الصناعيون والتجار في لبنان بين الائتلاف والاختلاف

ندوة الرائد

الصناعيون والتجار في لبنان بين الائتلاف والاختلاف

نشرت وقائع هذه الندوة في حزيران / يونيو 1961 ، العدد الثامن ، الرائد العربي

الخلاف بين الصناعيين والتجار في لبنان حول قضيتي حرية الاستيراد ومنح الصناعات الناشئة حماية جمركية خلاف مزمن يظهر في صور واشكال مختلفة كلما قامت ظروف موجبة . وتشتد حدة هذا الخلاف كلما قام الصناعيون يطالبون الحكومة بفرض حماية جمركية على بعض الاصناف كي يصبح باستطاعة المنتجات اللبنانية الصمود امام منافسة المنتجات الاجنبية ، ويقوم المستوردون من جانبهم برفض قبول فرض هذه الحماية . فالخلاف في مظهره هذا لا يعدو كونه تناقضاً بين مصالح قطاعين اقتصاديين يتنافس افرادهما في ايجاد الوسائل والطرق للمحافظة على مصالحهم . غير ان هذا الخلاف يتعدى في حقيقته هذا المظهر من حيث انه يمس في الصميم كيان الاقتصاد اللبناني ويثير التساؤل حول السياسة الاقتصادية المتبعة حالياً في البلاد ومدى صلاحيتها لتحقيق تقدم اقتصادي منشود .

فمن المعلوم ان لبنان يعيش في ظل سياسة اقتصادية حرة تسمح للفرد بمقدار من حرية التصرف غير المحدودة ، بحيث يظل التدخل الحكومي محصوراً في نطاق ضيق يكاد أثره لا يظهر . ومن المعلوم ايضاً ان الاقتصاد اللبناني يعتمد اعتماداً كبيراً على قطاعي التجارة والخدمات اللذين يزدهران عادة في ظل نظام اقتصادي حر . أما الصناعة في لبنان فهي ، في معظم حقولها ، ناشئة وحديثة ، إزدهرت اثناء الحرب العالمية الثانية وفي الفترة التي اعقبت الحرب بسبب ظروف استثنائية شجعت على قيام بعض الصناعات وعلى الاقبال على منتجاتها . وما يزال القطاع الصناعي أقل أهمية ، من حيث مساهمته في الدخل الوطني ، عن القطاع التجاري .

شهدت السنوات الاخيرة ازدهاراً اقتصادياً ملموساً في لبنان وارتفاعاً كبيراً في مستوى الدخل الوطني والدخل الفردي ، مما جعل الكثيرين يؤمنون بضرورة الابقاء على النظام الاقتصادي الحر والتوسع في حقلي التجارة والخدمات . غير ان هناك من يرى ان الظروف التي سادت في لبنان وفي الاقطار المجاورة ، والتي كانت السبب الرئيس في ازدهار الاقتصاد اللبناني ، هي ظروف استثنائية جاءت تبعاً لعوامل سياسية واقتصادية لن يدوم تأثيرها في المستقبل ، مما يوجب احداث تبديل جذري في كيان الاقتصاد اللبناني وفي سياسته الاقتصادية بحيث تزداد أهمية القطاع الصناعي بشكل يضمن للاقتصاد دوام الازدهار عند حدوث اي تبديل في الظروف الراهنة .

من هنا كانت أهمية هذا الخلاف القائم بين الصناعيين والتجار وأهمية قيام الحكومة بدور فعال في حل المشاكل الناشئة عنه على ضوء سياسة اقتصادية مدروسة وضمن مخطط عام شامل .

وقد رأت مجلة “الرائد العربي ” ان تعرض لقرائها ماهية الخلاف بين الفريقين ، الصناعي والتجاري ، فدعت الى ندوتها عدداً من اركان الفئتين في لبنان ، إشترك فيها السادة :

عن الصناعيين :

عبد الله خوري رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين

مروان نصر امين السر العام لجمعية الصناعيين اللبنانيين

رفيق غندور صناعي وعضو جمعية الصناعيين اللبنانيين

عن التجار :

حسن البحصلي نائب رئيس جمعية تجار بيروت ونائب رئيس غرفة تجارة وصناعة بيروت

فكتور قصير تاجر وعضو جمعية تجار بيروت

وفيق نصولي تاجر وعضو جمعية تجار بيروت

وكلف بادارة الندوة الاستاذ برهان الدجاني ، مدير المكنب الدائم لاتحاد غرف التجارة والزراعة العربية .

السؤال الأول : الاختلاف قائم منذ مدة بين وجهتي نظر فئتي الصناعيين والتجار في لبنان حول موضوع حرية الاستيراد ، حيث يطالب الصناعيون بتقييد الاستيراد ويطالب التجار باطلاق حريته . فكيف نشأ هذا الخلاف وكيف تطور ؟ وما هي اسبابه ودوافعه ؟ .

البحصلي : سأوجه الآن سؤالين الى الاستاذ مروان نصر ، أحدهما عائد الى النقطة التي أثارها الاستاذ قصير عن دور الاستيراد في تمويل الدولة ، بمعنى ان العائدات الجمركية تشكل نسبة عالية من ميزانية الدولة مما يستدعي الابقاء على أهمية الاستيراد . والسؤال الثاني هو امتداد لما قاله الاستاذ غندور عن جودة البضائع اللبنانية ، وهل يمكن مقارنة اسعار المنتجات اللبنانية باسعار البضائع المستوردة ، وما هو الدور الذي يمكن ان تلعبه الصناعة اللبنانية ، سلباً او ايجاباً في الميدان السياحي .

نصر : ليس من السهل تقدير اثر النمو الصناعي على مجمل الواردات الجمركية . لكن اذا استعرضنا الوقائع والارقام نجد ان الواردات الجمركية في لبنان ما زالت تنمو مع نمو الصناعة، مما يدل على ان النمو الصناعي وما نتج عنه من نمو في الدخل الوطني قد ساعد في تنشيط الاستيراد . إنما تجدر الاشارة هنا الى ان الحكومة اللبنانية ما زالت تعلن منذ سنة 1946 ان الغاية من الرسوم الجمركية ليست المورد المالي فحسب، بل استخدام هذه الرسوم في سياستها الجمركية كوسيلة للسياسة الاقتصادية . ومن المعلوم ان ضخامة الواردات الجمركية حتى الآن مرده الى طبيعة النظام الضرائبي في لبنان الذي يعتمد ، الى درجة كبيرة ، على الضرائب غير المباشرة . لكن من المنتظر ، بعد الاصلاح الضرائبي الذي بوشر به مؤخراً ، ان تتضاءل المداخيل من الضرائب غير المباشرة ، ومن جملتها الضرائب الجمركية .

وأود ان ابدي ملاحظة حول ما قاله الاستاذ قصير من ان الجزء الاكبر من العائدات الجمركية يستوفى من الضرائب الجمركية المفروضة على البضائع الكمالية التي يشتريها السائحون او المارون في لبنان . أنا أخالفه الرأي حول نسبة العائدات الجمركية المستوفاة من البضائع الكمالية لأن قسماً كبيراً من هذه العائدات يستوفى من بضائع غير كمالية ، أي انه يستوفى من اللبنانيين الذين هم من ذوي الدخل المحدود . ولهذا الاعتبار على الأقل ، يجب اعادة النظر في العائدات الجمركية كوسيلة لتمويل الدولة .

أما بالنسبة لاسعارالمنتجات الصناعية اللبنانية ومقارنتها باسعار المنتجات الاجنبية المماثلة ، فانه من الصعب اعطاء جواب عام . ولهذا ، ولكي أتمكن من إعطاء جواب صحيح ، أود ان أفرق بين نوعين من البضائع . فلنأخذ ، اولاً ، البضائع القياسية التي لا يوجد فيها تنويع واختلاف في الاذواق . فأسعار هذه البضائع ، على العموم ، أقل من مثيلاتها الاجنبية حيث ان الاكلاف الاساسية ومستوى الاجور والنفقات ادني ، عموماً ، في لبنان مما هي عليه في الخارج . من هنا تتعرض المنتجات اللبنانية من هذه الاصناف حالياً الى الاغراق . فالطحين المستورد ، مثلاً ، يباع في بيروت بسعر أقل من سعر القمح المستورد . والغريب في الامر ان هذا الطحين يأتي من بلدان لا تنتج القمح بل تستورده كما نفعل نحن . ومن بين هذه البلدان : فرنسا وايطاليا والمانيا وفنلندا . فهذه الاخيرة ، مثلاً ، تستورد القمح من روسيا لتبيعنا الطحين بسعر أقل من سعر القمح. ويحدث الشىء نفسه بالنسبة للسكر الذي هو ايضاً بضاعة قياسية . فالسكر الاحمر يباع في بيروت بسعر أقل من سعر السكر الابيض . ومن المعروف ان السكر الابيض يصنع من السكر الاحمر ويفقد خلال هذه العملية ما بين 9 و 11 بالمئة من وزنه ، عدا كلفة التكرير. والبلاد التي تبيعنا السكر الابيض بالاسعار الاغراقية لا تنتج السكر اطلاقاً ، وانما تستورد السكر الاحمر من الخارج وتقوم بتكريره وتبيعنا اياه بهذه الاسعار الاغراقية . والشىء نفسه ينطبق على الاقمشة القطنية الخام التي تباع في بيروت بأسعار تقل عن اسعار المادة القطنية الموجودة فيها .

هكذا تتعرض المنتجات اللبنانية الى المزاحمة الخارجية ، وهي منتجات كان بامكان المصنع اللبناني ان يؤمنها لسوقنا باسعار مقبولة لولا المزاحمة الاغراقية .

انتقل الى النوع الثاني . فالبضائع التي يتطلب انتاجها مقدرة خاصة ، يصعب على المنتجات اللبنانية ان تكون اسعارها موازية لاسعار المنتجات الاجنبية . ففي مثل هذه البضائع تتضاءل أهمية المادة الاولية امام عامل المهارة الفنية التي هي مهارة موروثة . ونحن في لبنان لم نرث جيلاً من العمال الصناعيين المهرة ، وما زلنا بحاجة الى تنمية المهارات الفنية في مختلف الميادين .

هناك نوع ثالث من البضائع اود ان اتحدث عنه . إنه الفضلات التي تبقى في المصانع الاجنبية في نهاية كل موسم ، والتي يمكن الحصول عليها باسعار ارخص مما تباع به عادة . وهذه البضائع من العسير على المنتجات اللبنانية مزاحمتها حتى وان لم تكن بضائع إغرافية .

الدجاني : أعتقد اننا تحدثنا بما يكفي في هذا الموضوع وأوردنا كل الاراء المهمة حوله . لكن ، أود ، قبل ان ننتقل الى الامور الاخرى من بحثنا الجاري ، أن أسأل الاستاذ نصولي اذا كانت هناك قضايا محددة حصل فيها ان اعطيت الصناعة اللبناية حماية يعتبرها المستوردون حماية غير معقولة .

النصولي : دعوني احدثكم عن حماية صنف الجوخ كمثل عن الحماية غير المعقولة . فقد فرضت الحكومة رسوماً تبلغ 55 بالمئة لما يقل عن 300 غرام و65 بالمئة لما يزيد عن هذا الوزن من الجوخ . ومع هذا نجد ان الجوخ الياباني يباع في بيروت ب 12.60 ليرة لليارد ، بينما يبيع مصنع الحدث جوخاً مماثلاً بما يتراوح بين 12 و14 ليرة لبنانية لليارد الواحد . فعندما تفروض رسوم تصل الى 65 % على صنف ولا يستطيع انتاج لبنان منافسته ، خصوصاً وان اليد العاملة في لبنان أرخص بكثير من اليد العاملة في اليابان وسواها من بلدان العالم ، فأي مبرر لبقاء الانتاج الوطني ؟ .

غندور : هل يعرف السيد النصولي ما هو سعر كيلو الصوف المستعمل في صنع الجوخ ؟ لعل صنف الجوخ يتعرض لسياسة إغراقية . فمن المعروف ان مصنع الجوخ اللبناني يبيع 8 بالمئة من انتاجه الى الاتحاد السوفياتي . ومن المعروف ايضاً ان الاتحاد السوفياتي يختار دائماً الصنف الاحسن والارخص . فكيف يمكننا ان ننافس في الخارج ولا نتمكن من المنافسة في الاسواق المحلية ؟ .

النصولي : ربما هناك اعتبارات سياسية …

الدجاني : اذا كان هناك بالفعل سياسة اغراقية فهذا يعطي الصناعيين حجة قوية في طلب الحماية. . فالاغراق عملية موقتة وغير اقتصادية . وأود الآن ان ننتقل الى بحث ناحية اخرى من الموضوع .

البحصلي : أرجو قبل ان نترك هذه الناحية من البحث ان تسمح لي بأن اورد بعض الملاحظات . أولاً ، بالنسبة الى الارقام التي ذكرت ، أود ان أوضح انه ليس لدينا إحصائيات دقيقة . وهذا يعني ان كل ما نورده في هذا المجال لا يتعدى صفة التقدير . أما بالنسبة الى ما قاله الاستاذ عبد الله خوري بشأن أهمية الصناعة في توظيف الايدي العاملة التي يتزايد عددها عاماً بعد عام ، فأود ان اشير اولاً الى ان التجارة توظف عدداً من الايدي العاملة لا يقل عن العدد الموظفين في الصناعة . وثانياً ، ان لا الصناعة ولا التجارة في لبنان تستطيعان استيعاب الزيادة في عدد العمال . فالزراعة فقط ، اذا ما عملنا على إنمائها وتطويرها هي التي تستطيع توظيف العدد الاكبر من الايدي العاملة .

هناك أمر آخر ، هو اننا يجب ان نذكر دائماً مصلحة المستهلك عند بحث قضايا التجارة والصناعة والحماية الجمركية . فالمستهلك يدخل دائماً طرفاً ثالثاً في مثل هذا البحث . فما هو ذنب المستهلك ان يضطر الى شراء المنتجات الوطنية باسعار مرتفعة ، بينما باستطاعته شراء البضائع الاجنبية بأسعار أقل بكثير ؟ .

الدجاني : بقيت ناحية مهمة متعلقة بالموضوع أود ان أثيرها ، وهي ما يجب ان يكون عليه موقف الحكومة من قضية الاستيراد بشكل خاص ومن السياسة الاقتصادية العامة في لبنان .

الخوري : مما لا شك فيه ان التطور الاقتصادي الحاصل في لبنان يتطلب تطوراً مماثلاً في الادارة . وانا أعلم ان الحكومة على وشك اصدار مشاريع لتنظيم كل من التجارة والصناعة . انا شخصياً أطالب بتنظيم الصناعة بحيث يكون للحكومة حق الرقابة على الصناعة بما يتعلق باللاسعار وبالجودة . وعليه ، فقد تقدمنا من الجهات الرسمية بمشروع قانون ينظم المواصفات والمقاييس . كذلك انا أطالب بتنظيم التجارة .

الدجاني : ما هو رأي التجار ؟ .

قصير : انا ، شخصياً ، لا أقبل بمبدأ فرض قيود إدارية تحد من الاستيراد . أما بالنسبة للحماية الجمركية ، فأرى ان تمنح الحماية للصناعات التي يمكنها ان تنمو وان تنافس الصناعات الاجنبية باسعار مقبولة ومعقولة.

النصولي : انما هناك قضية مهمة تتعلق بالحماية ، وهي ان يفرض على الصناعات التي تمنح حماية جمركية ان تطرح اسهمها في السوق المالية ، بحيث تصبح هذه الاسهم في متناول ايدي الجميع ولا تبقى ملكاً لافراد قلائل .

الخوري : لقد تحولت معظم الشركات الصناعية الى شركات مساهمة ولم تعد ملكاً لافراد . فصناعة الاسمنت وصناعة الكهرباء وشركات الشوكولاته بريزدانت وامباسادور وكراون ، كلها تحولت الى شركات مساهمة . لكن هذا التحول يأتي تدريجياً ، اذ ان افراد الشعب ما زال ينقصهم التفكير الصحيح والخبرة في مثل هذه الامور . وقد ورد في مشروع التنظيم الصناعي الاصرار على ان تكون اسعار اسهم الصناعات الممنوحة حماية جمركية منخفضة الى اقل مستوى ممكن كي تصبح في متناول افراد الشعب .

البحصلي : أرى انه اذا ارادت الحكومة ان تقوم فعلاً بتنظيم الصناعة فعليها ان تهتم باميرين اثنين : اولاً ، ايجاد جهاز لدراسة كلفة الصناعة التي تمنح حماية جمركية وتحديد اسعار منتجات هذه الصناعات . ثانياً ، انشاء صندوق دعم التصدير كي تساعد المنتج في زيادة تصدره وبالتالي تخفيض كلفة الانتاج .

غندور : هنالك ناحية حيوية يتوجب على الحكومة ان تهتم بها وهي تشجيع الزراعة . فلو ان الحكومة شجعت انتاج الشمندر بحيث يكفي ما ينتج محليا لسد حاجة البلد لانخفضت كلفة انتاج السكر ، وبالتالي يتوقف تصديره ونكون قد وفرنا على لبنان ما لا يقل عن 16 مليون ليرة تذهب حالياً في استيراد السكر . وعلى الحكومة ان تدرك اننا ما زلنا في بداية عهدنا بالتصنيع . فالتطور الصناعي بدأ في لبنان بعد الاستقلال، اي في سنة 1945 . ومن المعروف ان النهضة الاقتصادية في العالم تطلبت وقتاً طويلاً . فالنهضة الاقتصادية في بريطانيا بدأت سنة 1760 وفي اميركا بدأت سنة 1860 وفي الاتحاد السوفياتي بدأت سنة 1920 . وأدى التطور الصناعي في هذه البلدان الى نهضة اقتصادية شاملة . فاذا ما مكنا الصناعة اللبنانية من النمو فانه من المؤكد ان الاقتصاد اللبناني ، بشكل عام ، سيكون المستفيد الاكبر .

الدجاني : علينا ان نعي ان اكلاف الصناعة اللبنانية لن تكون منافسة لاكلاف الصناعات الاجنبية المماثلة. انما اذا منحت هذه الصناعة الحماية المعقولة لمدة كافية ، فان تطورها واتساع انتاجها سيتكفلان بتخفيض كلفة الانتاج وتصبح قادرة على منافسة المنتجات الاجنبية . لذلك ، لا بد من اعطاء هذه الصناعة الفتية اكبر فرصة ممكنة لتتطور وتتقدم .