الطرب الأندلسي

الطرب الأندلسي

تحتل الموسيقى الأندلسية مكانة خاصة في التراث المغربي وتحظى باحترام كبير لدى المغاربة حيث امتزج فيها- دون أنواع الموسيقى الأخرى- الطابع الديني بالطابع الفني ليعطي أنغاماً خاصة. فقد تعاطى بهذا اللون الموسيقي العلماء ورجال التصوف، وكان رواده يجمعون بين الحس الفني والوقار الذي يستمدونه من وضعيتهم الدينية. ورغم أن رواد هذا الفن اليوم هم فنانون فقط، فإنهم ما زالوا يظهرون في حفلاتهم بالزي المغربي التقليدي الذي تميز به رجال العلم وعلية القوم، أي الجلباب والطربوش والبلغة. كما أن كلمات هذا الفن الأندلسي العريق مستمدة من قصائد شعرية صوفية شهيرة في أغلبها، قبل أن يطعّمها روادها بألوان شعرية أخرى تستوحي مادتها من الحياة اليومية في المجتمع المغربي، وتمزج بين الموعظة والمزاح، وبين المدح والغزل الرقيق.

تقترن ألحان الطرب الأندلسي القادمة من تاريخ المجد الأندلسي الغابر، بأيام العيد حيث تذاع على القنوات والإذاعات المغربية قبل وبعد صلاة العيد وفي ليلة المولد النبوي الشريف، ومباشرة بعد أذان الإفطار في شهر رمضان، وبعد إعلان رؤية هلال العيد أو هلال مطلع شهر الصيام. وهذا ما جعل لها حيزاً هاما في ذاكرة الصغار والكبار على حد سواء. كما أن هذا التراث الذي حمله الأندلسيون معهم عند مغادرتهم لبلاد الأندلس تلون بلون الأرض التي احتضنته، فتدرج بين اللون الشرقي في سورية واللون المغاربي في كل من ليبيا والجزائر وتونس والمغرب. وقد كانت هذه الموسيقى تعرف في المغرب قبل عهد الاستعمار الفرنسي باسم “الآلة” تمييزا لها عن فن السماع الذي يعتمد أداؤه على أصوات المنشدين فقط دون الاستعانة بالآلات الموسيقية. وتتكون الفرقة من مجموعة من المنشدين في نسيج متكامل، يجعل الجمهور أيضا يشارك في الأداء، ويجعل الموسيقى تستولي على كل الجوارح، وتأخذ بالألباب وتحرك الوجدان، فتتوالى الآهات والتكبيرات. وعندما ينفرد المنشد بأداء “تغطية” وينفرد عازف آخر “بالجواب” كما يسمونه، يكون هذا الانفراد مؤججا للخلجات. والمنشد لا يغني قطعة موسيقية لكاتبها أو ملحنها بل ينشد تراث أمة، كما يقول الفنان محمد التهامي الحراق. ويضيف أن أهم آلات هذا الطرب تنقسم إلى آلات وترية وأخرى نقرية أو إيقاعية وتشمل الأولى آلة العود والكمان والربابة، في حين تتكون الثانية من “الدربوكة” والدف وآلة الإيقاع (التي تسمى في المغرب بالطرب)، وهي من التراث الموسيقي الغنائي المضبوطة علميّاً، وعلى جانب كبير من الروعة والجمال، الأمر الذي يجعلها أرقى أنواع التعبير الموسيقي في المغرب.

يرجع الباحثون بوادر ظهور هذه الموسيقى إلى فترة الفتح الإسلامي لبلاد الأندلس. وهذا ما يفسر امتزاج مقومات شرقية بأخرى محلية، مغربية وأيبيرية داخل موسيقى متميزة ظلت تتبلور وتزدهر حتى بلغت تألقها في الأندلس.

يؤكد المختصون في فن الموسيقى الأندلسية أن هذه الموسيقى واحدة من الإمدادات والروافد التي تفرعت عن الموسيقى العربية بمفهومها العام. وهي خلاصة امتزاج وتفاعل المعطيات الفنية النابعة من موسيقى العناصر البشرية المتساكنة بالأندلس من عرب وبربر وقوط وصقالية. وقد أنشأ “زرياب” في قرطبة معهداً موسيقيّاً طبقت فيه طرق علمية ومناهج تعليمية مبنية على أسس تربوية.

وبحسب الدارسين للتراث الأندلسي، فقد ازدهر هذا اللون الفني بالمغرب، بموازاة ترسخه وازدهاره في بلاد الأندلس. كما نشطت الموسيقى الأندلسية- المغربية على عهد الدولة السعدية حيث ظهرت نهضة جديدة بعدما أصابها من خمول وركود وربما اضطهاد على عهد الموحدين الذين شددوا في تحريم الموسيقى. فبرز عدد من الفنانين من جملتهم “علال البطلة الفاسي” المتوفى سنة 961هـ “الذي استطاع أن يلحن على مقام الذيل نوبة كاملة أطلق عليها اسم “استهلال الذيل”.

أضاف المغاربة إلى الطرب الأندلسي ميزاناً أطلقوا عليه اسم “الدرج” بإيقاعه المغربي الصرف. كما اخترعوا “البروالة” على منهاج الزجل الأندلسي في بحور متعددة، بالإضافة إلى ما نظمه العلماء من أبيات وكلمات.

وقد استمرت الموسيقى الأندلسية بجهود روادها وعناية السلاطين بها إلى عهدنا. وحتى تترسخ مقومات الوجود للموسيقى الأندلسية كان لا بد من ضمان ليتحقق الاستمرار. فمن هنا كان مبرر خوف هواة الموسيقى الأندلسية بفاس- التي كانت أهم المدن الحاضنة لهذا الفن في المغرب- بعد وفاة الشيخ “محمد بن عبد السلام البريهي” (1945)، فاتجه “الحاج عبد الكريم الرايس” إلى بناء جوق قوي يعتمد على العناصر المجربة ذات النفس العالي في الحفظ والأداء، وإن اتجه ثانيا إلى تطعيم الجوق بدماء جديدة من الشباب والشابات صغار العازفين الهواة الذين يمكن أن يحقق احتكاكهم بكبار العازفين ما يطلب من وراء هذا التطعيم.

كان لوجود طبقة من الهواة بل والعشاق لهذه الموسيقى الدور الأساس في إنعاش الحركة الموسيقية وتشجيع الموسيقيين على الإبداع في العزف والأداء منذ القديم. وكانت العادة في فاس أنه إذا أقام أحدهم حفلاً موسيقيّاً بمناسبة من المناسبات عمد إلى استدعاء كبار الحفاظ من الهواة ووجوه المعروفين بالموسيقى أجلسهم أمام الجوقة ورئيسها، فلا يجد الرئيس بداً من استشارتهم أولا في النوبة التي يفضلون الاستماع إليها ثم في الميزان أو الموازين التي يفضلونها. وقد يعزف النوبة كاملة. ونجد هؤلاء الهواة يتتبعون سير الميزان صنعة وقد يغنونه أيضا. كما يتدخل هؤلاء الهواة في اختيار النفقة أي الأشعار المغناة لتكون منسجمة مع المناسبة التي يقام من أجلها الحفل.

للطرب الأندلسي بنية متميزة ونظام محكّم يتبعه عند الأداء. وتعرف بمجموعة من المكونات تشكل خصائصها الجمالية، كالنوبة – موازين الآلة – الصنائع – البغية- التوشية- حركات الميزان – الطراطين والطبوع.

النوبة في الاصطلاح الموسيقي المغربي هي: “مجموعة القطع الغنائية والآلية التي تتوالى حسب نظام مخصوص ومعروف. وكل نوبة تحمل اسم المقام الذي بنيت عليه. وعدد النوبات المستعملة في المغرب اليوم إحدى عشر هي: رمل الماية، الأصبهان، الماية، رصد الذيل، الاستهلال، الرصد، غريبة الحسين، الحجاز الكبير، الحجاز المشرقي، عراق العجم والعشاق.

ويحتوي هذا اللون الموسيقي على خمسة موازين حسب تسلسلها في كل نوبة: البسيط، القائم نصف، البطايحي، الدرج والقدام. ويطلق الميزان في آن واحد على الإيقاع وعلى مجموعة الصنائع الملحنة عليه. وتسمى القطع الشعرية التي تتألف منها النوبات بالصنائع، وتكون عبارة عن موشحات أو “أزجال” أو “بروال” وتتكون من بيتين إلى سبعة أبيات، يمكن أن تتكرر داخلها بألحان مختلفة.

تعالج هذه الصنائع الانشغالات المختلفة والدائمة للنفس البشرية. ففيها المدائح النبوية والغزل والخمريات ووصف الطبيعة ومجالس الأنس والسمر. بينما يطلق أهل الصنعة على الافتتاحية الموسيقية اسم “البغية” وهي عادة تبرز الطابع الأساسي للنوبة وتهيئ المستمع للدخول في أجوائه. وبعد ذلك تأتي المقدمة الموسيقية للميزان المزمع أداؤه، وتسمى “توشية الميزان”. وتكون حركات الميزان وفق حركة بطيئة تتزايد سرعتها تدريجاً من أول صنعة في الميزان، وتسمى “التصديرة” إلى آخر صنعة فيه وتسمى القفلة، وتمر بثلاث مراحل: الأولى بطيئة تسمى “الموسع” والثانية معتدلة تسمى “المهزوز” والثالثة سريعة تسمى “الانصراف”. ويعرف الانتقال من مرحلة إلى أخرى بالقنطرة.