السدود وأهميتها في اقتصاديات الاردن

السدود وأهميتها في اقتصاديات الاردن

د. رجائي ابو خضرا

نشر المقال في ايلول / سبتمبر 1961 ، العدد الحادي عشر ، الرائد العربي

للبحث المتعلق بالسدود في الاردن أسباب كثيرة وأهمية كبرى لما لهذا البحث من علاقة وثيقة بالدراسات الاقتصادية الاخرى التي تعتبر مكملة لبعضها البعض في سبيل تنمية الاقتصاد الاردني على الاسس والقواعد المدروسة والسليمة . ومن يستعرض تاريخ الاردن يرى ان السدود والبرك والآبار والاقنية كانت تعم كل انحاء البلاد بضفتيها ، وكانت من المقومات الاساسية لازدهار الحياة الزراعية في ذلك الوقت . ولما بدأ إنهيار هذه المنشآت بعامل مرور الزمن وتقلب الاحوال وعدم الاعتناء بها ، بدأت الاوضاع الزراعية تفقد بعض أهميتها بسبب جرف التربة وتممد الصحراء غرباً وتناقص السكان .

السدود القديمة في الاردن

لم يكن الاردن ، في الماضي ، بلداً قاحلاً ومتأخراً اقتصادياً كما هو الحال الآن . فالزراعة التي كانت قائمة على السقاية كانت متقدمة في هذه المنطقة ، وكانت يومها ، أكثر بكثير مما هي عليه الآن . فآثار الماضي والمراجع التاريخية تدل دلالة واضحة على هذه الحقيقة .

يستدل من مراجعة التاريخ أن التطور الزراعي بدأ في الاردن في القرن الاول قبل الميلاد أثناء عهد اليونان ، واستمر حتى القرن السابع بعد الميلاد ، أيام الرومان والبيزنطيين . وفي هذه الحقبة من الزمن ازدهرت الزراعة ومعها التجارة والصناعة ، مما نشأ عنه تزايد كبير في عدد السكان الذي بلغ حوالى 4 – 5 ملايين نسمة . ويستدل كذلك من دراسة اعدتها المدرسة الاميركية في القدس ان الضفة الغربية من وادي الاردن كانت تقطنها أعداد من السكان تزيد عن سكان الضفة الغربية . ويتبين كذلك من الدراسات العديدة التي أجريت في منطقتي جرش والبتراء ان هاتين المنطقتين كانتا آهلتين بالسكان الى درجة كبيرة . فبينما يبلغ عدد السكان في منطقة جرش ثلاثة الآف نسمة في الوقت الحاضر ، بلغ عدد سكان هذه المنطقة في ما مضى ما يقرب من 250 الف نسمة ، على حد قول الدكتور لاودرملك في كتابه ” استغلال الارض ” . وتدل الحفريات التي أجريت في منطقة جرش على مدى الرقي الذي وصلت اليه تلك المنطقة في العهود الماضية . وكانت مدينة جرش تعد احدى المدن العشر الكبيرة التابعة للامبراطورية الرومانية . أما منطقة البتراء ، فعلى الرغم من انه لم يعثرفي اي من المرجع التاريخية على عدد السكان الذين كانوا يقطنون فيها ، إلا انه توجد دلالة كافية واشارات واضحة الى ان هذه المنطقة كانت آهلة بالسكان الى حد كبير. ونظراً لاهمية مدينة البتراء العظيمة والنفوذ القوي الذي وصلت اليه في أوائل القرن الثالث بعد الميلاد ، فقد امتدت من حولها المناطق العامرة والحصون القوية والمراكز الآهلة المنتشرة فوق الموقع وعلى الطرق التجارية ، مما أدى الى تزايد عدد السكان في هذه المنطقة . أما منطقة القدس فكان يسكنها حوالى مئة الف نسمة .

رغم انه كان لتوسع التجارة والصناعة في البلاد في العصور الماضية أكبر الأثر في التوسع الاقتصادي وزيادة عدد السكان إلا ان ازدهار الاوضاع الزراعية والعناية الفائقة باستخدام كل الوسائل للاصلاح الزراعي، حتى في المناطق القاحلة ، والمدى الكبير الذي وصلت اليه من التقدم في الفنون الزراعية ، كان من القواعد الرئيسة التي بنيت على أساسها تلك الحضارة .

يقول عالم الآثار جلوك في كتابه ” الناحية الاخرى من الاردن ” : ” لقد تمكن الانباط من توسيع رقعة الارض الزراعية ومدها الى داخل حدود الصحراء بشكل لم يسبق لأي من سكان الاردن او سوريا او الجزيرة العربية ان قاموا بمثله ، ولا حتى تمكن اي شعب آخر ان يعالج مسألة الاراضي الجبلية الوعرة وضفاف الانهر من أجل حجز وحفظ امطار الشتاء الغزيرة التي كانت تتساقط في فترة قصيرة كما عالجها الانباط ” . وبعد الاطلاع على المراجع التاريخية العديدة ، تبين لنا ان الانباط تفوقوا على غيرهم في ابتداع الطرق الهندسية لتخزين المياه وحفظها بمختلف الطرق والوسائل ، حتى انهم تمكنوا من جعل الحياة ممكنة في أصعب المناطق الصحراوية . وتظهر هذه الحقيقة بجلاء في مدينتهم البتراء الشهيرة حيث تمكن المهندسون في ذلك العهد من استغلال المياه حتى آخر نقطة واستخدامها لاغراض الشرب والزراعة . وامتدت هذه المنشآت ووسائل خزن المياه حول البتراء وانتشرت على الطرق التجارية ، حيث كانت تقوم القلاع والحصون والمراكز الاخرى ، وذلك لتزويد القوافل والجنود والسكان والعمال ومواشيهم وحيواناتهم بحاجتهم من المياه . ولم تكن البتراء وحدها عنواناً للمقدرة الفائقة في استخدام المياه للري . فمنطقة جرش ايضاً كانت تستخدم مياه الينابيع في اغراض السقاية بصورة واسعة في المناطق التي يتم فيها التجديد . وتدل الحفريات التي اجريت في هذه المنطقة ، حسبما يقول الدكتور لاودرملك في كتابه ” استغلال الارض ” على ان طاقة الينابيع التي اكتشفت اثناء هذه الحفريات لم تنقص عما كانت عليه في العصور اليونانية والرومانية ، وان فوهات الينابيع لم تختلف عنها في السابق . ويقول الخبراء ان سعة الانابيب في منطقة القدس ، التي كانت تنقل المياه بقوة الجاذبية الى مدينة القدس ، كانت من سعة 16 بوصة ، بينما هي الآن من حجم 8 بوصات فقط ، وتدفع المياه الآن في داخلها بواسطة مضخات دفع ، مما يدل على ان المياه في الماضي كانت تستغل بشكل اوسع من الوقت الحاضر . كما وان برك الملك سليمان تبين بوضوح الاهتمام البالغ في شؤون المياه والمهارة العظيمة في استخدام الاقنية البعيدة . وبعد الاطلاع على مصادر تاريخية مختلفة ، تبين بصورة لا تدعو الى الشك ، ان مصادر المياه التي كانت تستغل في العهود الماضية لم يطرأ عليها اي تغيير يذكر . ويقول الدكتور لاودرملك في كتابه ” استغلال الارض ” ان الاسباب المباشرة في نقص عدد السكان في كثير من المناطق الاردنية لا تعود الى تغير الاحوال الطبيعية والمناخية عما كانت عليه في الماضي البعيد ، بل على العكس من ذلك ، فان معظم هذه الاسباب ترجع الى انجراف التربة بسبب السيول والامطار ، مما جعل الاراضي في هذه المناطق غير صالحة للزراعة ، وبالتالي ان تبع ذلك تناقص في عدد السكان الذين يقطنونها.

ولما كان عدد سكان الاردن في الماضي يفوق كثيراً ما هو عليه اليوم ، فلا بد ان الارضي التي استغلت زراعياً كانت أوسع بكثير مما هي عليه اليوم . فمن المعروف ، حسب قول المستر ريشارد سون ، مدير المدرسة الاميركية للابحاث الشرقية في القدس ، ان المنطقة المحيطة بجرش وعجلون كانت تشتهر بزراعة الشعير . وكانت تصدرمن الفائض الزراعي الى مصر وغيرها . وكانت الضفة الغربية تصدر نبات الكتان ، والذي كان يعتبر من أجود الاصناف آنذاك. وكان يزرع القمح في المناطق الواقعة شمال شرقي القدس . ومن المظاهر الغريبة اكتشاف زراعة البلح في منطقة القدس ، بينما كان السمسم يزرع في منطقة البتراء . اما منطقة الجيب فكانت تشتهر بانتاج النبيذ . واشتهرت السلط ايضاً بجودة نبيذها . وكان النبيذ المصنع في عمان ، ولو انه لم يصدر الى الخارج بكميات كبيرة ، من اجود الانواع ايضاً .

يتبين من المشاهدات الشخصية للسدود والبرك ان هذه المنشآت كان لها أكبر الاثر في ازدهار الوضع الزراعي وتقدمه ، وبدونها لم يكن من الممكن احراز هذا التقدم .وأخص بالذكر السدود والبرك التي لا تزال قائمة او تلك التي تدل عليها آثارها طبركة الجيزة والسد المجاور وبركة الدعجمانية والقطرانة وبركة حامد وبركة تل الجيب الرومانية وسد برقع الواقع على الحدود العراقية وسد خربة مريد بالقرب من كفر سابا وسد كرنب في جنوبي الضفة الغربية وسد ام الرصاف بجوار الشهباء وسد رجم العال جنوب الموجب وسد الخدرة قرب قصور بشير وثلاثة سدود في ما بين القلعة ومحطة الحسا وسدين في جنوبي الازرق وسدين آخرين في جنوبي زيزية وسد يربط قصر المشتى بالمصطبة .

لم تكن هذه السدود والبرك التي أشرنا اليها كل ما قام به القدماء من منشآت استخدمت لأغراض الزراعة والري ، بل ان هذه النشآت كانت من ضمن الشبكة الواسعة التي اقيمت في الماضي والتي لا تزال قائمة حتى الآن ، او لها آثار باقية . وتدل كتب التاريخ على ان السدود والبرك والآبار كانت تعم كل انحاء الاردن بضفتيه ، وكانت من المقومات الاساسية لازدهار الحياة الزراعية في ذلك الوقت . ويقول عالم الآثار جلوك بهذا الخصوص في كتابه ” الناحية الاخرى من الاردن ” : ” اذا نظفت جميع الخزانات والسدود والبرك والآبار القديمة الموجودة في الاردن ورممت ، يصبح بالامكان ازدهار الحياة الزراعية وزيادة عدد السكان بشكل عظيم ، وتتوافر الفرص لتحسينات تمكن البلاد بسهولة اكبر من ان تستعيد المجد الذي وصلت اليه في حقب مختلفة من التاريخ ” . ويضيف المستر جلوك قائلاً : ” إن المقدرة والمهارة الفائقة التي عبر عنها الانباط بوجه خاص ، وخلفهم من بعدهم الرومان والبيزنطيين ، جعلت الظروف المعيشية ممكنة حتى في المناطق غير الصالحة للسكن . ومن الشواهد على ذلك السدود البيزنطية العظيمة  ومنها سد كرنب الذي يقع في أقصى الجنوب في الضفة الغربية . يعتقد ان سدوداً اخرى مشابهة قد انشئت قبله في عهد الانباط والرومان ” . وكان الضغط السكاني ، بفعل تزايده خلال هذه الفترة ، قد حمل الآلاف منهم الى البحث عن المياه والمأوى في الاراضي البور التي لم يكن يسكنها احد في الظروف العادية .

يؤكد الدكتور لاودر ملك والاستاذ جلوك انه لم يطرأ أي تغيير يذكر على مناخ هذه المنطقة ، او على كمية الامطار التي تهطل فيها سنوياً . فلا غرابة ، اذن ، ان يستفيد هؤلاء القدماء من مياه الشتاء ، كما فعلوا بالضبط عند بنائهم للسدود والبرك . وهذه الاوضاع التي سادت آنذاك ، كما سجلها التاريخ وكما هو ظاهر في كثير من انحاء البلاد ، تعطي الاردنيين الحاليين حافزاً قوياً لتجديد النشاط الانشائي والعمراني الذي عم البلاد قديماً . وتدل دراسة جداول الامطار ، ان كميات هطول الامطار في السنين العادية في الوقت الحاضر كافية ومعقولة وتبرر القيام بانشاء السدود والبرك وسواها من منشآت الري . لكن ، للاسف ، تذهب الآن غالبية هذه الامطار سدى،  إذ انها تجري كسيول الى البحر الميت وخليج العقبة ، جارفة في سيلانها الكثير من التربة الحسنة التي يحتاجها الاردن لتدعيم وتعزيز الحياة الزراعية فيه . ولو حجزت هذه المياه بواسطة سدود وخزانات وقنوات وبرك وغيرها من المنشآت لكان باستطاعة البلاد ان تجني فوائد جمة كالتي جناها الانباط في الماضي .

مميزات السدود وفوائدها

من ضمن الفوائد التي يمكن ان نجنيها نتجة لبناء السدود ما يلي :

1 – توسيع الاراضي المزروعة سقياً وتنويع الزراعة فيها . إن 89 بالمئة من مجموع مساحة الاراضي المزروعة في البلاد تزرع حاصلات شتوية ، كالحنطة والشعير والقطاني ، وكلها تخضع للزراعة البعلية التي تعتمد كلياً على طبيعة المواسم الزراعية التي تمر بشبه دورات وتختلف بشكل يؤثر على الاوضاع العامة في البلاد ، بوجه عام ، وعلى حياة المزارع والفلاح ، بشكل خاص . ولما كان الوضع الزراعي الذي يشكل ركناً رئيساً في اقتصادنا الوطني يرتبط بعوامل طبيعية ليس في المستطاع حتى الآن السيطرة عليها بالطرق المباشرة ، فقد كان ولا يزال الحل الوحيد لتحسين الحياة الزراعية والانتفاع من مياه الامطار لأقصى حد ، هو اقامة السدود والبرك وغيرها من المنشآت على نطاق واسع يؤدي الى توسيع رقعة الاراضي المزروعة وتنويع الانواع المزروعة ، مع امتداد حركة السكان نحوها وخلق اهتمام بالزراعة الصيفية والبدء بحركة تجديد نشيطة ومستمرة لاحياء الاراضي الميتة والاعتناء بها واستغلال كل الاراضي العديمة الانتاج بسبب قلة المياه والامطار . اما من حيث القيمة النفعية للزراعة الصيفية  فان معدل انتاج الدنم الواحد الذي يزرع بالخضروات وغيرها يفوق كثيراً ما ينتجه الدنم الواحد من زراعة الحبوب والقطاني ، ويساعد في تنويع المنتجات وتوفير الاسواق لها .

2 – توفير مياه الشرب لبعض المناطق التي يشح فيها الماء . فمن المشاكل التي تواجه الاردن ، صعوبة توفير المياه الصالحة للشرب في معظم المناطق . وتبرز هذه المشكلة بصورة واضحة في المنطقة الوسطى من لواء البلقاء ولوائي الكرك ومعان ومناطق تجمع البدو . اما الكميات الكبيرة من الامطار التي تتساقط في المناطق المختلفة ، فانها بمعظمها تذهب سدى ، إذ تجري كسيول كبيرة مثل سيل وادي الحسا وسيل الموجب وسيل الزرقاء وسيل اليتم وغيرها من السيول الكثيرة لتصب في البحر او في نهر الاردن .

3 – أثر السدود في تلطيف المناخ . لا بد من ان ننوه بفعالية السدود والبرك في تلطيف المناخ ، وبالتالي زيادة كميات الامطار التي تهطل . إن هذا القول مدعوم بتجارب الولايات المتحدة الاميركية من خلال النتائج النفعية لبناء وادي تنسي الاميركية . فقد تحسن المناخ في المنطقة المجاورة للسد على أثر اقامته ، كما ازدادت كميات الامطار التي تهطل على نطاق واسع في تلك المنطقة . وفي ولاية اوهايو الاميركية تقع بلدتا كولومبس وتوليدو ، وهاتين البلدتين تقعان على بعد مئة ميل عن بعضهما البعض ، وطبيعة المنطقة التي تقع فيها هاتان البلدتان هي واحدة مع فارق وحيد هو كون بلدة توليدو واقعة على شاطىء بحيرة ايري . هذه الحقيقة لها أثرها الفعال في مناخ تلك البلدة والمنطقة المجاورة لها وكمية الامطار التب تتساقط فيها . فوجود بحيرة إيري في جوار المناطق يسبب تبخراً ينتج عنه تغيير في طبقات الجو ، فتتكون غيوم كثيفة وبالتالي تتساقط الامطار ويلطف الجو .

4 – السدود كوسيلة لحفظ التربة . من بين اهم فوائد السدود انها تحفظ التربة من الانجراف اثناء انحدار السيول بسبب الامطال الغزيرة . وبما ان في الاردن مناطق جبلية شاسعة غير مغروسة حرجياً ، وبما ان هطول الامطار الغزيرة يأتي بشكل عنيف بذرات كبيرة في موسم الشتاء ، فان كل هذه العوامل تسبب اجراف التربة مما يلحق الضرر البالغ بمساحات واسعة من الاراضي الزراعية سنة بعد اخلاى . ورغم ان عملية انشاء السدود لا تمنع جرف التربة بواسطة السيول منعاً كلياً ، غير ان هذه السدود والاقنية المتفرعة منها تحد الى درجة كبيرة من زخم السيول وما تجرفه معها الى مسافات بعيدة . وهذا الامر يسهم في التقليل من كمية التربة المجروفة ومساحتها والاضرار الكبيرة والبعيدة المدى الناشئة عنها .

5 – السدود وتوفير المياه للمواشي والمراعي . لا يمكن التقليل من فوائد توفير مياه الشرب للمواشي وانشاء مراع خصبة لها . فمن أهم ما يعوق زيادة الثروة الحيوانية هو قلة المياه وجفاف المراعي . واذا ما علمنا ان الثروة الحيوانية كانت ثروة ضخمة في العصور الماضية بسبب توفر الكلأ والماء الناتجين عن كثرة السدود في تلك العصور ، لأيقنا اليوم كم هي مهمة هذه السدود وما يتفرع عنها من أقنية وبرك . وإذ نحن نوفر الآن ماء الشرب للماشية فاننا نضع الاسس الفعالة والقوية لتنشيط حركة تربية الماشية ومساعدة مقتنيها على زيادة اعدادها وإكثارها . ومن المعروف ان عدد المواشي في الاردن قد ازداد في الاعوام الاخيرة . واذا ما اتخذت السلطات المختصة الخطوات الايجابية اللازمة لمساعدة اصحاب المواشي لمكنتهم من مضاعفة جهودهم في هذا المضمار ، وبالتالي زيادة الثروة الحيوانية ووضع الاسس السليمة للنهوض بهذا الجزء المهم من اقتصاد البلاد .

6 – السدود وتأثيرها على مياه الينابيع . من المسلم به ان طريقة جريان مياه الشتاء لها علاقة وثيقة بوجود الينابيع او عدم وجودها . فعندما تهطل الامطار بغزارة وتجري سيولاً كبيرة ، لا تغور المياه في التربة لتظهر من بعد كعيون في مناطق اخرى ، بل تكمل انحدارها وتجرف التربة معها ويذهب معظمها سدى الى البحر او يصب في نهر كبير. وهذا الوضع يتغير كلياً عند اقامة السدود ، ذلك ان السد يجمع المياه ويحفظها في منطقة محصورة . واذا ما تيسر لهذه المياه المتجمعة ان تتسرب تدريجياً الى جوف الارض ، فانها تأخذ مجراها الطبيعي بين طبقات الارض وتظهر ، احياناً ، على شكل عيون عذبة في مناطق متعددة من البلاد .

الخلاصة ان الانتفاع من مصادر المياه المتعددة في الاردن عن طريق وضع برنامج شامل يعم المناطق المختلفة للاستفادة من مياه الامطار والانتفاع من الينابيع التي تتغذى من الامطار التي حفظتها التربة وتسخير كل هذه الثروة المائية للاغراض الزراعية والانشائية والعمرانية يعتبر من أهم الخطوات التي تدفع بالاردن نحو تحسين اوضاعه الاقتصادية ومضاعفة الثروة التي تنبتها وتنتجها أرضه ، وبالتالي رفع مستوى المعيشة في البلاد ، خاصة في صفوف المزارعين والفلاحين ، والحد من تمدد الصحراء المتزايد على مر السنين ، وتوفير حركة جديدة لتزايد عدد السكان وتعمير المناطق والاراضي القاحلة الجرداء وجعلها آهلة بالسكان .

إن القسم الاكبر من سكان الاردن هم من المزارعين او ممن يعتنون بالزراعة . وكل محاولة تهدف الى تحسن اوضاع هذه الفئة ورفع مستوى معيشتها وزيادة قوتها الشرائية سيكون لها أثر فعال في تدعيم اقتصاد البلاد والسير بها في طريق التنمية الاقتصادية بخطى سليمة .