العمارة الاسلامية المدنية

العمارة الاسلامية المدنية

تميزت العمارة الاسلامية المدنية بتركيزها على الداخل اكثر من اهتمامها بالمنظر الخارجي . وأبرز ما نشاهده في هذا المجال البيت العربي الاسلامي حيث نرى بناءً مستطيلاً يلتف حول فناء داخلي واجهته الخارجية حائط كبير مرتفع فيه فتحة واحدة ضيقة حيث يقوم باب صغير . وهذه البيوت تشبه المجمعات العائلية حيث يبني الاب لابنائه منازلهم حول بيته او ملتصقة به. وكثيراً ما يكون المدخل الاساسي الكبير مشتركاً يفتح على ممر طويل فيه ابواب متعددة يقود كل باب منها الى بيت مستقل . وعندما تكبر العائلة او العائلات تضاف غرف جديدة على الارض الفارغة الملاصقة للمجمع . واذا ما امتلأت الارض بالبيوت يُبدأ ببناء طبقات فوق البيوت القائمة لاستيعاب العائلة الجديدة او العوائل الجدد . والبيوت الاسلامية الجديدة ما زالت تبنى اليوم على هذا المنوال في بعض البلدان العربية والاسلامية وخاصة المحافظة منها. فالفناء الداخلي الكبير ما زال موجوداً رغم ان الابنية المطلة عليه بدأ يغلب عليها الفن المعماري الغربي. وهذا الفناء يقوم بأكثر من عمل واحد. فهو يعطي العائلة خصوصية ويعمل في المناطق الحارة كملطف للجو الحار والناشف. فهو يحمي الساكنين من الرياح والشمس الحارقة والزوابع الرملية خصوصاً عندما تكون المجمعات العائلية مبنية في مناطق صحراوية. وهي في الوقت نفسه تجلب البرودة. أما سطوح الأبنية فمسطحة في غالبها ومسورة بحواجز ذات طابع تزييني.

يطلق في بعض البلدان على الفناء الداخلي اسم “عمارة الحجاب”. فهو يحجب الداخل وساكنيه عن أعين المارة والفضوليين ويؤمن للعائلة الخصوصية والعزلة المطلوبة.

تقوم غرف الاستقبال عادة قرب المدخل بعيدة عن غرف النساء والأولاد. وهذه عادة استعارها البناؤون من الخيمة حيث كان جناح النساء يفصل بقماش سميك عن جناح الرجال. وتعكس غرف الاستقبال منزلة صاحب البيت ووضعه المادي، لذلك هي أكثر الغرف زخرفة وأغناها فرشاً. وكذلك استعار المعماريون الإيوان وحوّلوه غرفة استقبال كبيرة. وكان الإيوان منتشراً على نطاق واسع في إيران وآسيا الوسطى في القصور والجوامع والمدارس والخانات.

يذكر بعض دارسي الفن المعماري الإسلامي أن هذا الفن يختلف بشكل أساسي عن الفن الأوروبي. فهو إلى جانب كونه أكثر اهتماماً بالداخل فإنه قلما اتخذ طبيعة محورية أو اتجاهية، حتى في بناء المساجد. فالمباني الكبيرة معمّدة الغرف ذات أعتاب في أطرافها الضيقة. والأبواب لا تقوم في هذه الأطراف كما نرى في المباني الأوروبية بل في وسط ممر من ممرات البناء. لذلك يواجه الإنسان الداخل حائطاً وعليه الاستدارة إما شمالاً أو يميناً للوصول إلى حيث يريد. وهذا النوع من البناء ورثه العرب من العمارات القديمة السابقة للإسلام وبخاصة المعابد منها، وهو بناء لا يتفق مع مبادئ الفن الأوروبي. وإلى جانب ذلك، فإن الفن المعماري الإسلامي المدني يُبقي على إمكانية الإضافة إلى المبنى إذا نشأت حاجة لذلك، كأن يضطر صاحب المبنى إلى إضافة غرف جديدة أو بيت جديد مرتبط بالمبنى. وهكذا يصبح البناء مجموعة أبنية حول بناء مركزي.

يستشهد المعماريون الغربيون على صحة ما يقولون حول البناء الإسلامي بقصر الحمراء في غرناطة بالأندلس الذي بناه الخليفة عبد الوليد في القرن الرابع عشر. فالقصر صمم أصلاً ليكون له فناءان كبيران متقابلان في زاوية مستقيمة. فكانت القاعات تطل على الفناء، والقاعات على الغرف، وبدورها تطل كلها على ساحات وحمامات. وجميعها مزخرف بالخشب والسيراميك والجص. فهو بذلك خالف قواعد الفن الأوروبي الذي ركز دائماً على نقطة مركزية يُبنى حولها كل شيء بينما قصر الحمراء شبكة كبيرة من الغرف والساحات والممرات وأحواض الماء والأقنية ترتبط من خلالها المساحات المبنية المسقوفة منها وغير المسقوفة.