عصر المرابطين

                                                                                                                        

العصر  الثالث

عصر المرابطين

(1095-1119 م/485-545 هجرية)

 

ابن خفاجة الأندلسي 

1-

إن للجنةِ بالأندلُسِ

مُجتلى حُسن وريّاَ نفَسِ

 

فسنى ضحوتها من شنَبِ

ودُجى ليلتها من لَعَس

 

فإذا هبّت الريحُ صبا

صحتُ: واشوقي إلى الأندلسِ!

 

 

 

2-

صحّ الهوى منك ولكنني

أعجبُ من بينٍ لنا يُقدّرُ

 

كأننا في فلكٍ دائر

فأنتَ تخفى وأنا أظهرُ

 

 

 

3-

ومرتَبَعٍ حططتُّ الرحلّ فيه

بحيث الظلّ والماءُ القراح،

 

تخرّم حسنّ منظره مليكٌ

تخّرم ملكَه القدر المتاح

 

فجريَةُ ماء جدولهِ بكاءٌ

عليه، وشدو طائره نواح

 

 

 

4-

وليلٍ تعاطينا المُدامَ، وبيننا

حديثٌ كما هبّ النسيم على الوردُ

 

نُعاودُه والكأسُ تعبقُ نفحةً

وأطيبُ منها ما نعيد وما نُبدي

 

ونقلي أقاحُ الثغر أو سوسن الطّلى

ونرجسة الأجفان أو وردة الخدّ

 

إلى أن سرت في جسمه الكأسُ والكرى

ومالا بعطفيه فمال على عضدي

 

فأقبلتُ أستهدي لما بين أضلعي

من الحرّ ما بين الثغور من البرد

 

وعاينتُه قد سُلّ من وشيِ بُرده

فعاينتُ منه السيف سُلّ من الغمد

 

أغازل منه الغصنَ في مغرس النقا

وألثمُ وجهَ الشمسِ في مطلع السعد

 

فإن لم يكُنها أو تكنه فإنه

أخوها كما قدّ الشراك من الجلد

 

تُسافر كلتا راحتيّ بجسمه

فطوراً إلى خصر وطوراً إلى نهد،

 

 

 

5-

وعشيّ أنسٍ أضجعتني نشوةٌ

فيه، تُمهّد مضجعي وتُدمّث

 

خلعَت عليّ به الأراكةُ ظلها

والغصن يُصغي والحمامُ يُحدّث

 

والشمسُ تَجنحُ للغروب مريضةً

والرعدُ يَرقى والغمامةُ تنفُثُ

 

 

 

6-

ألا ساجل، دموعي، يا غمامُ

وطارحني بشجوكَ يا حمامُ

 

فقد وفّيتها ستينَ حولاً

ونادتني ورائي، هل أمـامُ؟

 

وكنتُ ومن لُباناتي لُبّينى

هناك، ومن مراضعيَ المُدامُ

 

يطالعنا الصباحُ ببطن حُزوى

فيُنكرنا، ويَعرفنا الظلام

 

وكان ليَ البشامُ مَراحَ أنس

فماذا بعدّنا فعلَ البشام؟

 

فيا شرخَ الشبابِ، ألا لقاءٌ

يُبلّ به على بَرحِ أُوام؟

 

ويا ظلّ الشباب، وكُنتَ تندى،

على أفياء سَرحتك السلام!

 

 

 

7-

قُل للقبيح الفعال، يا حسنا

ملأتَ جفنيّ ظُلمةً وسنا

 

قاسمني طرفُك الضنى، أفلا

قاسمَ عينيَّ ذلك الوسنا؟

 

إني وإن كنتُ هضبةً جَلَدا

أهتزّ للحسن لوعةً غُصُنا

 

قسوتُ بأساً ولنتُ مكرمةً

لم ألتزم حالةً ولا سننا

 

لستُ أحبّ الجمودَ في رجلٍ

تحسبُه من جموده وثنا

 

لم يكحلِ السُهدُ جفنه كلفاً

ولا طوى جِسمَه الغرامُ ضنى

 

ممن عصى داعيَ الهوى فقسا،

وكان صلداً من الصّفا خشِنا

 

فلي فؤادٌ أرقّ من ظُبةٍ

يأبى الدنايا ويعشق الحسنا

 

طوراً مُنيبٌ وتارةً غزِلُ

يبكي الخطايا ويندُبُ الدِمنا

 

إذا اعترت خشيةٌ شكا فبكى

أو انتحت راحة دنا فجنى

 

كأنني غصنُ بانةٍ خضلٌ

تثنيهِ ريحُ الصّبا هُنا وهُنا

 

 

 

8-

ألا خلّياني والأسى والقوافيا

أُردّدها شَجواً وأجهشُ باكيا

 

أٌأمّنُ شخصاً للمسرّة بادياً

وأندُبُ رسماً للشبيبة باليا

 

تولى الصبا إلا تواليَ فكرة

قدحتُ بها زوداً وما زلتُ واريا

 

وقد بان حلو العيش إلا تعلّةً

تحدثني عنها الأمانيّ خاليا

 

ويا برْدَ الماء هل منك قطرةٌ

تهلّ فيستسقي غمامُك صاديا

 

وهيهات، حالت دوني حُزوى وأهلها

ليالٍ وأيامٌ تُخالُ اللياليا

 

فقل في كبيرٍ (عاده صائدُ الظبا)

إليهنّ مُهتاجاً وقد كان ساليا

 

فيا راكباً مُستعجَلَ الخطوِ قاصداً

ألا عُج بشقرٍ رائحاً أو مُغاديا

 

وقف حيث سال النهر ينساب أرمقاً

وهبّ نسيم الأيك ينفِث راقيا

 

وقل لأُثيلاتٍ هناك وأجرَعٍ:

سُقيتِ أثيلات وحُييتَ واديا

 

 

 

9-

أيّ عيشٍ أو غِذاءٍ أو سنه

لابن إحدى وثمانين سنه؟

 

قلّص الشيبُ بها ظلّ امرئٍ

طالما جرّ صباه رَسَنه

 

تارةً تسطو به سيئةٌ

تُسخنُ العين وأخرى حسنه

 

 

 

10-

عاثت بساحتك الظُبى يا دار،

ومحا محاسنَك البِلى والنارُ

 

فإذا ترددّ في جنابك ناظرٌ

طال اعتبارٌ فيك واستعبار

 

أرض تقاذفت الخطوبُ بأهلها

وتمحّصت بخرابها الأقدار

 

كتبتْ يدُ الحدثانِ في عَرَصاتها:

(لا أنت ولا الديارُ ديار)

 

ابن القزاز 

1-

وأغيدٍ طاف بالكؤوس ضُحىً

وحثّها والصباحُ قد وضحا

 

والروض أهدى لنا شقائقه،

وآسُه العنبريّ قد نفحا

 

قلنا: وأين الأقاح، قال لنا:

أودعتُه ثغرَ من سقى القدحا

 

 

 

2-

أديراها على الروضِ المُندّى

وحُكمُ الصُبح في الظلماء ماضي

 

وكأس الراح تنظرُ عن حباب

ينوبُ لنا عن الحدَقِ المِراض

 

وما غرَبت نجوم الأفق لكن

نُقلن من السماء إلى الرياض

 

 

 

3-

بلنسيةٌ إذا فكّرتُ فيها

وفي آياتها أسنى البلاد،

 

وأعظمُ شاهدي منها عليها،

وأنَ جمالها للعين بادي

 

كساها ربّها ديباجَ حُسنٍ

له علمان من بحر ووادي

 

 

 

4-

لا يفخرِ السيفُ والأقلامُ في يده،

قد صار قطعُ سيوف الهند للقُضُب

 

فإن يكن أصلُها لم يقوَ قوّتها

(فإنّ في الخمر معنىً ليس في العنب)

 

 

 

5-

رئيس الشرقِ محمودُ السجايا

يُقصّرُ عن مدائحه البليغُ

 

نسمّيه بيحيى وهو ميتٌ

كما أن السليم هو اللديغ

 

يعافُ الورد إن ظمئت حشاه

وفي دمع اليتيم له وُلوغ

 

 

 

6-

كتبتُ ولو أنني أستطيع

لإجلال قدرِك دونَ البشر

 

قددتُ اليراعةَ عن أنمُلي

وكان المِدادُ سوادُ البصر

 

 

 

7-

ومرتجّةِ الأطراف أما قوامُها

فَلدْنٌ واماً ردفها فرَداح،

 

فبتّ وقد زارت بأنعم ليلةٍ

يُعانقني حتى الصباح صُباح

 

على عاتقي من ساعديْها حمائل

وفي خصرها من ساعديّ وشاح

 

ابن صارة الشتربني

1-

أما الوِراقة فهي أنكدُ حِرفةٍ

أوراقها وثمارها الحرمانُ

 

شبّهتُ صاحبها بصاحب إبرةٍ

تكسو العراةَ وجسمها عُريان

 

 

 

2-

ومهفهفٍ أبصرتُ في أطواقه

قمراً بآفاق المحاسن يُشرقُ

 

يُفضي إلى المهجاتِ منه صعدة

متألقٌ فيها سنانٌ أزرق

 

 

 

3-

وصاحبٍ لي كداء البطن صُحبته،

يودّني كوداد الذئب للراعي

 

يثني عليّ، جزاه الله صالحةً،

ثناءَ هندٍ على روح بن زنباع

 

 

 

4-

ما في السفرجل شيء يُستطار به

ولا تكن منه مطويّاً على وجل

 

إني نظرتُ إلى تصحيف أحرفه

فانفكّ منهنّ لي تبٌ، تفرّج لي

 

ولم أقل سفرٌ حلّ البلاء به

أو حلّ منه وقوعُ الحادث جلل

 

 

 

5-

تمنيت منه قبلةً حين زارني

فقبلته ثنتين في الخد والخد

 

وقلت له: جد لي بثغرك، إنني

أقول بتفضيل الأقاح على الورد

 

 

 

6-

بنو الدنيا بجهلٍ عظّموها

فجلّت عندهم وهي حقيرة

 

تهارش بعضُهم فيها بعضاً

مُهارشة الكلاب على عقيره

 

 

 

7-

والنهر قد رُقّت غِلاله خصره

وعليه من صبغِ الأصيل طرازُ

 

ترقرتِ الأمواجُ فيه كأنها

عُكنُ الخصور تهزها الأعجاز

 

 

 

8-

يحلّ لناتركُ الصلاة بأرضكم

وشُربُ الحميّا وهو شيء محرّم

 

فراراً إلى أرض الجحيم، فإنها

أحنّ علينا من شُلّيرٍ وأرحم

 

(فإن كنت ربي مُدخلي في جهنمٍ

ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم)

 

 

 

9-

يا من يُصيخُ إلى داعي السقاة وقد

نادى به الناعيان: الشيبُ والكبر

 

إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ثوى

في رأسك الواعيان: السمعُ والبصر؟

 

ليس الأصمّ ولا الأعمى سوى رجل

لم يهده الهاديان: العين والأثر

 

لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك إلا

على ولا النيران: الشمس والقمر

 

ليرحلنّ عن الدنيا، وإن كرها

فراقها، الثاويان: البدو والحضر

 

ابن السِبر البطلبوسي 

1-

أخو العلمِ حيٌّ خالدٌ بعد موته

وأوصالُه تحت التراب رميمُ

 

وذو الجهل ميتٌ وهو ماشٍ على الثرى

يُظنّ من الأحياء وهو عديم

 

 

 

2-

هم سلبوني حُسنَ صبريَ إذ بانوا

بأقمار أطواقٍ مطالعها بانُ

 

لئن غادروني باللوى، إن مهجتي

مُسايرةٌ أظعانهم حيثما كانوا

 

سقى عهدهم بالخيف عهدُ غمائم

ينازعها مُزنٌ من الدمع هتّان

 

أأحبابنا، هل ذلك العهد راجعٌ

وهل ليَ عنكم آخرَ الدهرِ سُلوان؟

 

ولي مقلة عبرى وبين جوانحي

فؤادٌ إلى لقياكم الدهر حنّان

 

تنكّرت الدنيا لنا بعدَ بُعدكم

وحلّت بنا من مُعضل الخطب ألوان

 

بوجه ابن هودٍ كلما أعرض الورى

صحيفةُ إقبالٍ لها البِشرُ عنوان

 

 

 

3-

تُرى ليلنا شابت نواصيه كبرةً

كما شبتُ، أم في الجوّ روضُ بهار؟

 

كأنّ الليالي السبعَ في الأفق عُلّمت

ولا فصلَ فيما بينها بنهار

 

 

 

4-

تجوهرك الأدنى عُنيتَ بحفظه

وضيعتَ من جهل تجوهرك الأقصى

 

لقد بعتَ ما يبقى بما هو هالك

وآثرتَ لو تدري على فضلك النقصا

 

 

 

5-

إذا سألونيَ عن حالتي

وحاولتُ عُذراً فلم يُمكن

 

أقول: بخير؛ ولكنه

كلام يدور على الألسن

 

وربّك يعلم ما في الصدور

ويعلم خائنة الأعين

 

أبو بكر بن الوليد الطرطوشي 

1-

إن لله عباداً فطنا

طلّقوا الدنيا وخافوا الفتنا

 

فكّروا فيها فلما علموا

أنها ليست لحيٍ وطنا

 

جعلوها لجّة واتخذوا

صالحَ الأعمال فيها سُفنا

 

 

 

2-

أقلّب طرفي في السماء تردداً

لعليَ أرى النجمَ الذي أنت تنظرُ

 

وأستعرضُ الركبان من كل وجهةٍ

لعلي بمن قد شمّ عرفكَ أظفر

 

وأستقبلُ الأرياحَ عند هبوبها

لعلّ نسيم الريح عنك يُخيّر

 

وأمشي وما لي في الطريق مآربٌ

عسى نغمةٌ باسم الحبيب ستذكر

 

وألمحُ من ألقاهُ من غير حاجةٍ

عسى لمحةٌ من حسن وجهك تسفَر

 

 

 

3-

(إذا كنتَ في حاجة مُرسلا)

وأنتَ بإنجازها مُغرمُ

 

فأرسِل بأكـمهَ خِلاّبة

به صَمم أغطشٌ أبكمُ

 

ودع عنك كلّ رسولٍ سوى

رسولٍ يقال له الدرهم!

 

 

 

4-

يقولون: “ثكلى”! ومن لم يذُق

فِراق الأحبة لم يثكل

 

لقد جرّعَتْني ليالي الفراق

كؤوساً أمرَّ من الحنظل

 

أبو طالب عبد الجبار المتنبي الجزيري 

معشرَ الناسِ، ببابِ الخننشِ

بدرُ تِمّ طالعٌ في غبش

علّق القرط على مِسمعه

من عليه آفةَ العين خَشي

 

أبو الصلت أمية 

هو أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت، ولد في دانية بالأندلس واشتهر بالعلم والطب (ت 529هـ/ 1134م)

1-

جدّ بقلبي وعبث

ثم مضى وما اكترث

 

واحربا من شادنٍ

في عقد الصبر نفث

 

يقتلُ من شاء بعيـ

نيه، ومن شاء هـث

 

فأي ود لم يخن

وأي عهد ما نكث

2-

وقائله: “ما بالُ مثلك خاملاً؛

أأنتَ ضعيف الرأي أم أنت عاجزُ؟”

 

فقلتُ لها: “ذنبي إلى القوم أنني

لما لم يحوزوه من المجد حائز

 

وما فاتني شيءٌ سوى الحظّ وحده،

وأما المعالي فهي عندي غرائز!”

 

 

 

3-

إذا كان أصلي من تراب فكلها

بـلادي، وكلّ العالمين أقاربي

 

 

 

4-

سكنتُكِ يا دارَ الفناء مُصدّقاً

بأني إلى دار البقاءِ أصيرُ

 

وأعظمُ ما في الأمر أنني صائر

إلى عادلٍ في الحكم ليس يجور

 

فيا ليت شعري، كيف ألقاه عندها

وزادي قليل والذنوب كثير

 

فإن أكُ مجزيّاً بذنبي فإنني

بشرِّ عقاب المذنبين جدير

 

وإن يكُ عفوُ منه عني رحمةً

فثمّ نعيمٌ دائمٌ وسرور

 

 

 

5-

ومهفهفٍ شركت محاسن وجهه

ما مجّهُ في الكاس من إبريقه:

 

ففعالُها من مُقلتيه، ولونُها

من وجنتيه، وطعمُها من ريقه

 

 

 

6-

لئن عرضَت نوىً وعدت عوادٍ

أدالت من دنوّكَ بالبعاد،

 

فما بعُدت عن اللّقيا جُسومٌ

تدانت بالمحبة والوداد

 

ولكن قربُ دارك كان أندى

على كبدي وأحلى في فؤادي

 

أبو جعفر بن الجحّاف 

لئن كان الزمانُ أرد حطّي

وحاربني بأنيابٍ وضُفر

كفاني أن تصافيّني المعالي

وأن عاديتني، يا أمّ دفر

فما اعتزّ اللئيمُ وإن تسامى،

ولا هان الكريمُ بغير وفر

 

أبو جعفر أحمد بن وضاح 

1-

وباكيةٍ، والروضُ يضحَكُ كلما

ألحّت عليه بالدموع السواجم

 

يروقك منها، إن تأمّلت نحوها،

زئيرُ أسودٍ والتفاتُ أراقم

 

تُخلّصُ من ماء  الغدير سبائكاً

فتنبتها في الروض مثل الدراهم

 

 

 

2-

أيا سروَ لا يُعطش منابتك الحيا،

ولا بُزّ من أعطفك الخَضلُ النضر

 

فقد كُسِيت من راية الملك مثلما

تُلفّ على الخطي راياته الخُضر

 

ابن بني القرطبي 

1-

يا أقتلَ الناس ألحاظا وأطيبهم

ريقاً، متى كان فيك الصاب والعسل؟

 

في صحن خدّك، وهو الشمسُ طالعةٌ

وزدٌ يزيدك فيه الراحُ والخجل

 

إيمانُ حبك في قلبي تجدده

من خدك الكتبُ أو من لحظك الرسل

 

إن كنتَ تجهلُ أني عبدُ مملكةٍ

مُرني لما شئتَ آتيه وأمتثل

 

لو اطلعت على قلبي وجدت به

من فعل عينيك جُرحاً ليس يندمل

 

 

 

2-

إلى الله أشكوها نوىً أجنبيةً

لها من أبيها الدهرِ شيمةُ ظالمِ

 

إذا جاش صدرَ الأرض بي كنتُ مُنجداً،

وإن لم يجش بي كنتُ بين التهائم

 

أكلّ بني الآداب مثليَ ضائع

فأجعلَ ظُلمي أُسوةً في المظالم

 

ستبكي قوافي الشعرِ ملءَ جفونها

على عربيّ ضاع بين الأعاجم

 

 

 

3-

غاب الشوقُ بقلبي فاشتكى،

ألمَ الوجدٍ فلبّت أدمعي

 

أيها الناسُ، فؤادي شغف

 

وهو من بغي الهوى لا ينصفُ؛

 

كم أُداريهِ ودمعي يكِفُ؟

 

أيها الشادنُ من علّمكما

بسهام اللحظ قتلَ السبُع

 

بدرُ تِمٍ ليلٍ أغطشٍ

 

طالعٍ في غصنِ بانٍ منتشٍ

 

أهيفِ القدّ بخدّ أرقش

 

ساحر الطرف، وكم ذا فتكا

بقلوب الأسد بين الأضلع!

 

أيّ ريمٍ رُمتُه فاجتنبا،

 

وانثنى يهتزّ من سُكر الصبى

 

كقضيبٍ هزّه ريح الصَبا

 

قلتُ: هب لي، يا حبيبي، وصلكا

واطّرح أسباب هجرٍ ودع

 

قال: خدي زهرة مـذ فوّفا

 

جرت عيناي سيفاً مُرهفا

 

حذرا منه بأن لا يُقطفا

 

إنّ من رامَ جناه هلكا

فأزل عنك عِلالَ الطمع

 

ذاب قلبي في هوى ظبيٍ غرير،

 

وجهُه في الدجن صبحٌ مستنير

 

وفؤادي بين كفيه أسير

 

لم أجد للصبر عنه مسلكا

فانتصاري بانسكاب الأدمع

 

 

 

4-

نورانِ ليسا يُحجبان عن الورى:

كرمُ الطباع ولا جمالُ المنظر

 

وكلاهما جُمعا ليحيى فليدع

كتمان نور عُلائه المتشهّر

 

في كل أفق من جمالِ ثنائه

عرفٌ يزيد على دخان المجمر

 

زد في شمائله وزد في جوده

بين الحديقة والغمام الممطر

 

بدرٌ عليه من الوقار سكينةٌ

فيها لقيطة كلّ ليثٍ مُخدر

 

مثلُ الحسامِ إذا انطوى في غمده

ألقى المهابة في نفوس الحضّر

 

أربى على المزنِ الملثّ لأنه

أعطى كما أعطى ولم يستعبر

 

 

 

5-

ألا إنما الدنيا كراحٍ عتيقةٍ

أراد مُديروها بها جلبَ الأنس

 

فلما أداروها أثارت حقودهم

فعاد الذي راموا من الأنس بالعكس

 

أبو جعفر بن البني 

وذي وجنةٍ وقّادةِ الصقل قاسمت

حياتي فبلّت صقلها بجراحي

نظرتُ إليه فاتقاني بمقلةٍ

تردّ على نحري صدور رماحِ

حميتَ الجفونَ النومَ، يا رشأ الحمى،

وأظلمتَ أيامي وأنت صباحي!

 

أبو عامر بن بنَق الشاطبي 

يا هندُ، هل لكِ في زيارةِ فتيةٍ

نبذوا المحارم غيرَ شربِ السلسلِ؟

سمعوا البلابل قد شدوا فتذكّروا

نغماتِ عودك في الثقيل الأول

 

أبو عمر بن الغلاّس 

بَطَليَوْسُ، لا أنساكِ ما اتصل البعد؛

فلله غورٌ في جنابك أو نجدُ!

ولله دوحاتٌ تحفّك بينها،

تفجّرَ واديها كما شُقّقَ البُردُ

 

أبو العلاء بن زُهر 

1-

يا صارماً حسمَ العِدى بمضائه

وتعبّدَ الأحرارَ حُسنُ وفائه

 

ما أثّر الغضبُ الحسام بذاته

إلاّ بأن سُميتَ من أسمائه

 

 

 

2-

يا راشقي بسهامٍ ما لها غَرضُ

إلا الفؤادُ وما منه لها عِوضُ

 

ومُمرضي بجفونٍ لحظها غنجٌ

صحّت وفي طبعها التمريض والمرض،

 

أمنُن ولو بخيالٍ منك يُؤنسني

فقد يسدّ مسدّ الجوهر العرضُ

وكان بين ابن باجة وبين ابن زهر عداوة شديدة، وكان ابن زهر يسعى به ليدبر مقتله، فقال ابن باجة:

 

يا مالكَ الموتِ وابنَ زُهرٍ،

جاوزتما الحدّ والنهايه

 

ترفّقا بالورى قليلاً

في واحدٍ منكما الكفايه

3- فردّ عليه ابن زهر:

 

لا بدّ للزنديق أن يُصلَبا،

شاء الذي يعضده أو أبـى

 

قد مهّد الجذعُ له نفسه

وسدد الرمح إليه الشبا

 

أبو بكر بن زهر (المعروف بالحفيد ابن زُهر)

1-

ولي واحدٌ مثلُ فرخ القطاة

صغيرٌ تخلّف قلبي لديه؛

 

وأُفردتُّ عنه فيا وحشتي

لِذاك الشُخيص وذاك الوجيه

 

تشوّقني       وتشوّقته

فيبكي عليّ وأبكي عليه

 

وقد تعب الشوقُ ما بيننا

فمنه إليّ ومني إليه

 

 

 

2-

يا من يذكّرني بعهدِ أحبتي

طاب الحديثُ بذكرهم ويطيبُ

 

أعدِ الحديثَ علي من جنباته

إنّ الحديثَ عن الحبيب حبيبُ

 

ملأَ الضلوعَ وفاض عن أجنابها

قلبٌ إذا ذكر الحبيبُ يذوبُ

 

ما زال يخفق ضارباً بجناحه،

يا ليتَ شعري، هل تطيرُ قلوب؟

 

 

 

3-

رمت كبدي أختُ السماءِ فأقصدَن،

إلا بأبي رامٍ يصيبُ ولا يُخطي

 

قريبةُ ما بين الخلاخيل إن مشت،

بعيدة ما بين القلاة والقُرط

 

نعمتُ بها حتى أُتيحت لنا النوى،

كذا شِيَمُ الأيام: تأخذ ما تُعطي

 

 

 

4-

إني نظرتُ إلى المرآة قد جُليت

فأنكرت مقلتايَ كلما رأتا

 

رأيتُ فيها شُويخاً لستُ أعرفه

وكنتُ أعهدُه من قبل ذاك فتى

 

فقلتُ: “أين الذي بالأمس كان هنا؟

متى ترحّل من هذا المكان، متى؟”

 

فاستضحَكَتْ ثم قالت وهي مُعجبة:

” إن الذي أنكرَتْهُ مقلتاك أتى”

 

كانت سليمى تنادي: “يا أُخيّ”، وقد

صارت سليمى تنادي اليوم: “يا أبتا!”

 

 

 

5-

تأمّل بفضلكَ يا واقفاً

ولاحظ مكاناً دفعنا إليه

 

تراب الضريح على صفحتي

كأنيَ لم أمشِ يوماً عليه

 

أداوي الأنامَ حذارَ المنونِ

فها أنا قد صرتُ رُهناً لديه

 

أبو بكر بن  الصائغ المعروف بابن باجه 

1-

أيها الملكُ قد لَعمري نعى المجدَ

نواعيك يوم قُمنَ فنُحنا

 

كم تقارعتَ والخطوبَ إلى أن

غادرتك الخطوبُ في التُرب رهنا

 

غير أني إذا ذكرتك والدهـ

ر أخالُ اليقينَ في ذاك ظنا

 

وسألنا: “متى اللقاء؟” فقالوا: “الـ

حشر” فقلنا: “إنّ صبر الله حُزنا”

 

 

 

2-

أقول لنفسي حين قابلها الردى

فراغت فراراً منه يُسرى إلى يُمنى:

 

قري تحملي بعبض الذي تكرهينه

فقد طالَ ما اعتدتّ الفرار إلى الأهنا

 

 

 

3-

قوم إذا انتقبوا رأيتَ أهلّةً،

وإذا همُ سَفروا رأيتَ بدورا

 

لا يسألونَ عن النوال عُفاتهم

شكراً، ولا يحمون منه نقيرا

 

لو أنهم مسحوا على جدب الرُبى

بأكفّهم نبتَ الأقاحُ نضيرا

 

أبو العباس النبطيّ الأعمى 

1-

أما اشتفت مني الأيامُ في وطـني

حتى تُضايقَ فيما عنّ من وطري،

 

ولا قضت من سواد العين حاجتها

حتى تَكُرّ على ما ظلّ في الشعر

 

 

 

2-

وجوهٌ تعزّ على معشرٍ

ولكن تهونُ على الشاعر

 

قرونهم مثل ليلِ المحب،

وليل المحب بلا آخر

 

 

 

3-

أسدٌ ولو أني أُنـا

قشه الحساب لقلتُ: صخره

 

فكأنه أسـد السما

ء يمجّ من فيه المجرّة

 

 

 

4-

بحياة عصياني عليك عواذلي،

ان كانت القُربات عندكَ تنفعُ

 

هل تذكرين ليالياً بِتنا بها

لا أنتِ باخلة ولا أنا أقنعُ؟

 

أبو عبد الله محمد بن الفراء 

1-

إذا كان وردُكَ لا يُقطَفُ

وثغرُ ثناياكَ لا يُرشَفُ

 

فأيّ اضطرار بنا أن نقول:

ألا بابي شادنٌ أوطفُ!

 

 

 

2-

قيل لي: قد تبدّلا

فاسلُ عنه كما سلا

 

لك سمع وناظر

وفؤادٌ؛ فقلت: لا

 

قيل: غالٍ وصاله؛

قلت: لمّا غلا حـلا

 

أيها العاذل الذي

بعـذابي توكـلا

 

عُد صحيحاً مسلّما

لا تُغيّر فتبتلى

 

 

 

3-

شكوتُ إليه بفرط الدّنف

فأنكر من قصتي ما عرف

 

وقال: الشهود على المدّعي،

وأما أنا فعليّ الحلف

 

فجئنا إلى الحاكم الألمعي

قاضي المُجون وشيخ الظرف؛

 

وكان بصيراً بشرع الهوى

ويعلمُ من أين أكلُ الكتف

 

فقلت له: “اقض ما بيننا”

فقال: “الشهود على ما تصف؟”

 

ففاضت دموعيَ من حينها

كفيض السحاب إذا ما يكف

 

فحرّك رأساً إلينا، وقال:

“دعوا، يا مهاتيكُ، هذا الصلفُ”

 

كذا تقتُلون مشاهيرنا؟

إذا مات هذا فأين الخلف؟

 

وأوما إلى الورد أن يُجتنى

وأوما إلى الريق أن يُرتشف

 

فلما رآه حبيبي معي

ولم يختلف بيننا مختلف

 

أزال العنادَ فعانقته

كأني لام وحبي ألِف

 

وظلتُ أُعاتبه في الجفا،

فقال: “عفا الله عما سلف!

 

محي الدين بن عربي 

1-

أتتني تؤنّبني بالبُكـا

فأهـلا بـها وبتأنيبها

 

تقول، وفي نفسها حسرة:

“أتبكي بعين تراني بها؟”

 

فقلت: “إذا استحسنت غيركم

أمرتُ جفوني بتعذيبها”

 

 

 

2-

يهزّ عليّ الرمحَ ظبيٌ مهفهفُ

لعوبٌ بألباب البزيّة عابث

 

ولو كان رُمحاً واحداً لاتقيته،

ولكنه رمح وثان وثالث

 

 

 

3-

ليت شـعري، هل درَوا

أيّ قـلبٍ ملكوا!

 

وفؤادي لو ذرى

أيّ شِعبٍ سلكوا

 

أتـراهم سـلموا

أم تـراهم هـلكوا

 

حـار أربـاب الهـوى

في الهـوى وارتبكوا!

 

أبن أبي الخصال الغافني 

1-

وافى وقد عَظُمت عليّ ذنوبُه

في غيبتٍ قبُحَتْ بـها آثاره

 

فمحا إساءته بهـا إحسـانُه

واستغفرت لذنوبه أوتاره

 

 

 

2-

ألم تعلموا والقلبُ رهنٌ لديكم

يخبّركم عني بمُضمره بعدي؟

 

ولو قّلّبتني الحادثاتُ مكانكم

لأنهبتُها وفري وأوطأتُها خدّي

 

ألم تعلموا أني وأهلي وواحدي

فداءٌ، ولا أرضى بتفديةٍ وحدي!

 

أبو بكر بن رُحيم 

1-

يا بغيّتي، قلبي لديك رهينة؛

فلتحفظيه فربما قـد ضـاعا

 

أوقدته وتركتِه متضرّماً

بأوار حبّك يستطيرُ شُعاعا

 

لا تسلميه فإنه نَزَعَتْ به

تلك الخلالُ إلى هواكِ نزاعا

 

إني لأقنعُ من وِصالك بالمُنى

ومن الحديث بأن يكونَ سماعا

 

 

 

2-

خطّت بنانُ الشوق بين جوانحي

مرءاك فالتهبَت من الوجـد

 

وتحدّثت نفسي بزورتك التي

قُطعت بلا شكّ من الخُلد

 

فتعللّت بالوهم وانتعشت

سراً حُشاشتها على البُعد

 

أبو القاسم بن العطار الاشبيلي 

1-

هبّت الريحُ بالعشيّ فحاكـت

زرداً للغدير، ناهيك جُنة

 

وانجلى البدر بعد هدءٍ فصاغت

كفّه للقتال منه أسنّة

 

 

 

2-

الحبّ تسبحُ في أمواجه المُهجُ

لو مدّ كفاً إلى الغرقى به الفرج

 

بحر الهوى غرقت فيه سواحله،

فهل سمعتم ببحر كله لجج؟

 

بين الهوى والردى في لحظة نسبٌ،

هذي القلوب وهذي الأعين الدُعُج

 

دين الهوى شرعُه عقلٌ بلا كُتبٍ

كما مسائله ليست لها حُجج

 

لا العذلُ يدخُلُ في سمعَ المُشوقِ ولا

شخص السلوّ على باب الهوى يَلِجُ

 

كأنّ عيني وقد سالت مدامعُها

بحر يفيض ومِن آماقها خُلجِ

 

جار الزمان على أبنائه، وكـذا

تغتالُ أعمارَنا الآصالُ والدلج

 

بين الورى وصُروف الدهر ملحمة،

وانما الشيب في هاماتهم رَهَج

 

 

 

2-

ألا يا نسيمُ الريح بـلّغ تحيّتي،

فما لي إلى إلفي سِواك رسول

 

وقل لعليلِ الطرف عني بأنني

صحيحُ التصابي والفؤاد عليل

 

أينشر ما بيني وبينك في الهوى

وسرّك في طيّ الضلوع قتيل؟

 

 

 

4-

وسنانُ ما إن يزال عارضه

يعطفُ قلبي بعطفه اللام

 

أسلمني للهوى فوا حزنا

أن بزّني عِفّتي وإسلامي

 

لحاظه السهم وحاجبه الـ

قوس وإنسان عينه رامٍ

 

 

 

5-

رقّت محاسنه وراقَ نعيمُها

فكأنما ماءُ الحياة أديمها

 

رشأٌ إذا أهدى السلامَ بمقلةٍ

ولّى بلبّ سليمها تسليمها

 

سكرى ولكن من مُدامة لحظه

فاغضض جفونك فالمزَنّ نديمها

 

عبد الله بن ابراهيم الحجاري 

1-

عليك أحالني الذكرُ الجميل

فجئت ومن ثنائك لي دليلُ

 

أتيتُ ولم أقدّم من رسولٍ

لأنّ القلبَ كان هو الرسول

 

ومثّلني بدنٍ فيه خمرٌ

يُخفّ بها ومنظره ثقيل

 2- ولما لامه أصدقاؤه على انتقاله من جنوب الأندلس إلى شمالها قال: النفس تواقه، ومالي بغير التغرب طاقه، ثم أنشد:

 

يقولون لي: ما ذا الملالُ، تقيم في

محلّ وعند الأنسِ تذهبُ راحلا؟

 

فقلت لهم: مثل الحمام، إذا شدا

على غصنٍ أمسى بآخرَ نازلا!

 

 

 

3-

وجـدنا سعيداً منجباً خير عُصبةٍ

همُ في بني أعصارهم كالمواسم؛

 

مُشنّفةٌ أسماعهم بمدائحٍ،

مسوّدةٌ أيمانُهم بالصوارم

 

 

 

4-

أصحبتُ في بسقايا مُسلما

إلى الأعادي لا أرى مُسلما

 

مكلّفاً ما ليس في طاقتي

مصفّداً منتهراً مُرغماً

 

أطلبُ بالخدمة، واحسرتا،

وحالتي تقتضي بأن أخدما

 

فهـل كريم يُترجّى لهـا

إلاك يا أكرمهم مُنتمى؟

 

 

 

5-

يا رئيسَ الزمان، أغفلت أمري

وتلذذت راضياً لي بأسري

 

ما كذا يُعهدُ الكرام، ولكن

قد جرى بي على المعوّد دهري

 

أبو بكر بن عطية 

1-

كيف السلوّ، وكلّ حبّ هاجرٌ

قاسي الفؤاد يسومُني تعذيبا

 

لما درى أنّ الخيالَ مُواصلي

جعل السّهاد على الجفون رقيبا

 

 

 

2-

يا من عهودي لديه تُرعى،

إني على عهدك الوثيق

 

إن شئتِ أن تسمعي غرامي

من مُخبرٍ عالمٍ صدوقٍ،

 

فاستخبري قلبَكِ المُعنى

يُخبرك عن قلبيَ المشوق

 

 

 

3-

كُن بذئبٍ صائدٍ مستأنساً

وإذا أبصرتَ إنساناً ففر

 

إنما الإنسانُ بحرٌ ما له

ساحلٌ فاحذره، إياك الغرر

 

واجعل الناسَ كشخصٍ واحدٍ

ثم كُن من ذلك الشخص حذِرا

 

أبو عامر بن المرابط 

من رأى ذاك الغزالَ ضحىً

يتمشىّ في أجـارعـهِ

ينفض الأجفانَ عن سنةٍ

أُشربتها في مضاجعـه

نظراتُ الظبيِ روّعهُ

قانصٌ أدنـى مراتعـه

بشرٌ أو مثلهُ قمـرٌ

سن قتـلي في شـرائعه

 

أبو بكر بن عبد الملك بن قزمان 

1-

يُمسكُ الفارسُ رُمحاً بيد،

وأنا أمسكُ فيـها قصبه

 

فكـلانا بطلٌ في حربـه

إنّ الأقلامَ رماحُ الكتبه

 

 

 

2-

كثيرُ المالِ يبذلهُ فيفنى،

وقد يبقى من الذكرِ القليل

 

ومن غرست يداه ثِمارَ جودٍ

ففي ظل الثناء له مقيلُ

 

 

 

3-

رَكبوا السيولَ من الخيولِ وركّبوا

فوق العوالي السمرِ زُرقَ نِطاف

 

واستودعوا الخِلل الجداولَ واصطفوا

بيضَ الرؤوس من الحُباب الطافي

 

وتجللوا الغُدران من ماذيّهم

مرتجّة إلا على الأكتاف

وكان ابن قزمان مليح المؤانسة، فكهَ المجالسة؛ فوجّه إليه أبو عبد الله ابن أبي الخصال يستدعيه ليلةَ أنس. فأساء الرسول الإبلاغ، فرده أبو بكر بن قزمان، فكتب إليه ابن أبي الخصال:

إني أهـزّك هزّ الصارم الخَدِمِ (الأبيات)

2- فأجابه ابن قزمان:

 

أتى من المجدِ أمرٌ لا مردّ له

نمشي على الرأس فيه لا على قدم

 

رقزٌ ورقصٌ وما أحببتَ من ملحٍ

عنـدي وأكثرُ ما تدريه من شيم

 

حتى يكون كلام الحاضرين بها

عند الصباح وما بالعهد من قدم

 

(يا ليلة السفح هلا عُدت ثانية

سقى زمانك هطّال من الديم)

4- ثم أتى فأمتع بمحلّة وأبدع في تصرفاته. فاتفق أن أطفأ السراجَ في أثناء ذلك، فقال:

 

يا أيها السادةُ العـالي محلّكُم

ما ملتُ، لكنني مالت بي الراحُ

 

فإن أكن مُطفئاً مصباح بيتكم

فكلّ من منكم في البيت مصباح

 

 

 

5-

وعهدي بالشباب وحسنِ قدي

حتى ألِفَ ابنِ مقلة في الكتاب

 

فصرتُ اليومُ مُنحنياً كأني

أفتشُ في التراب على شبابي

 

 

 

6-

لا تطمئنّ إلى أحـد

واحـذر وشمّر واستعد

 

فالكلّ كلبٌ مؤسدٌ

إلا إذا وجدو أسـد

نزهون الغرناطية 

كان الوزير أبو بكر بن سعيد يحب محادثة نزهون ويراسلها، فكتب إليها يوماً:

يا من له ألفُ خـِلٍّ

من عـاشـقٍ وصديقٍ،

أراك خلّيتَ للنـا

س منزلاً في الطريق؟

فأجابته نزهون:

حللتَ، أبا بكر، محلاً منعتهُ

سواك؛ وهل غيرُ الحبيب له صدري؟

وإن كان لي كم محبّ فإنما

يقدّم أهلُ الحقّ حُبّ أبي بكر

 

المخزومي 

قال المخزومي معرضاً بنزهون:

(على وجه نزهون من الحسن مسحةٌ

وتحت الثياب العارُ لو كان باديـا)

(قواصدُ نزهونٍ تواركُ غيرها،

ومن قصد البحرَ استقلّ السّواقيا)

 

أبو الوليد بن أحمد الوفّشي 

1-

برّحَ بي أنّ علومَ الورى

اثنان، ما إن فيهما من مزيد

 

حقيقةٌ يُعجزُ تحصيلُها،

وباطلٌ تحصيلُهُ لا يُفيد!

 

 

 

2-

عجباً للمُدام ماذا استعارت

من سجايا معذّبي وصفاته:

 

طيبَ أنفاسِه وطعمَ ثنايا

هُ وسُكرَ العقولِ من لحظاته،

 

وسنى وجهه وتوريد خدّيـه

ولطف الديباج من بشراته

 

والتداوي من ها بها كالتداوي

برضى من هَوِيتُ من سطواته

 

وهي من بعد ذا عليّ حرامٌ

مثل تحريمه جنى رشفاته!

 

 

 

3-

لا أركب البحرَ ولو أنني

ضربتُ فيه بالعصا فانفلق

 

ما إن رأت عينيّ أمواجَه

في فِرقٍ إلا تناهى الفرق

 

 

 

4-

قد بيّنت فيه الطبيعةُ أنها

بدقيق أعمال المهندس ماهره

 

عُنيت بمبسمهِ فخطّت فوقه

بالمسك خطّاً من محيط الدائره