عصر بني أمية

                                                                                                                        

العصر الأول

عصر بني أمية

عصر الإمارة والخلافة (756-1020م)

 

طارق بن زياد (طارق بن زياد خارج هذا الدور، فتح طارق الأندلس عام 713م)

ركبنا سفيناً بالمجاز مقيّراً

على أن يكون الله منا قد اشترى

نفوساً وأموالاً وأهلاً بجنّة

إذا ما اشتهينا الشيء فيها تيسّرا

ولسنا نبالي كيف سالت نفوسنا

إذا نحن أدركنا الذي كان أجدرا!

 

عبد الرحمن الداخل

1-

تبدّت لنا وسْط الرّصافة نخلةٌ

تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل

 

فقلت: شبيهي في التغرّب والنوى

وطول التنائي عن بنيّ وعن أهلي

 

نشأت بأرض أنت فيها غريبةٌ،

فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي

 

سقتك غوادي المزن في المنتأى الذي

يسُحُّ، ويستمري السماكين بالوبل،

 

 

 

2-

يا نخلُ أنت فريدةٌ مثلي

في الأرض نائية عن الأهل

 

تبكي وهل تبكي مكمّمةٌ

عجماء لم تجبَل على جبْلي؟

 

ولو أنها عقّلت اذاً لبكت

ماء الفرات ومنبت النخل

 

لكنها حرمت وأخرجني

بغضي بني العباس عن أهلي

 

 

 

3-

دعني وصيد وقّع الغرانق

فإن همّي في اصطياد المارق

 

في نفقٍ إذا كان أو في حالق

إذا التظتْ هواجرُ الطرائق

 

كان لفاعي ظلُّ بندٍ خافق

غنيتُ عن روضٍ وقصرٍ شاهق

 

يالقفر والإيطان في السرادق

فقل لمن نام على النمارق

 

إن العلا شُدّت بهمّ طارق

فاركب إليها ثَبَج المضائق

                             أو لا فأنت أرذل الخلائق

 

 

 

4-

شتان من قام ذا امتعاضٍ

منتضيَ الشفرتين نصلاً

 

فجاز قفراً وشقّ بحراً

مسامياً لجّةً ومحلا

 

فبز ملكاً وشاد عزاً

ومنبراً للخطاب فصلا

 

وجنّد الجند حين أودى

ومصّر المِصر حين أخلا

 

ثم دعا أهله جميعاً

حيث انتوى أن هلمّ أهلا

 

فنال أمناً ونال شبعاً

ونال مالاً ونال أهلا

 

ألم يكن حقّ ذا على ذا

أعظم من منعمٍ ومولا؟

 

أبو المحشى

وكان أبو المحشى شاعر الأندلسً في أيامه، فمدح سليمان بن عبد الرحمن بشعر، وتُوهّم عليه فيه أنه عرّض بهشام أخيه، وكانت بينهما مباعدة ومنافسة. فتعصب متعصب لهشام فسمل عينيه، فقال في العمى شعراً حسناً، ثم قصد به عبد الرحمن بن معاوية فأنشده إياه، فرَقّ له واستعبر ودعا بألف دينار فأعطاه وضاعف له دية العينين. وهو الشعر الذي أوله:

خضعت أم بناتي للعدى

أن قضى الله قضاءً فمضى

ورأت أعمى ضريراً إنما

مشيُهُ في الأرض لمسٌ بالعصا،

فاستكانت ثم قالت قولةً

وهي حرّى بلغت مني المدى

ففؤادي قرحٌ من قولها:

ما من الأدواء داءٌ كالعمى

 

الحكم الأول (الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل) 

1-

رأيتُ صدوعَ الأرض بالسيف راقعاً،

وقُدُماً لأمتُ الشعب مذ كنت يافعاً

 

فسائل ثغوري هل بها اليوم ثُغرةٌ

أبادرها مستنضي السيف دارعاً،

 

وشافه مع الأرض الفضاء جماجماً

كأقحاف شريان الهبيد لوامعا،

 

تنبئك أني لم أكن في قراعهم

بوانٍ، وقدماً كنت بالسيف قارعاً،

 

وإني إذ حادوا جزاعاً من الردى

فلم أك ذا حيدٍ من الموت جازعاً،

 

حميتُ ذماري فانتهبت ذمارهم

ومن لا يحامي ظلّ خزيان ضارعاً،

 

ولما تساقينا سجال حروبنا

سقيتهم سُمّاً من الموت ناقعاً،

 

وهل زدتّ أن وفيتُهُم صاع قرضهم

فوافوا منايا قدّرت ومصارعا،

 

فهاك بلادي إنني قد تركتُها

مهاداً ولم أترك عليها منازعاً،

 

 

 

2-

قضيبٌ من البان ماست فوق كثبان

وليّنَ عني وقد أزمعن هجراني

 

ناشدتهن بحقي فاعزمن على ال

عصيان لما خلا عنهن عصياني

 

ملّكنني ملكاً ذلّت عزائمه

للحب ذلّ أسير موثق عاني

 

من لي بمغتصبات الروح من بدني

ينصبنني في الهوى عزّي وسلطاني

 

 

 

3-

ظلّ من فرط حبه مملوكاً

ولقد كان قبل ذاك مليكاً

 

إن بكى أو شكا الهوى زيد ظلماً

وبعاداً أدنى حماماً وشيكا

 

تركته جآذر القصر صبّاً

مستهاماً على الصعيد تريكاً،

 

يجعل الخدّ واضعاً فوق ترب

للذي يجعل الحرير أريكا

 

هكذا يحسن التذلل للحـ

رّ إذا كان في الهوى مملوكا!

 

حسانة التميمية 

أتى إليك أبا العاصي موجعةٌ

أبا الحسين سقيته الواكف الديَمُ

قد كنت أرقع في نعماه عاكفةً

فاليوم آوي إلى نعماك يا حكم

أنت الإمام الذي انقاد الأنام له

وملّكته مقاليد النهى الأمم

لا شيء أخشى إذا ما كنت لي كنفاً

آوي إليه، ولا يعرونيَ العدم

لا زلت بالعزة القعساء مرتدياً

حتى تذلّ إليك العرب والعجم

 

الأمير عبد الله بن عبد الرحمن بن الحكم الأول 

1-

ويلي على شادنٍ كحيل

في مثله يُخلعُ العِذارُ

 

كأنما وجنتاه وردٌ

خالطه النور والبهار

 

قضيب بان إذا تثنى

يُدير طرفاً به احورار

 

فصفوُ ودّي عليه وقفٌ

ما اطّرد الليل والنهار

 

 

 

2-

يا من يراوغُهُ الأجل

حتى مَ يلهيك الأمل؟

 

حتى م لا تخشى الردى

وكأنه بك قد نزل؟

 

أغفلت من طلب النجا

ة، ولا نجاة لمن غفل؟

 

هيهات تشغلك المُنى

ولما يدوم بك الشغل.

 

فكأن يومك لم يكن

وكأن نعيك لم يزل!

 

عبد الله بن الشمْر  

أتّقرن حصباءَ اليواقيت والشذر

إلى من تعالى عن سنا الشمس والبدر؟

إلى من برت قدماً يدُ الله خلقه

ولم يك شيء غيره أبداً يَبري

فأكرم به من صنعة الله جوهراً

تضاءل عنه جوهر البر والبحر

له خلق الرحمن ما فيه سمائه

وما فوق أرضيه ومكّن في الأمر

 

عبد الرحمن الثاني (بن الحكم) 

قريضُك يا ابن الشّمر على الشعر

وجلّ عن الاوهام والفهم والفكر

اذا شافَهتْهُ الأُذن أدّى بسحره

إلى القلب إبداعاً فجلّ عن السحر

وهل بدأ الرحمن من كل ما برا

أقرّ لعين من منعّمةٍ بِكر؟

ترى الورد فوق الياسمين بخدّها

كما فُوّق الروضُ المنوّر بالزهر

فلو أنني مُلّكتُ قلبي وناظري

نظمتها منها على الجيد والنحر!

 

زرياب المغني (بكسر الزاي)

عُلّقتُها ريحانةً

هيفاء عاطرة نضيره،

بين السمينة والهزيلة

والطويلة والقصيره،

لله أيام لنا

سلت على دير المطيره

لا عيب فيها للمتيّم

غير أن كانت يسيره!

 

عبد الملك بن جهْور

1-

قد بعثنا اليك بالنرجس الغـ

ضّ حكى لونَ عاشق معمود

 

فيه ريح الحبيب عند التلاقي

واصفرار الحبّ عند الصدود

 

 

 

2-

من ذا يفكّ أساريه

ويحلّ عقدَ عقاله؟

 

من ذا يخلّص من هوى

من حينُه في الهاويه؟

 

إني بُليتُ بثمر من

تحت السماء العاليه

 

إني ذهبت بحيّة

قطعت حراك لسانيه

 

لو كنت تُبصرها سألـ

ت لله منها العافيه

 

ما أبصَرَتها مقلتي

مـذ أبصَرتْها راضيه

 

تمضي السنون وتنقضي

وحياتها متمادية

 

ولها أهيلٌ منتن

عورُ الوجوهِ سواسيه

 

لولا الحياءُ بصقّت في

تلك الوجوه الباليه

 

يا يوم معرفتي بهم،

يا زانيَ ابنَ الزانيه،

 

أنشبْتني وغررتني

وقعدتّ عني ناحيه

 

ما كان هذا منك في

الودّ القديم جزائيه!

 

عبد الرحمن الناصر

1-

كيف وأنّى لمن يناجي

من لوعة الشوق ما أناجي

 

يطمع أن يستريحَ وقتاً

أو يقتلَ الراحَ بالمزاح

 

لو حُمّل شجوي

عاد إلى رقّة الزجاج

 

كنت كما قد علمتَ ألو

إذ أنا مما شكوتُ تاج

 

فصرتُ للبين في علاج

طمّ وأربى على العلاج

 

الوردُ مما يزيد حزني

ويبعث السوسن احتياجي

 

أرى لياليّ بعد حُسن

أقبح من أوجه سماج

 

لا ترجُ مما أردتّ شيئاً

أو يأذن الهم بانفراج

 

 

 

2-

ما كل شيء فقدتّ إلا

عوضني الله منه شيئاً

 

إني إذا ما منعت خيري

تباعد الخير من يديّا

 

من كان لي نعمةٌ عليه

فإنها نعمة عليّا

 

ابن هانئ الأندلسي

1-

تالله لو كانت الأنواءُ تشبه

ما من بؤسٍ على الدنيا ولا قنطُ

 

أبدى الزمان لنا من نور طلعته

عن دولة ما بها وهن ولا سقَط

 

إمام عدل وفى في كل ناحية

كما قضَوا في الإمام العدْل واشترطوا:

 

قد بان بالفضل، عن ماض ومؤتنفٍ،

كالعقد عن طرفيه يفضُلُ الوسط

 

لا يعتدي فرحاً بالمال يجمعه،

ولا يبيت بدنيا وهو مغتبط،

 

يُروّغُ الأسدَ منه في أماكنها

سيفٌ له بيمين النصر مُخترط

 

إن الملوك وإن قيست إليك معاً

فأنت من كثرةٍ بحرٌ وهم نقط

 

 

 

2-

ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه،

فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا

 

 

 

3-

فليس لمن لا يرتقي النجم همّه،

وليس لمن لا يستفيد الغنى عُذر

 

 

 

4-

صدق الفناءُ وكُذّبَ العمرُ

وجلا العظات وبالغ النّذرُ

 

إنا وفي آمال أنفسنا

طولٌ، وفي أعمارنا قِصَر

 

لنرى بأعيننا مصارعنا

لو كانت الألباب تعتبر!

 

 

 

5-

هو علة الدنيا ومن خُلّقت له،

ولعلة ما، كانت الأشياء

 

من صفو ماء الوحي، وهي مجاجةٌ

من حوضه الينبوع وهو شفاء

 

ابن عبد ربه

1-

بالمنذر بن محمدٍ

شرُفت بلاد الأندلس،

 

فالطير فيها ساكن

والوحش فيها أنس

 

 

 

2-

فالحمد لله على نعمائه

حمداً كثيراً، وعلى آلائه،

 

يا ملكاً ذلّت له الملوكُ

ليس له في ملكه شريك

 

ثبّت لعبد الله حسن نيته

واعطفه بالفضل على رعيته

 

 

 

3-

بدا الهلال جديداً

والملك غضٌّ جديد

 

يا نعمة الله زيدي

ما كان فيه مزيد

 

 

 

4-

يا ابن الخلائف والعُلى للمعتلي،

والجود يُعرف فضلُه للمفضل،

 

نوّهتَ بالخلفاء بن أهملتهم

حتى كأن نبيلهم لم ينبُلُ

 

أذكرتَ بل أنسيتَ ما ذكرَ الأولى

من فعلهم، فكأنه لم يُفعل،

 

وأتيت آخرهم، وشأوُك فائتٌ

للآخرين، ومُدركٌ للأول،

 

الآن سُمّيتِ الخلافة باسمها

كالبدر يُقرّن بالسماك الأعزل

 

تأبى فعالك أن تقرّ لآخرٍ

منهم، وجودك أن يكون لأول

 

 

 

5-

أبيت إلا شذوذاً عن جماعتنا

ولم يصب رأيُ من أرجى ولا اعتزلا

 

زعمتَ بهرام أو بيدختَ يرزقنا

لا بل عُطارد أو برجين أو زحلا،

 

وقلت إن جميع الأرض في فلك

بهم محيطٌ وفيهم يقسم الأجلا

 

والأرض كرويةٌ حفّ السماء بها

فوقاً وتحتاً وصارت نقطةً مثلا

 

صيف الجنوب شتاءٌ للشمال بها

قد صار بينهما هذا وذا أولاً

 

فإن كانون في صنعا وقرطبةٍ

بردٌ، وأيلول يُذكى فيهما الشعلا

 

هذا الدليل، ولا قولٌ غُررت به،

من القوانين يحكي القول والعملا

 

 

 

6-

يا لؤلؤاً يسبي العقول أنيقاً

ورشاً بتقطيع القلوب رفيقاً

 

ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بمثله

دراً يعود من الحياء عقيقاً

 

واذا نظرتَ إلى محاسن وجهه

ابصرت وجهك في سناه غريقاً

 

يا من تقطّع خصرُه من رقة

ما بال قلبك لا يكون رقيقاً

 

 

 

7-

أنت دائي وفي يديك دوائي

يا شفائي من الجوى وبلائي

 

إن قلبي يحب من لا أسمي

في عناءٍ أعظم به من عنا!

 

كيف لا، كيف أن ألذّ بعيش

مات صبري وبه مات عزائي

 

أيها اللائمون، ماذا عليكم

أن تعيشوا وأن أموت بدائي؟

 

ليس من مات فاستراح بميتٍ

إنما الميتُ ميّتُ الأحياء

 

 

 

8-

ما لليلى تبدّلت

بعدنا ودّ غيرنا؟

 

أرهقتنا ملامةً

بعد إيضاح عُذرنا

 

لم نقل إذ تحرّمت

واستهلت بهجرنا:

 

ليت شعري ماذا ترى

أم عمروٍ في أمرنا؟

 

 

 

9-

محبٌّ طوى كشحاً على الزفراتِ

وإنسانُ عينٍ خاض في غمرات

 

فيا من بعينه سقامي وصحتي

ومن في يديه ميتتي وحياتي،

 

بحبك عاشرت الهموم صبابةً

كأني تربٌ وهُنّ لداتي

 

فخدّيَ أرضٌ للدموع، ومقلتي

سماءٌ لها تنهلّ بالعبرات

 

 

 

10-

أعطيته ما سألا،

حكّمته لو عدلا،

 

وهبته روحي فما

أدري به ما فعلا،

 

أسلمته في يده

عيّشه أم قتلا؟

 

قلبي به في شغلٍ

لا ملّ ذاك الشغلا

 

قيّده الحب كما

قيّد راعٍ جملا

 

 

 

11-

ودعتني بزفرة واعتناق

ثم نادت: متى يكون التلاقي؟

 

وتصدّت فأشرق الصبح منها

بين تلك الجيوب والأطواق

 

يا سقيمَ الجفون من غير سُقمٍ،

بين عينيك مصرعُ العشاق،

 

إن يوم الفراق أفظع يوم،

ليتني متّ قبل يوم الفراق!

 

 

 

12-

يا مقلة الرشإ الغرير

وشقة القمر المنير،

 

ما رنّقت عيناك لي

بين الأكلّة والستور

 

إلا وضعتُ يدي على

قلبي مخافة أن يطير

 

هبني كبعض حمام مكة

واستمع قول النذير:

 

“أبنيّ لا تظلم بمكّة

لا الصغير ولا الكبير”

 

 

 

13-

أتقتلني ظلماً وتجحدني قتلي

وقد قام من عينيك لي شاهداً أعدل؟

 

أطلاب ذحلي، ليس بي غير شادن

بعينيه سحرٌ، فاطلبوا عنده ذحلي

 

أغار على قلبي فلما أتيته

أطالبه فيه، أغار على عقلي

 

بنفسي التي ضنّت بردّ سلامها

ولو سألت قتلي وهبتُ لها قتلي،

 

إذا جئتُها صدّت حياءً بوجهها

فيعجبني هجر ألذُّ من الوصل

 

وإن حكمَت جارت عليّ بحكمها

ولكنّ ذاك الجورَ أشهى من العدل

 

كتمتُ الهوى جهدي فجرّده الأسى

بماء البكا، هذا يخطّ وذا يُملي

 

وأحببتُ فيها العذل حباً لذكرها

فلا شيء أشهى في فؤادي من العذل

 

أقول لقلبي كلما ضامه الأسى:

إذا ما أبيت العزَّ فاصبر على الذلّ

 

برأيك، لا رأيي، تعرّضتَّ للهوى،

وأمرك، لا أمري، وفعلك، لا فعلي

 

وجدتّ الهوى نصلاً من الموت مُغمداً

فجرّدتَه، ثم اتكيْتَ على النصل

 

فان تكُ مقتولاً على غير ريبةٍ

فأنت الذي عرضتّ نفسك للقتل

 

 

 

14-

هيّج البينُ دواعي سقمي،

وكسا جسمي ثوب الألم

 

أيها البينُ أقلني مرةً

فاذا عُدتّ فقد حلّ دمي

 

يا خليّ الذرع نم في غبطة،

إن من فارقته لم ينمِ

 

ولقد هاج لقلبي سقماً

ذكرُ من لو شاء داوى سقمي

 

 

 

15-

ادعو عليك فلا دُعاءٌ يُسمعُ

يا من يضرّ بناظريه وينفعُ

 

للورد حينٌ ليس يطلع دونه

والورد عندك كلّ حين يطلع

 

لم تنصدعْ كبدي عليك لضعفها

لكنها ذابت فما تتصدّع

 

 

 

16-

بُنيّ، لئن أعيا الطبيبَ بن مسلم

ضناك، وأعيا ذا البيان المشيّع

 

لأبتهلن تحت الظلام بدعوة

متى يدعُها داعٍ إلى الله يُسمع

 

إلى فارج الكرب المجيب لمن دعا

فزعتُ بكربي، إنه خير مفزع

 

فيا خير مدعوٍّ فاستمع،

وما لي شفيع غير فضلك فاشفع

 

 

 

17-

وروضةٍ عقّدَت أيدي الربيع بها

نوراً بنور، وتزويجاً بتزويج،

 

بملقّحٍ من سواريها وملقّحةٍ

وناتج من غواديها ومنتوج

 

توشّحت بملاة غير ملحمة

من نورها ورداءٍ غير منسوج

 

فألبست حلل الموشيّ زهرتُها

وجلّلتها بأنماط الديابيج

 

 

 

18-

هلاً ابتكرت لبين أنت مبتكر؟

هيهات، يأبى عليك الله والقدرُ

 

ما زلت أبكي حذارَ البين ملتهباً

حتى رثى ليَ فيك الريح والمطر

 

يا بردةً من حيا مُزنٍ على كبد

نيرانها بغليل الشوق تستعر

 

آليتُ ألا أرى شمساً ولا قمراً

حتى أراك، فأنت الشمس والقمر

 

 

 

19-

ثم محّصها ونقضها بقوله:

 

 

يا قادراً ليس يعفو حين يقتدر،

ماذا الذي بعد شيب الرأس تنتظر؟

 

عاين بقلبك، إن العين غافلةٌ

عن الحقيقة، واعلم أنها سقر

 

سوداءٌ تزفر من  غيظ اذا سفرت

للظالمين فلا تُبقي ولا تذرُ

 

لو لم يكن لك غير الموت موعظةٌ

لكان فيه عن اللذات مزدجر،

 

أنت المقول له ما قلتُ مبتدئاً

“هلاّ ابتكرت لبين أنت مبتكر؟”

 

 

 

20-

بليتُ، وأبلتني الليالي بكرّها

وصرفان للأيام مُمتوران

 

وما لي لا أبلي لسبعين حجة

وعشر، أتت من بعدها سنتان،

 

فلا تسألاني عن تباريج علتي

ودونكما مني الذي تريان

 

وإني بحمد الله راج لفضله

ولي من ضمان الله خير ضمان

 

ولستُ أبالي عن تباريج علتي

إذا كان عقلي باقياً ولساني

 

هشام بن عبد العزيز (وزير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم)

1-

أعزّي يا محمد عنك نفسي،

معاذ الله، والأيدي الجسام

 

فهلاً مات قوم لم يموتوا

ودوفع عنك لي كأس الحمام!

 

 

 

2-

وإني عداني أن أزورك مطبق

وباب منيع الحديد مُضبّب

 

وإن تعجبي يا عاجُ ما أصابني

ففي ريب هذا الدهر ما يُتعجّب

 

تركتُ رشاد الأمر إن كنتُ قادراً

عليه، فلاقيت الذي كنت أرهب

 

وكم قائلٍ قال: “انج ويحك سالماً،

ففي الأرض عنهم مسترادٌ ومذهب”

 

فقلت له: إن الفرار مذلّة،

ونفسي على الأسواء أحلى وأطيب

 

سأرضى بحكم الله فيما ينوبني،

وما من قضاء الله للمرء مهرب

 

فمن يك أمسي شامتاً بي فإنه

سينهلُ في كاسي وشيكاً ويشرب

 

يحكيى بن الحكم (المعروف بالغزال)

1-

كُلّفْتَ، يا قلبي، هوى مُتعباً

غالبتَ منه الضيغم الأغلبا

 

إني تعلّقتُ مجوسيّةً

تأبى لشمس الحسن أن تغربا

 

أقصى بلاد الله فيحيث لا

يُلفي إليه ذاهب مذهبا

 

يا تُودَ، يا رودَ الشباب التي

تطلع من أزرارها الكوكبا

 

يا بأبي الشخص الذي لا أرى

أحلى على قلبي ولا أعذبا

 

قالت: “أرى فوديه قد نوّرا”

دُعابةً توجب أن أدعبا

 

قلت لها: ما باله؟ إنه

قد ينتج المهرُ كذا أصهبا

 

فاستضحكت عُجباً بقولي لها،

وإنما قلت لكي تعجبا!

 

 

 

2-

ولما رأيتُ الشربَ أكدَت سماؤهم

تأبّطت زِقّي واحتبست غنائي

 

فلما رأيتُ الحان ناديت ربّه

فثاب خفيف الروح نحو ندائي

 

قليل هجوع العين إلا تعلّةً

على وجل مني ومن نُظرائي

 

فقلت: “أذقنيها”، فلما أذاقها

طرحتُ إليه ريطتي وردائي

 

وقلت: أعرني بذلةً أستتر بها

بذلت له فيها طلاق نسائي

 

فوالله ما برّت يميني ولا وفت

له، غير أني ضامن بوفائي

 

فأبتُ إلى صحبي ولم أكُ آيباً

فكلٌّ يفدّيني وحُقّ فدائي

 

تداركتُ في شرب النبيذ خطائي

وفارقت فيه شيمتي وحيائي

 

 

 

3-

وسليمى ذاتُ زهد

في زهيدٍ من وصال

 

كلما قلت صليني

حاسبتني بالخيال؛

 

والكرى قد منعته

مقلتي أخرى الليالي؛

 

وهي أدرى فلماذا

شوّقتني بمُحال

 

اترى أنا اقتضينا

بعدُ شيئاً من نوال؟

 

 

 

4-

من ظنً أن الدهر ليس يصيبه

بالحادثات فإنه مغرور

 

فالق الزمان مهوّناً لخطوبه

وانجرّ حيث يحرك المقدور

 

واذا تقلبت الأمور ولم تدم

فسواءٌ المحزون والمسرور

 

المنذر بن سعيد البلوطي

1-

الموت حوض وكلنا يردُ

لم ينجُ مما تخافُهُ أحد

 

فلا تكن مغرماً برزق غدٍ

فلستً تدري بما يجيء غدُ

 

وخذ من الدهر ما أتاك به

ويسلمُ الروح منك والجسد

 

والخير والشر لا تدعه فما

في الناس إلا التشنيع والحسد

 

وسأله شاعر يوماً:

 

 

مسألةٌ جئتك مستفتياً

عنها، وأنت العالم المستشار

 

علام تحمرُّ وجوه الظبا

وأوجه العشّاق فيها اصفرار؟

 

 

 

2-

فأجابه:

 

 

احمرّ وجه الظبي اذ لحظه

سيفٌ على العشاق، فيه احورار؛

 

واصفرّ وجه الصب لمّا نأى،

والشمس تبقي للمغيب اصفرار

 

 

 

3-

هذا المقال الذي ما عابه فندُ،

لكنّ صاحبه أزرى به البلد،

 

لو كنتُ فيهم غريباً كنت مطّرفاً

لكنني منهم فاغتالني النكد

 

لولا الخلافة، أبقى الله بهجتها،

ما كنت أبقى بأرض ما بها أحد

 

ابن الفرضي

1-

أسير الخطايا عند بابك واقف

على وجلٍ مما به أنت عارف

 

يخاف ذنوباً لم يغب عنك عيبها

ويرجوك فيها فهو راجٍ وخائف

 

ومن ذا الذي يُرجي سواك ويُتّقى

وما لك من فصل القضاء مُخالف؟

 

فيا سيدي لا تُخزني في صحيفتي

إذا نُشرت يوم الحساب الصحائف،

وكن مؤنسي في ظلمة عندما

يصد ذوو القربى ويجفو الؤالف

 

لئن ضاق عني عفوك الواسع الذي

أرجي لإسرافي فإني لتالف

 

 

 

2-

إن الذي أصبحتُ طوع يمينه

إن لم يكن قمراً فليس بدونه

 

ذُلّي له في الحب من سلطانه،

وسقام جسمي من سقام جُفونه

 

 

 

3-

مضت لي شهور منذ غبتم ثلاثةٌ

ومما خِلتني أبقى إذا  غبتم شهراً

 

وما لي حياة بعدكم أستلذّها،

ولو كان هذا لم أكن م الهوى حراً

 

ولم يُسلني طول التنائي عليكم

بلى، زادني وجداً وجدّد لي ذكراً

 

يمثلكم لي طول شوقي إليكم

ويُدينكم حتى أناجيكم سراً

 

سأستعتب الدهر المفرّق بيننا؛

وهل نافعي أن صرت أستعتب الدهرا؟

 

أعلّل نفسي بالمنى في لقائكم

وأستسهل البرّ الذي جُبتُ والبحرا

 

ويؤنسني طيّ المراحل عنكم

أروح على أرض وأغدو على أخرى

 

وتالله ما فارقتكم عن قلىً لكم،

ولكنها الأقدار تجري كما تُجرى

 

رعتكم من الرحمن عينٌ بصيرة

ولا كشفت أيدي النوى عنكم سُتراً

 

ابن فرج الجبّاني

1-

وطائعة الوصال صددتّ عنها

وما الشيطان فيها بالمطاع

 

بدت في الليل ساترةً ظلام الليالي

وهي سافرة القناع

 

وما من لحظة إلا وفيها

إلى فتن القلوب لها دواعي

 

فملّكت النهى حُجّاج شوقي

لأجريَ بالعفاف على طباعي

 

وبتّ بها مبيت الطفل يظما

فيمنعه الفطام من الرضاع

 

كذاك الروض ليس به لمثلي

سوى نظرٍ وشمّ من متاع

 

ولست من السوائم مهملاتٍ

فأتخذ الرياض من المراعي

 

 

 

2-

للروض حسنٌ فقف عليه

واصرف عنان الهوى إليه

 

أما ترى نرجساً نضيراً

يرنو إليه بمقلتيه؟

 

بشرُ حبيبي على رباه

وصفرتي فوق وجنتيه

 

حفصة بنت حمدون

1-

يا وحشتي لأحبتي

يا وحشةً متماديه،

 

يا ليلةً ودّعتهم

يا ليلةً هي ماهيه

 

 

 

2-

لي حبيبٌ لا ينثني لعتاب

واذا ما تركته زاد تيها

 

قال لي: “هل رأيت لي من شبيه”؟

قلت أيضاً: “وهل ترى لي شبيها”؟

 

 

 

3-

رأى ابن جميل أن يُرى الدهرُ مُجملا،

فكل الورى قد عمّهم سيبُ نعمته

 

له خلقٌ كالخمر بعد امتزاجها

وحسنٌ، فما أحلاه من حين خلقته!

 

بوجه كمثل الشمس يدعو ببشره

عيوناً، ويُعشيها بإفراط هيبته

 

عبد الملك بن شُهيد

1-

هاك شيخاً قادهُ السّكر لكا

قام في رقصته مستهلكاً

 

لم يطق يرقصها مستثبتاً

فانثنى يرقصها مستمسكاً

 

عاقه من هزّها منفرداً

نقرسٌ أخنى عليه فاتكا

 

من وزير فيهم رقّاصة

قام للسكر يُناغي ملكا

 

أنا لو كنت كما تعرفني

قمت إجلالاً على راسي لكا

 

قهقه الإبريق مني ضاحكاً

ورأى رعشة رجلي فبكى

 

 

 

2-

ترى البدر منها طالعاً فكأنما

يجول وشاحاها على لؤلؤ رطب

 

بعيدة مهوى القرط مخطفة الحشا

ومفعمة الخلخال مقعمة القلب

 

من اللائي لم يرحلن فوق رواحل

ولا سرن يوماً في ركاب ولا ركب

 

ولا أبرزتهنّ المدام لنشوة

وشدوٍ كما تشدو القيان على الشرب

 

 

 

3-

أتيناك لا عن حاجة عرضت لنا

اليك ولا قلب اليك مشوق

 

ولكننا رزنا بضعف عقولنا

حماراً تولى بِرّنا بعقوق

 

 

 

4-

حجبناك لما زرتنا غير تائق

بقلب عدوّ في ثياب صديق

 

وما كان بيطار الشآم، بموضع

يباشر فيه بِرّنا، بخليق

 

 

 

5-

حلفتُ بمن رمى فأصاب قلبي

وقلبه على جمر الصدود،

 

لقد أودى تذكّره بجسمي

ولست أشكّ أن النفس تودي

 

فقيدٌ وهو موجود بقلبي،

فوا عجبا لموجود فقيد!

 

ابن هرون عبد الملك بن حبيب

1-

لا تنظرنّ إلى جسمي وقلّته

وانظر لصدري وما يحوي من السنن

 

فرُبّ ذي منظر من غير معرفة،

ورُبّ من تزدريه العين ذو فطن،

 

وربّ لؤلؤة في قعر مزبلة

لم يُلق بالٌ لها إلا ألى زمن

 

 

 

2-

قد طاح أمري والذي أبتغي

هينٌ على الرحمن في قدرته

 

ألفٌ من الحمر وأقلل بها

لعالم أربى على بغيته

 

زرياب قد أعطيها جملة

وحرفتي أشرف من حرفته

 

 

 

3-

وكتب إلى الزجالي:

 

 

كيف يُطيق الشعر من أصبحت

حالته اليوم كحال الغرِق؟

 

والشعر لا يُسلسُ إلا على

فراغ قلب واتساع الخلق

 

فاقنع بهذا القول من شاعر

يرضى من الحظ بأدنى العُنق

 

فضلك قد بان عليها كما

بان لأهل الأرض ضوء الشفق

 

أما ذمام الودّ مني لكم

فهو من المحتوم فيما سبق

 

ابن درّاج القبطي

1-

ألم تعلمي أن الثواء هو التوى

وأن بيوت العاجزين قبور؟

 

وأن خطيرات المهالك ضمنٌ

لراكبها أن الجزاء خطير؟

 

تخوّفي طول السفار، وإنه

بتقبيل كفّ العامريّ جدير

 

مجيرُ الهدى والدين من كل مُلحدٍ

وليس عليه للضلال مجير

 

تلاقت عليه من تميم ويعرب

شموسٌ تلاقي في العلا وبدور

 

همُ يستقلّون الحياة لراغب

ويستصغرون الخطبَ وهو كبير

 

ولما توافوا للسلام ورُفعت

عن الشمس في أفق الشروق ستور

 

وقد قام من زُرق الأسنة دونها

صفوف ومن بيض السيوف سطور،

 

رأوا طاعة الرحمن كيف اعتزازها

وآيات صنع الله كيف تُنير

 

وكيف استوى بالبرّ والبحر مجلس

وقام بعبء الراسيات سرير؛

 

فجاءوا عجالاً والقلوب خوافقٌ،

وولّوا بطاءً والنواظر صورُ

 

يقولون والإجلال يُخرسُ ألسناً

وحارت عيون ملأها وصدور

 

“لقد حاط أعلام الهدى بك حائطٌ

وقدّر فيك المكرمات قدير”

 

 

 

2-

قالت، وقد مزج الفراق مدامعاً

بمدامع وترائباً بترائب

 

“أتفرّقٌ حتى بمنزل غربةٍ

أم نحن للأيام نهبة ناهب؟

 

ولئن جنيتُ عليك نزحةَ راحل

فأنا الزعيم لها بفرحة آيب

 

هل أبصرت عيناك بدراً طالعاً

في الأفق إلا من هلال غارب؟

 

أحمد بن أبي بكر الزبيدي

1-

ويحك، سلّم، لا تراعي؛

لا بُدّ للبين من زماع

 

لا تحسبيني صبرتُ إلا

كصبر ميتٍ على النزاع

 

ما خلق الله من عذاب

أشدّ من وقفة الوداع

 

ما بينها والحمام فرق

لولا المناجاة والنواعي

 

إن يفترق شملنا وشيكاً

من بعد ما كان ذا اجتماع

 

فكلّ شمل إلى فراق

وكل شعب إلى انصداع

 

وكلّ قرب إلى بعاد

وكل وصل إلى انقطاع

 

 

 

2-

أبا مسلم إن الفتى بجنانه

ومقوله لا بالمراكب واللبس

 

وليس ثياب المرء تُغني قلامةً

إذا كان مقصوراً، على قصر النفس

 

وليس يفيد العلم والحلم والحجا

أبا مسلم، طول القعود على الكرسي

 

 

 

3-

الفقر في أوطاننا غربةٌ

والمال في الغربة أوطان

 

والأرض شتى كلها واحد

والناس إخوان وجيران

 

 

 

4-

أترك الهمّ إذا ما طرقك

وكلِّ الأمر إلى من خلقك

 

وإذا أمّل قوم أحداً

فإلى ربك فامدد عنقك

 

 

 

5-

ما طلبتُ العلوم إلا لأني

لم أزل من فنونها في رياض

 

ما سواها له بقلبي حظّ

غير ما كان للعيون مراض

 

 

 

6-

أشعرن قلبك ياساً،

ليس هذا الناس ناسا

 

ذهب الإبريز منهم

فبقوا بعد نُحاسا

 

سامريين يقولو

ن جميعاً: “لا مساسا”!

جعفر بن عثمان المصحفي

1-

لعينك في قلبي عليّ عيون

وبين ضلوعي للشجون فنون

 

لئن كان جسمي مُخلّفاً في يد الهوى

فحبك غضّ في الفؤاد مصون

 

 

 

2-

صفراء تبرق في الزجاج، فان سرت

في الجسم مثل صلّ لادغ

 

عبث الزمان بحسنها فتسترت

عن عينه في ثوب نور سابغ

 

خفيت على شُرّابها فكأنما

يجدون ريّاً في إناء فارغ

 

 

 

3-

لا تأمننّ من الزمان تقلباً

إن الزمان بأهله يتقلب

 

ولقد أراني والليوث تخافني

فأخافني من بعد ذاك الثعلب

 

حسب الكريم مذلّةً ومهانةً

ألا يزال إلى لئيم يُطلب

 

 

 

4-

صبرتُ على الأيام لما تولّت

وألزمتُ نفسي صبرَها فاستمرّت

 

فيا عجبا للقلب كيف اصطباره

وللنفس بعد العزّ كيف استذلّت

 

وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى

فإن طمعت تاقت وإلا تسلّت

 

وكانت على الأيام نفسي عزيزة

فلما رأت صبري على الذل ذلّت

 

وقلت لها: “يا نفسُ، موتي كريمةً،

فقد كانت الدنيا لنا ثمّ ولّت”

 

 

 

5-

تأملتُ صرف الحادثات لم أزل

أراها تُوافي عند مقصدها الحرّا

 

فلله أياماٌ مضت لسبيلها

فإني لا أنسى لها أبداً ذكرا

 

تجافت بها عنا الحوادث بُرهةً

وأبدت لنا منها الطلاقة والبشرا

 

ليالي لم يدرِ الزمان مكاننا

ولا نظرت منا حوادثه شزرا

 

ومن هذه الأيام إلا سحائبٌ

على كل أرض تمطر الخيرَ والشّرّا

 

 

 

6-

هبني أسأتُ فأين العفو والكرمُ

إذ قادني نحوك الإذعان والندم؟

 

ياخير من مُدّت الأيدي إليه أما

ترثي لشيخٍ نعاه عندك القلم؟

 

بالغتَ في السُّخط فاصفح صفح مقتدر،

إن الملوك إذا ما استُرحموا رحِموا

 

الطليق المرواني

1-

ودّعتُ من أهوى أصيلاً، ليتني

ذقتُ الحِمام ولا أذوق نواهُ

 

فوجدتُ حتى الشمسَ تشكو وجدَه

والوُرقُ تندب شجوها بهواه

 

وعلى الأصائل رقّة من بعده

فكأنما تلقى الذي ألقاه

 

وغدا النسيم مبلّغاً بيننا

فلذلك رقّ هوىً وطاب شذاه

 

ما الروض قد مُزجت به أنداؤه

سَحَراً بأطيبَ من شذا ذكراه

 

الزهرُ مبسمُه، ونكهته الصبا،

والورد أخضله الندى خداه

 

فلذلك أولعُ بالرياض لأنها

أبداً تذكرني بمن أهواه

 

 

 

2-

ربّ كأسٍ قد كست جنحَ الدجى

ثوب نور من سناها أشرقا

 

بتّ أسقيها رشاً في طرفه

سنةٌ تورثُ على أرقا

 

خفيت للعين حتى خلتها

تتقي من لحظه ما يُتّقى

 

أشرقت في ناصع من كفه

كشعاع الشمس لاقى الفلقا

 

وكأن الكأس في أنمله

صفرة النرجس تعلو الورقا

 

اصبحت شمساً وفوه مغرباً

ويد الساقي المحيّي مشرقاً،

 

وإذا ما غربت في فمه

تركت في الخدّ منه شفقا

 

أنا فخر العبشميين وبي

جد من فخرُهم ما أخلقا

 

أنا أكسو ما عفا من مجدهم

بحُلى رونق شِعري رونقا

 

 

 

3-

أقول ودمعي يستهلّ ويسفح

وقد هاج في الصدر الغليل المبرحُ:

 

دعوني من الصبر الجميل فإنني

رأيت جميل الصبر في الحبّ يقبحُ

 

لقد هيّج الأضحى لنفسي جوى أسىً،

كريهُ المنايا  منه للنفس أروح

 

كأن بعيني حلقَ كلّ ذبيحة

به وبصدري قلبها حين تُذبحُ

 

فيا ليت شعري هل لمولايَ عطفةٌ

يُداوي بها مني فؤاد مجرّح!

 

يحنّ إلى البدر الذي فوق خده

[مكان سواد البدر] وردٌ مفتّح

 

فقلت له: “يا بدر، أسفر فقد غوى

عليه رقيب للعدى ليس يبرح”

 

لعمري لذاك البدر أجمل منظراً

وأحسن من بدر التمام وأملح

 

أنس القلوب

عقد المنصور بن أبي عامر مجلس شراب، فلما دارت الكؤوس غنت جارية له اسمها أنس القلوب:

قدم الليل عند سير النهار

وبدا البدرُ مثل نصف سوار

فكأن النهار صفحة خدّ

وكأن المدامَ ذائب نار

نظري قد جنى عليّ ذنوباً،

كيف مما جنته عيني اعتذاري؟

يا لقومي تعجبوا من غزال

جائرٍ حي مهجتي وهو جاري

ليت لو كان لي إليه سبيل

فأقضّي من حبه أوطاري

وكان في المجلس شاب اسمه أبو المغيرة عبد الوهاب بن حزم عرف أنه المغني بالأبيات فارتجل من ساعته:

1-

كيف كيف الوصول للأقمار

بين سُمر القنا وبيض الشفار؟

 

لو علمنا بأن حبّك حقّ

لطلبنا الحياة منك بثار

 

وإذا ما الكرام همّوا بشيء

خاطروا بالنفوس في الأخطار

له غضب المنصور وأراد أن يقتل الجارية، فبكت الجارية واعتذرت بأن هذا الحب كان بقضاء الله ولم تملك هي دفعاً. حينئذ قال أبو المغيرة على لسانها:

2-

أذنبتُ ذنباً عظيماً،

فكيف منه اعتذاري؟

 

والله قدّر هذا

ولم يكن باختياري

 

والعفو أحسن شيء

يكون عند اقتدار

المنصوربن أبي عامر

وينسب إلى المنصور بن أبي عامر من الشعر قوله:

1-

رميتُ بنفسي هولَ كل عظيمة

وخاطرتُ، والحرّ الكريم مخاطرُ

 

وما صاحبي إلا جنان مشيّعٌ

وأسمرُ خطّيّ وأبيض باتر

 

وأني لزجّاءُ الجيوش إلى الوغى،

أسودٌ تلاقيها أسودٌ خوادر،

 

فسُدّت بنفسي أهل كل سيادة

وفاخرتُ حتى لم أجد من أفاخر

 

وما شِدتّ بنيانا ولكن زيادة

على ما بنى عبد المليك وعامر

 

رفعنا المعالي بالعوالي حديثةً

وأورثناها في القديم معافر

 

 

 

2-

منع العينَ أن تذوق المناما

حُبّها أن ترى الصفا والمقاما

 

لي ديون بالشرق عند أناسٍ

قد أحلّوا بالمشعرين الحراما

 

أن قضوها نالوا الأماني وإلا

جعلوا دونها رقاباً وهاما

 

عن قريب تُرى خيولُ هشام

يبلغ النيل خطوُها والشاما

 

 

 

3-

الآن يا جاهلاً زلّت بك القدم

تبغي التكرّم لما فاتك الكرم

 

أغريتَ بي ملكاً لولا تثبّته

ما جازلي عنده نطق ولا كلم

 

فايأس من العيش إذ قد صرت في طبق

إن الملوك إذا ما استنقموا نقموا

 

نفسي إذا سخطت ليست براضية

ولو تشفّع فيك العرب والعجم

 

ابن القوطية وابن هذبل

كان أبو بكر يحيى بن هذيل الخفيف شاعراً أعمى وكان تلميذاًلأبي بكر بن القوطية. لقي ابن هذيل استاذه يوماً فابتدره بقوله:

من أين أقبلت يا من لا شبيه له

ومن هو الشمس والدنيا له فلك؟

فأجابه ابن هذيل بداعباً:

1-

من منزل يُعجبُ النّسّاكُ خلوته

وفيه ستر على الفتّاك ان فتكوا

 

ولابن هذيل أيضاً:

 

 

 

 

2-

لا تلمني على الوقوف بدار

أهلها صيّروا السقام ضجيعي،

 

جعلوا لي إلى هواهم سبيلاً

ثم سدّوا عليّ باب الرجوع

 

 

 

3-

عرفتُ بعرف الريح أين تيمموا

وأين استقلّ الظاعنون وخيّموا

 

خليليّ رُدّاني إلى جانب الحمى

فلستُ إلى غير الحمى أتيمم

 

أبيتُ سميرً الفرقدين كأنما

وسادي قتادٌ أو ضجيعي أرقم

 

وأحورً وسنان الجفون كأنه

قضيبٌ من الريحان لدنٌ منعّم

 

نظرتُ إلى أجفانه وإلى الهوى

فأيقنتُ أني لست منهنّ أسلم

 

كما أن إبراهيم أول نظرة

رأى في الدراري أنه سوف يسقم

 

أبو عمر يوسف بن هرون الرمادي

1-

مَن حاكمٌ بيني وبين عذولي؟

الشجوُ شجوي والعويل عويلي

 

 

 

2-

في أيّ جارحة أصون معذبي؟

سلمت من التعذيب والتنكيل

 

إن قلت في بصري فثمّ مدامعي،

أو قلت في كبدي فثمّ غليلي

 

لكن جعلتُ له المسامع موضعاً

وحجبتها عن عذل كل عذولي

 

وثلاثُ شيباتٍ نزلن بمفرقي

فعلمتُ أن نزولهنّ رحيلي

 

طلعت ثلاثٌ في نزول ثلاثةٍ

واشٍ، ووجه مراقب وثقيل

 

فعزلني من صبوتي فلئن ذللت

لقد سمعت بذلّة المعزول

 

 

 

3-

لا الراءُ تطمع في الوصال ولا أنا

الهجرُ يجمعنا فنحن سواءُ

 

فإذا خلوتُ كتبتها في راحتي

وبكيتُ منتحباً أنا والراء

 

 

 

4-

أعد لغثةَ الراء لو أن واصلاً

تسمّعها ما أسقط الراءً واصل

 

 

 

5-

شطّت نواهم بشمس في هوادجهم،

لولا تلألؤها في ليلهنّ عشوا