الشرق العربي مهبط الحضارة

الشرق العربي مهبط الحضارة

د. ديمتري برامكي

نشر المقال في تشرين الثاني / نوفمبر  1961 ، العدد الثالث عشر ، 1961

وضعت أسس الحضارة عندما هجر الانسان المغاور التي سكنها لاجيال في الجبال ونزح الى السهول وأخذ يمارس الزراعة أكثر وأكثر الى ان اضطر الى ان يبني لنفسه مأوى يسكن فيه قريباً من مزروعاته . ولم يهجر الانسان القنص هجراً تاماً ، بل أخذ يعتمد في قوته على منتجاته الزراعية وعلى حيواناته الاليفة . ويعود الفضل الاكبر في اكتشاف الزراعة الى قوم يدعون الآن بالناطوفيين ، نسبة الى اول موقع عثر فيه على انقاضهم والقائم في وادي الناطوف قرب قرية شقبة الواقعة على مقربة من مدينة الرملة في القسم المغتصب من فلسطين. وبعد اكتشاف آثار الناطوفيين في هذا الموقع ، عثر علماء الآثار على بقايا اخرى لهؤلاء القوم في مغارة الوادي قرب عتليت في اريحا القديمة في فلسطين .

كان لاكتشاف الزراعة أثر كبير في تطور حياة الانسان واقتصادياته ، إذ بعد برهة وجيزة من هذا الاكتشاف أخذ الانسان ينبذ الرحيل من مكان الى آخر طلباً للقوت ويقيم في مكان واحد على مدار السنة . وشرع في بناء الاكواخ من البوص اولاً ، ثم اتبعها بأكواخ من اللبن . وهكذا وضع انساننا الاول أسس الهندسة المعمارية .

وجدت بقايا هذه الاكواخ في امكنة عديدة في الشرق العربي . وتشير البينات الحالية الى ان أريحا الواقعة في وادي الاردن ، كانت اول قرية بناها القدماء ، تبعتها في ما بعد قرى اخرى عديدة امثال جارمو وحسونة وسامراء في العراق ، وجبيل في لبنان ، وحماة في الجمهورية العربية السورية ، والفيوم ومرمدة وطاسة في الجمهورية المصرية . وكل هذه القرى تعود الى العصر الحجري الحديث . وكان أهالي هذه القرى يتعاطون الزراعة ويحفرون الخنادق والاقنية من ضفاف الانهر الى حقولهم . ثم اخذوا يقتنون الحيوانات الداجنة كالبقر والغنم . وكان الكلب اول حيوان دجنه الانسان ، وجاء تدجينه في عصر الناطوفيين .

مارس أهل العصر الحجري الحديث الصناعات البسيطة وصنعوا الادوات الصوانية والسلال وتعاطوا النسيج والنجارة . وبقيت هذه الاقوام على هذا النمط ردحاً طويلاً من الزمن ، هبط أثناءها أقوام عديدة من اعالي الجبال المحيطة بالهلال الخصيب ، يجذبها ما في هذا الهلال من ارض خصبة . وفي أوائل الالف الرابع قبل الميلاد هبط العراق قوم من مرتفعات ايران ، فحوروا في حضارة الانسان حتى اخذت هذه الحضارة تنمو و تزدهر شوطاً بعد شوط ، وانقلبت حضارة الشرق العربي من حضارة قروية الى حضارة مدنية . وظهرت في العشرة قرون اللاحقة ، أي من 4000 ق.م الى 3000 ق.م ، عوامل كثيرة ادت الى تطور الحضارة السريع .

ففي هذه الحقبة من التاريخ القديم اكتشفت المعادن وقامت الابنية الرائعة وازدهرت صناعات جديدة وظهرت الفنون الجميلة واكتشفت الكتابة المسمارية . وعند فجر الالف الثالث قبل الميلاد تغير وجه الشرق العربي وظهرت المدن المسورة المزدانة بابنية عديدة فخمة ، مثل المعابد الرائعة والزاقورات الشامخة والمدارس وسواها . ولما لم يعد في هذه المدن متسع من الارض لفلاحتها نزح الفلاحون الى خارج المدن وحل محلهم في المدن أهل الصناعة والتجارة والعلم . وانتشرت العلوم والفنون وقام الكهنة في المعابد بدور المعلمين والاساتذة. فكانوا يعلمون الطلاب السومريين القراءة والكتابة والدين وعلم الفلك والسحر والرياضيات والصناعات الحرفية الدقيقة على اختلاف انواعها . وفي المعهد نفسه كان الطلاب يدرسون الرسم و النحت وصياغة المجوهرات وسائر ابواب الفنون الجميلة .

نتج عن هذا التطور السريع تطور في نوع الحكم . فبعد ان كان الحكم شعبياً نوعاً ما ، أصبح حكماً مطلقاً بأيدي فئة صغيرة من الكهنة الذين عزوا هذا التقدم الحضاري الرائع الى الآلهة واخذوا يعبدون الفلك وتقلبات الجو وابتكروا خرافات عديدة لتفسير الخليقة ونشوء الزراعة . فعزوا خليقة الكون الى جبل شامخ رسا أصله في الثرى وسما رأسه حتى اخترق السماء الى ان جاء أنليل ، اله الريح ، ففصل بين الجبل والسماء وفرقهما عن بعضهما بعضاً . واصبح إنليل اعظم اله عند السومريين . فهو الذي يجر الغيوم ويهطل الامطار فتنتعش الارض وينمو النبات . ثم ابتكروا خرافة اخرى عن الخصاب ففسروا غرس الحبوب في فصل الخريف ونموها في فصل الربيع بمقتل الاله دموزي ( تموز) ودفنه في الخريف وقيامه من الموت في الربيع . وعبدوا فيما عبدوا الهة الخصاب انتا واشتار ، وعزوا القحل في اواخر الصيف والخريف الى نزول اشتار الى تحت الارض للتفتيش عن حبيبها دموزي وهلم جراً .

كانت التجارة العامل الاكبر في انتشار هذه الحضارة من العراق الى مصر مروراً بسائر البلدان الواقعة بينهما . وقد أظهرت ادلة ساطعة في السنوات الاخيرة تدل على ان قوماً من أهل الجزيرة القائمة بين سوريا والعراق يدعون عند العلماء بالجرزيين هم الذين كانوا تجار الالف الرابع قبل الميلاد بين العراق ومصر عن طريق الخليج العربي والبحر العربي والبحر الاحمر . وفي اواسط الالف الرابع أم الجرزيون مصر واستوطنوا فيها ونقلوا اليها مدنية العراق الزاهرة . وبقدومهم اخذت الزراعة تنمو وتزدهر في مصر ، كما ازدهرت الصناعة وأقيمت الابنية الفخمة وشيدت المدن وحفرت اقنية الري وظهرت الكتابة الهيروغلافية في سيناء وانتشرت الفنون الجميلة .

بقي الشرق العربي القديم على هذا المنوال ردحاً من الزمن ونشأت حضارتان عظيمتان : سومرية في ما بين النهرين في العراق ومصرية في وادي النيل . ورغم أصلهما الواحد ، فقد إستقلت الحضارتان إحداهما عن الاخرى ، وأخذت كل منهما تنمو وتزدهر وفق بيئتها ، حتى أضحى الاختلاف بينهما واسعاً وشاسعاً . ففي سومر ، في جنوب العراق ، حيث الصخور معدومة الوجود ظل أهل الرافدين يقيمون ابنيتهم من اللبن والطوب المشوي . أما في مصر ، حيث تكثر الصخور الصلبة على اختلاف انواعها ، فقد أخذ المصريون القدامى من الاسرة الثالثة يشيدون أبنيتهم من الحجارة الضخمة . ونتج عن هذا عقيدة الازلية عند المصريين ، وظهر أثرها في ديانتهم ومعتقداتهم ، وأخذوا يؤثرون حياة الآخرة على الحياة الدنيا ، ويعدون لموتاهم الرفاهية والراحة بعد الممات . بيد ان السومريين في العراق كانوا يؤثرون الدنيا على الآخرة ولا يعيرون موتاهم تلك العناية الكبيرة .

هناك عنصر آخر تتميز به كل من الحضارتين عن الاخرى . ففي العراق لم يكن من عامل يشجع على تكوين وحدة شاملة تضم جميع المدن ، نظراً لكثرة المستنقعات التي كانت منتشرة هناك ، إذ كانت تفصل المدينة عن الاخرى حواجز طبيعية من مستنقعات وأقنية ري وسواها . أما في مصر ، حيث نشأت المدن على ضفاف النيل، فقد كانت وسائل النقل بين هذه المدن موفورة بالفلائك . وقد يسرت هذه العوامل امكانية اتحاد المدن في مملكة واسعة الاطراف .

في البدء كانت كل مدينة في العراق مستقلة عن الاخرى . لكنها ، مع تكاثر السكان ، أخذت اراضي المدن والقرى التابعة لها تتسع مع الزمن حتى حصل احتكاك وتواصل بين المدن ، مما أدى الى الاصطدام في حروب عديدة ، تمكنت بعض المدن نتيجة لهذه الحروب من السيطرة على بعض المدن المجاورة ونشأت أسر قوية في لجش وأور وأورك وفرضت سلطانها على المدن المجاورة ردحاً من الزمن ، لكنها لم تتمكن من توحيدها في مملكة واحدة ، الى ان قامت مدينة أكاد السياسية في زمن سرجون فتمكنت من جمع شتات كل مدن العراق من سومرية وسامية وفرضت سلطانها عليها .

كانت المدن السومرية ، قبل هذا الاتحاد ، تحصل على موادها الاولية ، من معادن وأخشاب وحجارة ثمينة الخ.. بالمقايضة مع جاراتها . إلا ان سرجون ، وهو اول ملك عظيم من أصل سامي ، نهج نهجاً جديداً . فبدلاً من المقايضة غزا البلاد المجاورة وأخضعها وفرض عليها تزويد العراق بالمواد الاولية كجزية . وهكذا نشأ الاستعمار . كذلك في مصر ، حيث عمد الفراعنة الاوائل ، بعد ان فرغوا من توحيد مصر وتركيز سلطتهم في البلاد ، الى شن الحملات والغزوات على جيرانهم للحصول على المعادن والمواد الاولية الاخرى ، ففرضوا سلطتهم على شبه جزيرة سيناء واقاموا المناجم فيها ، وكذلك فرضوا سلطانهم على السودان وحصلوا منه على ما كانوا يحتاجون اليه من الذهب .

في أواخر الالف الثالث قبل الميلاد اكتسح سوريا ولبنان وفلسطين قوم يدعون بالعموريين . كان هؤلاء أقوام رحل من أصل سامي يعيشون في بادية الشام . ولما احسوا بضعف المملكة المصرية  هاجموا ملحقاتها في بلاد الشام وشتتوا أهلها وحلوا مكانهم وأصبغوا البلاد بصبغة سامية ، وحلت لغتهم محل لغة اهل البلاد القديمة . وظلت هذه الصبغة السامية مسيطرة على البلاد الى وقتنا الحاضر . وبعد قرن او قرنين أخذ العموريون يتحضرون شيئاً فشيئاً ، فنبذوا حياة البادية واخذوا يتعاطون الزراعة ويقيمون المدن والقرى ويمارسون الصناعة والتجارة وفتحوا طرق القوافل عبر بلادهم وعبر الصحراء ، فكانت طريق قوافل ساحلية من طرابلس ( كركميش ) الى بور سعيد ( بلوسيوم ) ومن ارواد الى حماة وتدمر وماري ( تل حريري ) على نهر الفرات ، ومن حران الى تدمر ، ومن دمشق وبصرى وجرش الى غزة ، ومن البتراء والعلا على البحر الاحمر

بقيت الحالة على هذا المنوال وسكان البلاد في تزايد مطرد حتى أوائل الالف الثاني للميلاد حين قامت الاسرة الثانية عشرة في مصر ودولة بابل السامية في العراق . وقام فراعنة الاسرة الثانية عشرة بحملات على فلسطين وفينيقية وسوريا للحصول على الاخشاب والمواد الاخرى وللسيطرة على طرق القوافل بين العراق ومصر وبلاد الاناضول عبر فلسطين ولبنان وسوريا وحكموا البلاد مدة قرنين ونيف . وفي العراق فرض حمورابي سلطته على بلاد فارس وشمالي العراق وشمالي سوريا . وقد ادى اقتراب العنصرين المصري والعراقي بعضهما من بعض الى التكهن بقرب وقوع الاحتكاك بينهما . غير ان عاملاً غير منتظر طرأ في اواخر الربع الاول من الالف الثاني أخر هذا التطاحن بعض الوقت ، إذ بدأت فصائل من الامم الآرية تظهر في الافق الشمالي الشرقي من الهلال الخصيب وأخذت وطأتها تزداد وتتضخم شيئاً فشيئاً حتى أصبحت ذات قوة جبارة واكتسحت مصر في اواسط القرن الثامن عشر ، ومن ثم العراق في أوائل القرن السادس عشر . وكانت هذه الفصائل من حوريين وكاشيين وحثيين ، وكلها فصائل عديمة الثقافة والحضارة . إلا انها عندما احتكت بالحضارة العراقية القديمة والحضارة المصرية المنتشرة في سوريا ولبنان وفلسطين ، أخذت هذه الفصائل تتحضر شيئاً فشيئاً حتى أصبحت مدنيتها تضاهي حضارة معلميها . وامتازت هذه الاقوام على السكان القدماء بعامل فعال هو تدجين الخيل . وكان هذا هو السبب الرئيس في تفوقها على أهل البلاد .

بقيت مصر ترزح تحت سيطرة الهيكسوس حوالى مئة وثمانين سنة . إلا ان المصريين جمعوا صفوهم حول احد قوادهم وثاروا على الغزاة . وبعد حرب مريرة تمكنوا من التفوق على الهبكسوس وطردوهم من البلاد شر طردة ولحقوا بهم الى فلسطين ولبنان وسوريا ، وعكسوا الآية بفرض سلطانهم على الغزاة . عندها أنشأت مصر امبراطورية ضخمة امتدت من أعالي الفرات شمالاً الى أعالي الحبشة جنوباً ودانت لها الاقطار والامصار وتدفقت الجزايا على مصر من كل حدب وصوب .

أما في العراق ، فبعد ان اكتسح الكاشيون مملكة بابل انحطت حضارتها وانشلت الحركة الثقافية فيها ودخلت البلاد في عصر مظلم لم تخرج منه الا في أوائل القرن الحادي عشر قبل الميلاد . ومن الفصائل الآرية التي اجتاحت الشرق العربي القديم أقوام يدعون بالحثيين . وكان الحثييون قد أسسوا مملكة في أعالي جبال الاناضول، وبعد معارك عنيفة مع اهل البلاد تمكنوا من السيطرة وفرض السلطان عليهم . وعندما قام في مصر فرعون لاهوتي آثر التفكير في كنه الخليقة على الحروب والفتوح ، إنتهز الحثيون الفرصة وأثاروا الفتنة في سوريا ولبنان وفلسطين على المصريين وحلوا محلهم وأنشأوا امبراطورية واسعة امتدت من البحر الاسود شمالاً الى لبنان جنوباً ، ودخلوا في معاهدات مع جيرانهم أتاحت لهم الفرص للتدخل في امورهم الداخلية . وبعد موت آخن اتون الملك الموحد وقام فراعنة الاسرة التاسعة عشرة نشأ خصام بين المصريين والحثيين على السيطرة على سوريا ولبنان ، كان ابطاله الفرعون رعمسيس الثاني والملك الحثي موطلو . تفاقم الخصام وتضخم وشبت حروب عديدة بين الطرفين مدة طويلة . وبما ان الخصمين كانا متساويين بالقوة والجبروت ، لم يتفوق خصم على آخر ، فانتهت الحرب بينهما الى وقف للقتال ووضع معاهدة اتفق موجبها الخصمان على ان يتفاسما الغنيمة ، فظفرت مصر بفلسطين وجنوب لبنان وسوريا واحتفظ الحثيون بشمال سوريا والجزيرة .

لم يطل مفعول هذه المعاهدة طويلاً . فسرعان ما طرأت عوامل خارجية غيرت شكل الشرق العربي أي تغيير . ويرجع هذا التغيير الى تحركات أقوام يدعون بالدورين الذين كانوا يقطنون وادي الدانوب في اوروبا . فقد ترك هؤلاء الاقوام في اوائل القرن الثاني عشر لاسباب عديدة مقرهم القديم واتجهوا الى بلاد اليونان وآسيا الصغرى ونزلوا عليها كالصاعقة ، مما حمل اهل البلاد الايجيون الى الهرب امام هذا السيل الجارف ونزحوا من اراضيهم الى البلاد المجاورة . فمنهم من أغار على مصر ، ومنهم من غزا مملكة الحثيين ودمرها شر تدمير ، ومنهم من أم الساحل الفنيقي واحرق المدن وفتك بأهلها ، فانهارت الامبراطورية الحثية وانقرضت وكأنها لم تكن . أما مصر ، رغم صمودها في وجه الغزاة ، لم تتمكن من رميهم في البحر بل سمحت لهم بالاقامة على الساحل الفلسطيني .

كان لمجيء الايجيين أثر فعال في حضارة الشرق الاوسط ، إذ انهم قبل غزوهم تعلموا صنع الاسلحة والادوات الحديدية ، بينما كان أهل الاصقاع ما زالوا يستعملون الآلات النحاسية . ولما كان النحاس أندر وجوداً من الحديد ، فقد كانت جيوشهم مؤلفة من المتمولين فقط ، القادرين على دفع ثمن اسلحتهم وتكاليف صيانتها . وبقدوم الايجيين انتشر استعمال الادوات والاسلحة الحديدية واصبح بالامكان تزويد عدد اكبر من الاهلين بأسلحة حديدية ، تقوم الدولة بنفقات صنعها وأصبحت ، بالتالي ، الحروب اكثر شعبية من العصور الغابرة . والى جانب هذا التطور نشأ تطور آخر إذ أصبح للعنصر الشعبي ، الذي كان حتى هذا التاريخ مهمشاً ومحتقراً وغير ذي بال اطلاقاً ، أهمية وعظم شأنه وأخذ يتقدم شيئاً فشياً ويعيش حياة أسعد وبات يحتاج الى المزيد من الضروريات ، وحتى بعض الكماليات ، مما أدى الى زيادة في الانتاج ، فازدهرت الصناعة والتجارة وبرز التضخم الانتاجي الى الوجود لأول مرة في التاريخ ، وان كان هذا التضخم في الانتاج قد أدى الى اضمحلال في الذوق .

في هذه الاثناء ، زاوج التجار الفنيقيون في أوغاريت بين احرف الهجاء المسمارية والهيروغلافية ونشروها في بلاد اليونان انطلاقاً من مرافئ راس شمرا وجبيل وصور.

بقي الشرق العربي القديم على هذا المنوال مدة طويلة من الزمن ، قائماً بذاته غير متأثر بالمدنيات المجاورة ، مثل المدنية اليونانية والاترسكية ، بينما ، على العكس من ذلك ، إقتبس اليونان الكثير من حضارة الشرق ، إن في الدين او علم الفلك او الفنون الجميلة او الكتابة بالاحرف الهجائية . إلا أنه عندما قامت الامبراطورية الفارسية الاخيمنية ونشأت المدنية اليونانية الكلاسيكية بين القرنين السادس قبل الميلاد والرابع للميلاد جرى تطاحن بين المدنية الاسيوية ، ممثلة بالفرس ، والمدنية اليونانية . وأدى هذا التنافس الى قيام الحرب الفارسية اليونانية المعروفة وجرت احتكاكات كثيرة وعديدة بين المدنيتين واخذت هاتان المدنيتان تتسابقان حتى جاء الاسكندر الكبير واستولى على الشرق وصبغه بمدنية اليونان . وجاء ، بعد الاسكندر ، الرومان وحلوا محل المقدونيين فاقتبسوا المدنية الهلنستية التي كانت منتشرة في حوض البحر الابيض الشرقي ونشروها في اوروبا الغربية التي كانت ترزح آنذاك تحت همجية شعواء . وبهذا توحدت الحضارة وانتشرت من ضفاف الرافدين الى المحيط الاطلسي ، ومن البحر الشمالي والبحر البلطيقي ونهر الدانوب الى صحارى افريقيا وأعالي الحبشة.وهكذا ، فالمدنية التي نشأت على ضفاف دجلة والفرات والنيل في الالف الخامس قبل الميلاد ، والتي ترعرت ونمت مع الزمن في تلك البقاع ، عمت العالم القديم ووضعت الاسس لحضارتنا الحاضرة .