الزيدية

الزّيـديـة

الزّيدية أقربُ فرق الشّيعة من أهل السُّنة بِحَيثُ تتّصف بالإعتدال والقصد والإبتعاد عن التّطرف والغلو. ترجع نسبتها إلى مؤسّسها زيد بن علي زين العابدين الذي صاغ نظرية شيعيّة مُتميّزة في السّياسة والحكم وجاهد من أجلها وقتل في سبيلها.

قاد زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي ثورة شيعية في العراق ضدّ الأموييّن أيّام هشام بن عبد الملك. فقد دفعه أهل الكوفة لهذا الخروج ثمّ ما لبثوا أن تخلّوا عنه وخذلوه عندما علموا بأنّه لا يتبرأ من الشّيخين أبي بكر وعمر ولا يلعنهما، بل يترضّى عنهما، فاضطرّ لمقابلة جيش الأمويين، وما معه سوى 500 فارس حيث أُصيب بسهمٍ في جبهته قضى عليه.

تنقّل في البلاد الشامية والعراقية باحثًا عن العلم أوّلاً وعن حقّ أهل البيت في الإِمامة ثانيًا. فقد كان تقيًا وَرِعًا عالمًا فاضلاً مُخلصًا شجاعًا وسيمًا مُهيبًا مُلمًا بكتاب الله وبِسُنّة رسوله.

تلقّى العلم والرّواية عن أخيه الأكبر محمد الباقر الذي يُعَدّ أحد الأئمّة الإثنى عشر عند الشّيعة الإِمامية. اتّصل بواصل بن عطاء، رأس المعتزلة، وتدارس معه العلوم، فتأثّر به وبأفكاره التّي نقل بعضها إلى الفكر الزّيدي. تتلمذ عليه أبو حنيفة النّعمان وأخذ عنه العلم.

من مؤلّفاته، كتاب المجموع في الحديث وكتاب المجموع في الفقه، وهُما في كتابٍ واحدٍ اسمه “المجموع الكبير”، رواهما عنه تلميذه أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي الهاشمي بالولاء الذّي مات في الرّبع الثّالث من القرن الثّاني للهجرة. أمّا ابنه يحيى بن زيد، فقد خاض المعارك مع والده لكنّه تمكّن من الفرار إلى خُراسان حيث لاحقته سيوف الأموييّن، فقُتِلَ هناك سنة 125هـ. وفُوِّض الأمر بعد يحيى إلى محمد وإبراهيم. قُتِلَ الأوّل في المدينة وقُتِلَ الثّاني في البصرة، فتسلّم القيادة أحمد بن عيسى بن زيد حفيد، مُؤسّس الزيديّة، وأقام بالعراق وأخذ عن تلاميذ أبي حنيفة فكان مِمّن أثرى هذا المذهب وعمل على تطويره.

مِن علماء الزّيدية: القاسم بن إبراهيم المُرسي بن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب. تشكّلت لهُ طائفة زيديّة، عُرِفت بإسم القاسميّة.

جاء من بعده حفيده الهادي إلى الحقّ يحيى بن الحسين بن القاسم الذي عُقِدَت له الإِمامة باليمن، فكان مِمّن حارب القرامطة فيها. كما تشكّلت له فرقة زيدية عُرِفَت بإسم الهادوية مُنتشرةً في اليمن والحجاز وما والاها.

ظهر للزّيدية في بلاد الديلم وجيلان إمام حُسينيّ هو أبو محمد الحسن بن علي بن الحسن بن زيد بن عمر بن الحسين بن علي، المُلقّب بالنّاصر الكبير، وعُرِفَ أيضًا بإسم الأطروش. فقد هاجر هذا الإِمام إلى هناك داعيًا إلى الإِسلام على مُقتضى المذهب الزّيدي فدخل فيه خلق كثير صاروا زيدييّن.

ومنهم الدّاعي الآخر صاحب طبرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي والذي تكوّنت له دولة زيدية في جنوب بحر الخزر، سنة 250هـ.

عُرِف مِن أئمّتهم محمد بن إبراهيم بن طباطبا الذي بعث بدعاته إلى الحجاز ومصر واليمن والبصرة. ومن شخصياتهم البارزة كذلك مقاتل بن سليمان ومحمد بن نصر؛ ومنهم أبو الفضل ابن العميد والصاحب بن عباد وبعض أمراء بني بُويه.

خرجت عن الزّيدية أربعُ فرقٍ هي:

1- الجاروديّة: أصحاب أبي الجارود زياد بن أبي زياد.

2- السّليمانيّة: أصحاب سليمان بن جرير.

3- الصّالحيّة: أصحاب الحسن بن صالح بن حي.

4- البتريّـة: أصحاب كثير النّوى الأبتر.

الفرقتان “الصّالحية” و”البترية” متّفقتان ومتماثلتان في الآراء.

هذه الفِرَق بجملتها لم يَعُد لها مكانةٌ بارزةٌ عند الزّيدية المعاصرة التّي تقتفي نهج الإِمام زيد من حيث القصد والإعتدال.

الأفـكار والمُعتقـدات:

– يُجيز الزّيديون الإِمامة في كلّ أولاد فاطمة، سواء أكانوا من نسل الإِمام الحسن أم من نسل الإِمام الحُسين.

– الإِمامة لديهم ليست بالنّص، إذ لا يشترط فيها أن ينصّ الإِمام السابق على الإِمام اللاحق، بمعنى أنّها ليست وراثيّة بل تقوم على البيعة. فمَن كان من أولاد فاطمة وفيه شروط الإِمامة كان أهلاً لها.

– لا يجوز عندهم أن يكون الإِمام مَستورًا، إذ لابُدّ من اختياره من قِبَل أهل الحلّ والعقد. ولا يتمّ اختياره إلاّ إذا أعلن عن نفسه، مُبيّنًا أحقّيته بالإِمامة.

– يجوز لديهم وجود أكثر من إمامٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ في قطرين مختلفين.

– تقول الزّيدية بالإِمام المفضول مع وجود الأفضل، إذ لا يُشترط أن يكون الإِمام أفضل الناس جميعًا، بل من المُمكن أن يكون هناك للمسلمين إمام على جانبٍ من الفضل مع وجود مَن هو أفضل منه، على أن يُرجَع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا التّي يدلي برأيه فيها.

– مُعظم الزيدية يقرّون خلافة أبي بكر وعمر ولا يلعنونهما كما تفعل فِرَق الشّيعة، بل يترضّون عنهما، ويقرّون بصحّة خلافة عثمان مع مؤاخذته على بعض الأمور.

– يميلون إلى الإعتزال فيما يتعلّق بالذات والصفات والجبر والإختيار. ومُرتكبُ الكبيرة يعتبرونه في منزلةٍ بين المنزلتين كما تقول المُعتزلة ولكنّه غير مخلّدٍ في النّار إذ يُعذّب فيها حتّى يُطهّر من ذنبه ثم ينتقل إلى الجنّة.

– يرفضون التّصوف رفضًا قاطعًا.

– يخالفون الشيعة في زواج المتعة ويستنكرونه.

– يتّفقون مع الشيعة في زكاة الخمس وفي جواز التّقية إذا لزم الأمر.

– هُم متّفقون مع السّنة بشكلٍ كاملٍ في العبادات والفرائض، سوى اختلافات قليلة في الفروع، من مثالها:

* يقولون “حي على خير العمل” في الأذان على الطّريقة الشّيعية.

* صلاة الجنازة لديهم خمس تكبيرات.

* يرسلون أيديهم في الصّلاة.

* صلاة العيد تصحّ فرادى وجماعة.

* يحكمون ببطلان الصّلاة خلف الفاجر.

* فروض الوضوء عشرة.

* تقليد أهل البيت أولى من غيرهم.

* يقولون بوجوب الخروج على الإِمام الظّالم الجائر ولا تجب طاعته.

* لا يقولون بعصمة الأئمّة عن الخطأ، كما لا يغالون في رفع أئمّتهم على غرار ما تفعله معظم فِرَق الشّيعة الأخرى.

* لكن بعض المُنتسبين للزيدية قرّروا العصمة لأربعةٍ فقط من أهل البيت، هُم: علي وفاطمة والحسن والحسين.

* لا يوجد عندهم مهدي مُنتظر.

* يستنكرون “نظرية البداء” التي قال فيها المُختار الثّقفي الذي كان يسجع سجع الكهّان، فإذا جاء الأمر على عكس ما قال، علّل ذلك بأن يقول للناس: . فالزّيدية تقرّر بأن عِلم الله أزلي قديم غير متغيّر وكل شيء مكتوب في اللّوح المحفوظ.

* قالوا بوجوب الإِيمان بالقضاء والقدر مع اعتبار الإِنسان حرًا مُختارًا في طاعة الله أو عصيانه، ففصلوا بذلك بين الإِرادة وبين المحبّة أو الرّضا وهو رأي أهل البيت من الأئمّة.

* مصادر الإستدلال عندهم كتاب الله ثمّ سنة رسول الله ثمّ القياس ومنه الإستحسان والمصالح المُرسلة، ثم يجئ بعد ذلك العقل. فما يقرّ العقل صحّته وحسنه يكون مطلوبًا وما يقرّ قبحه يكون منهيًا عنه.

الجـذور الفـكريّة والعقائـديّة:

– يتمسّك الزيديون بالعديد من القضايا التّي يتمسّك بها الشّيعة، كأحقّية أهل البيت في الخلافة وتفضيل الأحاديث الواردة عنهم على غيرها وتقليدهم وزكاة الخمس. فالملامح الشّيعية واضحة في مذهبهم.

– تأثرت الزيدية بالمعتزلة فانعكست اعتزالية واصل بن عطاء عليهم وظهر هذا جليًا في تقديرهم للعقل وإعطائه أهمية في الإستدلال، إذ يجعلون له نصيبًا وافرًا في فهم العقائد وفي تطبيق أحكام الشّريعة وفي الحكم بحُسن الأشياء وقبحها، فضلاً عن تحليلاتهم للجبر والإختيار ومُرتكب الكبيرة والخلود في النّار.

الإنتشـار ومواقـع النّفـوذ:

قامت دولة للزّيدية أسّسها الحسن بن زيد سنة 250هـ في أرض الدّيلم وطبرستان. وأقام الهادي إلى الحق للزّيدين دولةً في اليمن في القرن الثّالث الهجري.

انتشرت الزيدية في سواحل بلاد الخزر وبلاد الديلم وطبرستان وجيلان شرقًا، وامتدّت إلى الحجاز ومصر غربًا، وتركّزت في أرض اليمن حيث لا تزال تُشكّل أكثر من ثلثي السّكان فيها.