الزيت الروسي وزيت الشركات الاميركية المستقلة

الزيت الروسي وزيت الشركات الاميركية المستقلة

أشرف لطفي

نشر المقال في اذار / مارس 1961 ، العدد الخامس ، الرائد العربي

عندما خفضت شركة إسو اسعار بترول الخليج العربي في شهر آب/أغسطس الماضي بما تراوح بين 9 سنتات و 14 سنتاً للبرميل الواحد ، أوردت الصحف البريطانية ان إسو كانت مضطرة الى إتخاذ هذه الخطوة لمواجهة خطر الزيت الروسي على أسواقها ، وعلى الأخص بسبب ما تم في كوبا والهند وايطاليا حيث عرض الروس بيع كميات من زيتهم بأسعار مخفضة جداً .

حذت شركات الزيت الكبرى حذو إسو فأعلنت ان منافسة الزيت الروسي لها في أسواقها ، والصفقات الرخيصة التي عقدها الروس في بعض الاسواق ، كانت أهم عامل في إجبار تلك الشركات على اجراء تخفيضات في اسعارها . وأضافت ان الزيت الروسي لم يكن العامل الوحيد الذي دفع بها الى هذا التنزيل في الاسعار ، وانما كان ” القشة الاخيرة التي أضيفت الى حمل الجمل فكسرت ظهره ” ، مشيرة بذلك الى شركات الزيت الاميركية المستقلة التي دخلت سوق انتاج الزيت منذ سنة 1956 ، واكتشفت وأنتجت كميات لا بأس بها من الزيت الخام واضطرت الى عرضه للبيع بأي ثمن استطاعت الحصول عليه .

تعالت أصوات الاعتراض على هذه الحجة من الجهات الرسمية في البلاد العربية وايران وفنزويلا ، قائلة إن مزاعم الشركات لا أساس لها ، وان كميات الزيت الروسي المبيعة في الاسواق هي من الضآلة بحيث لا يمكن ان يكون لها ذلك الاثر في تخفيض اسعار الزيت العربي. إذ كيف يعقل ان يكون لبيع 14 مليون طن عام 1958 من خام ومنتجات الزيت الروسي في الاسواق غير الشيوعية مثل هذا الأثر على الاسعار ، في حين ان حاجة الاقطار المستوردة خارج البلدان الشيوعية والولايات المتحدة زادت تلك السنة عن 630 مليون طن ؟ .

ليس من السهل إعطاء حكم قاطع يسند حجة الشركات الكبرى او حجة الاقطار المصدرة ، نظراً لوجود عوامل عديدة يجب أخذها بالاعتبار ، وبصورة جدية . فمجرد قول البلاد المنتجة ان سوقاً تستوعب مئة مليون طن لا يمكن ان تتأثر من طرح مليوني طن من الزيت الروسي الرخيص يكون تهرباً من مواجهة المشكلة ، كما انه تهرب من دراستها وايجاد الاسباب لمعالجتها . ومثل هذا ينطبق على ادعاء الشركات حين تقول ان كمية ضئيلة نسبياً من الزيت الروسي وزيت الشركات المستقلة كان لها هذا الاثر الكبير في تخفيض الاسعار الى مستوى منخفض جداً .

فما هي حقائق الزيت الروسي وزيت الشركات المستقلة الاميركية ؟ .

كانت الشركات الثماني الكبرى قبل عشر سنوات تملك كل الموارد المستغلة لزيت الشرق الاوسط وحوالى 95 % من زيت فنزويلا ، وتمكنت بفضل هذا الاحتكار للموارد النفطية من تنسيق عمليات انتاجها ، بحيث لم تكن تطرح في الاسواق ما يزيد عن حاجة تلك الاسواق من النفط ، فنتج عن ذلك حصول هذه الشركات على أسعار جيدة وتحقيق ارباح طائلة من عمليات الزيت .

كانت هذه الاسعار الطيبة والارباح الضخمة سبباً رئيساً “لسيلان لعاب” شركات الزيت المستقلة الاميركية وطموحها في الحصول على موارد نفطية خاصة بها . عندها دخلت شركات كثيرة منها في اتفاقيات بترولية عديدة مع عدد من الحكومات ، منها فنزويلا ، ودفعت نظير الحقوق التي حصلت عليها مبالغ كبيرة . فحصلت فنزويلا ، مثلاً ، في احدى السنوات على مئات ملايين الدولارات مقابل منحها امتيازات تنقيب لهذه الشركات . ونجحت بعض هذه الشركات في استخراج كميات لا بأس بها وعرضتها في الاسواق بأي ثمن استطاعت الحصول عليه . وكانت بذلك تعمل من وراء ظهر الشركات الكبرى التي طالما إعتبرت اسواق العالم ملكاً لها من دون غيرها . وفي هذه الاثناء ، أي منذ سنة 1956 ، بدأ الروس ينتجون كميات فائضة عن حاجتهم ويعرضونها في الاسواق غير الشيوعية بغية الحصول على عملة صعبة في بعض الحالات ، وكسب النفوذ السياسي في حالات اخرى . فوجدت الشركات الكبرى التي كانت تحتكر صناعة الزيت ان الاسواق العالمية لم تعد مناطق نفوذ لها وحدها ، بل أصبح لها فيها شركاء إستثقلت دمهم .

دخل الروس أسواق العالم غير الشيوعي بعزم وتصميم على استرجاع مكانتهم السابقة كبلد منتج ومصدر للبترول بنسبة كبيرة ، تلك المكانة التي كانت لهم قبل الحرب العالمية الثانية . فايطاليا ، مثلاً ، إرتفعت وارداتها من الزيت الروسي من 1.1 بالمئة من حاجتها سنة 1956 الى 4 يالمئة سنة 1957 و12.2 بالمئة سنة 1959 . كما سمعنا عن بيع كميات من الخام او من المنتجات النفطية لكوبا والهند واليابان ، وبمحاولات لفتح اسواق جديدة في سيلان وغيرها .

يسهل علينا تقدير مدى تسرب الزيت الروسي الى الاسواق العالمية اذا تعرضنا هنا الى بعض المعلومات بالارقام عنه .

ملاحظة : كان بإمكان روسيا طرح بعض الفائض لديها من الزيت الخام والمنتجات النفطية في الاسواق العالمية ، مثل كوبا والهند واليابان ، لأن سوق النقل كانت راكدت في السنوات الثلاث الاخيرة ، بحيث تمكن الروس من استئجار بعض الناقلات غير العاملة واستخدامها باسعار مخفضة لاغراضهم . وقد يجد الروس صعوبة كبيرة بعد سنتين او ثلاث عندما يتحسن سعر النقل ، في نقل ما يبيعونه للاقطار البعيدة . ولكي نتمكن من تقدير الموقف الجديد حق قدره يكون من المناسب افتراض حدوث الحالة التالية :
1 – تباع منتجات 4 شركات كبرى في القطر”س” بمعدل مليون طن في السنة.

2 – يعقد الروس صفقة لبيع 50 الف طن في السنة من زيتهم لشركة وطنية هناك ، تملك مصفاة ومحطات توزيع .

3 – بسبب رخص الزيت الروسي ، فان الشركة الوطنية تستطيع ان تبيع البنزين والكيروسين وغيرهما من المشتقات النفطية، مثلاً ، بسعر أقل من اسعار الشركات الاربع ، اذا وجدت في تخفيض السعر كسباً لزبائن إضافيين لها ، مع كسب جيد في الارباح .

يلاحظ في هذه الحالة ان نسبة الزيت الروسي الى الزيت الغربي ضئيلة جداً ، أي بواقع 5 بالمئة فقط . لكن ماذا يحدث لو ان هذه الحالة وقعت فعلاً ؟ .

اذا لم تبادر الشركات الاربع الى اتخاذ خطوات للرد على ما حصل ، فان الطلب بطبيعة الحال سيزيد على منتجات الشركة الصغيرة . وبسبب هذه الزيادة ولحاجة القطر”س” الى أكثر من مليون طن في السنة ، فان الشركة الصغيرة ستتفاوض مع الروس على شراء كمية اضافية من الزيت الخام لتلبية الطلب الاضافي . او ان الطلب المتزايد على المنتجات الرخيصة قد يحفز شركة ثانية، خارج الشركات الاربع الكبرى ، لعقد صفقة مماثلة مع الروس ، او مع أي عارض للزيت الرخيص كشركات البترول الصغيرة التي تفتش في الاسواق عن مشترين لزيتها الفائض عن حاجتها . هنا يكمن خوف الشركات الكبرى الحقيقي من منافسة الزيت الروسي والشركات المستقلة . فالخوف ليس من الكميات الضئيلة التي يسوقها الروس او شركات الزيت المستقلة ، بل الخوف من نمو اسواق الزيت الروسي واسواق الشركات المستقلة على حساب اسواق الشركات الكبرى الواسعة التي يحتكرونها حالياً الى حد بعيد .

الى هنا يمكننا ان نفهم وجهة نظر الشركات الكبرى على ضوء مثال الحالة المفترضة في ما سبق، ونرى لماذا يدب القلق في أوصال الشركات الكبرى حين ترى زيتاً غير زيتها يغزو الاسواق التي كانت حتى وقت قصير ملكاً بها ، ويمكننا ان نقدر تمام التقدير لماذا تسارع الشركات الكبرى الى منافسة الشركات الصغرى والروس حفاظاً على أسواقها سليمة من “الاذى”.

لكن واقع الحال يشير الى انه ، وان كانت مخاوف الشركات الكبيرة في محلها وتقتضي منها إدخال تغيير اساسي على مواقفها واستراتيجتها في الاسواق ، إلا ان ما تذهب اليه الاوساط الرسمية في البلدان المنتجة من انه ليس لهذه الكميات الضئيلة ان تكون سبباً في تخفيض اسعار الزيت وكسرها وتهديدها على الدوام ، هو ايضاً موقف سليم يقتضي النظراليه بصفة جدية .

الحقيقة هي ان الشركات الكبرى اعتادت جني الارباح من دون منافسة ما بين 1948 و 1958 . وقد آن لها ان تتقبل الحقيقة الجديدة التي بدأت تسطع منذ أوائل سنة 1958 ، ألآ وهي وجود مصادر أخرى للبترول في أيدي جماعات او بلدان أخرى ، وأن مصير الزيت الجديد هو الاسواق العالمية ، تماماً مثل مصير زيت الشركات الكبرى . وان النتيجة الوحيدة لرفض تقبل الشركات الكبرى لهذه الحقيقة الجديدة التي تتطلب منها تعديلاً في مواقفها ، ستكون حتماً حرباً طاحنة بين العهد القديم ، “عهد الشركات الكبرى ” والعهد الجديد ” عهد الشركات الناشئة بما فيها الزيت الروسي ” ، وان الضحية الوحيدة لمثل هذا التطاحن سيكون السعر العادل للزيت الذي تعتمد عليه اقتصاديات بلدان النفط .

ولو رجعنا الى مثال الحالة المفترضة سابقا ، حين وجدنا شركة صغيرة ناشئة في بلد ما ، قد عقدت صفقة بخمسين الف طن سنوياً من الزيت الروسي او زيت الشركات الصغيرة ، لوجدنا ان الخطر على السوق الذي تملكه الشركات الاربع الكبرى مبالغ فيه كثيراً من قبل هذه الشركات . فالموقف في القطر “س” قد يكون شبيهاً بما يلي :

1 – يحتاج ذلك القطر الآن الى مليون طن في السنة مع زيادة في الطلب كل سنة بواقع 8 بالمئة ، مثلاً .

2 – تملك الشركات الاربع الكبرى مصافي ومحطات توزيع تبلغ سعتها 85 بالمئة من مجموع التسهيلات في ذلك القطر .

3 – يوجد تحت تصرف هذه الشركات الكبرى من وسائل النقل 40 بالمئة تملكها بنفسها و 40 بالمئة مثلاً من وسائل النقل تعمل لحسابها على أساس عقود طويلة الامد .

وعل أساس الافتراضات ” القريبة من واقع الحال ” اعلاه ، يتبين ما يلي :

1 – اذا أخذنا وسائل التكرير ومحطات التوزيع بعين الاعتبار ، فإن الزيت الروسي ، او زيت الشركات الصغيرة ، يستطيع ان يتسرب الى أسواق القطر “س” بما لا يزيد عن 15 بالمئة من حاجة ذلك القطر .

2 – واذا أخذنا وسائل النقل بعين الاعتبار ، فإن الزيت “الدخيل” يستطيع الوصول الى القطر “س” بكميات أقصاها 20 بالمئة من حاجة القطر ، بحيث يبقى جزء من الزيت الدخيل زائداً عن مقدرة التكرير الموجودة خارج ملكية الشركات الكبرى ، أي لا يكون من وصوله فائدة نظراً لعدم تكريره وبيعه كمنتجات .

واذا حللنا هذه الارقام لوجدنا ان السبيل الأمثل المتاح امام الشركات الكبرى ، ليس في تخفيض سعر الزيت في احدى الاحتمالات التالية :
1 – شراء تسهيلات التكرير والتوزيع الموجودة بيد المستقلين . وهذا ما تفعله تلك الشركات في بعض الحالات .

2 – شراء او استئجار وسائل النقل البالغة 20 بالمئة ، وبهذا لا يجد المستقلون وسيلة لتوريد الزيت الخام الى القطر “س”. وهذه عملية غير اقتصادية .

3 – قبول الوضع الجديد والاكتفاء بالسيطرة على 85 بالمئة من السوق بدلاً من السيطرة على 100 بالمئة منه .
لا شك ان هذه الاحتمالات سليمة جداً من حيث قدرة الشركات الكبرى على اللجوء الى احتمالات اخرى ، كمثل حرب الاسعار، ومنع الزيت الدخيل ، من الوصول الى القطر “س” ، و منع تكريره في مصافي الجماعة المستقلة . أو بعبارة أوضح ، اذا أرادت الشركات الكبرى احتكار الاسواق ، فلا مفر أمامها من شراء او امتلاك حق التصرف بكل وسائل التكرير والنقل والتسويق ، ووضع هذه الوسائل بتصرف زيتها دون سواه . غير ان هذا الاجراء اذا ما تحقق للشركات الكبرى ، فإنه لن يمنع نشوء شركات صغيرة جديد من بناء وامتلاك تسهيلات جديدة لسد حاجة الزيادة في الطلب . وقد يكون من المناسب ان نورد رأي جريدة “التايمس” اللندنية في هذا المجال والذي نشر في 6 و 8 كانون الاول / سبتمبر الماضي ، والذي جاء فيه : ” لعل شركات الزيت الغربية نفسها ستقتنع في نهاية المطاف بأن الوصول الى ترتيبات للمشاركة في الاسواق ، بما في ذلك استخدام المصافي ووسائل التوزيع ، أفضل لها من بذل محاولات عديمة الأثر لابقاء الزيت الروسي خارج الاسواق العالمية ” .