العلا

العـلا

برزت العلا السّعودية في أوائل القرن السّابع الهجري كمدينةٍ رئيسةٍ تابعةٍ آنذاك لسلطة الأيّوبيين في دمشق. وفي القرن الثّامن عشر  ميلادية كانت تابعةً لسلطة العثمانييّن. وفي القرن التّاسع عشر تبعت لمحافظة المدينة المُنوّرة ثم أصبحت تابعةً لإمارة حائل حتّى عام 1309هجرية وبعدها عادت مرةً أخرى لتتبع المدينة المنوّرة. وبعد مُبايعة الملك عبد العزيز ملكًا على الحجاز، عام 1344هجرية/1926ميلادية، أرسل أهالي العلا برقيةً تبايع فيه الملك عبد العزيز على الحكم.

كانت تُسمّى قديمًا بوادي القرى وديدان وهي من أقدم المدن. تاريخها لم يُعرَف على وجه  الدّقة، إلاّ أنّ العلماء أجمعوا على أنّ تاريخها يعود إلى ما قبل الميلاد بآلاف السّنين، وقد مرّت بعِدّة حضاراتٍ وتعاقبت عليها دولٌ عديدةٌ. ومرّ بها النّبي في غزوة تبوك. وهي بلد الشّاعر جميل بُثينة.

الباحثون يسمّونها بعاصمة الأثار وبلد الحضارات، كما تُعرف عند أهلها بـ”عروس الجبال”. يتّصف أهلها بطيبتهم وحُسن ضيافتهم. فيها مدائن صالح أو قرى صالح أو الحجر، وهي تسمياتٌ تُطلق على مكان قوم ثمود والأنباط حيث مقابرهم المنحوتة في الجبال بطريقة غايةٍ في الجمال والغرابة والتي تُعرَف عند أهل المنطقة بالقصور لروعة النّحت وجماله.

ومن أثار العلا محلب ناقة سيدنا صالح، القلاع الإسلامية، محطّات سكة الحديد، مقابر الأسود، جبل عكمه، الصليمية، وغيره الكثير لم   يكشف بعد حتّى الأن…

حدّد العلماء أربع ممالك قامت في العلا كوّنت فيها حضارات منذ بداية القرن السّادس قبل الميلاد، وهذه الممالك أو الدّول هي:

1- مملكة ديدان وحُدِّد تاريخها من القرن السّادس قبل الميلاد حتى بداية القرن الخامس قبل الميلاد، ونظام الحكم فيها كان ملكيًا   يغلب عليه الطّابع الوراثي ولا يُعرَف حدودٌ لهذه الدولة أكثر من حدود لحيان.

2 – مملكة لحيان وحدّد العلماء تاريخ تلك الدولة من بداية القرن الخامس قبل الميلاد حتى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد ونظام   الحكم فيها وراثي. وقد امتدّ نفوذ هذه الدّولة حتى خليج العقبة. وذكرت كُتُب التاريخ أنّ اللّحيانييّن لم ينقرضوا، بل ذكرت بعض الكتب وجودهم حول مكّة المكرّمة إلى يومنا هذا، ويقال إنّهم هاجروا إلى الحيرة في العراق.

3 – دولة “معين” وهذه الدّولة حُدِّد تارخها من منتصف القرن السّادس قبل الميلاد واستمرّت حتّى مطلع القرن الأول ميلادي. ويعتقد   بعض المؤرخين أنّ وصول المعينيين إلى العلا لا يعني انتهاء دولة لحيان وإنّما حصل إتفاق بين الطرفين على أن يكون للمعينيين إدارة النواحي التجارية وللحيانيين الناحية الإدارية ونتظيم شؤون الحكم.

4 – دولة الأنباط: الأنباط قبائل عربيةٌ عاشت في المنطقة الواقعة بين العراق وسوريا والأردن وجاءوا إلى منطقة البتراء في الأردن   واستولوا عليها من الأدوميّين. وقد وصل الأنباط إلى مرحلةٍ متقدمةٍ من الرّقي قبل احتلال الرومان لسورية عام 65 قبل الميلاد، حيث توسّع نفوذهم ليصل إلى شرق وجنوب فلسطين ودمشق وإلى مدائن صالح. ولسوء العلاقة بين اليهود والرّومان والبطالسة في مصر من جهةٍ وبين الأنباط من جهةٍ أخرى، وقعت دولة الأنباط تحت الحكم الروماني وتفرّقت قبائلهم. وقد شيّد الأنباط حضارتهم في مدائن صالح.

ذهب بعض الباحثين وعلماء الآثار، أمثال الدكتور عبد الله بن آدم نصيف، إلى الإعتقاد أنّ الأنباط عندما استولوا على الحجرـ مدائن  صالح ـ حوّلوا الطريق التجاري عن ديدان-العلا ليحرموها أهمّ الموارد المالية، وذلك في سبيل إضعاف اللحيانييّن.

وبعد ذلك خلت، ديدان من السكان وسقطت مع مرور الزمن إلى خرائب وسميت الخريبة، وأصبح الوادي يعرف بوادي القُرى بدلاً من وادي ديدان، وأصبحت مدينة قرح هي مدينة الوادي الرّئيسة وغلب عليها إسم وادي القرى. وقد ازدهرت مدينة قرح خلال فترة ما قبل  الإسلام وأصبحت سوقًا تجاريةً مشهورةً.

تشير المصادر التّاريخية أنّه في جمادى الآخرة للسّنة السابعة للهجرة فتح الرّسول وادي القرى عنوةً. وتَذكُر المصادر أيضًا أنّ الرسول   مرّ بها أثناء ذهابه إلى تبوك في العام التّاسع هجري.

وفي العهد الإسلامي في القرن السّابع الهجري، شاع استعمال إسم العلا أكثر من ذي قبل، رغم أنّه كان معروفًا سابقًا كقرية وادي   القُرى في العصر الأموي.

وأثناء النّزاع على خلافة الدولة الإسلامية بين الأموييّن في دمشق وعبد الله بن الزبير في مكة المكرمة، كانت وادي القرى تُتّخذ  كمنطلقٍ للجيوش التي ُترسَل من كِلا الطّرفين لوقوعها في منتصف المسافة بين مكّة المكرمة ودمشق.

أوّل ما رأت العلا من مظاهر العصر الحديث هو دخول سكّة حديد الحجاز إليها وتوقّف هذا القطار في محطّتها. وعندما دخلت راية الحكم   السعّودي نالها ما نال شقيقاتها مدن المملكة من التّطور والإزدهار.

كانت أهمية العلا والحجرـ مدائن صالح ـ بشكلٍ عامٍ بالغةً لوقوعها على طريق التّجارة القديم. فنجدهما في العصور القديمة تتحكّمان   في حركة النقل التجاري بين الشمال والجنوب، وفي العصور الإسلامية كانتا محطتين من محطات طريق الحجّ الشّامي. وفي العصور الحديثة أصبحتا محطّتين على خط سكّة حديد الحجاز لخدمة حجّاج بيت الله الحرام.

ولأهميتهما العلمية في تاريخ الإنسان، رحل إليهما الكثير من العلماء لدراستهما، ورغم ذلك فالموقعان مُحتاجان لكثيرٍ من الدّراسة   لإزالة كثيرٍ من الغموض.

هناك العديد من المعالم الأثرية، وماهو موجود في الموقع هو جزء بسيط ممّا هو على أرض الواقع، ومنها:

– مدائن صالح وهي عبارة عن مقابر منحوتة في الصّخر وتمثّل حضارة ثمود قوم النّبي الصّالح.

– الخريبة وبها محلب النّاقة، وهو عبارة عن حوضٍ كبيرٍ يُقال إنّ ناقة صالح كانت تحلب حليبًا يشربه الناس. غير أنّ بعض علماء الآثار   أجمعوا على أنّ محلب النّاقة بقايا معبدٌ نبطيٌ قديمٌ وليس محلب ناقة النّبي صالح.

– مقابر الأسود المنحوتة في الواجهات الصّخرية وأُطلِقَ عليها هذا الإسم لوجود حيواناتٍ تُشبه الأسود على المقابر.

– جبل عكمه وفي أعلاه أحد المعابد القديمة.

– المابيات وهي إحدى المستوطنات القديمة قِدَم التّاريخ.

– محطّات سكك الحديد والتي تدلّ على أنّ العلا محطةٌ مهمةٌ ورئيسةٌ لخدمة حجّاج بيت الله الحرام القادمين من الشّام.

– المزحم وهو عبارة عن ممرٍ ضيقٍ، تروي الأساطير أنّه المكان الذي عقرت فيه النّاقة.

– الحواره وهي عبارة عن جبلٍ كبيرٍ أملسٍ خرجت منه ناقة صالح ولجأ إليه الحوار بعد عقرها.