الطابع التجاري للاقتصاد اللبناني هل هو نعمة ام نكبة ؟

الطابع التجاري للاقتصاد اللبناني هل هو نعمة ام نكبة ؟

د. سمير المقدسي

استاذ الاقتصاد المساعد في الجامعة الاميركية في بيروت

نشر المقال في حزيران / يونيو 1961 ، العدد الثامن ، الرائد العربي

هل ما يسمى بالطابع ” التجاري ” للاقتصاد اللبناني قوة ام ركيزة ضعف ؟ . الكثيرون من افتصاديين وغير اقتصاديين يعتقدون ان لبنان  بلد تجاري في الدرجة الاولى ، وان ازدهاره الاقتصادي يعتمد على الحرية الاقتصادية في حقلي التجارة والمال . وقد يوجد من يعتقد بان هذا الاعتقاد بالذات يحمل في باطنه بعض العوامل غير الموثوق بها والتي تعرض البلاد لهزات اقتصادية مضرة . وبالتالي يجب ان تقيد التجارة الخارجية بقيود حكومية شديدة ، وان توجه الحكومة مجهودها باتجاه التصنيع ، حتى على حساب الحقل الخارجي . فما هو الصواب ؟ . الجواب يقتضي درساً مفصلاً ويوجب تحليل عدة افتراضات . لكننا سنكتفي في بحثنا على توضيح بعض النقاط الاساسية المتعلقة بالسؤال وان نجيب عليه ولو بصورة أولية .

لننظر اولاً في أهمية التجارة في الاقتصاد اللبناني . فالاحصاءات المتوفرة تدلنا انه في السنوات 1955 – 1957 انتج القطاع التجاري ، الخارجي والداخلي ، حوالى الثلاثين بالمئة من الدخل الوطني . واذا اعتبرنا ، حسب الدراسات المتوفرة ، ان نسبة الدخل المتأتي من التجارة الخارجية وحدها تقارب ثلثي الدخل من عموم القطاع التجاري ، يكون الدخل الوطني من التجارة الخارجية قد قارب العشرين بالمئة ، أي خمس مجموع الدخل الوطني للسنوات الثلاث . وهذه النسبة تفوق على ما يظهر ، نسب الدخل من الزراعة والصناعة وغيرها من القطاعات الاقتصادية الاخرى . كما ان أهمية التجارة الخارجية تظهر في نواح عديدة ، كمساهمتها غير المباشرة في تنمية القطاعات الاخرى ، من حيث رفع مستوى الدخل ومن حيث واقعها كصلة استيراد لما تحتاج اليه البلاد من ادوات الانتاج .

إتبعت الحكومات اللبنانية المتعاوقبة سياسة اقتصادية ومالية جعلت من لبنان سوقاً حرة للتعامل في القطع الاجنبي ولتنقل الرساميل منه واليه . كما انها حررت التجارة الخارجية من القيود التي وضعت اثناء الحرب العالمية الثانية ، وإن أبقت على بعض معالم الحماية ، إما بفرض تعرفة مرتفعة نسبياً على بعض المستوردات المزاحمة للانتاج الوطني او بمنعها بتاتاً . وقد قوى هذا الاتجاه مركز بيروت في عالمي التجارة والمال . ويصر البعض على فوائد هذه السياسة وينسبون اليها ازدهار الاقتصاد اللبناني في فترة ما بعد الحرب .

ولو نظرنا ، مثلاً ، الى ارقام ميزان المدفوعات اللبناني للسنوات 1953 – 1957 التقديرية ، لرأينا أن العجز الكبير نسبياً في الميزان التجاري ، وقد بلغ معدل 400 مليون ليرة لبنانية في السنوات المبينة في الجدول ادناه ، قد غطي جزء كبير منه عن طريق ايرادات التجارة غير المنظورة ، أي إيرادات السياحة والترانزيت والتعامل بالنقد الاجنبي وغيرها من مصادر الدخل ، بينما تزايد تدفق الرساميل ( وارقامها تقديرية بحتة ) وساعد على خلق فائض في ميزان المدفوعات . وبكلمة أخرى ، تمكن لبنان من استيراد كميات كبيرة ومتزايدة من البضائع الاجنبية معتمداً في ذلك على تزايد دخله غير المنظور وعلى تدفق الرساميل . وقد يعزو البعض ، كما ذكرنا ، هذا التزايد في الدخل الى السياسة التجارية والمالية التي أمنت التعامل بالقطع الاجنبي ولم تثقل التجارة الخارجية بقيود حكومية شديدة ، أي الى اتباع الحكومة سياسة اقتصادية مستمدة من الطابع ” التجاري ” للاقتصاد اللبناني .

وقد يشير البعض الآخر الى مواطن ” الضعف ” ، او اذا شئت ” عدم الاستقرار ” في ميزان المدفوعات اللبناني فيشدد على ان مصادر الدخل غير المنظور ، كالترنزيت ونفقات السياح في لبنان والارباح الناتجة عن التعامل بالنقد الاجنبي وغيرها ، مصادر غير ثابتة وغير موثوق بها من حيث تأثرها السريع بالتطورات السياسية الداخلية والخارجية . وهذا بالطبع ما ينطبق على تدفق الرساميل الذي يتأثر كثيراً بالهزات الداخلية والخارجية ، صغيرة اكانت ام كبيرة ، وان كان هذا التأثيرفي السنوات الماضيةعلى العموم في مصلحة لبنان فان الآية قد تنعكس في المستقبل . والنتيجة المنطقية التي يراها بعض هؤلاء الذين يأخذون بهذا التحليل ان الطابع “التجاري ” للاقتصاد اللبناني والسياسة الاقتصادية المستمدة منه قد تعرض البلاد لهزات مضرة . غير انهم لا يوضحون السبل العملية التي يجب ان تتبعها الحكومة في سبيل جعل الاقتصاد اللبناني مركزاً على أسس أقوى .

ميزان المدفوعات اللبناني بملايين الليرات اللبنانية (1 )

                                           1951             1953             1955             1957

صافي التجارة المنظور         – 259            – 266            – 501            – 583

صافي التجارة غير المنظور     198              168              326              378

صافي التبرعات وانتقال

         الرساميل                    80                140              208              243

العجز او الفائض                    19                42                33                38

( 1 ) المصدر : معهد الدراسات الاقتصادية التابع للجامعة الاميركية في بيروت

فما هو الاتجاه الصحيح ؟ وما هو السبيل الذي يجب ان تتبعه السلطات الحكومية ؟ .

لا شك ان لبنان يعتمد ، الى حد بعيد ، على التجارة الخارجية ، وان السياسة الاقتصادية يجب ان تساعد على التوسع في التجارة العالمية غير المنظورة وان تشجع تدفق الرساميل من الخارج . فالاتجاه في سياسة اقتصادية تبعد الاقتصاد اللبناني عن مجاري التجارة العالمية وتجعله منكمشاً على نفسه أمر غير مستحب ، بل مضر . فالتجارة العالمية في أساسها حافز لنمو البلاد المتخلفة وليس عائقاً في هذا السبيل .

غير ان الدعوة لسياسة اقتصادية مرنة في حقلي التجارة والمال ومشجعة لهما ، لا ترتكز على كون الاقتصاد اللبناني ذا طابع ” تجاري ” او غير تجاري . فهي السياسة التي يحسن اتباعها على كل حال . كما انها لا تعني سياسة تجارة حرة بمفهومها ” الكلاسيكي ” ، أي عدم تدخل السلطات لحماية الانتاج الوطني ، بل انه اذا شئنا الحماية ، وهي ناحية لم تعرها السلطات اللبنانية العناية الكافية ، فيجب ان نختار تلك الوسائل التي يفوق نفعها في المدى البعيد أي ضرر قد ينتج عنها في المدى القريب . وهي التي لا تبعد الاقتصاد اللبناني عن مجاري التجارة العالمية . والذين يصرون على اعتبار لبنان بلداً ” تجارياً ” ويقفون عند ذلك الحد لا يكونون قد وفوا الموضوع حقه . فهو تجاري ، في نظرهم ، باعتبار ان التجارة الخارجية تلعب دوراً رئيساً ، كما سبق ان أشرنا الى ذلك . ولكن هذا التعريف بحد ذاته لا يكفي . فمن المحتمل جداً ان يسبق قطاعاً ، كالزراعة او الصناعة ، قطاع التجارة الخارجية من حيث الأهمية النسبية للدخل المتأتي من قطاع واحد بمفرده ، ومن حيث اعتماد القطاعات الاخرى عليهما ، من دون اللجوء الى سياسة اقتصادية تعمل على خنق التجارة ، ولا تعترف بطابع لبنان ” التجاري ” . عندئذ لا يمكن وصف الاقتصاد اللبناني بأنه ذو طابع ” تجاري ” خاص ، كما يصفه البعض .

ليس المهم التسمية بل ما تعنيه هذه التسمية بالنسبة للسياسة الاقتصادية . فاذا كان المعنى بالطابع ” التجاري ” انه على الحكومة ان تكف يديها عن التدخل في قطاعي التجارة والمال ، وان ترخي العنان للحرية الفردية من دون أي توجيه (وهذا ما نخشى ان يعتقده البعض ) ، فليس طابع الاقتصاد اللبناني تجارياً ولا نريده ان يكون كذلك ! . فتشجيع التجارة الخارجية وتشجيع تدفق الرساميل لا يعني عدم وجود توجيه حكومي . فحماية الانتاج الوطني ضرورة ، ونشاط الدولة في ميدان الانتاج الوطني ضرورة ملحة ايضاً . إن السلطات اللبنانية قصرت في هذا المضمار ، ولا بد لها من العمل على مساندة النمو الاقتصادي بطرق أفضل وأقوى فعالية . فنشاط الحكومة على النطاق الداخلي واتباعها سياسة لا تقيد التجارة الخارجية وتنقل الرساميل بقيود ثقيلة ومضرة لا يتضاربان ، بل يساندان بعضهما بعضاً . وعلى ضوء هذه الحقيقة يمكننا تسمية الاقتصاد اللبناني ما شئنا ! .

أما أولئك الذين يتخوفون من الطابع ” التجاري ” للاقتصاد اللبناني ومن الركون الى مصادر دخل غير منظورة والى تدفق رساميل من الخارج ، فهم على بعض الحق اذا اعتبروا ان هذا الطابع يعني نظاماً اقتصادياً حراً لا دخل للحكومة فيه ، كما انه يعني جعل البلاد عرضة لهزات اقتصادية ناتجة عن عوامل سياسية . لكنهم يصبحون على خطأ اذا كان تخوفهم يقودهم الى الدفاع عن سياسة اقتصادية تقيد التجارة الخارجية تقيداً شديداً ، ويجعل الاقتصاد الوطني منعزلاً عن الاقتصاد العالمي ، وتقيد ايضاً تنقل الرساميل في غير المناسبات الطارئة ، كحصول جفاف متواصل ، والتي قد تدعو الى التقييد لفترة قصيرة من الزمن . فهذه السياسة لا تحل المشكلة ، بل تحاول تجنبها على حساب المنافع الناتجة عن توسع التجارة الخارجية . وهنالك وسائل أفضل لمجابهة الهزات والتقلبات ، منها ما يشمل القطاع الخارجي ، والاهم ما يشمل القطاع الداخلي . ولدى الحكومة من الوسائل الاقتصادية وغير المباشرة والتي ان أحسن إستعمالها تساعد في مجابهة التقلبات في حقلي التجارة والمال من دون الانزواء بالاقتصاد الوطني عن الاقتصاد العالمي كسياسة بعيدة المدى . ومن الأفضل ان لا نغالي في عدم الوثوق بمصادر الدخل غير المنظورة وفي تدفق الرساميل . فهي كثيرة ، واذا أقفل بعضها ينفتح الآخر . انما يجب ان نوجه إهتمامنا الى الحقل الداخلي ورفع الانتاجية الزراعية والصناعية وتطوير شبكة المواصلات وسواها من نواحي التطوير التي تجعل الاقتصاد الوطني مرناً ، وبالتالي تمكن السلطات من مجابهة الاختلال بطرق أفضل أينما نشاء .

اذا رجعنا ، الآن ، الى سؤالنا الاساسي : هل الطابع ” للاقتصاد اللبناني نكبة ام نعمة ، نقول إن الجواب يتوقف على ما يعنى بالطابع ” التجاري ” بالنسبة للسياسة الاقتصادية . ولدى التدقيق نرى ان وجهتي النظر اللتين أشرنا اليهما ، قد يعكس كل منهما بعضاً من التحليل الخاطىء . فلو اردنا ان نتبنى أحدهما على حدة ، لكان الطابع ” التجاري ” لاقتصادنا أقرب الى النكبة منه الى النعمة . ولعلنا قد بالغنا في استعمال كلمة نكبة ، فنقول إن تبنينا لاحدى الوجهتين على حدة فان ذلك سيؤدي بنا الى سياسة اقتصادية غير صائبة . لكن إن أمعنا النظر في الامر نرى انه من الممكن ان نوحد النظر على أساس من التحليل الصائب وهو ان تشجيع التجارة الخارجية وتشجيع تدفق الرساميل لا يعني انزواء الدولة او عزلها عن الميدان الاقتصادي وبالاخص في الحقل الداخي . وان مجابهة الهزات الخارجية لا يكمن في تقييد التجارة وتنقل الرساميل تقييداً شديداً يجعل الاقتصاد الوطني منعزلاً عن مجاري التجارة العالمية . فنمو التجارة الخارجية ونمو الاقتصاد الوطني متممان لبعضهما بعضاً ، لا متضادان . وليس المهم ما ننعت به الاقتصاد اللبناني ، بل المهم تحليلنا للامور الاقتصادية التي نواجهها وما اذا كان هذا التحليل مبنياً على أساس من الفهم او عدم الفهم .