في خمسين ألفا، وانتهى إلى السلطان خبره، وهو بطخارستان فقدم إلى بلخ، واستعد للحرب، واستنفر جموع الترك والجند والخلنجية والأفقانية والفربوية. وعسكر على أربعة فراسخ من بلخ. وتزاحفوا على التعبئة فجعل السلطان في القلب أخاه نصرا صاحب الجيش بخراسان، وأبا نصر بن أحمد الفريغوني صاحب الجوزجان، وأبا عبد الله بن محمد بن إبراهيم الطائي في كماة الأكراد والعرب والهنود. وفي الميمنة حاجبه الكبير أبا سعيد التمرتاشي، وفي الميسرة ارسلان الحاجب. وحضن الصفوف بخمسمائة من الفيلة.

وجعل ايلك خان على ميمنته قدر خان ملك الختّل، وعلى ميسرته أخاه جعفر تكين، وهو في القلب. وطالت الحرب، واستمات الفريقان. ونزل السلطان وعفّر خدّه بالأرض متضرعا. ثم ركب وحمل في فيلته على القلب فأزاله عن مكانه، وانهزم الترك واتبعوهم يقتلون ويأسرون إلى أن عبروا بهم النهر. وأكثر الشعراء تهنئة السلطان بهذا الفتح، وذلك سنة سبع وتسعين وثلثمائة. ولما فرغ السلطان من هذه الحرب سار للهند للإيقاع بنواسه شاه أحد أولاد الملوك، كان أسلم على يده، واستخلفه على بعض المعاقل التي افتتحها فارتد، ونبذ الإسلام فأغذّ السير إليه فّفرّ أمامه، واحتوى على المعاقل التي كانت في يده من أصحابه، وانقلب إلى غزنة ظافرا وذلك سنة سبع وتسعين وثلثمائة.

فتح بهيم نقرا:

ثم سار السلطان سنة ثمان وتسعين وثلثمائة في ربيع منها غازيا إلى الهند فانتهى إلى سبط وبهند، فلقيه هنالك ابن هزبال ملك الهند في جيوش لا تحصى، فصدقهم السلطان القتال فهزمهم، واتبعهم إلى قلعة بهيم نقرا، وهي حصن على حصن عالية اتخذها أهل الهند خزانة للصنم، ويودعون به أنواع الذخائر والجواهر التي يتقّرب بها للصنم فدافع عنه خزنته أياما. ثم استأمنوا وأمكنوا السلطان من القلعة فبعث عليه أبا نصر الفريغوني، وحاجبه الكبير ابن التمرتاش، وواسع تكين، وكلفّهما بنقل ما في الخزائن فكان مبلغ المنقول من الوزن سبعين ألف ألف شامية ومن الذهبيات والفضيات موزونة، والديباج السوسي ما لا عهد بمثله. ووجد في جملتها بيت من الفضة الخالصة طوله ثلاثون ذراعا في خمسة عشر صفائح مضروبة، ومعالق للطي والنشر، وشراع من ديباج طوله أربعون ذراعا في عرض عشرين بقائمتين من ذهب، وقائمتين من فضة فوكلهما بحفظ ذلك. ومضوا إلى غزنة فأمر بساحة داره ففرشت بتلك الجواهر، واجتمعت وفود الأطراف لمشاهدتها، وفيهم رسول طغان أخي ايلك خان.

خبر الفريغون واستيلاء السلطان علي الجوزجان:

وكان بنو فريغون هؤلاء ولاة على الجوزجان أيام بني سامان، يتوارثونها. وكان لهم شهرة مكارم. وكان أبو الحارث أحمد بن محمد غرّتهم. وكان سبكتكين خطب كريمته لابنه محمود، وأنكح كريمته أخت محمود لإبنه أبي نصر فالتحم بينهما. وهلك أبو الحارث فأقر السلطان محمود ابنه أبا نصر على ولايته إلى أن مات سنة إحدى وأربعمائة، وكان أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني المعروف بالبديع يؤلف له التآليف ويجعلها بإسمه. ونال عنده بذلك فوق ما أمّل.

غزوة بارين:

ثم سار السلطان محمود على رأس المائة الرابعة لغزو بلاد الهند فدوّخها واستباحها، وأوقع بملكها، ورجع إلى غزنة فبعث إليه ملك الهند في الصلح على جزية مفروضة، وعسكر مقّرر عليه، وعلى تعجيل مال عظيم، وهديّة فيها خمسون فيلا، وتقّرر الصلح بينهما على ذلك.

غزوة الغور وقصران:

بلاد الغور هذه تجاور بلاد غزنة، وكانوا يفسدون السابلة ويمتنعون بجبالهم وهي وعرة ضيقة. وأقاموا على ذلك متمردّين على كفرهم وفسادهم فامتعض السلطان محمود، وسار لحسم عللهم سنة إحدى وأربعمائة. وفي مقدمته التوتناش الحاجب والي هراة وارسلان الحاجب والي طوس، وانتهوا إلى مضيق الجبل وقد شحنوه بالمقاتلة فنازلتهم الحرب ودهمهم السلطان فارتدّوا على أعقابهم، ودخل عليهم لبلادهم وملكها. ودخل حصنا في عشرة آلاف واستطرد لهم السلطان إلى فسيح من الأرض. ثم كر عليهم فهزمهم وأثخن فيهم وأسر ابن سورى وقرابته وخواصه، وملك قلعتهم، وغنم جميع أموالهم، وكانت لا يعبّر عنها. وأسف ابن سورى على نفسه فتناول سما كان معه ومات. ثم سار السلطان سنة إثنتين وأربعمائة لغزو قصران، وكان صاحبها يحمل ضمانه كل سنة فقطع الحمل، وامتنع بموالاة ايلك خان، وسار إليه فبادر باللقاء وتنصل واعتذر، وأهدى عشرين فيلا وألزمه السلطان خمسة عشر ألف درهم، ووكل بقبضها ورجع إلى غزنة.

خبر اليشار واستيلاء السلطان علي غرشتان:

كان اسم اليشار عند الأعاجم لقبا على ملك غرشتان، كما أن كسرى على ملك الفرس وقيصر على ملك الروم ومعناه الملك الجليل. وكان اليشار أبو نصر محمد بن إسمعيل بن أسد ملكها إلى أن بلغ ولده محمد سن النجابة فغلب على أبيه، وانقطع أبو نصر للنظر في العلوم لشغفه بها، وصاحب خراسان يومئذ أبو علي بن سيجور. ولما انتقض على الرضى نوح خطبهم لطاعته وولايته فأبوا من ذلك لانتقاضه على سلطانه، فبعث العساكر إليهم وحاصرهم زمانا. ثم نهض سبكتكين إلى أبي علي بن سيجور، وانضاف اليشار إلى سبكتكين في تلك الفتنة كلّها فلما ملك السلطان محمود خراسان، وأذعن له ولاة الأطراف والأعمال بعث إليهم في الخطبة فاجابوه. ثم استنفر محمد بن أبي نصر في بعض غزواته فقعد عن النفير، فلمّا رجع السلطان من غزوته بعث حاجبه الكبير أبا سعيد التوتناش في العساكر وأردفه بإرسلان الحاجب والي طوس لمناهضة اليشار ملك غرشتان. واستصحبا معهما أبا الحسن المنيعي الزعيم بمرو الروذ لعلمه بمخادع تلك البلاد. فأمّا أبو نصر فاستأمن إلى الحاجب، وجاء به إلى هراة مرفها محتاطا عليه. وأمّا إبنه محمد فتحضن بالقلعة التي بناها أيام ابن سيجور فحاصروها طويلا، واقتحموها عنوة، وأخذ أسيرا فبعث به إلى غزنة، واستصفيت أمواله، وصودرت حاشيته. واستخلف الحاجب على الحصن ورجع إلى غزنة فامتحن الولد بالسياط، واعتقله مرفّها واستقدم أباه أبا نصر من هراة فأقام عنده في كرامة إلى أن هلك سنة ست وأربعمائة.

وفاة ايلك خان وصلح أخيه طغان خان مع السلطان:

كان ايلك خان بعد هزيمته بخراسان يواصل الأسف، وكان أخوه طغان يكبر عليه فعلته، ونقضه العهد مع السلطان. وبعث إلى السلطان يتبرّأ ويعتذر فنافره ايلك خان بسبب ذلك، وزحف إليه. ثم تصالحا. ثم هلك ايلك خان سنة ثلاث وأربعمائة، وولّي مكانه أخوه طغان خان فراسل السلطان محمود وصالحه. وقال له: اشتغل أنت بغزو

الهند، وأنا بغزو الترك فأجابه إلى ذلك. وانقطعت الفتنة بينهما، وصلحت الأحوال. ثم خرجت طوائف الترك من جانب الصين في مائة ألف خركاه، وقصدوا بلاد طغان فهال المسلمين أمرهم، فاستنفر طغان من الترك أزيد من مائة ألف، واستقبل جموع الكفرة فهزمهم، وقتل نحوا من مائة ألف، وأسر مثلها، ورجع الباقون منهزمين. وهلك طغان اثر ذلك، وملك بعده أخوه ارسلان خان سنة ثمان وأربعمائة، وخلّص ما بينه وبين السلطان محمود، وخطب بعض كرائمه للسلطان مسعود ولده فأجابه. وعقد السلطان لابنه على هراة فسار إليها سنة ثمان وأربعمائة. 

فتح بارين:

ثم سار السلطان سنة ثمان وأربعمائة عندما فصل الشتاء غازيا إلى الهند، وتوغل فيها مسيرة شهرين. وامتنع عظيم الهند في جبل صعب المرتقى ومنع القتال. واستدعى الهنود وملك عليهم الفيلة. وفتح الله بارين، وكثرت الأسرى والغنائم. ووجد به في بيت البدجي حجر منقوش تال التراجمة كتابته: إنه مبني منذ أربعين ألف سنة. ثم عاد إلى غزنة، وبعث إلى القادر يطلب عهد خراسان وما بيده من الممالك.

غزوة تنيشرة :

كان صاحب تنيشرة عاليا في الكفر والطغيان، وانتهى الخبر إلى السلطان في ناحيته من الفيلة فيلة من الفيتلمان الموصوفة في الحروب فاعتزم السلطان على غزوه، وسار إليه في مسالك صعبة وعرة بين أودية وقفارات حتى انتهى إلى نهر طام قليل المخاضة. وقد استندوا من ورائه إلى سفح جبل فسّرب إليهم جماعة من الكماة خاضوا النهر، وشغلوهم بالقتال حتى تعدّت بقية العسكر. ثم قاتلوهم وانهزموا، واستباحهم المسلمون، وعادوا إلى غزنة ظافرين ظاهرين. ثم غزا السلطان على عادته فضل الأدلاء طريقهم فوقع السلطان في مخاضات من المياه غرق فيها كثير من العسكر، وخاض الماء بنفسه أياما حش تخلّص ورجع إلى خراسان.

استيلاء السلطان علي خوارزم:

كان مأمون بن محمد صاحب الجرجانية من خوارزم، وجمان مخلصا في طاعة الرضى نوح أيام مقامه في آمد كما مرّ فأضاف نسا إلى عمله فلم يقبلهاا لمودّة بينه وبين أبي علي بن سيجور. وكان من خبره مع ابن سيجور واستنقاذه إياه من أسر خوارزم شاه سنة ست وثمانين وثلثمائة ما مرّ ذكره، وصارت خوارزم كلها له. ثم هلك وملك مكانه أبو الحسن علي. ثم هلك وملك مكانه إبنه مأمون، وخطب إلى السلطان محمود بعض كرائمه فزّوجه أخته. واتحد الحال بينهما إلى أن هلك وولّي مكانه أبو العبّاس مأمون، ونكح أخته كما نكحها أخوه من قبله. ثم دعاه إلى الدخول في طاعته والخطبة له كما دعا الناس فمنعه أصحابه وأتباعه، وتوجّس الخيفة من السلطان في ذلك فرجعوا إلى الفتك به فقتلوه، وبايعوا إبنه داود. وازداد خوفهم من السلطان في ذلك فتعاهدوا على الامتناع ومقدّمهم التكين البخاريّ. وسار إليهم السلطان في العساكر حتى أناخ عليهم وبيّتوا محمد بن إبراهيم الطائي، وكان في مقدمة السلطان فقاتلهم إلى أن وصل السلطان فهزمهم، وأثخن فيهم بالقتل والأسر. وركب التكين السفن ناجيا فغدره الملاّحون، وجاؤوا به إلى السلطان فقتله في جماعة من القواد الذين قتلوا مأمونا على قبره. وبعث بالباقين إلى غزنة فأخرجوا في البعوث إلى الهند، وأنزلوا هنالك في حامية الثغور وأجريت لهم الأرزاق، واستخلف على خوارزم الحاجب التونتاش ورجع إلى بلاده.

فتح كشمير وقنوج:

ولما فرغ السلطان من أمر خوارزم، وانضافت إلى مملكته عدل إلى بست، وأصلح أحوالها ورجع إلى غزنة. ثم اعتزم على غزو الهند سنة تسع وأربعمائة، وكان قد دوخ بلادها كلها، ولم يبق عليه إلّا كشمير، ومن دونها الفيافي والمصاعب فاستنفر الناس من جميع الجهات من المرتزقة والمتطوّعة. وسار تسعين مرحلة، وعبر نهر جيحون وحيلم وخيالا هو وأمراؤه. وبث عساكره في أودية لا يعبر عن شدة جريها وبعد أعماقها، وانتهى إلى كشمير. وكانت ملوك الهند في تلك الممالك تبعث إليه بالخدمة والطاعة، وجاءه صاحب درب كشمير وهو جنكي بن شاهي وشهي فأقرّ بالطاعة، وضمن دلالة الطريق، وسار أمام العسكر إلى حصن مأمون لعشرين من رجب. وهو خلال ذلك يفتتح القلاع إلى أن دخل في ولاية هردت أحد ملوك الهند فجاء طائعا مسلما.

ثم سار السلطان إلى قلعة كلنجد من أعيان ملوكهم فبرز للقائه، وانهزم. واعترضهم أنهار عميقة سقطوا فيها وهلكوا قتلا وغرقا، يقال هلك منهم خمسون ألفا. وغنم السلطان منهم مائة فيل وخمسة إلى غير ذلك مما جلّ عن الوصف. ثم عطف إلى سقط التقيد، وهو بيت مبني بالصخور الصم يشرع منها بابان إلى الماء المحيط، موضوعة أبنيته فوق التلال، وعن جنبتيه ألف قصر مشتملة على بيوت الأصنام.

وفي صدر البلد بيت أصنام: منها خمسة من الذهب الأحمر مضروبة على خمسة أذرع في الهواء قد جعلت عينا كل واحدة منهما ياقوتتين تساويان خمسين ألف دينار، وعين الآخر قطعة ياقوت أزرق تزن أربعمائة وخمسين مثقالا. وفي وزن قدمي الصنم الواحد أربعة آلاف وأربعمائة مثقال، وجملة ما في الأشخاص من الذهب ثمانية وتسعون ألف مثقال. وزادت شخوص الفضة على شخوص الذهب في الوزن فهدمت تلك الأصنام كلّها وخربتّ، وسار السلطان طالبا قنوج، وخرّب سائر القلاع في طريقه، ووصل إليها في شعبان سنة تسع، وقد فارقها نزو جبال حين سمع بقدومه، وعبر نهر كنك الذي نغرق الهنود فيه أنفسهم، ويذرون فيه رماد المحرقين منهم.

وكان أهل الهند واثقين بقنوج: وهي سبع قلاع موضوعة على ذلك الماء، فيها عشرة آلاف بيت للأصنام، تزعم الهنود أن تاريخها منذ مائتي ألف سنة أو ثلاثمائة ألف سنة، وأنها لم تزل متعبّدا لهم. فلمّا وصلها السلطان ألفاها خالية قد هرب أهلها ففتحها كلّها في يوم واحد، واستباحها أهل عسكره. ثم أخذ في السير منها إلى قلعة لنج، وتعرف بقلعة البراهمة فقاتلوا ساعة، ثم تساقطوا من أعاليها على سنا الرماح وضياء الصفاح. ثم سار إلى قلعة أسا وملكها جندبال فهرب وتركها، وأمر السلطان بتخريبها. ثم عطف على جندراي من أكابر الهنود في قلعة منيعة، وكان جيبال ملك الهند من قبل ذلك يطلبه للطاعة والإلفة فيمتنع عليه. ولحق جيبال بنهوجد أحد المغرورين بحصانة المعقل فنجا بنفسه.

ورام جندراي المدافعة وثوقا بامتناع قلعته. ثم تنصح له بجيبال، ومنعه من ذلك فهرب إليه أمواله وأنصاره إلى جبال وراء القلعة، وافتتحها السلطان، وحصل منها على غنائم. وسار في اتباع جندراي، وأثخن فيهم قتلا ونهبا، وغنم منهم أموالا وفيولا. وبلغت الغنائم ثلاثة آلاف ألف درهم ذهبا وفضّة ويواقيت، والسبي كثير وبيع بدرهمين إلى عشرة. وكانت الفيول تسمّى عندهم جنداي داد. ثم قضى السلطان جهاده ورجع إلى غزنة فابتنى مسجدها الجامع، وجلب إليه جذوع الرخام من الهند، وفرشه بالمرمر، وأعالي جدرانه بالأصباغ وصباب الذهب المفرغة من تلك الأصنام. واحتضر بناء المسجد بنفسه. نقل إليه الرخام من نيسابور، وجعل أمام البيت مقصورة تسع ثلاثة آلاف غلام. وبنى بازاء المسجد مدرسة احتوت فيها الكتب من علوم الأوّلين والآخرين، وأجريت بها الأرزاق، واختصّت لنفسه يفضي منه إليه في أمن من العيون وأمر القوّاد والحجّاب وسائر الخدّام، فبنوا بجانب المسجد من الدور ما لا يحصى. وكانت غزنة تحتوي على مربط ألف فيل، يحتاج كل واحد منها لسياسته ومائدته خطّة واسعة.

غزوة الأفقانية:

لما رجع السلطان إلى غزنة راسل بيدو ووالي قنوج، وإسمه راجبان بدلحة، وطال بينهما العتاب وآل إلى القتال فقتل والي قنوج، واستلحمت جنوده. وطغى بيدو، وغلب على الملوك الذين معه، وصاروا في جملته، ووعدهم برد ما غلبهم عليه السلطان محمود. ونمي الخبر بذلك إليه فامتعض، وسار إلى بيدو فغلبه على ملكه. وكان ابتداؤه في طريقه بالأفقانية طوائف من كفّار الهند معتصمون بقلل الجبال، ويفسدون السابلة فسار في بلادهم ودّوخها، وعبر نهر كنك، وهو واد عميق، وإذا جيبال من ورائه فعبر إليه على عسر العبور فانهزم جيبال، وأسر كثير من أصحابه. وخلص جريحا، واستأمن إلى السلطان فلم يؤمّنه إلا أن يسلم فسار ليلحق ببيدو فغدر به بعض الهنود وقتله. فلما رأى ملوك الهند ذلك تابعوا رسلهم إلى السلطان في الطاعة على الاتاوة. وسار إلى مدينة باري من أحصن بلاد الهند فألفاها خالية فأمر بتخريبها وعشر قلاع مجاورة لها، وقتل من أهلها خلقا. وسار في طلب بيدو، وقد تحصن بنهر أدار ماءه عليه من جميع جوانبه، ومعه ستة وخمسون ألف فارس، وثمانون ألف راجل، وسبعمائة وخمسون فيلا فقاتلهم هنالك يوما وحجز بينهم الليل فأجفل بيدو، وأصبحت دياره بلاقع. وترك خزائن الأموال والسلاح فغنمها المسلمون، وتتبعوا آثارهم فوجدوهم في الغياض والآكام فأكثروا فيهم القتل والأسر، ونجا بيدو بذماء نفسه، ورجع السلطان إلى غزنة ظافرا.

فتح سومنات:

كان للهند صنم يسمّونة سومنات، وهو أعظم أصنامهم في حصن حصين على ساحل البحر بحيث تلتقفه أمواجه. والصنم مبني في بيته على ستة وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص، وهو من حجر طوله خمسة أ.ذرع: منها ذراعان غائصان في البناء، وليس له صورة مشخّصة، والبيت مظلم يضيء بقناديل الجوهر الفائق، وعنده سلسلة ذهب بجرس وزنها مائة منّ تحرّك بأدوار معلومة من الليل فيقوم عباد البرهمّيين لعبادتهم بصوت الجرس. وعنده خزانة فيها عدد كثير من الأصنام ذهبا وفضة، عليها ستور معلقة بالجوهر منسوجة بالذهب تزيد قيمتها على عشرين ألف ألف دينار. وكانوا يحجونّ إلى هذا الصنم ليلة خسوف القمر فتجتمع إليه عوالم لا تحصى. وتزعم الهنود أن الأرواح بعد المفارقة تجتمع إليه فيبثّها فيمن شاء بناء على التناسخ والمدّ والجزر عندهم، هو عبادة البحر. وكانوا يقّربون إليه كل نفيس، وذخائرهم كلّها عنده. ويعطون سدنته الأموال الجليلة. وكان له أوقاف تزيد على عشرة آلاف ضيعة.

وكان نهرهم المسمّى كنك الذي يزعمون أنّ مصبه في الجنّة، ويلقون فيه عظام الموتى من كبرائهم، وبينه وبين سومنات مائتا فرسخ. وكان يحمل من مائه كل يوم لغسل هذا الصنم. وكان يقوم عند الصنم من عبّاد البرهمّيين ألف رجل في كل يوم للعبادة، وثلاثمائة لحلق رؤوس الزوّار ولحاهم، وثلاثمائة رجل وخمسمائة امرأة يغّنون ويرقصون، ولهم على ذلك الجرايات الوافرة. وكان كلمّا فتح محمود بن سبكتكين من الهند فتحا أو كسر صنما يقول أهل الهند: إن سومنات ساخط عليهم، ولو كان راضيا عنهم لأهلك محمودا دونه. فاعتزم محمود بن سبكتكين إلى غزوه، وتكذيب دعاويهم في شأنه. فسار من غزنة في شبعان سنة ست عشرة وأربعمائة في ثلاثين ألف فارس سوى المتطّوعة، وقطع القفر إلى الملتان، وتزوّد له من القوت والماء قدر الكفاية، وزيادة عشرين ألف حمل.

وخرج من المفازة إلى حصون مشحونة بالرجال قد غوّروا آبارهم مخافة الحصار، فقذف الله الرعب في قلوبهم، وفتحها وقتل سكانها وكسر أصنامها، واستقى منها الماء. وسار إلى انهلوارن، وأجفل عنها صاحبها بهيم، وسار إلى بعض حصونه. وملك السلطان المدينة، ومرّ إلى سومنات، ووجد في طريقه حصونا كثيرة فيها أصنام وضعوها كالنقباء والخدمة لسومنات ففتحها، وخرّبها وكسر الأصنام. ثم سار في قفر معطش، واجتمع من سكانه عشرون ألفا لدفاعه فقاتلهم سراياه، وغنموا أموالهم وانتهوا إلى دبلواه على مرحلتين من سومنات فاستولى عليها، وقتل رجالها، ووصل إلى سومنات منتصف ذي القعدة فوجد أهلها مختفين في أسوارهم، وأعلنوا بكلمة الإسلام فوقها فاشتد القتال، حتى حجز بينهم الليل.

ثم أصبحوا إلى القتال، وأثخنوا في الهنود. وكانوا يدخلون إلى الصنم فيعنّفونه ويبكون ويتضرّعون إليه، ويرجعون إلى القتال. ثم انهزموا بعد أن أفناهم القتل. وركب فلّهم السفن فأدركوا، وانقسموا بين النهب والقتل والغرق، وقتل منهم نحو من خمسين ألفا. واستولى السلطان على جميع ما في البيت. ثم بلغه أنّ بهيم صاحب انهلوارن اعتصم بقلعة له تسمّى كندهة في جزيرة على أربعين فرسخا من البّر فرام خوض البحر إليها، ثم رجع عنها، وقصد المنصورة، وكان صاحبها ارتد عن الإسلام ففارقها، وتسّرب في غياض هناك فأحاطت عساكر السلطان بها، وتتبعوهم بالقتل فأفنوهم. ثم سار إلى بهاطية فدان أهلها بالطاعة، ورجع إلى غزنة في صفر سنة سبع عشرة.

دخول قابوس صاحب جرجان وطبرستان في ولاية السلطان محمود:

قد قدّمنا وفادة قابوس على الأمير نوح بن منصور بن سامان، وعامله بخراسان أبي العباس تاش مستصرخا على بني بويه عندما ملكوا طبرستان وجرجان من يده سنة إحدى وسبعين، وأقام بخراسان ثماني عشرة سنة، وهم يعدونه بالنصرة والمدد حتى يئس منهم. ولما جاء سبكتكين وعده بمثل ذلك. ثم شغله شغل بني سيجور، ثم وعده السلطان محمود، وشغلته فتنة أخيه. واستولى أبو القاسم بن سيجور على جرجان بعد مهلك فخر الدولة بن بويه. ثم أمر من ببخارى بالمسير إلى خراسان فسار إلى أسفرايين، واستمدّ قابوس رجال الديلم والجبل فأمدوه، وظاهروه على أمره حتى غلب على طبرستان وجرجان، وملكها كما يذكر في أخبار الديلم والجبل. وكان نصر بن الحسن بن افي زان، وهو ابن عمّ ماكان بن كالي ينازعه فيهما فآل الحال بنصر إلى أن اعتقله بنو بويه بالريّ، واستقلّ قابوس بولاية جرجان وطبرستان وديار الديلم كلّها من ممالك محمود.

استيلاء السلطان محمود علم الري والجبل:

كان مجد الدولة بن فخر الدولة صاحب الريّ، وكان قد ضعف أمره، وأدبرت دولته. وكان يتشاغل بالنساء والكتاب نسخا ومطالعة. وكانت أمه تدبر ملكه فلما توفيت انتقضت أحواله، وطمع فيه جنده. وكتب إلى محمود يشكو ذلك، ويستدعي نصرته فبعث إليه جيشا عليهم حاجبه، وأمره أن يقبض على مجد الدولة فقبض عليه وعلى ابنه أبي دلف عند وصوله. وطيّر بالخبر إلى السلطان فسار في ربيع من سنة عشرين وأربعمائة، ودخل الريّ وأخذ أموال مجد الدولة، وكانت ألف ألف دينار، ومن الجواري قيمة خمسمائة ألف دينار، ومن الثياب ستة آلاف ثوب، ومن الألات ما لا يحصى. ووجد له خمسين زوجة ولدن نيفا وثلاثين ولدا فسئل عن ذلك فقال: هذه عادة. وأحضر مجد الدولة وعنّفه، وعرض له بتسفيه رأيه في الانتصار عن جندراي منه، وبعثه إلى خراسان فحبس بها.

ثم ملك السلطان قزوين وقلاعها، ومدينة ساوة وآوة، وصلب أصحاب مجد الدولة من الباطنية. ونفى المعتزلة إلى خراسان، وأحرق كتب الفلسفة والاعتزال والنجوم، وأخذ مما سوى ذلك من الكتب مائة حمل. وتحصّن منه منوجهر بن قابوس ملك الجيل بالجبال الوعرة فقصده فيها، ولم تصعب عليه فهرب منوجهر وتحصّن بالغياض، وبعث له بخمسمائة ألف دينار استصلاحا فقبلها، ورجع عنه إلى نيسابور. وتوفيّ منوجهر عقب ذلك، وولي بعده ابنه أنوشروان فأقّره السلطان على ولايته، وقّرر عليه خمسمائة ألف دينار ضريبة. وخطب للسلطان محمود في بلاد الجيل إلى أرمينية، وافتتح ابنه مسعود زنجان وأبهر من يد إبراهيم السيلار بن المرزبان من عقب شوذان بن محمد بن مسافر الديلمي، وجميع قلاعه، ولم يبق بيده إلا شهرزان قرر عليه فيها ضريبة كما يأتي في أخبار الديلم. ثم أطاعه علاء الدولة بن كاكويه بأصفهان، وخطب له، وعاد السلطان إلى خراسان. واستخلف بالري إبنه مسعودا فقصد أصفهان وملكها من علاء الدولة، واستخلف مسعود عليها بعض أصحابه، وعاد عنها فثار أهلها بعامله، وقتلوه فرجع إليهم واستباحهم، ثم عاد إلى الريّ فأقام بها.

استيلاء السلطان محمود علي بخاري ثم عوده عنها:

كان ايلك خان ملك الترك وصاحب تركستان لما ملك بخارى من يد بني سامان سنة تسعين وثلاثمائة ولّى عليها، ورجع إلى بلاده كما مرّ، وكان الغزّ أحياء بادية بضواحي بخارى، وزعيمهم ارسلان بن سلجوق عمّ السلطان طغرلبك. وكان بينه وبين ايلك خان وأخيه بقراخان حروب وفتن، بسبب استظهار بني سامان بهم. فلما ملك ايلك خان بخارى عرف لارسلان بن سيجور حقّه ورفع محلّه، وهو مع ذلك مستوحش. وكان على تكين أخو ايلك خان، وحبس ارسلان ولحق ببخارى فاستولى عليها، وطلب موالاة ارسلان بن سيجور فوالاه واستفحل أمرهما. ونهض إليهما ايلك خان وقاتلهما فهزماه. واستوثق أمر تكين في بخارى. وكان يسيء جوار السلطان محمود بن سبكتكين في أعماله، ويعترض رسله المتردّدين إلى ملوك الترك فأحفظ ذلك السلطان، وأجمع المسير إليه فنهض من بلخ سنة عشرين وأربعمائة، وعبر النهر وقصد بخارى فهرب منها تكين ولحق بأيلك خان. ودخل السلطان بخارى، وملك سائر أعمالها، وأخذ الجزية من سمرقند. وأجفلت أحياء الغزّ وارسلان بن سلجوق، وتلطف في استدعائه. فلما حضر عنده !بض عليه، وبعثه إلى بعض قلاع الهند وحبسه بها. وسار إلى أحياء الغز- فنهبهم، وأثخن فيهم قتلا وأسرا، ورجع إلى خراسان.

خبر السلطان محمود مع الغز بخراسان:

لما حبس السلطان أرسلان بن سلجوق، ونهب أحياءهم أجلاهم عن ضواحي بخارى فعبروا نهر جيحون إلى خراسان، وامتدّت فيهم أيدي العمّال بالظلم والتعدّي في أموالهم وأولادهم فتفّرقوا. وجاءت منهم طائفة في أكشر من ألفي خركاه إلى كرمان، ثم إلى أصفهان، وكانوا يسمّون العراقية. وطائفة إلى جبل بكجان عند خوارزم القديمة، وعاث كل منهم فيما سار فيه من البلاد. وبعث السلطان إلى علاء الدولة بأصفهان لردّ الذين ساروا إليه إلى الريّ وقبلهم، وحاول ذلك بالغدر فلم يستطع، وحاربهم فهزموه وساروا عنه إلى أذربيجان، وأفسدوا ما ساروا عليه وصانعهم وهشوذان صاحب أذربيجان وآنسهم. وكان مقدّموهم: بوقا وكوكاش ومنصور ودانا. وأمّا الذين ساروا إلى خرارزم القديمة فكثر عيثهم في تلك النواحي. وأمر السلطان محمود صاحب طوس ارسلان الحاجب أن يسير في طلبهم فاتبعهم سنتين. ثم جاء السلطان على اثره فشّردهم على نواحي خراسان، واستخدم بعضهم. وكان أمراؤهم: كوكاش وبوقا وقزل ويغمر وتاصفلي.

ولمّا مات السلطان محمود استخدمهم إبنه مسعود أيضا، وساروا معه من غزنة إلى خراسان فسألوه فيمن بقي منهم بجبل بكجان عند خوارزم فأذن لهم أن يسهلوا إلى البسائط على شرط الطاعة. ثم انتقض أحمد نيال عامل الهند فسار مسعود إليه، وولى على خراسان تاش، وكثر عيث هؤلاء الغز في البلاد فأوقع بهم تاش، وقتل أميرهم يغمر. وبعث السلطان مسعود من أجلاهم عن البلاد، ومثلّ بهم بالقتل والقطع والصلب. فساروا إلى الريّ طالبين أذربيجان للحاق بالعراقية منهم كما مرّ ذكرهم فملكوا الدامغان ونهبوها، ثم سمنان. ونهبوا جوار الريّ وايحاباذ ومشكوبة من أعمال الري، وخربوا كل ما مرّوا عليه من القرى والضياع فاجتمع لحربهم تاش أبو سهل الحمدوني صاحب الريّ. وسار إليهم تاش في العساكر والفيلة على التعبئة، ولقوه مستميتين، وسبق إليه أحياؤهم فهزموه وقتلوه.

ثم ساروا إلى الريّ فهزموا أبا سهل الحمدوني وعسكره، ولحق بقلعة طبول، ونهبوا الريّ واستباحوا أموالها. وجاء عساكر من جرجان فاعترضوه وكبسوه، وأثخنوا فيهم قتلا وأسرا ، ومضوا إلى أذربيجان ليجتمعوا بالعراقية. ثم رجع علاء الدولة بن كاكويه إلى أصفهان بعد مسيرهم من الريّ، وطلبوا مولاه أبا سهل على طاعة مسعود فلم يتم وعاث الغز في أذربيجان، وأوقع بهم وهشوذان وقتل منهم، وجمع عليهم أهل أذربيجان وأوقع بهم ففارقوها إشفاقا من نيال وأخيه طغرلبك، وافترقوا بين الموصل وديار بكر فملكوها ونهبوها وعاثوا في نواحيها، كما مرّ ذكره في أخبار قرواش صاحب الموصل وابن مروان صاحب ديار بكر.

هذه أخبار ارسلان بن سلجوق مفصلة إلاّ ما اختصر منها بالريّ وأذربيجان فإنه يأتي في مواضعه من دولة الديلم. وأما طغرلبك واخوته داود وبيقو، وأخوه لأمه نيال المسمى بعد الإسلام إبراهيم فانهزموا وأقاموا بعد سلجوق ببلاد ما وراء النهر. وكان بينهم وبين علي تكين صاحب بخارى حروب ظهر عليهم فيها فعبروا جيحون إلى خوارزم وخراسان، وكان من أخبارهم فيها ومآل أمرهم إلى الملك والدولة ما يأتي ذكره.

افتتاح نرسي من الهند:

كان السلطان محمود قد استخلف على الهند من مواليه أحمد نيال تكين، فغزا سنة إحدى وعشرين مدينة نرسي من أعظم مدن الهند في مائة ألف مقاتل، فنهب وخرب الأعمال واستباحها. وجاء إلى المدينة فدخلها من أحد جوانبها، واستباحها يوما ولم يستوعبها حتى خرجوا فباتوا بظاهرها خوفا على أنفسهم من أهل البلد. وقسموا الأموال كيلا، وأرادوا العود من الغد فدافعهم أهلها، ورجع أحمد نيال بعساكره إلى بلده.

وفاة السلطان محمود وولاية ابنه محمل:

ثم توفي السلطان محمود في ربيع سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وكان ملكا عظيما استولى على كثير من الممالك الإسلامية، وكان يعظم العلماء ويكّرمهم، وقصدوه من أقطار البلاد. وكان عادلا في رعيته رفيقا بهم محسنا إليهم، وكان كثير الغزو والجهاد، وفتوحاته مشهورة. ولما حضرته الوفاة أوصى بالملك لابنه محمد وهو ببلخ، وكان أصغر من مسعود إلا أنه كان مقبلا عليه ومعرضا عن مسعود. فلما توفي بعث أعيان الدولة إلى محمد بخبر الوصية واستحثّوه، وخطب له في أقاصي الهند إلى نيسابور، وسار إلى غزنة فوصلها لأربعين يوما، واجتمعت العساكر على طاعته، وقسم فيهم الأعطيات.

خلع السلطان محمد ابن السلطان محمود وولاية ابنه الآخر مسعود الأكبر:

لما توفي السلطان محمود كان ابنه مسعود بأصفهان فسار إلى خراسان، واستخلف على أصفهان فثار أهلها بخليفته وعسكره فقتلوهم، فعاد إليهم مسعود وحصرها وافتتحها عنوة واستباحها. ثم استخلف عليها، وسار إلى الريّ ومنها إلى نيسابور. وكتب إلى أخيه محمد بالخبر وأنه لا ينازعه، ويقتصر على فتحه من طبرستان وبلد الجبل وأصفهان، ويطلب تقديمه على محمد في الخطبة فأحفظه ذلك، واستحلف العساكر. وسار إلى مسعود، وكان أكثر العساكر يميلون إلى مسعود لقوته وشجاعته وعلو سنه. وأرسل التونتاش صاحب خوارزم وكان من أصحاب السلطان محمود يشير على محمد بترك الخلاف فلم يسمع، وسار فانتهى إلى بكياباد أوّل رمضان من سنته. وأقام وكان مشتغلا باللعب عن تدبير الملك فتفاوض جنده في خلعه والإدالة منه بأخيه مسعود. وتولى كبر ذلك عمّه يوسف بن سبكتكين، وعلي خشاوند صاحب أبيه. وحبسوا محمدا بقلعة بكياباد، وكتبوا بالخبر إلى مسعود، وارتحلوا إليه بالعساكر فلقوه بهراة فقبض على عمّه، وعلى صاحب أبيه، وعلى جماعة من القوّاد. واستقر في ملك أبيه شهر ذي القعدة من سنته، وأخرج الوزير أبا القاسم أحمد بن الحسن السيمندي من محبسه، وفوّض إليه الوزارة وأمور المملكة. وكان أبوه قبض عليه سنة ست عشرة وصادره على خمسة آلاف دينار. ثم سار إلى غزنة فوصلها منتصف إثنتين وعشرين، ووفدت عليه رسل جميع الملوك من جميع الآفاق، واجتمع له ملك خراسان وغزنة والهند والسند وسجستان وكرمان ومكران والري وأصفهان والجبل، وعظم سلطانه.

عود أصفهان إلى علاء الدولة بن كاكويه ثم رجوعها للسلطان مسعود:

كان قناخر مجد الدولة بن بويه صاحب أصفهان، وملكها السلطان محمود من يده فهرب عنها، وامتنع بحصن قصران. وأنزل السلطان محمود ابنه مسعودا بأصفهان، وأنزل معه علاء الدولة بن كاكويه فاستقل بها، وسار عنه مسعود. ثم زحف إليه وملكها من يده، ولحق علاء الدولة بخوزستان يستنجد أبا كاليجار بن سلطان الدولة. وسار عنه إلى تستر ليستمدّ له من أخيه جلال الدولة العساكر لمعاودة أصفهان. وكان ذلك عقب فتنة وحرب بين أبي كاليجار وأخيه جلال الدولة فوعده أبوه بذلك إذا اصطلحا، وأقام عنده إلى أن توفي السلطان محمود. ولما توفي السلطان محمود جمع قناخر جمعا من الديلم والأكراد، وقصد الريّ، وقاتله نائبه مسعود فهزمه، ودفعه عن الري، وفتك في عسكره قتلا وأسرا. وعاد قناخر إلى بلده، وبلغ الخبر إلى علاء الدولة بموت السلطان محمود، وهو عند أبي كاليجار بخوزستان، وقد أيس من النصر فبادر إلى أصفهان فملكها، ثم همذان. وقصد الري فقاتله نائب مسعود، ورجع إلى أصفهان. ثم اقتحموا عليه البلد عنوة، ونجا علاء الدولة إلى قلعة قردخان على خمسة عشر فرسخا من همذان، وخطب لمسعود بالريّ وجرجان وطبرستان.

فتح التيز ومكران وكرمان ثم عود كرمان لأبي كاليجار:

كان صاحب التيز ومكران لما توفي خلف ولدين أبا العساكر وعيسى، واستبدّ عيسى منهما بالملك فسار أبو العساكر إلى خراسان مستنجدا بمسعود فبعث معه عسكرا ودعوا عيسى إلى الطاعة فامتنع، وقاتلوه فاستأمن كثير من أصحابه إلى أبي العساكر فانهزم عيسى وقتل في المعركة. واستولى أبو العساكر على البلاد وملكها. وخطب فيها للسلطان مسعود، وذلك سنة إثنتين وعشرين واربعمائة. وفي هذه السنة ملك السلطان مسعود كرمان، وكانت للملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة فبعث إليها السلطان مسعود عساكر خراسان، فحاصروا مدينة بردسير، وشدّوا في حصارها، واستبد إلى أطراف البلاد. ثم وصل عسكر أبي كاليجار إلى جيرفت، واتبعوا الخراسانية بأطراف البلاد فعاود هزيمتهم، ودخلوا المفازة إلى خراسان، وعاد العساكر إلى فارس.

فتنة عساكر السلطان مسعود مع علاء الدولة بن كاكويه وهزيمته:

قد تقدم لنا هزيمة علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه من الريّ، ونجاته إلى قلعة قردخان. ثم سار منها إلى يزدجرد ومعه فرهاد بن مرداويج مددا له. وبعث صاحب الجيوش بخراسان عسكرا مع ابن عمران الديلميّ لاعتراضهما، فلما قاربهما العسكر فرّ فرهاد إلى قلعة شكمين، ومضى علاء الدولة إلى سابور خرات، وملك علي بن عمران يزدجرد. ثم أرسل فرهاد إلى الأكراد الذين مع علي بن عمران، وداخلهم في الفتك به ؛ وشعر بذلك فسار إلى همذان، ولحقه فرهاد فاعتصم بقلعة في طريقه منيعة ؛ وكادوا يأخذونه لولا عوائق الثلج والمطر في ذلك اليوم، وكانوا ضاحين من الخيام فتركوه ورجعوا عنه. وبعث ابن عمران إلى تاش قرواش صاحب جيوش خراسان يستمدّه في العسكر إلى همذان. وبعث علاء الدولة يستدعي أبا منصور ابن أخيه من أصفهان بالسلاح والأموال ففعل. وسار علي بن عمران من همذان لاعتراضه فكبسه بجر باذقان، وغنم ما معه، وقتل كثيرا من عسكره وأسره، وبعث به إلى تاش قرواش صاحب جيوش خراسان، وسار إلى همذان. وزحف إليه علاء الدولة وفرهاد فانقسموا عليه، وجاؤوه من ناحيتين فانهزم علاء الدولة، ونجا إلى أصفهان، وفرّ هاربا إلى قلعة شمكين فتحصّن بها.

مسير السلطان مسعود إلى غزنة والفتن بالري والجبل:

لما استولى السلطان على أمره سار من غزنة إلى خراسان لتمهيد أمورها، وكان عامله وعامل أبيه على الهند أحمد نيال تكين قد استفحل فيها أمره، وحدّثته نفسه بالاستبداد فمنع الحمل وأظهر الانتقاض فسار السلطان إلى الهند، ورجع أحمد نيال إلى الطاعة. وقام علاء الدولة بأصفهان، وأظهر الانتقاض، ومعه فرهاد بن مرداويج فزحف إليهم أبو سهل وهزمهم، وقتل فرهاد، ونجا علاء الدولة إلى جبال أصفهان وجرباذقان فامتنع بها. وسار أبو سهل إلى أصفهان فملكها سنة خمس وعشرين واربعمائة، ونهب خزائن علاء الدولة، وحمل كتبه إلى غزنة. وأحرقها الحسين الغوري بعد ذلك.

عود أحمل نيال تكين إلى العصيان:

ولما عاد السلطان إلى خراسان لقتال الغز عاد أحمد نيال تكين إلى العصيان بالهند، وجمع الجموع فبعث السلطان سنة ست وعشرين وأربعمائة إليه جيشا كثيفا. وكتب إلى ملوك الهند بأخذ المذاهب عليه. فلما قاتله الجيوش انهزم ومضى هاربا إلى ملتان، وقصد منها بهاطية، وهو في جمع فلم يقدر ملك بهاطية على منعه. وأراد عبور نهر السند في السفن فهّيأ له الملك ليعبر إلى جزيرة وسط النهر ظنها متصلة بالبر، وأوصى الملك الملاحين أن ينزلوه بها ويرجعوا عنه. وعلموا أنها منقطعة فضعفت نفوسهم، وأقاموا بها سبعة أيام ففنيت أزوادهم وأكلوا دوابهم، وأوهنهم الجوع. وأجاز إليهم ملك بهاطية فاستوعبهم بالقتل والغرق والأسر، وقتل أحمد نفسه. 

فتح جرجان وطبرستان:

كانت جرجان وطبرستان وأعمالهما لدارا بن منوجهر بن قابوس، وكان السلطان مسعود قد أقّره عليها فلمّا سار السلطان إلى الهند، وانتشر الغزّ في خراسان منع الحمل، ودخل علاء الدولة بن كاكويه وفرهاد بن ماكان في العصيان. فلمّا عاد مسعود من الهند وأجلى الغزّ عن خراسان، سار إلى جرجان سنة ست وعشرين فملكها. ثم سار إلى آمد فملكها وفارقها أصحابها، وافترقوا في الغياض فتبعهم، وقتل منهم وأسر. ثم راسله دارا في الصلح وتقرير البلاد عليه، وحمل ما بقي عليه فأجابه السلطان إلى ذلك ورجع إلى خراسان.

مسير علاء الدولة إلى أصفهان وهزيمته:

كان أبو سهل الحم دوني قد أنزله السلطان بأصفهان ودلّهم على النواحي القريبة من علاء الدولة فأوقع بهم وغنم ما معهم، وقوي طمعه بذلك في أصفهان فجمع الجموع.

وسار إليها فخرج إليهم أبو سهل وقاتلهم، وتحيّز من كان مع علاء الدولة من الأتراك إلى أبي سهل فانهزم علاء الدولة، ونهب سواده وسار إلى بروجرد، ثم إلى الطّرم فلم يقبله ابن السلّار صاحبها.

استيلاء طغرلبك علي خراسان:

كان طغرلبك وأخواه بيقو وحقربيك، واسم طغرلبك محمد، ولما أسر السلطان محمود ارسلان بن سلجوق وحبسه كما مرّ وأجاز أحياء من الغزّ إلى خراسان فكان من أخبارهم ما قدّمناه، وأقام طغرلبك واخوته في أحيائهم بنواحي بخارى. ثم حدثت الفتنة بينهم وبين عل تكين صاحب بخارى، وكانت بينهم حروب ووقائع، وأوقعوا بعساكره مرارا فجمع أهل البلاد عليهم، وأوقع بهم واستلحمهم واستباحهم فانحازوا إلى خراسان سنة ست وعشرين وأربعمائة، واستخدموا لصاحب خوارزم وهو هرون بن التونتاش. وغدر بهم فساروا عنه إلى مفازة نسا ، ثم قصدوا مرو، وطلبوا الأمان من السلطان مسعود على أن يضمنهم أمان السابلة فقبض على الرسل، ولم يجبهم على ما سألوا. وبعث العساكر فأوقعوا بهم على نسا، ثم طار شررهم في البلاد، وعم ضررهم.

وسار السلطان ألب أرسلان إلى نيسابور ففارقها أبو سهل الحمدوني فيمن معه، واستولى عليها داود. وجاء أخوه طغرلبك على اثره، ولقيهم رسل الخليفة إليهم وإلى العراقية الذين فتلهم بالري وهمذان يعنفّهم وينهاهم عن الفساد، ويطمعهم فتلقوا الرسل بالاعظام والتكرمة. ثم امتدّت عين داود إلى نهب نيسابور فمنعه طغرلبك، وعرض له بشهر رمضان ووصية الخليفة فلجّ فقوي طغرلبك في المنع وقال: والله لئن نهبت لأقتلنّ نفسي فكفّ داود عن ذلك، وقسّطوا على أهل نيسابور ثلاثين ألف دينار فرّقوها في أصحابهم. وجلس طغرلبك على سرير ملك مسعود بدار الملك، وصار يقعد للمظالم يومين في الأسبوع على عادة ولاة خراسان، وكانوا يخطبون للملك مسعود مغالطة وإيهاما. 

مسير السلطان مسعود من غزنة إلى خراسان وإجلاء  السلجوقية عنها:

ولما بلغ الخبر إلى السلطان مسعود باستيلاء طغرلبك والسلجوقية على نيسابور، جمع عساكره من غزنة، وسار إلى خراسان فنزل بلخ في صفر سنة ثلاثين وأربعمائة، وأصهر إلى بعض ملوك الخانية دفعاّ لشرّه. وأقطع خوارزم، ولحق إسمعيل بطغرلبك. ثم أراح السلطان مسعود، وفرغ من خوارزم والخانية فبعث السلطان سباسي فسار إليهم في العساكر فلم يشف نفسه، ونزل سرخس، وعدلوا عن لقائه، ودخلوا المفازة التي بين مرو وخوارزم. واتبعهم السلطان مسعود وواقعهم في شعبان من هذه السنة فهزمهم فما بعدوا حتى عادوا في نواحيه، فأوقع بهم أخرى. وكان القتلى فيها منهم ألفا وخمسمائة، وهربوا إلى المفازة.

وثار أهل نيسابور بمن عندهم وقتلوهم، ولحق فلّهم بأصحابهم في المفازة. وعدل السلطان إلى هراة ليجهّز العساكر ليطلبهم فبلغه الخبر بأنّ طغرلبك سار إلى أستراباذ، وأقام بها في فصل الشتاء يظن أنّ الثلج يمنعهم عنه فسار السلطان إليه هنالك، ففارقها طغرلبك وعدل عن طوس إلى جبال الريّ التي كان فيها طغرلبك وأصحابه، وقد امتنعوا بجبالهم خوفا من السلطان، لما كان منهم من موالاة السلجوقية فأغذّ إليهم السير، وصبحهم فتركوا أهلهم وأموالهم واعتصموا بوعر الجبل، وغنمت عساكره جميع ما استولوا عليه. ثم صعد إليهم بنفسه وعساكره، وهلك كثير من العسكر بالثلج في شعاب الجبل. ثم ظفروا بهم في قلّة الجبل واستلحموهم. وسار مسعود إلى نيسابور في جمادى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائو ليريح ويخرج في فصل الربيع لطلبهم في المفاوز.

ثم عاد طغرلبك وأصحابه من المفازة، وبعث إليهم السلطان بالوعيد فيقال إنّ طغرلبك قال لكاتبه، اكتب إليه: { قل اللهمّ مالك الملك } [الآية]، ولا تزده عليها. ولما ورد الكتاب على السلطان مسعود كتب إليه” وآنسه بالمواعيد”، وبعث إليه بالخلع وأمره بالرحيل إلى آمل الشطّ على جيحون. وأقطع نسا لطغرلبك، ودهستان لداود، وبدارة لبيقو، وسمّى كل واحد منهم بالدهقان فلم يقبلوا أشيا من ذلك ولا وثقوا به، وأكثروا من العيث والفساد. ثم كفّوا عن ذلك، وبعثوا إلى السلطان مسعود يخادعونه بالطاعة ببلخ، ورغبوه في أن يسّرح إليهم أخاهم ارسلان المحبوس بالهند فبعث إليه السلطان مسعود، وجاؤوا بارسلان من الهند. ولمّا لم يتم بينهم أمر بإعادته إلى محبسه.

هزيمة السلطان مسعود واستيلاء طغرلبك على مدائن خراسان وأعمالها:

ولما تغلّبت السلجوقية على نواحي خراسان، وفضّوا عساكر السلطان، وهزموا الحاجب سباسي اهتز السلطان لذلك، وأجمع لخراسان الحشد وبثّ العطاء وأزاح العلل. وسار من غزنة في الجيوش الكثيفة والفيلة العديدة على التعبية المألوفة، ووصل إلى بلخ، ونزل بظاهرها. وجاء داود بأحيائه فنزل قريبا منه، وأغار يوما على معسكره فساق من باب الملك مسعود عدّة من الجنائب المقربات، معها الفيل الأعظم، وارتاع الملك لذلك. وارتحل مسعود من بلخ في رمضان سنة تسع وعشرين، ومعه مائة ألف مقاتل. ومرّ بالجوزجان فصلب الوالي الذي كان بها للسلجوقية، وانتهى إلى مرو الشاهجان. ومضى داود إلى سرخس، واجتمع معه أخوه طغرلبك وبيقو، وبعث إليهم السلطان في الصلح فوفد عليه بيقو فأكرمه السلطان وخلع عليه، وأجابه هو عن أصحابه بالامتناع من الصلح للخوف من السلطان.

وسار من عند السلطان فسقط في يده وسار في اتباعهم من هراة إلى نيسابور، ثم سرخس. كلما تبعهم إلى مكان هربوا منه إلى آخر، حتى أظلهم فصل الشتاء فأقاموا بنيسابور ينتظرون انسلاخه فانسلخ، والسلطان عاكف على لهوه غافل عن شأنه، حتى انقضى زمن الربيع. واجتمع وزراؤه وأهل دولته وعذلوه في إهمال أمر عدوه فسار من نيسابور إلى مرو في طلبهم، فدخلوا المفازة فدخل وراءهم مرحلتين، وقد ضجر العسكر من طول السفر وعنائه. وكانوا منذ ثلاث سنين منقلبين فيه منذ سفرهم مع سباسي فنزل بعض الأيام في منزلة على قليل من الماء، وازدحم الناس على الورود، واستأثر به أهل الدولة والحاشية فقاتلهم عليه الجمهور، ووقعت في العساكر لذلك هيعة.

وخالفهم الدعرة إلى الخيام ينهبون ويتخطفون. وكان داود وأحياؤه متابعا للعسكر على قرب يتخطّف الناس من حولهم فشعر بتلك الهيعة، فركب في قومه، وصدم العساكر، وهم في تلك الحال فولّوا منهزمين، والسلطان والوزير ثابتان في موقفهما يحرّضان الناس على الثبات فلم يثبت أحد، فانصرفا مع المنهزمين في فل، واتبعهم داود وأثخن فيهم بالقتل. ثم رجع إلى العسكر، وقد غنمه أصحابه فآثرهم بالغنائم، وقسم فيهم ما حصل له. وقعد على كرسي السلطان، وأقام عسكره ثلاثة أيام ولياليها خشية من كل العساكر السلطانية عليهم. ونجا السلطان إلى غزنة فدخلها في شوال سنة إحدى وثلاثين، وقبض على سباسي وغيره من الأمراء وسار طغرلبك إلى نيسابور فملكها آخر إحدى وثلاثين وأربعمائة، ونهب عسكره أهلها، وكان بها هرج عظيم من الدعرة. وكانوا ينالون من الناس بالنهب والزنا والقتل فارتدعوا لذلك لهيبة طغرلبك، وسكن الناس.

وملك السلجوقية البلاد فسار بيقو إلى هراة فملكها، وسار داود إلى بلخ وبها الحاجب التونتاش فاستخلفه السلطان عليها فأرسل إليه داود في الطاعة فسجن الرسل، وحاصره داود. وبعث السلطان مسعود جيشا كثيفا لإمداده. ودفع السلجوقية عن البلاد فسار فريق مشهم إلى الرخج فدفعوا من كان بها من السلجوقية، وهزموهم وأفحشوا في قتلهم وأسرهم. وسار فريق منهم إلى بيقو في هراة فقاتلوه ودفعوه عنها. ثم بعث السلطان ابنه مودود بعساكر أخرى، وجعل معه وزيره أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد يدّبره فسار عن غزنة سنة إثنتين وثلاثين. فلما قارب بلخ وداود يحاصرها، بعث داود جماعة من عسكره فلقوا طلائع مودود فهزمهم. فلمّا وصلت منهزمة تأخّر مودود عن نهايته، وأقام وسمع التونتاش بإحجام مودود عنه فأطاع داود وخرج إليه.

خلع السلطان مسعود ومقتله وولاية أخيه محمد مكانه:

ولما بعث السلطان ولده مودود إلى خراسان لمدافعة السلجوقية عنها، وأقام بعده سبعة أيام، وخرج من غزنة في ربيع سنة إثنتين وثلاثين وأربعمائة يريد الهند للمشتى به على عادة أبيه، ويستنفر الهنود لقتال السلجوقية. واستصحب أخاه محمدا المسمول معه. وكان أهل الدولة قد ضجروا منه فتفاوضوا في خلعه وولاية أخيه محمد، وأجمعوا ذلك فلما عبروا نهر سيحون وتقدّم بعض الخزائن فتخلّف أنوش تكين البلخيّ في جماعة من الغلمان الفداوية، ونهبوا بقية الخزائن، وبايعوا لمحمد المسمول، وذلك في منتصف ربيع الاخر من السنة. وافترق العسكر، واقتتلوا وعظم الخطب، وانهزم السلطان محمود، وحاصروه في رباط هناك. ثم استنزلوه على الأمان. وخيره أخوه محمد في السكنى فاختار مسعود قلعة كيدي فبعث إليها، وأمر بإكرامه. ورجع محمد بالعساكر إلى غزنة، وفوّض إلى إبنه أحمد أمر دولته. وكان أهوج فاعتزم على قتل عمه مسعود، وداخل في ذلك عمّه يوسف وعلي خشاوند فوافقوه عليه، وحرّضوه فطلب من أبيه خاتمه ليختّم به بعض خزائنهم، وبعث بهم إلى القلعة مع بعض خدمه ليؤدّي رسالة مسعود، وهو بخراسان يعتذر بأن أولاد أحمد نيال تكين قتلوا السلطان مسعود قصاصا بأبيهم فكتب إليه يتوعّده. ثم طمع الجند في السلطان محمد ومدّوا أيديهم إلى الرعايا ونهبوها. وخربت البلاد وارتحل عنها محمد. وكان السلطان مسعود شجاعا كريما غزير الفضل حسن الخط سخيّا محباّ للعلماء مقرّبا لهم محسنا إليهم وإلى غيرهم من ذوي الحاجات، كثير الصلوات والعطاء والجوائز للشعراء، حليت تصانيف العلوم بإسمه، وكثرت المساجد في البلاد بعمارته. وكان ملكه فسيحا. ملك أصفهان وهمذان والري وطبرستان وجرجان وخراسان وخوارزم وبلاد الدارون وكرمان وسجستان والسند والرخّج وغزنة وبلاد الغور، وأطاعه أهل البّر والبحر، وقد صنّف في أخباره ومناقبه.

مقتل السلطان محمد وولاية مودود ابن أخيه مسعود:

لما بلغ الخبر بمقتل السلطان مسعود إلى إبنه مودود بخراسان سار مجدا في عساكره إلى غزنة فلقيه عمّه محمد في شعبان سنة إثنتين وثلاثين وأربعمائة، وانهزم محمد وقبض عليه وعلى ابنيه أحمد وعبد الرحمن، وعلي أنوش تكين البلخيّ الخصيّ، وعلى علي خشاوند وقتلهم أجمعين، إلاّ عبد الرحمن لرفقه بأبيه مسعود عند القبض عليه. وقتل كل من داخل في قبض أبيه وخلعه، وسار سيرة جدّه محمود. وبلغ الخبر إلى أهل خراسان فثار أهل هراة بمن عندهم من السلجوقية فأخرجوهم، وتشوّف أهل خراسان للنصر على الغزّ من قبل مودود، وكان أبوه السلطان مسعود قد بعث إبنه الآخر إلى الهند أميرا عليها سنة ست وعشرين وأربعمائة. فلمّا بلغه موت أبيه بايع لنفسه، وقفل إلى لهاور والملتان فملكهما، وأخذ الأموال، وجمع العساكر، وأظهر الخلاف على أخيه مودود. وحضر عيد الأضحى فأصبح ثالثه ميتا بلهاور، بعد أن كان مودود يجهز العساكر من غزة لقتاله، وهو في شغل شاغل من أمره، ففرغ عن الشواغل، ورسخت قدمه في ملكه، وخالفه السلجوقية بخراسان، وخاطبه خان الترك من وراء النهر بالانقياد والمتابعة.

استيلاء طغرلبك على خوارزم:

كانت خوارزم من ممالك محمود بن سبكتكين وابنه مسعود من بعده، وكان عليها التوتناش حاجب محمود من أكابر أمرائه ووليها لهما معا. ولما شغل مسعود بفتنة أخيه محمد عند مهلك أبيهما أغار على تكين صاحب بخارى من أطراف البلاد وغيرهما. فلما فرغ مسعود من مراجعة محمد، واستقل بالملك بعث إلى التونتاش بالمسير إلى أعمال علي وانتزاع بخارى وسمرقند منه، وأمدّه بالعساكر فعبر جيحون سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وأخذ من بلاد تكين كثيرا فأقام بها، وهرب تكين بين يديه. ثم دعته الحاجة إلى الأموال للعساكر، ولم يكن في جبايته تلك البلاد. وجاء بها فاستأذن في العود إلى خوارزم، وعاد واتبعه علي تكين، وكبسه على غّرة فثبت وانهزم علي تكين، ونجا إلى قلعة دبوسية. وحاصره التوتناش وضيّق عليه فبعث إليه واستعطفه فأفرج عنه، وعاد إلى خوارزم ، وكانت به جراحة من هذه الوقعة، فانتقض عليه ومات. وترك من الولد ثلاثة وهم: هرون ورشيد وإسمعيل، وضبط وزيره أحمد بن عبد الصمد البلد والخزائن حتى جاء هرون الأكبر من الولد من عند السلطان بعهده على خوارزم، ثم توفي المتميدي وزير السلطان مسعود، وبعث على أبي نصر لوزارته، واستناب أبو نصر عند هرون بخوارزم ابنه عبد الجبّار. ثم استوحش من هرون وسخطه، وأظهر العصيان في رمضان سنة خمس وعشرينوأربعمائة فاختفى عبد الجبار خوفا من غائلته، وسعى عند السلطان مسعود. وكتب مسعود إلى شاه ملك بن علي أحد ملوك الأطراف بنواحي خوارزم بالمسير لقتال إسمعيل فسار، وملك البلد فهزمهما، وهرب إسمعيل، وشكر إلى طغرلبك وداود صريخين، فسار داود إلى خوارزم فلقيهما شاه ملك وهزمهما. ثم قتل مسعود، وملك ابنه مودود فدخل شاه ملك بأمواله وذخائره في المفاوز إلى دهستان ثم إلى طبس، ثم ولى نواحي كرمان، ثم إلى أعمال البتر ومكران. وقصد أرتاش أخا إبراهيم نيال، وهو ابن عم طغرلبك في أربعة آلاف فارس فأسره، وسلّمه إلى داود واستأثر هو بما غنم من أمواله. ثم أعاد أرتاش إلى باذغيس، وأقام على محاصرة هراة على طاعة مودود بن مسعود فامتنعو منه خوفا من معرّة هجومه عليهم.

مسير العساكر من غزنة إلى خراسان:

ولما ملك الغزّ خراسان، واستولوا على سائر أملاكها وأعمالها واستولى طغرلبك على جرجان وطبرستان وخوارزم، وإبراهيم نيال على همذان  وعلى الريّ والجبل؟ وولّي على خراسان وأعمالها داود بن ميكايل ، وبعث السلطان أبو الفتح مودود عساكره مع بعض حجابه إلى خراسان سنة خمس وثلاثين فسرح إليهم داود ابنه ألب ارسلان في العساكر فاقتتلوا، وكان الغلب لألب ارسلان. وعاد عسكر غزنة مهزوما، وسار محس!كر من الغز إلى نواحي بست وعاثوا وأفسدوا فبعث أبو الفتح مودود إليهم عسكرا فقاتلهم، وانهزموا وظفر عسكر مودود بهم وأثخنوا فيهم.

مسير الهنود لحصار لهاور وامتناعها وفتح حصون أخري من بلادهم:

وفي سنة خمس وثلاثين اجتمع ثلاثة من ملوك الهند على لهاور فجمع مقدّم العساكر الإسلامية هناك عسكره، وبعثهم للدفاع عنها. وبعث إلى السلطان مودود، وحاصرها الثلاثة ملوك. ثم أفرج الآخران وعادا إلى بلادهما. وسارت عساكر الإسلام في اتباع أحدهما وهو دوبالي هربابة فانهزم منهم، وامتنع بقلعة له هو وعساكره، وكانوا خمسة آلاف فارس وسبعين ألف راجل. وحاصرهم المسلمون حتى استأمنوا، وسلّموا ذلك الحصن وجميع الحصون التي من أعمال الملك، وغنموا أموالهم، وأطلقوا من كان في الحصون من أسرى المسلمين بعد أن أعطوهم خمسة آلاف ثم ساروا إلى ولاية الملك الآخر واسمه باس الريّ فقاتلوه وهزموه وقتل في المعركة هو وخمسة آلاف من قومه، وأسر الباقون، وغنم المسلمون ما معهم. وأذعن ملوك الهند بعدها بالطاعة، وحملوا الأموال وطلبوا الأمان والإقرار على بلادهم فأجيبوا.

وفاة مودود وولاية عمه عبد الرشيد:

ثم توفي أبو الفتح مودود بن مسعود بن محمود بغزنة لعشر سنين من ولايته في رجب سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وقد كان كاتب فأجابوه وجمع أبو كليجار صاحب أصفهان العساكر، وسار في المفازة لنصره فمرض في طريقه ورجع. وسار خاقان إلى ترمذ لنصره، وطائفة أخرى مما وراء النهر إلى خوارزم. وسار مودود من غزنة فعرض له بعد رحيله من غزنة مرض القولنج، فعاد إلى غزنة، وبعث إلى وزيره أبي الفتح عبد الرزاق بن أحمد المتميدي في العساكر إلى سجستان لانتزاعها من الغزّ. ثم اشتدّ وجعه فمات ونصّب إبنه للأمر خمسة أيام. ثم عدل الناس عنه إلى عمه عليّ بن مسعود، وكان مسعود لأوّل ولايته قبض على عمّه عبد الرشيد أخي محمود، وحبسه بقلعة بطريق بسْت. فلمّا قاربها الوزير أبو الفتح وبلغه وفاة مودود، نزل عبد الرشيد إلى العسكر فبايعوا له، ورجعوا به إلى غزنة فهرب عليّ بن مسعود واستقّر الأمر لعبد الرشيد، ولقّب سيف الدولة، وقيل جمال الدولة. واستقام أمر السلجوقّية بخراسان، واندفعت العوائق عنهم.

مقتل عبد الرشيد وولاية فرخزاد:

كان لمودود صاحب إسمه طغرل، وجعله حاجبا ببابه. وكان السلجوقّية قد ملكوا سجستان، وصارت في قسم بيقو أخي طغرلبك، وولّى عليها أبا الفضل من قبله فأشار طغرلبك على عبد الرشيد بانتزاعها منهم، وألحّ عليهم في ذلك، فبعث إليها طغرل في ألف فارس، فحاصر حصن الطاق أربعين يوما. وكتب أبو الفضل من سجستان يستنجده. وسار طغرل، ولمّا سمع أصوات البوقات والدبادب، وأخبر أنه بيقو فتحاجزوا، وعلم أنه تورط ولقيهم مستميا فهزمهم وسار إلى هراة. واتبعهم طغرل فرسخين، وعاد إلى سجستان فملكها، وكتب إلى عبد الرشيد بالخبر، واستمدّه لغزو خراسان فأمدّه بالعساكر. ثم حدّثته نفسه بالملك فأغذّ السير إلى غزنة حتى كان على خمسة فراسخ منها، كتب إلى عبد الرشيد باستيجاش العسكر، وطلبهم الزيادة في العطاء فشاور أصحابه فكشفوا له وجه المكيدة في ذلك. وحذّروه من طغرل فصعد إلى قلعة غزنة وتحصّن بها. وجاء طغرل من الغد فنزل في دار الإمارة، وأرسل أهل القلعة في عبد الرشيد فأسلموه إليه فقتله، واستولى على ملكهم. وتزوّج إبنة السلطان عبد الرشيد ويحضهم على الأخذ بثأره فأجابوا ودخلوا عليه في مجلسه وقتلوه وجاء خرخيز الحاجب لخمسة أيام من قتله، وجمع وجوه القوّاد وأعيان البلد، وبايع فرخاد أبن السلطان مسعود، وقام بتدبير دولته وقتل الساعين في إلى غزنة، ولقي الغز وهزمهم. ودخل غزنة فملكها من أيديهم. ثم سار من غزنة إلى كرمان وسوران فملكها. وكرمان هذه بين غزنة والهند، وليست كرمان المعروفة. ثم سار غيّاث الدين إلى نهر السند ليعبر إلى لهاور كرسي خسرو شاه بن بهرام شاه فبادر خسرو شاه ومنعه العبور فرجع، وملك ما يليه من جبال الهند وأعمال الأنبار. وولّى على غزنة أخاه شهاب الدين ورجع إلى بيروز كوه.

استيلاء الغورية علي لهاور ومقتل خسرو شاه وانقراض دولة بني سبكتكين:

ولما ولي شهاب الدين الغوري غزنة أحسن السيرة فيهم، وافتتح جبال الهند مما يليه فاستفحل ملكه، وتطاول إلى ملك لهاور قاعدة الهند من يد خسرو شاه فسار سنة تسع وسبعين وأربعمائة في عسكر غزنة والغور، وعبر إليها وحاصرها، وبذل الأمان لخسرو شاه وأنكحه إبنته وسوّغه ما يريد من الإقطاع على أن يخرج إليه، ويخطب لأخيه فأبى من ذلك. وأقام شهاب الدين يحاصره حتى ضاق مخنقه. وخذله أهل البلد فبعث القاضي والخطيب يستأمنان له فأمنّه ودخل شهاب الدين، وبقي خسرو شاه عنده مكرّما. وبقي شهرين ينتظر المعونة من يد غيّاث الدين فأنفذ خسرو شاه إليه فارتاب من ذلك، وأمنه شهاب الدين وحلف له، وبعث به وبأهله وولده مع جيش يحفظونهم. فلمّا وصلوا بلد الغور حبسهم غياث الدين ببعض قلاعه فكان آخر العهد به، وانقرضت دولة بني سبكتكين بموته، وكان مبدؤها سنة ست وستين وثلاثمائة فتكون مدّة الدولة مائتين وثلاث عشرة سنة.

سلاطين دولة بني سبكتكين:

الحاكم

الحكم

ناصر الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين

998-1030

جلال الدولة محمد بن محمود

1030-1030

شهاب الدولة مسعود بن محمود

1030-1041

جلال الدولة محمد بن محمود

1041-1041

مودود بن مسعود

1041-1049

علي بن مودود

1049-1049

بهاء الدولة علي بن مسعود

1049-1050

عز الدولة عبد الرشيد بن محمود

1050-1052

جمال الدولة فروخ زاده بن مسعود

1052-1060

ظهير الدولة أبراهيم بن مسعود

1060-1099

مسعود بن إبراهيم

1099-1115

شير زاده بن مسعود

1115-1115

أرسلان شاه بن مسعود

1115-1118

بهرام شاه بن مسعود

1118-1152

خسرو شاه بن مسعود

1152-1156

خسرو ملك بن خسرو

1156-1186