العين الجماعية

العين الجماعية

قدري حافظ طوقان

عضو المجمع العلمي العربي بدمشق

عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة

نشر المقال في تشرين الثاني / نوفمبر 1960 ، العدد الاول ، الرائد العربي

نظر الانسان الى الافلاك وتطلع نحو السماء فرأى شمساً وقمراً ونجوماً وكواكب ، ولم يدرك عددها او أهميتها حتى استعمل المرقب ( التلسكوب ) فقرَب الاشياء البعيدة وكشف عن أجسام لم يكن باستطاعة العين المجردة رؤيتها او معرفة شيء عنها . وهو ، أي الانسان العادي ، لا يستطيع ان يرى بعينيه أكثر من ستة الاف نجم ، لكنه بمرقب غاليلو ( الذي لم يتجاوز قطره 2.25 من البوصات ) إستطاع ان يرى عشرة اضعاف ما كان يراه .

والمرقب الفلكي ، في ابسط صوره ، يتركب من عدسة لامة تسمى ” شيئية ” تعكس صورة حقيقية مصغرة مقلوبة للجسم البعيد ، وعدسة اخرى تسمى ” عينية ” تكَبر هذه الصورة اذا نظرنا اليها من خلالها .

ولا يخفى ان صورة البعيد ، كالاجرام السماوية ، اذا ظهرت مقلوبة لا تؤثر على البحوث الفلكية . ولكن اذا كان هذا الجسم على الارض فمن المستحسن ان تكون صورته غير مقلوبة . وللحصول على مرقب أرضي ، يضاف الى المرقب الفلكي عدستان أخريان لكي تتعدل بهما الصورة .

المراقب الفلكية نوعان : المراقب الكاسرة والمراقب العاكسة . والعاكسة هي المراقب الكبيرة الحديثة . ويحتاج صنع عدساتها الى مهارة ودقة حتى تكون صافية متقنة الصقل كي يخترقها الضوء من دون تكسر او تشتت . فلا عجب ، في هذا المجال ، إن عد النجاح في صقل “جبل بالومار ” البالغ قطره 200 بوصة من أعظم الاعمال المجيدة التي تمت في القرن العشرين . ومع تقدم صناعة المراقب ازداد عدد النجوم التي يمكن مشاهدتها ، فاصبح بمقدور العلماء الان ان ينظروا بمراقب أقطارها 60 او 70 او 100 بوصة ، بل 200 بوصة . وبذلك صار عدد النجوم التي يمكن رؤيتها يزيد على خمسمئة مليون نجم . وبواسطة ألواح التصوير وصل هذا العدد الى الف مليون . وكلما كبر قطر المرقب واتقنت وسائل التصوير ، زاد عدد ما يمكن رؤيته من النجوم زيادة كبيرة ، هي محل الدهشة والاستغراب .

لقد قربت بعض المراقب الحديثة القمر ، حتى كأنه على بعد خمسة وعشرين ميلاً منا . ولا شك ان هذه المراقب هي من عيون العلم الكاشفة المستخدمة في الكشف عن اجزاء من الكون ، متغلغلة في البعد . وقد استطاع الفلكيون بمرقب جبل ويلسون ، وقطر عدسته مئة بوصة ، ان يتبينوا بواسطته العوالم الفلكية 150 مليون سنة ضوئية .

والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها النور في سنة واحدة . اما النور فإنه يقطع في الثانية 186000 ميل. فاذا ضربنا هذا العدد في 60 ثم في 60 ثم في 24 ثم في 360 ينتج ما يقطعه النور في سنة واحدة وهو 6 ملايين بليون ميل !.. هذا العدد يستعمل كوحدة بسيطة في قياس المسافات بين الاجرام السماوية ويطلق عليها ” السنة الضوئية ” .

هناك مرقب أشد نفاذاً من مرقب جبل ويلسون . وقد انتهى الاميركيون من صنعه قبل سنوات قليلة . وهو الان قائم على قمة جبل بالومار في كاليفورنيا الذي يرتفع عن سطح البحر 2650 متراً . وكان قد بوشر في صنع هذا المرقب قبل اثنتي عشرة سنة باشراف عدد من كبار الفلكيين والمهندسين . ويعد العلماء هذا العمل من أروع الاعمال التي قام بها الانسان ، وذلك لما تقتضيه عمليات التذويب والسبك والتجفيف والصقل من دقة متناهية ، وعناية فائقة . ولا يخفى ان في هذه العمليات ، لا سيما الصقل، ما يثير الاعصاب ويزعزعها ، خاصة اذا ما علمنا ان بلورة المرآة صنعت من زجاج خاص شديد المقاومة للحرارة وأفرغت بعد ذلك في القالب بحذر ودقة ، رويداً رويداً . وقد استغرق هذا العمل سنة كاملة ثم حفرها ثلاث سنوات وصقلها سنة رابعة إضافية . واستخدم المهندسون في عملية الصقل 31 طناً من المواد الناعمة والدقيقة جداً لازالة ما يزيد على خمسة أطنان من الزوائد عن البلورة . ورأى المتخصصون ان التحدب لا يكون تاماً ، وفي درجة الكمال ، الا اذا أتموا عملية الصقل بازالة نصف أوقية أخيرة عن سطح البلورة . وبعد ذلك طلي السطح برشاش دقيق من بخار الالومينيوم لتزداد قدرة البلورة على عكس الاشعة . وكان لهم هذا كله بعد جهود مضنية . ولما كان المشاركون بهذا العمل ليقوموا به لولا حبهم الشديد للعلم وتعلقهم به واخلاصهم لغاياته واهدافه .

بذلك إستوفى التحدب في البلورة الشروط الكاملة وصار في امكان الفلكي ان يجمع الاشعة الاتية من الاجرام السماوية ، مهما كانت ضئيلة ، على صفحة فوتوغرافية صغيرة لتصوير النجوم وسواها . وتطرح مرآة هذا المرقب العظيم الانعكاسات في انبوب طوله 18 متراً تثبت في طرفه آله تصوير .

يبلغ وزن البلورة 14 طناً . اما وزن آلة المرقب بمختلف أجزائها فهو 500 طن وعلوها عشرة ادوار من البنايات الشاهقة . ويمكن جعلها تدور على نفسها بسرعة دوران الارض .

يستطيع الفلكيون ان يصلوا بواسطة هذا المرقب الى سدم تبعد 750 مليون سنة ضوئية !.. وقد يزول العجب من قوة اجتياز هذه المسافات اذا علمنا ان مرآة هذا المرقب تجمع من الضوء 640 الف ضعف ما تستطيع العين البشرية جمعه . وقد كلف صنع هذا المرقب الضخم ما يقرب من مليوني جينه واستغرق صنعه أكثر من اثنتي عشرة سنة .

تختلف هذه العين المخيفة الجامعة للضوء عن العين البشرية . فهي لا تتعب ولا يعتريها السأم . فالتحديق يلحق الضرر في عين الانسان ويضعف حساسيتها ، بينما المرقب او الواح التصوير الملحقة به تزداد إنطباعاً بالضوء كلما طال تعرضها له . فلا سقم يصل اليها ولا تعب يضنيها .
وبفضل المراقب وتوابعها من تصوير ومعادلات ثبت ان المجرة ليست الا مجموعة من نجوم متنوعة ومجتمعات نجمية وغيوم شمسية تتحرك في اتجاهات مختلفة وتتبع نظاماً خاصاً بها .

هناك تفصيلات عن اتساع المجرة وحساب كتلتها ما كان لنا ان نصل اليها عن طريق المراقب وحدها ، بل بمساعدة الرياضيات ، بمعادلاتها وأرقامها . فلولا الحسابات الرياضية ، ولولا المعادلات ، لما كان بالامكان ان نعرف شيئاً عن إتساع الكون وحركات السدم ومداها . ومن الغريب ان الفلكي استطاع ان يكتشف بواسطة المعادلات والارقام ، كواكب جديدة لم تكن معروفة من قبل . فقد رأى بعض العلماء ان هنالك إضطراباً في فلك اورانوس واستنتجوا ، بفعل تقصيه عن الطريق التي عليه سلوكها التي تحددها الحسابات والارصاد ، ان هذه القوة الجاذبة له ليست الا نتيجة لجذب كوكب آخر غير معروف . وقام الفلكيون في حوالي منتصف القرن التاسع عشر للميلاد بالبحث في هذا الامر واستطاعوا ان يعينوا على الورق مكان السيار المجهول وان يحددوا موقعه والطريق التي يسلكها حول الشمس ، وذلك باعتمادهم قوانين الجاذبية ومعادلاتها . ووجه الفلكيون في ما بعد مراقبهم الى مكان السيار الجديد ( نبتون ) فوجدوه في الموضع الذي حددته المعادلات والحسابات . وثبت ان الرياضيات هي من عيون العلم الحادة والدقيقة التي فتحت آفاقاً جديدة في معرفة الكون وأوضحت بعض الغامض وكشفت بعض المجهول .

أقام هذا التطور العلمي الدليل على صحة القوانين الطبيعية والمعادلات . وكان هذا الاكتشاف من العوامل التي زادت العلماء ثقة بالعلم ومقدرته على الاحاطة باسرار الكون وروائع الوجود ، كما كان من عوامل التقدم الكبير الذي حققته العلوم الرياضية والطبيعية .

لم تقف عيون العلم هذه عند هذا الحد ، بل تعدته وكشفت عن سيار آخر بعد نبتون . وعندما لجأ الفلكيون الى المعادلات استطاعوا ان يعينوا موقع السيار الجديد على الورق وان يتنبأوا بحركاته. وفي عام 1930 اعلن عن اكتشاف سيار جديد أطلق عليه اسم ” بلوتو ” في المكان ذاته الذي حددته الرياضيات والارقام . وهنا اعترى الدوائر العلمية هزة هي هزة النشوة والثقة ، إذ تضاعفت ثقة العلماء بأنفسهم للمرة الثانية وأثبتوا ان عيون العلم دقيقة لا يشوبها خطأ او غلط . وبذلك ثبت للناس ان الفلك لا يقوم على التخمين والخرافات والحدس كما كان يظن بعضهم ، بل هو علم يقوم على أدق الحسابات الرياضية والنظريات الطبيعية الخاضعة للأصول العلمية .

إن اكتشاف بلوتو ونبتون عن طريق علم الرياضيات ومعادلاته قبل المرصد وآلاته قد أقام الدليل القاطع على صحة التنبؤات المبنية على اسس وطرق علمية صحيحة ومتطورة .