الدولة العبيدية الفاطمية

الدولة العبيدية الفاطمية

الفاطميون سلالة شيعية، تنتسب للفرقة الإسماعيلية من الشيعة، حكمت تونس، ومصر، والشام وعلى فترات في ليبيا والجزائر، والمغرب وأجزاء محدوده من غرب الجزيرة العربية وصقلية وكان لها نفوذ قوي في شمال السودان عبر إمارة الكنوز، بين عامي 909 و1171م.

كان الحسين بن رستم بن حوشب من دعاة القرامطة في اليمن ومعه صاحبه أبو عبد الله الشيعي الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا، وكان له علم ودهاء ومكر. وأخبره ابن حوشب أن أرض كتامة في المغرب قد حرثها اثنان من أتباعه وقد ماتا الآن وليس لها غيرك.

خرح أبو عبيد الله إلى مكة المكرمة واجتمع بالحجاج الذين قدموا من المغرب، فصحبهم إلى أرض كتامة عام 280 هـ، واجتمع عليه البربر هناك حتى عظم أمره. ولما بلغ أمره لإبراهيم الثاني بن أحمد بن الأغلب صاحب دولة الأغالبة، أرسل إلى عامله على مدينة “ميلة” يسأله عن أمره فصغره له وحقّره، فسكت عنه. ثم اشتد خطره فأرسل إليه إبراهيم الثاني الأغلبي ابنه الأحول وهزم أبو عبد الله الشيعي، فركن إلى الهدوء والعمل السري وبنى لنفسه داراً وأتاه البربر. ولما توفي إبراهيم الثاني عام 289 هـ وجاء ابنه عبد الله عام 290 هـ، تولى أمر الأغالبة زيادة الله الثالث وكان منصرفاً إلى اللهو، وهذا ما دعا إلى زيادة قوة أبي عبد الله. وكان زيادة الله قد استدعى الأحول وقتله خوفاً منه. عندها بدأ أبو عبد الله بالدعوة للمهدي وانتشرت فكرة المهدي حتى غدا عدد من وزراء الأغالبة من الشيعة ويرغبون في نجاح أبي عبد الله بدعوته.

كان أبو عبد الله الشيعي قبل مجيئه إلى المغرب قد زار السّلميّة مقر الدعوة الإسماعيلية واجتمع هناك إلى الإمام المستور ـ على حد زعمهم ـ وهو المهدي. ومنها انطلق إلى المغرب بعد أن وعده بأن يمهد له الأرض هناك ويهيىء له الأمر بالظهور على الناس. وقد كانت السّلميّة، وهي إلى الشمال من مدينة حمص في بلاد الشام مقراً للدعوة الإسماعيلية. وكان هناك أيضاً عائلة ميمون القداح وهو رأس الدعوة الإسماعيلية. وقد انتشر أولاده في أصقاع الأرض يدعون بهذه الدعوة، بعد أن توفي أغلبهم وبقي منهم رجل يسمى الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداحي. وكان يدّعي أنه الوصي وصاحب الأمر، والدعاة باليمن والمغرب يكاتبونه ويراسلونه. واتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسليمة، فوصفوا له امرأة رجل يهودي حداد مات عنها زوجها وهي في غاية الحسن فتزوجها ولها ولد من الحداد، فرباه وأحسن موقعه منه وأوّبه، فصارت له نفس عظيمة وهمة كبيرة. وهناك من يقول إن الإمام الذي كان بالسلميّة وهو الحسين مات ولم يكن له ولد فعهد إلى هذا الغلام ابن الحداد اليهودي وهو «عبيد الله» المهدي فأطلعه على أسرار الدعوة من قول وفعل وأين الدعاة وأعطاه الأموال والعلامات وتقدم إلى أصحابه بطاعته وخدمته وأنه الإمام الوصي وزوجة إبنة عمه أبي الشلفلغ، وقد جعل لنفسه نسباً هو عبيد الله المهدي بن الحسين بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

لما انتشرت دعوة أبي عبد الله الشيعي في المغرب، أرسل رجالاً من كتامة إلى الشام ليخبروا عبيد الله المهدي بما فتح الله عليه. إلا أن السلمية كانت مهددة من قبل الحسين بن مهرويه وجيشه الذي كان في صدام مع قوات الخليفة العباسي المعتضد، فهرب عبيد الله المهدي واختبأ بالرملة. وعند مرور جيش القرامطة من هناك، استدل الحسين بن مهرويه على مكانه والتقى به وأظهر له الطاعة عسى أن يستفيد منه. وأظهر عبيد الله له رضاءه عنه وموافقته على عمله خوفاً من أن يقتله أو يرشد عليه عامل الخليفة العباسي. وما إن سار الحسين بن مهرويه إلى دمشق حتى انطلق عبيد الله المهدي إلى مصر، ثم علم بما حل بأهله بالسلمية من قبل الجيش القرمطي وما نزل بآل عمر بن إسماعيل، فازداد قناعة بما يعمل من استنابه إلى الإسماعيليين وأكمل سيره إلى المغرب. والتقى عبيد الله المهدي هناك برجال كتامة واستطاع أن يوهمهم أنه الإمام فأسروا له ما عندهم واتجه معهم إلى مصر ومعه ابنه نزار أبو القاسم واتخذ عبيد الله صفة التاجر. وشاع الخبر أيام المكتفي بالله العباسي فأرسل إلى عامله بمصر يطلب إليه القبض على هذا التاجر. فقبض عليه لكنه أوهمه أنه غير ما يطلب وأظهر التدين أمامه فرق له وأطلقه، وأكمل طريقه إلى طرابلس الغرب وأرسل بعض من معه إلى القيروان فوجدوا أن الخبر قد سبقهم فألقي القبض عليهم فأنكروا. وسار عبيد الله المهدي إلى قسطلية ومنها إلى سجلماسة مقر دولة الخوارج الصفرية وكان ما يسير من مكان إلا ويطلبه العامل بعد أن يكون قد خرج منه. وأهدى عبيد الله المهدي إلى صاحب سجلماسة وهو المنتصر اليسع بن ميمون بن مدرار، فقرّبه المنتصر وأحبه حتى أتاه كتاب زيادة الله الثالث الأغلبي يعلمه أن ضيفه هو الذي يدعو له أبو عبد الله الشيعي في مناطقهم. عندئذ قبض عليه وحبسه. وكان ساعد أبي عبد الله الشيعي قد اشتد فقضى على دولة الأغالبة ودخل عاصمتهم «رقادة» وهرب منها رئيسها زيادة الله الثالث عام 296 هـ. ودخل أهل القيروان مدينة رقادة ونهبوها وبايعوا لأبي عبد الله الشيعي وساروا نحو سجلماسة بجيش كبير وولى على أفريقيا أخاه محمداً أبا العباس.

وفي طريقه إلى سجلماسة قاعدة دولة الخوارج الصفرية، عرّج أبو عبد الله الشيعي وجيشه إلى «تاهرت» عاصمة دولة الخوارج الإباضية، وكانت قد وصلت إلى شفير الهاوية، فبعث إلى رئيسها واسمه يقظان بن أبي اليقظان وبنيه فجاؤوه فقتلهم جميعاً. وسار إلى تاهرت فقضى على جميع العائلة الرستمية واستباح المدينة ثم خرج منها وأكمل طريقه إلى سجلماسة ليحرر عبيد الله المهدي وابنه نزار أبا القاسم من السجن.

أرسل أبو عبد الله الرسل إلى المنتصر اليسع بن مدرار يلاطفه ويبعد فكرة القتال خوفاً على عبيد الله. إلا أن اليسع بن مدرار قتل الرسل، فأعاد أبو عبد الله الشيعي الملاطفة بإرسال رسل جدد، فأعاد اليسع قتل الرسل. فما كان من أبي عبد الله إلا إن جدَّ السير لحصار سجلماسة فخرج إليه اليسع وجرى قتال ضار بين الطرفين لم يفرّق بينهما سوى حلول الظلام. وفي الصباح خرج أصحاب المدينة لاستقبال أبي عبد الله وأعلموه أن اليسع قد فرَّ بجماعته، فدخل المدينة وأخرج عبيد الله المهدي وابنه وأرسل في طلب اليسع فقبض عليه فسجن ثم قتل. ثم سار عبيد الله المهدي وجماعته جميعاً إلى رقادة عام 297 هـ بعد أن بويع بالخلافة فأصبح في العالم الإسلامي خليفتان: المقتدر بالله العباسي في بغداد وعبيد الله (الخليفة العبيدي) في رقادة.

هنا توجد نقطة مهمة، وهي أن أبا عبد الله الشيعي عند ما دخل سجلماسة والتقى لأول مرة بعبيد الله المهدي على أنه الإمام، لم يرَ الرجل الذي سبق أن رآه خلال زيارته للسلمية وإنما رأى رجلاً آخر. فمنهم من يقول إنه رأى أحد أبناء البيت القداحي أو ربيبهم ابن الحداد اليهودي، ومنهم من يقول إن اليسع بن مدرار عندما علم أنه خاسر قتل عبيد الله المهدي وابنه قبل أن يهرب. وعندما دخل أبو عبد الله الشيعي لينقذ أسيره، وجد رجلاً يهودياً بالسجن فاضطر أن يدَّعي أنه المهدي ريثما تستقر الأوضاع، وقد خاف من قبيلة كتامة التي حملها على القتال من أجل المهدي. وعلى أي الأحوال، فإن الرجل الذي رآه أبو عبد الله الشيعي لم يكن هو من رآه من قبل، بل اضطر لاعطائه هذه الصفة ريثما يجد مخرجاً. وما إن أصبح عبيد الله المهدي خليفة في رقادة حتى وقع الخلاف بينه وبين أبي عبد الله الشيعي، وقام الخوارج الصفرية في سجلماسة بثورات ضد العبيديين بسبب أفعالهم الشنيعة وتصرفاتهم البعيدة عن الإسلام. واستغل عبيد الله المهدي هذا الظرف وقتل أبا عبد الله الشيعي وتفرغ لتثبيت حكمه الجديد.

كان عبيد الله قد ترك قائده إبراهيم بن غالب المزائي عاملاً له على سجلماسة عندما غادرها إلى رقادة، ولم يلبث أن ثار الصفرية في العام نفسه وقتلوا إبراهيم بن غالب المزائي وجنوده. وولى الصفرية عليهم الفتح بن ميمون الملقب بـ”واسول”.

سار عبيد الله المهدي عام 301 هـ يريد مصر ومعه أربعون ألف مقاتل ووقف عند النيل دون تقدمه شرقاً والوصول إلى الفسطاط فعاد إلى الاسكندرية وعاث فيها الفساد، فتبعه جيش الخليفة المقتدر بالله وانهزم العبيديون وانسحبوا إلى برقة. ثم استطاع القائم خليفة عبيد الله المهدي أن يسيطر على الصعيد عام 306 هـ. غير أن الخليفة المقتدر أرسل له مؤنس الخادم في جيش هزم العبيديين وأجبرهم على التراجع. وفي المغرب الأقصى كان موسى بن أبي العافية قد استولى على جميع دولة الأدارسة فخلع طاعة العبيديين ودعا للأمويين في الأندلس، فأرسل له عبيد الله المهدي جيشاً فهرب موسى من وجهه وترك مدينة فاس. إلا أن أمير الفاطميين على فاس قتل فرجع موسى بن أبي العافية إلى نفوذه ويدعو للخليفة الأندلسي، وذلك بعد وفاة المهدي عام 322هـ الذي خلفه ابنه نزار أبو القاسم القائم العبيدي الذي تم على عهده فتح مدينة جنوى عام 323 هـ وجزيرة سردينيا. كما استطاع القائم العبيدي إخماد ثورة الخوارج الإباضيين في طرابلس. ثم قامت ثورة كبيرة للإباضيين عام 325 هـ قادها أبو يزيد مخلد بن كيداد وانضمت إليه فرق الإباضية كما انضم إلى الثورة ضد العبيديين أهل السنة بعدما عانوا من تصرفات العبيديين غير الإسلامية. وقد استطاع أبو يزيد أن يهزم جيش العبيديين الذي أرسله القائم، ثم بدأ بدخول مدن الدولة العبيدية حتى دخل رقادة ثم القيروان عام 333 هـ واتجه نحو مركز الخلافة «المهدية» فخندق القائم حولها ليحميها. وكادت دولة العبيديين أن تزول لولا مساندة قبيلة كتامة وصنهاجة للعبيديين. فقد استطاعوا أن يصمدوا حتى استطاعوا أن يكسروا طوق الحصار عن المدينة وأن يهزموا جيش أبي يزيد. ثم مات أمير العبيديين القائم نزار بن عبيد الله المهدي عام 334 هـ وتولى الأمر من بعده ابنه المنصور إسماعيل بن طاهر. وكان ألعن من أبيه وأكثر زندقة منه. وقد قتل خلقاً من العلماء. ولما مات المنصور إسماعيل العبيدي عام 341 هـ ولي الأمر ابنه الذي تلقب بـ المعز لدين الله، وكان حسن السيرة.

بعد وفاة كافور الإخشيدي عام 357 هـ، وبعد أن قلت الأموال في أيدي المصريين، كتب جماعة من مصر إلى المعز يطلبون منه عسكراً ليسلموا له البلد. فأرسل المعز قائده جوهر الصقلي في مائة ألف فارس فملك مصر وبنى القاهرة ودار الإمارة وقطع الخطبة لبني العباس وزاد في الدين الكثير من البدع، وشرع في بناء الأزهر. ثم دخل دمشق وتولى أمرها عن المعز جعفر بن فلاح. وقد عانى أهل الشام منهم الكثير. ثم أرسل جوهر إلى سيده المعز يخبره عن انتصاراته ويطلب منه أن يقدم إلى مصر. فغادر مدينة المنصورية واستخلف على أفريقية شيخ صنهاجة «بلكين بن زيري بن مناد» وسار إلى القاهرة، واستقل بن زيري في منطقة تونس عام 362هـ وأسس الدولة الزيرية وبقي يدعو للمعز. ثم توفي المعز لدين الله عام 356هـ وخلفه ابنه نزار الملقب العزيز بالله. وعلى عهده دعي للعبيديين في الحج عام 363 هـ.

كذلك، فقد استغل محمد بن الفتح بن ميمون الملقب باسم الشاكر الله قيام حركة الإباضيين بقيادة أبي يزيد بن كيداد وانشغال العبيديين بالقضاء عليها، فقام يقود الصفرية ضدهم. وعندما آل أمر العبيديين للمعز لدين الله عام 341 هـ ورأى ما أصبح من شأنهم، أعدَّ حملة كبيرة ضد الخوارج الصفريين في سجلماسة وأوكل قيادة هذه الحملة لجوهر الصقلي. فحاصر الجيش سجلماسة مدة ثلاثة أشهر، وتمكن الشاكر لله أن يهرب لكنه قبض عليه فيما بعد وأرسل إلى سجن القيروان ثم ثارت بعد ذلك الخوارج على والي العبيديين عليهم واختاروا منهم والياً وأرسلوا بالطاعة للحاكم العبيدي فقبل منهم ذلك وأكرمهم. إلا أن الأمر لم يستقر على هذا الحال، إذ قام ابن الشاكر لله وهو أبو محمد فثار على أخيه المنتصر بالله الذي كان يحكم للعبيديين وقتله وخلع طاعة العبيديين عام 352 هـ وتلقب باسم المعتز. وبذلك انتهى نفوذ العبيديين نهائياً من سجلماسة.

توسعت حدود دولة العبيديين على عهد العزيز بالله، إذ ضم بلاد الشام كلها وأرسل جيشاً إلى مكة ودخلها، وخطب فيها عام 365 هـ، كما خطب له بالموصل عام 382 هـ.

ثم أقر العزيز والي أبيه يوسف بن بلكين بن زيري شيخ صنهاجة على أفريقية وزاد عليه أيضاً. وزحف إلى سجلماسة خزرون بن فلغول المغراوي وقتل أبا محمد المعتز إمام الصفرية فزالت الصفرية من المغرب نهائياً. كما قاتل يوسف بلكين زناتة في المغرب. وقد جرت عدة فتوحات لحصون الروم في عهده.

وجه العبيديون أيام العزيز بالله اهتمامهم لنشر فكرتهم متظاهرين بالتشيع، لذا عملوا على نشر الفكر الشيعي. وقد عرف عن العزيز تسامحه مع النصارى واليهود.

توفي العزيز بالله العبيدي عام 386 هـ وخلفه ابنه الحاكم بأمر الله العبيدي وكان صغيراً في السن فكانت أمور الدولة بيد برجوان أحد خدام العزيز ومدبري دولته.

بعد أربع سنوات، بدأ الحاكم بتسلم شيئاً من أمره، فأظهر تعصباً شديداً لفكر العبيديين. فقد كان شيطاناً مريداً أحل ما يريد وحرّم ما يريد وعذب الناس كثيراً. وعلى عهده ظهر حمزة بن علي الزوزني عام 405 هـ الذي كان من خدمة الحاكم الخصوصيين وجهر بألوهية الحاكم عام 408هـ فثار عليه الناس وهرب إلى وادي التيم في لبنان.

ثم ظهر الحسن بن حيدرة الفرغاني عام 409 هـ الذي قال هو أيضاً بألوهية الحاكم لكنه قتل. وأخيراً كانت دعوة محمد بن إسماعيل الدرزي (نشتكين) الذي كان أول من كشف عن فكرة ألوهية الحاكم. ويقال إنه قتل أو اختفى في جبل الدروز في جنوب سوريا. وقد قامت عدة ثورات ضد العبيديين في هذا الوقت. ففي مكة قام أبو الفتوح، وظهر أبو ركوة الأموي في منطقة برقة.

قُتل الحاكم بأمر الله العبيدي عام 411 هـ. وكان قتله نتيجة لتصرفاته وإساءاته للناس. وكان الحاكم قد أعطى ولاية العهد بعده لابن أخيه عبد الرحيم بن الياس العبيدي وكان محباً للهو فقبض عليه الجند وسجنوه ثم قتلوه. فقامت أخت الحاكم ست الملك وأخرجت ابن أخيها الحاكم ويدعى علي وتوّجته وظلت تشرف عليه حتى توفيت عام 415 هـ، وقد تلقب علي بـ الظاهر الفاطمي.

كانت ولاية أفريقية تتبع العبيديين اسميّاً. فكان يحكمها المنصور بن يوسف بلكين حتى عام 386هـ. وقد كان حسن السيرة بالناس ومحباً للعدل، وخلفه ابنه باديس الذي سار على نهج أبيه، ثم منح باديس عمه حماد بن يوسف بلكين منطقة “أشير” وأعطاه إياها. ثم أضاف عليه الجزء الغربي من الدولة، وعندها تأسست الدولة الحمادية في أشير.

اختلفَ باديسْ مَعَ عمِّهِ ونشبَتْ بينهُمَا حروب. وبعد وفاة باديس خلفه ابنه منصور الذي أكمل قتال حماد ثم بايع الناس أخاه المعز فبايعه أيضاً وأقره الحاكم بأمر الله العبيدي ولقبه شرف الدولة. وأكمل المعز قتال حماد وانتصر عليه ثم تصالحا. توفي علي الظاهر الفاطمي عام 428هـ وخلفه ابنه محمد أبو تميم الملقب بالمستنصر وكان صغير السن ولم يزد عمره على الثمانية وامتد نفوذه إلى بلاد الشام والحجاز وشمالي أفريقيا. إلا أن المعز بن باديس قطع الخطبة له في شمال أفريقيا وخطب للعباسيين سنة 435هـ. فأرسل له المستنصر القبائل فحاربته وهزمته.

وعلى عهد المعز بن باديس دعي للعبيديين في بغداد بعد أن استولى عليها البساسيري لمدة عام واحد قبل أن يقضي عليه طغرلبك ويعيد الخليفة العباسي الحاكم بأمر الله إلى بغداد. بعد ذلك بدأت الدولة العبيدية بالتقلص، فظهرت بالمغرب دولة المرابطين عام 448هـ وبدأت تتوسع. وزال نفوذ العبيديين عن الحجاز عام 462هـ ودعي للعباسيين على المنابر كما زال أثر العبيديين عن حلب عام 463هـ. ثم اضطر المستنصر أن يسحب واليه على عكا بدر الجمالي في عام 466هـ ويستوزه عنده في مصر. أما في المغرب فقد زال سلطانهم تماماً ولم يبق لهم سوى مصر. ولما توفي المستنصر العبيدي عام 487هـ آل الحكم من بعده لولده الأصغر أحمد المستعلي أبو القاسم وأبعد ابنه الأكبر نزار وذلك بقصد من العزيز الأفضل بن بدر الجمالي الملقب بالشاهنشاه. وقد جرت حروب بين الشاهنشاه بين نزار الفاطمي الذي استقر بالاسكندرية، ثم استطاع الأفضل من أسره وقتله فيما بعد واستقر الأمر للمستعلي. ومع أن نزار قد قتل إلا أن جماعة كبيرة من الفاطميين تسموا فيما بعد بالنزاريين ولم يعترفوا بالمستعلي، بل بقيت الإمامة برأيهم في عقب نزار. ومن هذه الجماعة أيضاً خرج «الحشاشون» الذين يرجعون للحسن بن الصباح أو الباطنيين والذين لهم اليد الطولى فيما بعد بالاغتيالات السياسية لكبار قادة المسلمين في الحروب الصليبية. ولما توفي المستعلي عام 495 هـ، خلفه ابنه المنصور وعمره خمس سنوات وتلقب بـ الآمر بأحكام الله. وقد قام بتدبير الدولة في عهده الوزير الفضل بن بدر الجمالي حتى كبر وتسلم زمام الأمور. واستطاع العبيديون في عهد الأفضل من دخول القدس ثانية مستغلين دخول الصليبيين بلاد الشام من الشمال. ثم عقد الوزير الأفضل عدة مفاوضات مع الصليبيين على أن يكون شمال بلاد الشام للصليبيين وجنوبها للعبيديين. ثم نقض الصليبيون العهد عندما شعروا بالنصر فبدؤوا يهاجمون المدن العبيدية. فهاجموا مدينة صور عام 505هـ فطلب العبيديون العون من طغتكين صاحب دمشق فمدهم بالمؤن والمساعدات فامتنعت صور عن الصليبيين. وكان ذلك على عهد الآمر بأحكام الله المنصور الذي تسلم الحكم عام 495هـ. وقد استطاع الآمر التخلص من وزيره القوي الأفضل بن بدر الجمالي الذي تحكم بأمور الدولة فترة طويلة. وقد قُتل الأفضل عام 515 هـ. وقام مقامه ابنه أحمد بن الأفضل والذي تلقب بالأكمل.

بقي الآمر بأحكام الله حتى عام 524 هـ حيث قتل على يد جماعة من الباطنية من أصحاب النزارية الذين يرون أن الخلافة العبيدية يجب أن تكون في أولاد نزار. وخلفه ابن عمه الحافظ أبو الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر العبيدي. وعلى عهده قوي أمر وزيره الأكمل الذي يبدو أنه كان من الشيعة، إذ دعا للإمام الثاني عشر ودعا لنفسه واسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الصادق من الخطبة. وهذا ما جعل العبيديين يكرهونه ويريدون التخلص منه فكمنت له جماعة منهم وقتلته، وأخرجت الحافظ من سجنه فاسترد الأموال التي أخذها الأكمل واستوزر مكانه أبا الفتح يانس الحافظي، ثم ابنه بعد قتله. وفي عام 529هـ جاء إلى القاهرة والي المنطقة الغربية بهرام الأرمني وحاصر القاهرة، فلم ير الحافظ بداً من تعيينه وزيراً على الرغم من أنه مسيحي. وبدأ يستقدم الأرمن ليتقوى بهم بعد أن ازداد الضعف داخل الدولة العبيدية، فأصبح الصراع دائماً بين الوزراء والجنود للسيطرة على مقدرات الدولة، إضافة إلى أن الخلفاء كانوا يتولون الأمر وهم صغار فلم يكن لهم من الأمر شيء. وقد بقي بهرام الأرمني وزيراً حتى هرب عام 531هـ فطلبه الخليفة الحافظ وسجنه ثم أطلق سراحه فاعتزل وصار راهباً. ثم استوزر الحافظ من بعده رجلاً شجاعاً اسمه رضوان لقبه بالملك الأفضل. غير أنه عزله فهرب إلى بلاد الشام طالباً المعونة من عماد الدين زنكي، فخاف الخليفة منه فأرسل له أسامة بن حنقز فأمنه واسترضاه وأعاده إلى الخليفة فسجنه.

وفي عام 544 هـ توفي الخليفة الحافظ فخلفه ابنه الظافر إسماعيل وكان عمره صغيراً، فقام الخلاف بين الجند، ثم امتد نحو الوزراء. فقام الخليفة بعزل الوزير الملك العادل بن سلار، وقلد الوزارة نجم الدين بن مصال الذي كان مكروها من الرعية. فجمع ابن سلار جماعته وسار بهم صوب نجم الدين بن مصال، ولم يكن قد مضى على وزارته خمسين يوماً، فهرب ابن مصال نحو الصعيد وجمع قوة عسكرية فسار إليه ابن سلار بجنوده وتمكن من قتله. عندها اضطر الخليفة أن يقلد ابن سلار الوزارة. وهنا بدأ الخلاف يكبر بين الظافر إسماعيل والوزير ابن سلار الذي طلب المساعدة من نور الدين محمود أمير حلب لقتال الصليبيين بحيث يقع الصليبيون تحت تهديد الشمال والجنوب. أضف إلى ذلك أن العامل الأساسي لطلب هذه المساعدة أن ابن سلار كان على خلاف عقائدي مع العبيديين. فكان من أهل السنة والجماعة. وقد أحس نور الدين محمود بعجز الدولة العبيدية وخاف أن تصبح حصناً آخر للصليبيين. وقد أحس الخليفة الظافر بما يدور حوله فأوكل الى نصر بن عباس مهمة اغتيال ابن سلار عام 548 هـ فتولى الوزارة والد القاتل عباس بن نصر. ثم قُتل الخليفة بعد ذلك، فثارت الرعية على نصر بن عباس وأبيه الوزير فهربا إلى بلاد الشام فأرسلت أخت الخليفة جماعة لملاحقتهم حيث أحضرتهم إلى القاهرة وقتلتهم صلباً. ثم تولى الخلافة بعد الظافر ابنه الفائز عام 549هـ وكان صغيراً لا يزيد عمره على الخامسة. فجاء الأمير طلائع بن رزيك أحد الولاة إلى القاهرة وتسلم الوزارة وأعاد الأمن وتلقب بالملك الصالح. إلا أن الصليبيين احتلوا في هذا الوقت عسقلان من العبيديين وعقدوا العزم على الزحف إلى مصر لولا هجوم نور الدين محمود عليهم من جهة الشمال واسترداد دمشق منهم عام 549هـ وقويت دولته فكان يهددهم بإنهم إذا ساروا نحو مصر ثانية سيتجه نحو بيت المقدس.

في عام 555 هـ مات الخليفة الفائز بنصر الله، فاختار الملك الصالح خليفة بعده ابن عمه عبد الله بن يوسف بن الحافظ ولقبه المعاضد لدين الله وكان شاباً مراهقاً فزوجه من ابنته. واستمر الوزير الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن رزيك في قيادة الدولة إلى أن قتل عام 556 هـ فتسلم بعده ابنه رزيك أبو شجاع الملك العادل، وكان يخاف من نائبه في الصعيد شاور بن مجير بناء على نصيحة أبيه. وفعلاً استطاع شاور أن يخلع رزيك بن طلائع وأن يحل محله في الوزارة. وفي عام 558 هـ قتل طي بن شاور رزيك بن طلائع، فأثارت هذه العملية أنصار رزيك والأهل وأجمع الناس على القيام بثورة ضد شاور فاستغل هذا الحقد أحد الثائرين وهو ضرغام فقتل ولدي شاور وسجن الثالث وتسلم الوزارة مكان شاور وهرب هذا الأخير إلى بلاد الشام.

طلب شاور المساعدة من نور الدين محمود وتعهد له بدفع نفقات الحملة ومنحه ثلث خراج مصر لقتال الصليبيين، فوافقه نور الدين محمود وهو يرغب في حكم مصر، خاصة أن العبيديين وصلوا لدرجة من الضعف لا يستطيعون فيها الدفاع عن أنفسهم. فأرسل مع شاور حملة عسكرية بقيادة أسد الدين شيركوه. في هذا الوقت كان ضرغام قد خلف عموري ملك بيت المقدس الصليبي، فسيَّر الصليبيون إلى مصر حملة عسكرية عام 559 هـ لفرض إتاوة سنوية كبيرة عليها. فخاف ضرغام ففتح السدود على النيل وكان وقت الفيضانات، فاضطر عموري للعودة إلى مقره. ثم علم ضرغام بمجيء شاور مع أسد الدين شيركوه لأخذ مصر فأسرع ضرغام لمصالحة عموري، فوصل شاور مع الجيش الإسلامي قبل عموري واستطاعوا التغلب على ضرغام وقتله واستعاد شاور الوزارة وتصالح مع الخليفة العاضد العبيدي، وشعر بقوته فنقض حلفه مع شيركوه وطلب منه أن يعود إلى بلاد الشام. وعندما رفض شيركوه ذلك، تحالف شاور مع الصليبيين وحاصروا أسد الدين شيركوه فاضطر للعودة إلى بلاد الشام بعد حصار دام ثمانية أشهر. ولم يتمكن من فك هذا الحصار إلا بعد أن قام نور الدين محمود بهجوم على الأجزاء الشمالية للصليبيين فحرر حارم ثم بانياس وأسر قادتهم فاضطر الصليبيون إلى فك الحصار عن أسد الدين شيركوه.

لم ييأس أسد الدين شيركوه من فتح مصر وكذلك نور الدين محمود، فأعاد الكرة بحملة جديدة بعد عامين فاستعان شاور من جديد بالصليبيين فأنجدوه بأعداد كبيرة فأجبروه على العودة إلى بلاد الشام.

ثم حاول أسد الدين شيركوه فتح مصر من جديد فسار إليها عقب ثورة ابن الخياط وما رافقها من اضطرابات داخلية قبل أن يستطيع شاور إخمادها. ولما علم شاور بمسير شيركوه استنجد بالصليبيين وكانت هذه الحملة سنة 562هـ والتقى الجيشان جنوب مدينة المنيا وفيها انتصر شيركوه وانسحب الصليبيون نحو القاهرة فاستقر جيش شيركوه في الصعيد ثم استطاع دخول الاسكندرية دون مقاومة وولى عليها ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي. فسار الجيش الصليبي والمصري في اتجاه الاسكندرية وحاصروها براً وبحراً واستنجد صلاح الدين بعمه شيركوه فجاءه مسرعاً، ثم جرى صلح بين الطرفين انسحب بموجبه شيركوه من مصر مقابل خمسين ألف دينار. ولم يقبل الصليبيون بهذا الصلح إلا نتيجة للضغط. فقد كان نور الدين محمود وأخوه قطب الدين مودود يغيران في منطقة طرابلس على الصليبيين حيث فتحا العديد من المناطق. وعلى هذا الأساس اضطر الصليبيون على مصالحة آل زنكي. بعد ذلك قرر الصليبيون غزو مصر فزحفوا إليها، فاضطر شاور هذه المرة للاستعانة بنور الدين محمود، وجاءت الفرصة المناسبة لأسد الدين شيركوه، فقد أدرك أنه يستطيع التغلب على الصليبيين الآن مع شاور ثم يتفاهم مع شاور والدولة العبيدية.

سار الصليبيون إلى مصر عام 564 هـ ودخلوا بلبيس وأساؤوا إلى الأهالي ولجأ أهلها إلى القاهرة. حاول شاور مفاوضة عموري قائد الصليبيين، لكن شيركوه كان قد وصل إلى مصر بجيوشه ودخل القاهرة وكان عموري لا يزال على أسوارها، وقد رأى أنه لا يستطيع مواجهتهم، لذا فضل الانسحاب. فدخل شيركوه القاهرة واستقبله أهلها بالترحاب، وأوكل إلى ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي مهمة التخلص من شاور عام 564 هـ فتخلص منه. فولى العاضد العبيدي الوزارة إلى شيركوه الذي توفي عام 565 هـ واستلم مكانه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي «الملك الناصر». وقد استطاع صلاح الدين الأيوبي أن يكسب ثقة أهل مصر، فخاف الخليفة العبيدي منه وذلك لاختلاف عقيدة كل منهما عن الآخر. لذلك فقد بدأ يحيك المؤامرات ضده، وأهمها محاولة اغتياله. وهذا ما دعا بصلاح الدين لقتل المتآمرين عليه ثم القضاء على الجماعة التي حاولت اغتياله. ثم قام الصليبيون بالاتفاق مع البيزنطيين بحملة مشتركة على مصر ونزلوا بالقرب من دمياط التي أسرع صلاح الدين إليها وتحصن بداخلها. كما أن نور الدين محمود قد أسرع إلى ضرب المناطق الصليبية في الشمال وأرسل قوة مساعدة لصلاح الدين الأيوبي في مصر بقيادة أبيه نجم الدين أيوب. وقد نصحه نور الدين محمود عندما أرسله أن يأمر ابنه بالخطبة للخليفة العباسي المستنجد بالله. وقد استمر الحصار لمدينة دمياط خمسين يوماً تكلل بالفشل الذريع، فاستقر الوضع في مصر لصلاح الدين وأحضر أسرته من بلاد الشام وعيَّن أباه على بيت المال واسند مناصب القضاء لعلماء مسلمين بدلاً من العبيديين. وبهذا أضعف أركان الدولة العبيدية كلها. كما أسند إلى أنصاره الخواص مهمة قيادة الجيش، وعين على قصر الخليفة العاضد بهاء الدين قراقوش، وحصر الأسرة العبيدية في جناح خاص. ثم استشار امراءه بالخطبة للمستنجد العباسي فوافقوه على ذلك. ولما توفي العاضد العبيدي آخر حكام الدولة العبيدية تم القضاء على الدولة العبيدية عام 567 هـ وتسلم الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي أمر مصر كلها.

ورد في كتاب “تاريخ ابن خلدونالمجلد الثالث:

” نسبة هؤلاء العبيديين إلى أول خلفائهم، وهو عبيد الله المهدي بن محمد الحبيب بن جعفر المصدق ابن محمد المكتوم ابن إسماعيل الإمام ابن جعفر الصادق، ولا يلتفت لإنكار هذا النسب، لكتاب المعتضد إلى ابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسلجماسة يغريهم بالقبض عليه لمّا سار إلى المغرب شاهد بصحة نسبهم وشعر الشريف الرضي في قوله:

ألبس الذل في بلاد الأعادي     بمصر الخليفة العلوي

من أبوه أبي ومولاه مولاي  إذا ضامني البعيد القصي

لفّ عرقي بعرقه سيدً لناس    جميعاً، محمد وعلي

وأمَّا المحضر الذي ثبت ببغداد أيام القادر بالقدح في نسبهم، وشذّ فيه أعلام الأئمة مثل القدوري والصهيري وأبي العباس الأبيوردي وأبي حامد الأسفرايني وأبي الفضل النسوي وأبي جعفر النسفي، ومن العلوية المرتضى وابن البطحاوي وابن الأزرق، وزعيم الشيعة أبو عَبْد الله بن النعمان، فهي شهادة على السماع. وكان ذلك متصلاً في دولة العباسية منذ مائتين من السنين فاشياً في أمصارهم وأعصارهم. والشهادة على السماع في مثله جائزة على أنها شهادة نفي، ولا تعارض ما ثبت في كتاب المعتضد مع أن طبيعة الوجود في الانقياد لهم، وظهور كلمتهم أدل شيء على صدق نسبهم. وأمَّا من جعل نسبهم في اليهودية أو النصرانية لميمون القداح وغيره فكفاه إثماً تعرضه لذلك. وأمَّا دعوتهم التي كانوا يدعرن لها فقد تقدم ذكرها في مذاهب الشيعة من مقدمة الكتاب. وانقسمت مذاهب الشيعة مع اتفاقهم على تفضيل عليّ على جميع الصحابة إلى الزيدية القائلين بصحة إمامة الشيخين مع فضل علي، ويجوزون إمامة المفضول، وهو مذهب زيد الشهيد وأتباعه، والرافضة ويدعون بالإمامية المتبرئين من الشيخين بإهمالهما وصية النبي بخلافة عليّ. مع أن هذه الوصية لم تنقل من طريق صحيح قال بها أحد من السلف الذين يقتدى بهم، وإنما هي من أوضاع الرافضة.وانقسم الرافضة بعد ذلك إلى إثني عَشَرِيّة نقلوا الخلافة من جعفر بعد الحسن والحسين وعليّ زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق إلى ابنه موسى الكاظم وولده على سلسلة واحدة إلى تمام الإثني عشر، وهو محمد المهدي، وزعموا أنه دخل سرداباً وهم في انتظاره إلى الآن. وإلى الإسماعيلية نقلوا الخلافة من جعفر الصادق إلى ابنه إسماعيل، ثم ساقوها في عقبه فمنهم من انتهى بها إلى عبيد الله هذا المهدي، وهم العبيديون، ومنهم من ساقها إلى يحيى بن عبيد الله بن محمد المكتوم. وهؤلاء طائفة من القرامطة وهي من كذباتهم، ولا يعرف لمحمد بن إسماعيل ولد إسمه عبيد الله. وكان شيعة هؤلاء العبيديين بالمشرق واليمن وأفريقية. وسار بها إلى أفريقية رجلان يعرف أحدهما بالحلواني والآخر بالسفياني أنفذهما الشيعة إلى هنالك وقالوا لهما أن العرب أرض بور فاذهبا واحرثاها حتى يحيا صاحب البذر، وسارا لذلك ونزلا أرض كتامة أحدهما ببلد يسمى سوق حمار. وفشت هذه الدعوة منهما في أهل تلك النواحي من البربر وخصوصاً في كتامة. وكانوا يزعمون أن النبي أوصى إلى علي بالخلافة بالنصوص الجليّة، وعدل عنها الصحابة إلى غيره فوجب البراءة ممن عدل عنها. ثم أوصى علي إلى ابنه الحسن، ثم الحسن إلى أخيه الحسين، ثم الحسين إلى ابنه عليّ زين العابدين، ثم زين العابدين إلى إبنه محمد الباقر، ثم محمد الباقر إلى ابنه جعفر الصادق، ثم جعفر الصادق إلى إبنه إسماعيل الإمام، ومنه إلى ابنه محمد، ويسمّونه المكتوم لأنهم كانوا يكتمون إسمه حذراً عليه. ثم أوصى محمد المكتوم إلى ابنه جعفر المصدق، وجعفر المصدق إلى إبنه محمد الحبيب، ومحمد الحبيب إلى ابنه عبيد الله المهدي الذي دعا له أبو عَبْد الله الشيعي. وكانت شيعهم منتشرين في الأرض من اليمن إلى الحجاز والبحرين والطرق وخراسان والكوفة والبصرة والطالقان. وكان محمد الحبيب ينزل سَلَمْيَة من أرض حمص، وكان عادتهم في كل ناحية يدعون للرضا من آل محمد، ويرومون إظهار الدعوة بحسب ما عليهم. وكان الشيعة من النواحي يعلمون مكيهم في أكبر الأوقات لزيارة قبر الحسين، ثم يعرجون على سَلَمْيَة لزيارة الأئمة من ولد إسماعيل- وكافي باليمن من شيعتهم. ثم بعده لأئمة قوم يعرفون ببني موسى، ورجل آخر يعرف بمحمد بن الفضل أصله من جند. وجاء محمد إلى زيارة الإمام محمد الحبيب، فبعث معه أصحابه رستم بن الحسين بن حوشب بن داود النجار، وهو كوفي الأصل، وأمره بإقامة الدعوة، وأن المهدي خارج في هذا الوقت، فسار إلى اليمن ونزل على بني موسى وأظهر الدعوة هنالك للمهدي من آل محمد الذي ينعتونه بالنعوت المعروفة عندهم، فاتبعه واستولى على كثير من نواحي اليمن. وكان أبو عَبْد الله الحسن بن أحمد بن محمد بن زكريا المعروف بالمحتسب، وكان محتسباً بالبصرة. وقيل إنما المحتسب أخوه أبو العباس المخطوم، وأبو عَبْد الله يعرف بالعلم لأنه كان يعرف مذهب الإمامية الباطنية قد اتصل بالإمام محمد الحبيب وخبر أهليته، فأرسله إلى أبي حوشب، ولزم مجالسته وأفاد علمه. ثم بعثه مع الحاج اليمني إلى مكة، وبعث معه عَبْد الله بن أبي مُلأ، فأتى الموسم ولقي به رجالات كتامة مثل حريث الحُمَيْليّ وموسى بن مكاد، فاختلط بهم وعكفوا عليه لمّا رأوا عنده من العبادة والزهد، ووجه إليهم بدراً من ذلك المذهب، فاغتبط واغتبطوا وارتحل معهم إلى بلدهم ونزل بها منتصف ربيع سنة ثمان وثلاثين، وعين لهم مكان منزله بفتح الأحار وأن النص عنده من المهدي بذلك، ولجهره بالمهدي وأن أنصاره الاخيار من أهل زمانه، وأن إسم أنصاره مشتق من الكتمان ولم يعينه، واجتمع لمناظرته كثير من أهل كتامة فأبى ثم أطاعوه بعد فتن وحروب. واجتمعوا على دعوته وكانوا يسمّونه أبا عَبْد الله المشرفي والشيعي. ولما اختلف كتامة عليه واجتمع كثير منهم على قتله قام بنصرته الحسن بن هارون، وسار به إلى جبل إيكجان وأنزله مدينة تاصروت من بلد زرارة، وقاتل من لم يتبعه بمن تبعه حتى استقاموا جميعاً على طاعته. وبلغ خبره إبراهيم بن أحمد بن الأغلب عامل أفريقية بالقيروان، فأرسل إلى عامل ميلة يسأله عن أمره فحقره وذكر أنه رجل يلبس الخشن، ويأمر بالعبادة والخير، فأعرض عنه حتى إذا اجتمع لأبي عَبْد الله أمره ، زحف في قبائل كتامة إلى بلد ميلة فملكها على الأمان بعد الحصار، فبعث إبراهيم بن أحمد بن الأغلب إبنه الأحول في عسكرهم يجاوز عشرين ألفاً، فهزم كتامة وامتنع أبو عَبْد الله بجبل إيكجان، وأحرق الأحول مدينة تاصروت ومدينة ميلة، وعاد إلى أفريقية وبنى أبو عَبْد الله بجبل إيكجان مدينة سماها دار الهجرة. ثم توفي إبراهيم بن الأغلب صاحب أفريقية وولّى ابنه أبو العباس، وقتل واستقر الأمر لزيادة الله، وكان الأحول حمل العساكر لحضوره فاستقدمه زيادة الله وقتله.

وفاة الحبيب وايصاؤه لابنه عبيد الله:

ولما توفي محمد الحبيب وأوصى لابنه عبيد الله، وقال له: أنت المهدي، وتهاجر بعدي هجرةً بعيدةً، وترى محناً شديدةً. فقام عبيد الله بالأمر وانتشرت دعوته. وأرسل إليه أبو عَبْد الله الشيعي رجالاً من كتامة يخبرونه بما فتح الله عليهم، وأنهم في انتظاره. وشاع خبره وطلبه المكتفي فهرب هو وولده نزار الذي ولّي بعده، وتلقب بالقائم. وخرج معه خاصته ومواليه يريد المغرب. وانتهى إلى مصر وعليها يومئذ عيسى النوشري، فلبس عبيد الله زي التجّار يتستّر به. وجاء كتاب المكتفي للنوشري بالقبض عليه، وفيه صفته وحليته، فبعث العيون في طلبه. ونمي الخبر بذلك إلى عبيد الله من بعض خواص النوشري فخرج في رفقة ورآه النوشري وأحضره ودعاه للمؤاكلة، فاعتذر بالصوم. ثم امتحنه فلم تشهد له أحواله بشيء مما ذكر له عنه. وقارن ذلك رجوع إبنه أبي القاسم يسأل عن كلب للصيد ضاع له، فلمّا رآه النوشري وأخبر أنه ولد عَبْد الله علم أن هذه الدالة في طلب الضائع منافية للرقبة والخوف، فخلّى سبيله. وجدّ المهدي في السير وكان له كتب من الملاحم ورثها منقولة عن أبيه سرقت من رحله في تلك الطريق. ويقال: إنّ ابنه أبا القاسم لمّا زحف إلى مصر أخذها من بلاد برقة. ولما انتهى المهدي وابنه إلى طرابلس وفارقه التجّار أهل الرفقة، قدم أبا العباس أخا أبي عبيد الله الشيعي إلى أخيه بكتامة، ومرّ بالقيروان، وقد سبق خبرهم إلى زيادة الله وهو يسأل عنهم، فقبض على أبي العباس وسأله فأنكر فحبسه، وكتب إلى عامل طرابلس بالقبض على المهدي ففاته، وسار إلى قسطنطينة فعدل عنها خشية على أبي العباس أخي الشيعي المعتقل بالقيروان، وذهب إلى سجلماسة وبها ألِيشَع بن مدرار فأكرمه. ثم جاءه كتاب زيادة الله، ويقال كتاب المكتفي بأنه المهدي الذي داعيه في كتامة فحبسه، وبعث زيادة الله العساكر إلى كتامة مع قريبه إبراهيم بن حيش، وكانوا أربعين ألفاً، فانتهى إلى قسطنطينة فأقام بها وهم متحصّنون بخيلهم ستة أشهر. ثم زحف إليهم ودافعهم عند مدينة بلزمة، فانهزم إلى القيروان. وكتب أبو عَبْد الله بالفتح إلى المهدي وهو في محبسه. ثم زحف إلى مدينة طبنة فحاصرها وملكها بالأمان، ثم إلى مدينة بَلْزَمَة فملكها عنوة، فبعث زيادة الله العساكر مع هارون الطبني فانتهوا إلى مدينة دار ملوك، وكانوا قد أطاعوا الشيعي فهدمها هارون، وقتل أهلها، وسار إلى الشيعي فانهزم من غير قتال وقتل. وفتح الشيعي مدينة عيسى فزحف زيادة الله في العساكر سنة خمس وتسعين، ونزل الأُرْبُس. ثم أشار عليه أصحابه بالرجوع إلى القيروان ليكون ردءاً للعساكر، فبعث الجيوش مع إبراهيم بن أبي الأغلب من قرابته ورجع، وزحف أبو عَبْد الله إلى باغاية فهرب عاملها وملكها. ثم إلى مدينة مرماجنة فافتتحها عنوة وقتل عاملها ثم إلى مدينة تيفاش، فملكها على الأمان، واستأمن إليه القبائل من كل جهة، فأمنهم وسار بنفسه إلى مسلبابة، ثم إلى تبسة، ثم إلى مجانة ففتحها على الأمان، ثم سار إلى القصرين من قمودة وأمن أهلها وسار يريد قادة. وبلغ الخبر إلى إبراهيم بن أبي الأغلب وهو بالأربس أميراً على الجيش، فخشي على زيادة الله برقادة لقلة عسكره، وارتحل ذاهباً إليه، وسار أبو عَبْد الله إلى قسطنطينة فحاصرها وافتتحها على الأمان. ورجع إلى باغاية فأنزل بها عسكرا. وعاد إلى إيكجان، فسار إبراهيم بن أبي الأغلب إلى باغاية وحاصر أصحاب أبي عَبْد الله بها. فبعث أبو عَبْد الله عساكره إلى مج العرعار فألفوا إبراهيم قد عاد عنها إلى الأُربُس. ثم زحف أبو عَبْد الله إلى إبراهيم سنة ست وتسعين في مائة ألف مقاتل. وبعث من عسكره من يأتي إبراهيم من خلفه، وسار إليه فانهزم، وأثخن فيهم أبو عَبْد الله بالقتل والأسر، وغنم أموالهم وخيلهم وظهرهم. ودخل الأُربُس فاستباحها، ثم سار فنزل قمودة، وبلغ الخبر إلى زيادة الله فهرب إلى مصر. وافترق أهل مدينة رقادة إلى القيروان وسوسة، ونهب قصور بني الأغلب ووصل إبراهيم بن أبي الأغلب إلى القيروان، فنزل قصر الإمارة وجمع الناس ووعدهم الحماية، وطلب المساعدة بطاعتهم وأموالهم، فاعتذروا وخرجوا إلى الناس فأخبروهم، فثاروا به وأخرجوه. وبلغ أبا عَبْد الله الشيعي هرب زيادة الله وهو يشبه، فدخل إلى رقادة وقدم بين يديه عروبة بن يوسف وحسن بن أبي خنزير فساروا وأمّنوا الناس. وخرج أهل القيروان للقاء أبي عَبْد الله فأكرمهم وأمّنهم، ودخل رقادة في رجب سنة ست وتسعين، ونزل قصورها، وفرّق دورها على كتامة، ونادى بالأمان. وتراجع الناس فأخرج العمال، وطلب أهل الشر فهربوا، وجمع أموال زيادة الله وسلاحه وأمر بحفظها وبحفظ جواريه، واستأذنه الخطباء لمن يخطبون فلم يعيّن لهم أحداً. ونقش على السكة من أحد الوجهين بلغت حجة الله، ومن الآخر تفرّق أعداء الله، وعلى السلاح عدة في سبيل الله، ورسم أفخاذ الخيل بالملك لله.

بيعة المهدي بسجلماسة:

ولما ملك أبو عَبْد الله أفريقية لقيه أخوه أبو العباس منطلقاً من اعتقاله، فاستخلفه عليها وترك معه أبا زاكي تمام بن معارك من قواد كتامة. وسار إلى المغرب ففرق القبائل من طريقه، وخافته زناتة فدخلوا في طاعته. ولما قرب من سجلماسةأرسل إلى المهدي بمحبسه يسأله عن حاله فأنكر، ثم سأل ولده كذلك فأنكر، وضرب رجاله فانكروا، ونمي الخبر إلى أبي عَبْد الله فخشي عليهم، وأرسل إلى أليسع يتلطفه فقتل الرسل فأغذ أبو عبد الله السير وحاصره يومأ، وهرب أليسع من الليل هو وأصحابه وبنو عمه ، وخرج أهل البلد إلى أبي عَبْد الله فجاء إلى مجلس المهدي فأخرجه هو وابنه أبا القاسم، وأركبهما ومشى مع رؤساء القبائل بين يديهما وهو يقول: هذا مولاكم ويبكي من شدة الفرح، ثم أنزله بالمخيم وبعث في أثر أليسع فجيء به فجلد، ثم قتل، وأقام بسجلماسة أربعين يوماً ورجع إلى أفريقية، ووصل إلى رقادة في ربيع من سنة ست وتسعين، وجدد البيعة للمهدي واستولى على ملك بني الأغلب بأفريقية. وملك مدرار سجلماسة، ونزل برقادة، وتلقّب بالمهدي أمير المؤمنين. وبعث دعاته في الناس فحملوهم على مذهبهم، فأجابوا إلا قليلاً عرض عليهم السيف، وقسم الأموال والجواري في رجال كُتامة، وأقطعهم الأموال والأعمال، ودوّن الدواوين وجبى الأموال، وبعث العمال على البلاد. فبعث على صقلية الحسن بن أحمد بن أبي خنزير فوصل إلى مازر في عيد الأضحى من سنة تسع وتسعين، فاستقضى بها إسحاق بن المنهال، وأجاز البحر سنة ثمان وتسعين إلى بسط قلورية، فأثخن فيها وعاد وثار به أهل صقلية سنة تسع وتسعين فحبسوه واعتذروا إلى المهدي لسوء سيرته، فعذرهم وولّى عليهم علي بن عمر البلويّ فوصل إليهم خاتمة السنة المذكورة”.

وجاء في “تاريخ ابن خلدونالمجلد الرابع حول الدولة العبيدية قوله:

” وأولهم عبيد الله المهدي بن محمد الحبيب بن جعفر الصادق بن محمد المكتوم بن جعفر الصادق ولا عبرة بمن أنكر هذا النسب من أهل القيروان وغيرهم وبالمحضر الذي ثبت ببغداد أيام القادر بالطعن في نسبهم، وشهد فيه أعلام الائمة. وقد مرّ ذكرهم فإن كتاب المعتضد إلى ابن الأغلب بالقيروان، وابن مدرار بسجلماسة، يغريهم بالقبض عليه لمّا سار إلى المغرب شاهد بصحّة نسبهم. وشعر الشريف الرضيّ مسجّل بذلك. والذين شهدوا في المحضر فشهادتهم على السماع، وهي ما علمت. وقد كان نسبهم ببغداد منكرا عند أعدائهم شيعة بني العباس منذ مائة سنة، فتلّون الناس بمذهب أهل الدولة، وجاءت شهادة عليه مع أنها شهادة على النفي، ميم أنّ طبيعة الوجود في الانقياد إليهم، وظهور كلمتهم حتى في مكة والمدينة أدل شيء على صحة نسبهم.

وأما من يجعل نسبهم في اليهودية والنصرانية ليعمون القدح وغيره فكفاه ذلك إثماً وسفسفة. وكان شيعة هؤلاء العبيديين بالمشرق واليمن وأفريقية. وكان أصل ظهورهم بأفريقية دخول الحلواني وأبي سفيان من شيعتهم إليها أنفذهما جعفر الصادق، وقال لهما بالمغرب أرض بور فاذهبا واحرثاها حتى يجيء صاحب البذر فنزل أحدهما ببلد مراغة، والآخر ببلد سوف جمار وكلاهما من أرض كتامة ففشت هذه الدعوة في تلك النواحي، وكان محمد الحبيب ينزل سلمية من أرض حمص، وكان شيعتهم يتعاهدونه بالزيارة إذا زاروا قبر الحسين، فجاء محمد بن الفضل من عدن لاعة من اليمن لزيارة محمد الحبيب، فبعث معه رستم بن الحسن بن حوشب من أصحابه لإقامة دعوته باليمن، وأنّ المهدي خارج في هذا الوقت، فسار وأظهر الدعوة للمهدي من آل محمد بنعوته . المعروفة عندهم، واستولى على أكثر اليمن، وتّسمى بالمنصور، وابتنى حصناً بجبل لاعة.

وملك صنعاء من بني يعفر، وفرّق الدعاة في اليمن واليمامة والبحرين والسند والهند ومصر والمغرب. وكان أبو عبد الله الحسين بن محمد بن زكريا المعروف بالمحتسب، وكان محتسباً بالبصرة، وقيل أنما المحتسب أخوه أبو العباس المخطوم وأبو عبد الله. هذا يعرف بالمعلم لأنه كان يعلم مذهب الإمامية، فاتصل أبو عبد الله بمحمد الحبيب، ورأى ما فيه من الاهليّة فأرسله إلى ابن حوشب باليمن ليأخذ عنه، ثم يذهب إلى المغرب، يقصد بلد كتامة فيظهر بينهم الدعوة. فجاء أبو عبد الله إلى ابن حوشب ولزمه، وشهد مجالسه، وأفاد علمه.

ثم خرج مع حاج اليمن إلى مكة فلقي بالموسم رجالات كتامة ورؤساءهم، وفيهم من القي الحلواني وابن بكّار واخذوا عنهما فقصدهم أبو عبد الله في رحالهم، وكان منهم موسى بن حريث كبير بني سكان من جملة أحد شعوبهم وأبو القاسم الورنجومي من أحلافهم، ومسعود بن عيسى بن ملال المساكتي، وموسى بن تكاد فجلس إليهم وسمعوا منه مذاهبهم، ورأوا ما هو عليه من العبادة والزهد فعلق ببقلوبهم، وصار يتعهدهم في رحالهم فاغتبطوا به واغتبط بهم. ولما أرادوا الرحلة إلى بلادهم سألوه الصحبة فوافقهم طاوياً وجه مذهبه عنهم، بعد أن سألهم عن قومهم وعصابتهم وبلادهم وملكة السلطان فيهم فكشفوا له علم ذلك وأنهم أنما يعطون السلطان طاعة معروفة فاستيقن تمام أمره فيهم، وخرج معهم إلى المغرب، وسلكوا طريق الصحراء، وعدلوا عن القيروان إلى أن وصلوا بلد سوماثة، وبها محمد بن حمدون بن سماك الاندلسيّ من بجاية الأندلس نزيلا عندهم، وكان قد أدرك الحلواني وأخذ عنه. فنزل أبو عبد الله الشيعي عليه فاكرمه، وفاوضه، وتفرس ابن حمدون فيه أنه صاحب الدولة.

ثم ارتحلوا وصحبهم ابن حمدون، ودخلوا بلد كتامة منتصف ربيع سنة ثمان وثمانين ومائتين فنزل على موسى بن حريث ببلده انكجان في بلد بني سكتان من جبيلة، وعين له مكان منزله بفج الأخيار، وأن النص عنده من المهدي بذلك، وبهجرة المهدي، وأن أنصار الأخيار من أهل زمانه، وأن إسمهم مشتق من الكتمان. واجتمع إليه الكثير من أهل كتامة، ولقي علماءهم واشتمل عليه الكثير من أهوائهم فجاهر بمذهبه، وأعلن بإمامة أهل البيت، دعا للرضا من آل محمد، واتبعه أكثر كتامة، وكانوا يسمّونه بأبي عبد الله الشيعي والمشرقيّ. وبلغ خبره إلى أمير إفريقية إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، فبعث إليه بالتهديد والوعيد، فأساء الرد عليه، وخاف رؤساء كتامة عادية ابن الأغلب، وأغراهم عمال بلادهم بالشيعي، مثل موسى بن عياش صاحب مسيلة، وعليّ بن حفص بن عسلوجة صاحب سريف. وجاء ابن تميم صاحب يلزمة فاجتمعوا وتفاوضوا في شأنه، وحضريحى المساكتي وكان يدعى الأمير، ومهديّ بن أبي كمارة رئيس لهيعة، وفرج بن حيران رئيس أجانة، وثمل بن بحل رئيس لطانة. وراسلوا بيان بن صفلان رئيس بني سكتان، وأبو عبد الله الشيعي عندهم بجبل ايكجان، في أن يسلمه إليهم أو يخرجه من بلدهم، وحذروه عاقبة أمره فردّ أمره إلى أهل العلم، فجاؤوا بالعلماء وهمّوا باغتياله فلم يتم لهم ذلك، وأطبقت بجيلة على مظاهرته فهزموا هؤلاء المثيرين عليه وردّوهم خائبين.

ثم راجعوا بيات بن صقلاب في أمره ولاطفوه حتى صفا إليهم، وشعر بذلك أبو عبد الله الشيعيّ وأصحابه، فبعثوا إلى الحسن بن هارون الغسّاني يسألونه الهجرة إليهم فأجابهم، ولحق ببلدة تازروت من بلادهم واجتمعت غسّان لنصرته مع بطون كتامة الذين بايعوه من قبل، فاعتز وامتنع وعظم أمره. ثم انتفض على الحسن بن هارون أخوه محمد منافسة له في الرياسة، وكان صديقاً لمهدي بن أبي كمارة فداخله في التثريب على أبي عبد الله، وعظمت الفتنة بين لهيعة وغسّان، وولّى أبو عبد الله الشيعي الحسن بن هارون على حروبه، وظهر بعد أن كان مختفياً.

وكان لمهدي بن أبي كمارة شيخ لهيعة إخ اسمه أبو مديني، وكان من أحباب أبي عبد الله فقتل اخاه مهديا ورأس على لهيعة مكانه فصاروا جميعاً إلى ولاية أبي عبد الله وأبي مديني شيخهم.

ثم تجمعت كتامة لحرب الشيعي وأصحابه، ونازلوه بمكانه من تازروت، وبعث الشيعي سهل بن فوكاش إلى فحل بن نوح رئيس لطانة، وكان صهره، لينجد له عن حربهم في السلم فمشى إلى كتامة، وأبوا إلأ أن يناجزوهم الحرب، فغلبهم أبو عبد الله وأصحابه، وانهزمت كتامة وابلى عروبة بن يوسف الملوشي في ذلك اليوم بلاءً حسناً، واجتمعت إلى أبي عبد الله غسانّ كلها ويلزمة ولهيعة وعامّة بجاية ورئيسهم يومئذ ماكنون بن ضبارة وأبو زاكي تمام بن معارك. ولحق بجيلة من بجاية فرج بن خيران، ويوسف بن محمد من لطانة، وفحل بن نوح، واستقام أمر الباقي للشيعي وجمع فتح بن يحمى من أطاعه من قومه مسالمة لحرب الشيعي فسار إليهم وأوقع بهم، ولحق فلهم بسطيف.

ثم استأمنوا إليه فأمنهم ودخلوا في أمره، وولّى منهم هارون بن يونس على حروبه، ولحق رئيسهم فتح بن يحيى بعجيسة، وجمع ثانية لحربه الشيعي فسار إليه ومعه جموع كتامة، وتحصّن منه فتح ببعض قلاعهم فحاصره الشيعي وفتحها، واجتمعت إليه عجيسة وزواوة وجميع قبائل كتامة، ورجع إلى تازروت وبثّ دعاته في كل ناحية فدخل الناس في أمره طوعا وكرها. ولحق فتح بن يحى بالأمير إبراهيم بن احمد بتونس، واستحثه لحرب الشيعي. ثم فتح أبو عبد الله مساكتة بمداخلة بعض أهلها، وقتل صاحبها موسى بن عيّاش وولّى عليها ماكنون بن ضبارة الجاي وهو أبو يوسف ولحق إبراهيم بن موسى بن عيّاش بأبي العبّاس إبراهيم بن الاغلب بتونس، بعد خروج أبيه إلى صقلية. وكان فتح بن يحيى المساكتي قد نزع إليه من قبل ذلك، ووعده المظاهرة فجهز العساكر، وعقد عليها لابنه أبي خوال، وزحف من تونس سنة تسع وثمانين فدوّخ كتامة، ثم صمد إلى تازروت فلقيه أبو عبد الله الشيعي في جموعه ببلد ملوسة فهزمهم أبو خوال، وفرّ الشيعي من قصر تازروت إلى ايكجان فامتنع بها، فهدم أبو خوال القصر، واتبعه. وتوغل أبو خوال في بلاد كتامة فاضطرب أمره، وتوقع البيات.

وسار إبراهيم بن موسى بن عيّاش من عسكر أبي خوال إلى نواحي مسيلة يتجسّس الاخبار فتواقع مع طائفة من أصحاب الشيعي فهزموه، واتبعوه إلى المعسكر فاضطرب، وأجفل أبو خوال، وخرج من بلاد كتامة، واستوطن أبو عبد الله ايكجان، وبنى بها بلدا وسمّاها دار الهجرة. واستبصر الناس في امره، ودخلوا في دعوته. ثم هلك الحسن بن هارون، وجهز أبو العباس العساكر ثانية مع ابنه أبي خوال، ورده لحرب الشيعي وكتامة فسار في بلادهم، ورجع منهزماً، وأقام قريباً منهم يدافعهم، ويمنعهم من التقدم. وفي خلال ذلك هلك إبراهيم بن أحمد بن الاغلب، وقتل ابنه أبو العبّاس، وقام بالامر ابنه زيادة الله فاستدعى اخاه أبا خوال وقتله، وانتقل من تونس إلى وقادة، وانهمك في لذاته، وانتشرت جيوش الشيعي في البلاد، وعلا أمره وبشّرهم بأنّ المهدي قرب ظهوره فكان كما قال.

وصول المهدي إلى المغرب واعتقاله بسجلماسة ثم خروجه من الاعتقال وبيعته

 ولما توفي محمد الحبيب بن جعفر بن محمد بن إسمعيل الإمام، عهد إلى ابنه عبيد الله وقال له: أنت المهدي وتهاجر بعدي هجرة بغيدة، وتلقى محنا شديدة. واتصل خبره بسائر دعاته في إفريقية واليمن، وبعث إليه أبو عبد الله رجالا من كتامة يخبرونه بما فتح الله عليهم، وانهم في انتظاره. وشاع خبره، واتصل بّالعباسيّين ،فطلبه المكتفي ففر، من أرض الشام إلى العراق. ثم لحق بمصر ومعه ابنه أبو القاسم غلاما حدثا وخاصته ومواليه، بعد أن كان أراد قصد اليمن فبلغه ما أحدث بها عليّ بن الفضل من بعد ابن حوشب، وانه أساء السيرة فانثنى عن ذلك، واعتزم على اللحاق بابي عبد الله الشيعي بالمغرب فارتحل من مصر إلى الإسكندرية، ثم خرج من الإسكندرية في زي التجّار. وجاء كتاب المكتفي إلى عامل مصر، وهو يومئذ عيسى النوشري بخبرهم، والقعود لهم بالمراصد، وكتب نعته وحليته فسرح في طلبهم حتى وقف عليهم، وامتحن أحوالهم فلم بقف على اليقين في شيء منها فخلى سبيلهم.

وجدّ المهدي في السير، وكان له كتب في الملاحم منقولة عن آبائه سرقت من رحله في طريقه، فيقال إن ابنه أبا القاسم استردّها من برقة حين زحف إلى مصر، ولما انتهى إلى طرابلس وفارقه التجّار أهل الرفقة بعث معهم أبا العباس أخا أبي عبد الله الشيعي إلى أخيه بكتامة، ومرّ بالقيروان، وقد سبق خبرهم إلى زيادة الله، وهو يسأل عنهم فقبض على أبي العباس، وساءله فانكر فحبسه. وكتب إلى عامل طرابلس بالقبض على المهدي ففاته، وسار إلى قسنطينة. ثم عدل عنها خشية على ابم العبّاس، أخي الشيعي المعتقل بالقيروان فذهب إلى سجلماسة، وبها اليسع بن مدرار فأكرمه.

ثم جاء كتاب زيادة الله، ويقال كتاب المكتفي بأنه المهدي الذي داعيته في كتامة فحبسه اليسع، ثم إن أبا عبد الله الشيعي بعد مهلك أبي خوال الذي كان مضايقاً لهم اجتمعت إليه سائركتامة، وزحف إلى سطيف فحاصرها مدة، وكان بها علي بن جعفر بن عسكوجة صاحبها، وأخوه أبو حبيب فملكها وكان بها ايضا داود بن جاثة من كبار لهيعة، لحق بها فيمن لحق من وجوه كتامة فقام بها من بعد علي وأخيه، واستأمن أهل سطيف فأمّنهم أبو عبد الله ودخلها فهدمها، وجهز زيادة الله العساكر إلى كتامة مع قريبه إبراهيم بن حشيش، وكانوا أربعين ألفا فانتهى إلى قسنطينة، فأقام بها وهم متحصنون بجبلهم. ثم زحف إليهم وواقعهم عند مدينة يلزمة فانهزم إلى باغاية، ولحق بالقيروان. وكتب الشيعي بالفتح إلى المهدي مع رجال من كتامة، اخفوا أنفسهم حتى وصلوا إليه وعرّفوه بالخبر. ثم زحف الشيعي إلى طبنة فحاصرها وقتل فتح بن يحيى المساكتي، ثم افتتحها على الأمان. ثم زحف إلى يلزمة فملكها عنوة.

وجهّز زيادة الله العساكر مع هارون الطبني عامل باغاية فانتهوا إلى مدينة أزمول، وكانوا في طاعة الشيعي فهدمها هارون وقتل أهلها، وزحف إليه عروبة بن يوسف من أصحاب الشيعي فهزمه وقتله. ثم فتح الشيعي مدينة ينجبت كلّها على يد يوسّف الغساني، ولحق عسكرها بالقيروان. وشاع عن الشيعي وفاؤه بالأمان فافنه الناس، وكثر الارجاف بزيادة الله فجهز العساكر وأزاح العلل، وأنفق ما في خزائنه وذخائره، وخرج بنفسه سنة خمس وتسعين، ونزل الأريس.

ثم حاد عن اللقاء، وأشار عليه أصحابه بالرجوع إلى القيروان، ليكون ردءاً للعساكر فرجع، وقدم على العساكر إبراهيم بن أبي الأغلب من قرابته، وأمره بالمقام هنالك. ثم زحف الشيعي إلى باغاية فهرب عاملها وملكها صلحاً، وبعث إلى مدينة قرطاجنة فافتتحها عنوة، وقتل عاملها، وسرح عساكره في إفريقية فردّدوا فيها الغارات على قبائل البربر من نفزة وغيرهم. ثم استأمن إليه أهل تيفاش فأمّنهم، واستعمل عليهم صواب بن أبي القاسم السكتاني فجاء إبراهيم بن الأغلب واقتحمها عليه. ثم نهض الشيعي في احتفال من العساكر إلى باغاية، ثم إلى سكتانة، ثم إلى تبسة ففتحها كفها على الأمان. ثم إلى القصرين من قمودة فأمّن أهلها وأطاعوه، وسار يريد رقادة فخشي إبراهيم بن أبي الأغلب على زيادة الله لقلة عسكره، فنهض إلى الشيعي واعترضه في عساكره واقتتلوا، ثم تحاجزوا، ورجع الشيعي إلى ايكجان، وإبراهيم إلى الأريس.

ثم سار الشيعي ثانية بعساكره إلى قسنطينة فحاصرها، واقتحمها على الأمان، ثم إلى قفصة كذلك، ثم رجع إلى باغاية فأنزل بها عسكراً مع أبي مكدولة الجيلي. ثم سار إلى إيكجان، وخالفه إبراهيم إلى باغاية، وبلغ الخبر إلى الشيعي فسرح لقتاله أبا مديني بن فروخ اللهيمي، ومعه عروبة بن يوسف الملوشي، ورجاء بن أبي قنة في اثني عشر ألفاً فقاتلوا ابن أبي الاغلب، ومنعوه من باغاية فرحل عنها، واتبعوه إلى فجّ العرعر ورجعوا عنه. ثم زحف أبو عبد الله الشيعي سنة ست وتسعين في مائتي الف من العساكر إلى إبراهيم بن أبي الاغلب بالاريس. ثم اقتتلوا أياما، ثم انهزم إبراهيم، واستبيح عسكره، وفرّ إلى القيروان، ودخل الشيعي الأريس فاستباحها، ثم سار فنزل قمودة، واتصل الخبر بزيادة الله وهو برقادة ففرّ إلى المشرق، ونهبت قصوره. وافترق أهل رقادة إلى القيروان وسوسة. ولما وصل إبراهيم بن أبي الاغلب إلى القيروان نزل قصر الإمارة، وجمع الناس، وأرادهم على البيعة له على أن يعينوه بالاموال فاعتدوا، وتصايحت به العامّة ففر عنها، ولحق بصاحبه. وبلغ أبا عبد الله الشيعي خبر فرارهم بسبيبة فقدّم إلى رقادة، وقدم بين يديه عروبة بن يوسف وحسن بن أبي خنزير فساروا، وأمّنوا الناس، وجاء على أثرهم.

وخرج أهل رقادة والقيروان للقائه فأفمّهم وأكرمهم، ودخل رقادرة في رجب سنة ست وتسعين، ونزل قصرها، وأطلق أخاه أبا العبّاس من الاعتقال ونادى بالأمان فتراجع الناس، وفر العمّال في النواحي. وطلب أهل القيروان فهربوا، وقسّم دور البلد، على كتامة فسكنوها، وجمع أموال زيادة الله وسلاحه فأمر بحفظها وحفظ جواريه، واستأذنه الخطباء لمن يخطبون فلم يعين أحداً. ونقش على السكة من أحد الوجهين بلغت حجة الله، ومن الآخرّ تفرق أعداء الله، وعلى السلاح عدة في سبيل الله، وفي وسم الخيل، الملك لله. ثم ارتحل إلى سجلماسة في طلب المهدي، واستخلف على إفريقية أخاه أبا العبّاس، وترك معه أبا زاكي تمام بن معارك الألجائي، واهتزّ المغرب لخروجه، وفرت زناتة من طريقه. ثم بعثوا إليه بالطاعة فقبلهم، وأرسل إلى اليسع بن مدرار صاحب سجلماسة يتلطفه فقتل الرسل، وخرج للقائه. فلمّا تراءى الجمعان انفض معسكره، وهرب هو وأصحابه وخرج أهل البلد من الغد للشيعي، وجاؤوا معه إلى محبس المهدي وابنه فأخرجهما وبايع للمهدي، ومشى للمهدي، ومشى مع رؤساء القبائل بين أيديهما وهو يبكي من الفرح ويقول: هذا مولاكم، حتى أنزله بالمخّيم، وبعث في طلب اليسع فأدرك ،وجيء به فقتل، وأقاموا بسجلماسة اربعين يوماً، ثم ارتحلوا إلى إفريقية، ومروا بأيكجان، فسلم الشيعي ما كان بها من الاموال للمهدي.

ثم نزلوا رقادة في ربيع سبع وتسعين، وحضر أهل القيروان، وبويع للمهدي البيعة العامة، واستقام أمره، وبث دعاته في الناس فأجابوا إلا قليلا عرض عليهم السيف، وقسم الأموال والجواري في رجال كتامة، واقطعهم الأعمال، ودوّن الدواوين وجبى الأموال، وبعث العفال على البلاد فبعث على طرابلس ماكنون بن ضبارة الألجائي، وعلى صقلية الحسن بن احمد بن أبي خنزير، فسار إليها ونزل البحر، ونزل مازر في عيد الأضحى من سنة سبع وتسعين، فاستقضى إسحاق بن المنهال، وولّى اخاه على كريت. ثم أجاز البحر سنة ثمان وتسعين إلي العدوة الشمالية، ونزل بسيط قلورية من بلاد الافرنج فاثخن فيها، ورجع إلى صقلّية فاساء السيرة في أهلها فثاروا به وحبسوه، وكتبوا إلى المهدي فقبل عذرهم، وولّى عليهم مكانه علي بن عمر البلويّ فوصل خاتم تسع وتسعين.

مقتل أبي عبل الله الشيعي وأخيه:

لما استقام سلطان عبيد الله المهدي بإفريقية استبدّ بأمره، وكفح أبا عبد الله الشيعي واخاه أبا العبّاس عن الاستبداد عليه، والتحكم في أمره فعظم ذلك عليهما، وصرّح أبو العبّاس بما في نفسه فنهاه أخوه أبو عبد الله عن ذلك فلم يصر إليه. ثم استماله أبو العباس لمثل رأيه فأجابه، وبلغ ذلك إلى المهدّي فلم يصدقه. ثم نهى أبا عبد الله عن مباشرة الناس، وقال إنه مفسد للهيبة فتلطّف في ردّه ولم يجبه إليه ففسدت النية بينهما، واستفسدوا كتامة وأغروهم به وذكروهم بما اخذه من أموال أيكجان، واستأثر به دونهم وألقوا اليهم ان هذا ليس هو الإمام المعصوم الذي دعونا إليه، حتى بعث إلى المهدي رجل كان في كتامة يعرف بشيخ المشايخ، وقال له :جئنا بآية على أمرك فقد شككنا فيك، فقتله المهدي، ثم عظمت استرابتهم واتفقوا على قتل المهدي، وداخلهم في ذلك أبو زاكي تمام بن معارك، وغيره من قبائل كتامة.

ونمي الخبر إلى المهدي فتلطفّ في أمرهم وولّى من داخلهم من قّواد كتامة على البلاد، فبعث تمام بن معارك على طرابلس، وبعث إلى عاملها ماكنون بقتله، فقتله عند وصوله. ثم اتهم المهدي ابن الغريم بمداخلتهم، وكان من أصحاب زيادة الله فأمر بقتله واستصفاء أمواله، وكان أكثرها لزيادة الله. ثم إنّ المهدي استدعى عروبة بن يوسف، وأخاه حباسة، وأمرهما بقتل الشيعي وأخيه فوقفا لهما عند القصر، وحمل عروبة على أبي عبد الله فقال له: لا تفعل! فقال :الذي أمرتنا بطاعته أمرنا بقتلك! ثم أجهز عليهما في نصف جمادى سنة ثمان وتسعين. ويقال إن المهدي صلىّ على أبي عبد الله وترحم عليه، وعلم أن الذي حمله على ذلك اغراء أبي العبّاس أخيه، وثارت فتنة بسبب قتلهما من أصحابهما فركب المهدي وسكنها. ثم ثارت فتنة أخرى بين كتامة وأهل القيروان، وفشا القتل فيهم فركب المهدي وسكّنها، وكف الدعاة عن طلب التشيع من العامة، وقتل جماعة من بني الأغلب برقادة لما رجعوا إليها بعد زيادة الله.

بقية أخبار المهدي بعد الشيعي:

ولما استقام أمر المهدي بعد الشيعي، جعل ولاية عهده لابنه أبي القسم نزار، وولى على برقة وما إليها حباسة بن يوسف. وعلى المغرب أخاه عروبة، وأنزله باغاية فسار إلى تاهرت فاقتحمها، وولّى عليها دواس بن صولات اللهيص. ثم انتقضت عليه كتامة بقتله أبا عبد الله الشيعي، ونصبوا طفلاً لقبوه المهدي، وزعموا أنه نبيّ، وأن أبا عبد الله الشيعي لم يمت فجهز ابنهّ أبا القاسم لحربهم فقاتلهم وهزمهم، وقتل الطفل الذي نصبوه، وأثخن فيهم ورجع ثم انتقض أهل طرابلس سنة ثلاثمائة وأخرجوا عاملهم ماكنون فبعث إليهم ابنه أبا القاسم فحاصرها طويلاً، ثم فتحها وأثخن فيهم وأغرمهم ثلاثمائة ألف دينار. ثم أغزى ابنه أبا القاسم وجموعه كتامة سنة إحدى وثلاثمائة إلى الإسكندرية ومصر، وبعث أسطوله في البحر في مائتين من المراكب، وشحنها بالإمداد، وعقد عليها لحباسة بن يوسف، وسارت العساكر فملكوا برقة ثم الإسكندرية والفيوم.

وبعث المقتدر العساكر من بغداد مع سبكتكين ومؤنس الخادم فتواقعوا مّرات، وأجلاهم عن مصر فرجعوا إلى المغرب. ثم عاد حباسة في العساكر في البحر سنة اثنتين إلى الإسكندرية فملكها، وسار يريد مصر فجاء مؤنس الخادم من بغداد لمحاربته فتواقعوا مّرات، وكان الظهور آخراً لمؤنس، وقتل من أصحابه نحو من سبعة آلاف. وانصرف إلى المغرب فقتله المهدي وانتقض لذلك أخوه عروبة بالمغرب، واجتمع إليه خلق كثير من كتامة والبربر. وسرح إليهم المهدي مولاه غالبا في العساكر فهزمهم، وقتل عروبة وبني عمه في أمم لا تحصى. ثم انتقض أهل صقلية وتقبضوا على عاملهم عليّ بن عمرو، وولوا عليهم أحمد بن قهرب فدعا للمقتدار العبّاسي، وذلك سنة أربع وثلاثمائة، وخلع طاعة المهديّ وجهز إليه الأسطول مع الحسن بن أبي خنزير فلقيه أسطول بن قهرب فغلبه، وقتل ابن أبي خنزير.

ثم راجع أهل صقلية أمرهم وكاتبوا المهدي وثاروا بابن قهرب فخلعوه، وبعثوا به إلى المهدي فقتله على قبر ابن أبي خنزير، وولّى على صقلية علي بن موسى بن أحمد، وبعث معه عساكركتامة، ثم اعتزم المهدي على بناء مدينة على ساحل البحر يتخّذها معصماً لاهل بيته لما كان يتوقعه على الدولة من الخوارج.

(ويحكى عنه) أنه قال: بنيتها لتعتصم بها الفواطم ساعة من نهار، وأراهم موقف صاحب الحمار بساحتها فخرج بنفسه يرتاد موضعاً لبنّائها، ومربتونس وقرطاجنة حتى وقف على مكانها جزيرة متصلة بالبر كصورة كف اتصلت بزند، فاختطّ المهدية بها، وجعلها دار ملكه، وأدار بها سوراً محكماً، وجعل لها أبواباً من الحديد وزن كل مصراع مائة قنطار، وابتدأ ببنائها آخر سنة ثلاث. ولما ارتفع السور رمى من فوقه بسهم إلى ناحية المغرب، ونظر إلى منتهاه وقال: إلى هذا الموضع يصل صاحب الحمار يعني أبا يزيد. ثم أمر أن يبحث في الجبل لإنشاء السفن تسعمائة سفين، وبحث في أرضها أهراء للطعام ومصانع للماء، وبنى فيها القصور والدور فكملت سنة ست، ولما فرغ منها قال :اليوم أمنت على الفواطم.

ثم جهز إبنه أبا القاسم بالعساكر إلى مصر مرّة ثانية سنة سبع وثلاثمائة فملك الإسكندرية، ثم سار فملك الجيزة والاشمونين وكثيراً من الصعيد. وكتب إلى أهل مكة بطلب الطاعة فلم يجيبوا إليها، وبعث المقتدر مؤنساً الخادم في العساكر وكانت بينه وبين أبي القاسم عدة وقعات ظهر فيها مؤنس، وأصاب عسكر أبي القاسم الجهد من الغلاء والوباء فرجع إلى إفريقية، وكانت مراكبهم قد وصلت من المهدّية إلى الإسكندرية في ثمانين اسطولاً مدداً لأبي القاسم، وعليها سليمان الخادم ويعقوب الكتامي، وكانا شجاعين، وسار الأسطول من طرسوس للقائهم في خمسة وعشرين مركباً والتقوا على رشيد وظفرت مراكب طرسوس، واحرقوا وأسروا سليمان ويعقوب فمات سليمان في حبس مصر، وهرب يعقوب من حبس بغداد إلى إفريقية.

ثم اغزى المهدي سنة ثمان مضالة بن حبوس في رجالات مكناسة إلى بلاد المغرب، فأوقع بملك فاس من الأدارسة، وهو يحيى بن إدريس بن إدريس بن عمرو، واستنزله عن سلطانه إلى طاعة المهدي فأعطى بها صفقته، وعقد لموسى بن أبي العافية المكناسى من رجالات قومه على أعمال المغرب ورجع. ثم عاود غزو المغرب سنة تسع فدوخّه ومهد جوانبه، وأغراه قريبه عامل المغرب موسى بن أبي العافية بيحيى بن إدريس صاحب فاس، فتقبّض عليه، وضم فاس إلى أعمال موسى، ومحا دعوة الإدريسيّة من المغرب، وأجهضهم عن أعماله فتحيزوا إلى بلاد الريف وغمارة واستجدّوا بها ولاية كما نذكره في أخبار غمارة.

ومنهم كان بنو حمود العلويون المستولون على قرطبة عند انقراض ملك الأمويين في سنة ثلاث وأربعمائة، كما نذكر هنالك ثم صمد مضالة إلى بلاد سجلماسة فقتل أميرها من آل مدرار المكناسيين المنحرف عن طاعة الشيعة، وعقد لابنّ عمه كما نذكر في أخبارهم. وسار في أتباعه زناتة في نواحي المغرب فكانت بينه وبينهم حروب، هلك مضالة في بعضها على يد محمد بن خرز. واضطرب المغرب فبعث المهدي ابنه أبا القاسم غازيا إلى المغرب في عساكره كتامة وأولياء الشيعة سنة خمس عشرة وثلاثمائة ففرّ محمد بن خزر، وأصحابه إلى الرمال.  وفتح أبو القاسم بلد مزاتة ومطماطة وهوّارة وسائر الإباضيّة والصفريّة ونواحي تاهرت قاعدة المغرب الأوسط إلى ما وراءها ثم عاج إلى الريف فافتتح بلد لكور من ساحل المغرب الأوسط. ونازل صاحب جراوة من آل إدريس وهو الحسن بن أبي العيش، وضيّق عليه ودوخ أقطار المغرب، ورجع ولم يلق كيداً. ومر بمكان بلد المسيلة وبها بنو كملان من هوّارة، وكان يتوقع منهم الفتنة فنقلهم إلى فجّ القيروان، وقضى الله أن يكونوا أولياء لصاحب الحمار عند خروجه. ولما نقلهم أمر ببناء المسيلة في بلدهم وسمّاها المحمّديّة، ودفع علي بن حمدون الاندلسي من صنائع دولتهم إلى بنائها، وعقد له عليها وعلى الزاب بعد اختطاطها فبناها وحصّنها وشحنها بالأقوات ،فكانت مددا للمنصور في حصار صاحب الحمار كما يذكر.

ثم انتقض موسى بن أبي العافية عامل فاس والمغرب، وخلع طاعة الشيعة، وانحرف إلى الأمويّة من وراء البحر، وبثّ دعوتهم في أقطار المغرب فنهض إليه أحمد ابن بصلين المكناسيّ قائد المهدي، وسار في العساكر فلقيه ميسور وهزمه، وأوقع به وبقومه بمكناسة، وأزعجه عن الغرب إلى الصحارى وأطراف البلاد، ودوّخ المغرب، وثقف أطرافه ورجع ظافراً.

وفاة عبيد الله المهدي وولاية ابنه أبي القاسم

ثم توفي عبيد الله في ربيع سنة اثنتين وعشرين، لاربع وعشرين سنة من خلافته، وولّي ابنه أبو القاسم محمد، ويقال نزار بعده، ولقب القائم بأمر الله فعظم حزنه على أبيه حتى يقال أنه لم يركب سائر أيامه إلاًمرتين، وكثر عليه الثوّار. وثار بجهات طرابلس ابن طالوت القرشي، وزعم أنه ابن المهدي، وحاصر طرابلس. ثم ظهر للبربر كذبه فقتلوه. ثم أغزى المغرب وملكه، وولّى على فاس أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذابي، وحاصرا الأدارسة ملوك الريف وغوارة فنهض ميسور الخصيّ من القيروان في العساكر، ودخل المغرب، وحاصر فاس، واستنزل عاملها أحمد بن بكر. ثم نهض في اتباع موسى فكانت بينهما حروب، وأخذ الثوري بن موسى في بعضها أسيراً، وأجلاه ميسور عن المغرب، وظاهره عليه الأدارسة الذين بالريف، وانقلب ميسورا إلى القيروان سنة أربع وعشرين، وعقد للقاسم بن محمد كبير أدارسة الريف من ولد محمد بن إدريس على أعمال بن أبي العافية، وما يفتحه من البلاد فملك المغرب كلها ما عدا فاس، واقام دعوة الشيعة بسائر أعماله. ثم جهّز أبو القاسم اسطولًا ضخماً لغزو ساحل الإفرنجة، وعقد عليه ليقرب بن إسحاق فأثخن في بلاد الإفرنجة، وسبى ونازل بلد جنوة وافتتحها، وعظم صنع الله في شأنها، ومروا بسردانية من جزر الفرنج فأثخنوا فيها. ثم مروا بقرقيسا من سواحل الشام فاحرقوا مراكبها. ثم بعث عسكراً إلى مصر مع خادمه زيران فملكوا الإسكندرية، وجاءت عساكر الأخشيد من مصر فأزعجوهم عنها ورجعوا إلى المغرب.

أخبار أبي يزيد الخارجي

وهو أبو يزيد مخلد بن كيراد، وكان أبوه كيراد من أهل قسطيلة من مدائن بلد توزر، وكان يختلف إلى بلاد السودان بالتجارة وبها ولد ولده أبو يزيد ونشأ بتوزر. وتعلم القرآن وخالط النكاريّة من الخوارج، وهم الصفريّة فمال إلى مذهبهم، واخذ به ثم سافر إلى تاهرت، وأقام بها يعلّم الصبيان. ولما صار الشيعي إلى سجلماسة في طلب المهدي انتقل هو إلى تقيوس، واقام يعلم. فيها. وكان يذهب إلى تكبير أهل ملّته، واستباحة الاموال والدماء والخروج على السلطان. ثم اخذ نفسة بالحسبة على الناس، وتغيير المنكر بسنة ست عشرة وثلاثمائة فكثر أتباعه. ولمّا مات المهدي خرج بناحية جبل أوراس، وركب الحمار، وتلقّب بشيخ المؤمنين، ودعا للناصر صاحب الأندلس من بني أمّية فاتبعه أمم من البربر. وزحف إليه عامل باغاية فلقيه في جموع البربر وهزمه، وزحف إلى باغاية فحاصرها ثم انهزم عنها، وكتب إلى بني واسى من قبائل زناتة بضواحي قسنطينة يأمرهم بحصارها فحاصروها سنة ثلاث وثلاثين. ثم فتح تبسة صلحاً، ومجانة كذلك، وأهدى له رجل من أهل مرماجنة حمارا اشهبّ فكان يركبه وبه لقب. وكان يلبس جبة صوف قصيرة ضيّقة الكميّن.

وكان عسكر الكتاميين على الأريس فانفضوا، وملكها أبو يزيد واحرقها ونهبها، وتتل في الجامع من لجأ إليه، وبعث عسكراً إلى سبيبة ففتحها وقتل عاملها. وبلغ الخبر إلى القاسم فقال لا بدّ أن يبلغ المصلى من المهدية. ثم جهز العساكر وبعثها إلى رقادة والقيروان، وبعث خادمه ميسوراً الخصيّ لحربه وبعث عسكرا مع خادمه بشرى إلى باجة فنهض إليه أبو يزيد وهزمه إلى تونس، ودخل أبو يزيد باجة فنهبها وأحرقها، وقتل الأطفال وسبى النساء، واجتمع إليه قبائل البربر، واتخذ الأبنية والبيوت وآلات الحرب، وبعث إليه بشرى عسكراً من تونس. وبعث أبو يزيد للقائهم عسكراً آخر فانهزم أصحاب أبي يزيد وظفر أصحاب بشرى.

ثم ثار أهل تونس ببشرى فهرب فاستأمنوا لأبي يزيد فأمنّهم وولّى عليهم، وسار إلى القيروان، وبعث القائم خديمه بشرى للقائه وأمره أن يبعث من يتجسس عن أخباره فبعث طائفة، وبعث أبو يزيد طائفة أخرى فانهزم عسكر أبي يزيد، وقتل منهم أربعة آلاف، وجيء بأسراهم إلى المهديّة فقتلوا فسار أبو يزيد إلى قتال الكتاميّين فهزم طلائعهم، واتبعهم إلى القيروان، ونزل على رقادة في مائتي ألف مقاتل، وعاملها يومئذ خليل بن إسحاق، وهو ينتظر وصول ميسور بالعساكر، ثم ضايقه أبو يزيد وأغراه الناس بالخروج فخرج، وهزمه أبو يزيد فمضى إلى القيروان. ودخل أبو يزيد رقادة فعاث فيها وبعث أيوب الزويلي في عسكر إلى القيروان فملكها في صفر سنة ثلاث وثلاثين، ونهبها وأمن خليلاً فقتله أبو يزيد، وخرج إليه شيوخ أهل القيروان فأمنهم ورفع النهب عنهم وزحف ميسور إلى أبي يزيد، وكان معه أبو كملان فكاتبوا أبا يزيد، وداخلوه في الغدر بميسور، وكتب إليه القائم بذلك فحذّرهم فطردهم عنه. ولحقوا بأبي يزيد، وسار معه إلى ميسور فانهزم ميسور، وقتله بنو كملان وجاؤوا برأسه فاطافه بالقيروان، وبعث بالبشرى إلى البلاد.

وبلغت هزيمة ميسور إلى القائم بالمهدية فاستعد للحصار، وأمر بحفر الخنادق، وأقام أبو يزيد سبعين عاماً في مخيم ميسور، وبث السرايا في كل ناحية يغنمون ويعودون، وارسل سرية إلى سوسة ففتحوها عنوة واستباحوها، وخّرب عمران افريقية من سائر الضواحي، ولحق فلهم بالقيروان حفاة عراة. ومات أكثرهم جوعاً وعطشاً.

ثم بعث القائم إلى رؤساء كتامة والقبائل، وإلى زيري بن مناد ملك صنهاجة بالمسير إلى المهدية فتأهّبوا لذلك، وسمع أبو يزيد بخبرهم فنزل على خمسة فراسخ من المهدية، وبثّ السرايا في جهاتها، وسمع كتامة بافتراق عسكره في الغارة فخرجوا لبياته آخر جمادى الاول. وكان ابنه فضل قد جاء بالمدد من القيروان فبعثه للقاء كتامة، وركب في أثرهم، ولقي أصحابه منهزمين. ولما رآه الكتاميون انهزموا بغير قتال وأتبعهم أبو يزيد إلى باب المهدية ورجع. ثم جاء أيام لقتالهم فوقف على الخندق المحدث، وعليه جماعة من العبيد فقاتلهم ساعة، وهزمهم وجاوز السور إلى البحر، ووصل المصلى على رمية سهم من البلد، والبربر يقاتلون من الجانب الاخر. ثم حمل الكتاميون عليهم فهزموهم، وبلغ ذلك أبا يزيد، وسمع بوصول زيري بن مناد فاعتزم ان يمر بباب المهدية، ويأتي زيري وكتامة من ورائهم فقاتلوا أهل الأرباض، ومالوا عليه لما عرفوه ليقتلوه، وتخلّص بعد الجهد، ووصل إلى منزله فوجدهم يقاتلون العبيد كما تركهم فقوي أصحابه وانهزم العبيد.

ثم رحل وتأخّر قليلا وحفر على معسكره خندقاً، واجتمع عليه خلق عظيم من البربر ونفوسة والزاب واقاصي المغرب، وضيق على أهل المرية، ثم زحف إليها آخرّ جمادى فقاتلها وتورط في قتالها يومه ذلك. ثم خلص، وكتب إلي عامل القيروان أن يبعث إليه مقاتلتها فجاؤوا، وزحف بهم آخر رجب فانهزم، وقتل من أصحابه. ثم زحف الزحف الرابع آخر شوال ولم يظفرّ، ورجع إلى معسكره، واشتد الحصار على أهل المهدية حتى أكلوا الميتات والدواب وافترق اهلها في النواحي، ولم يبق بها إلا الجند. وفتح القائم أهراء الزرع التي أعدهّا المهدي وفرقها فيهم. ثم اجتمعت كتامة وعسكروا بقسنطينة فبعث إليهم أبو يزيد بعثاً من ورجومة وغيرهم فهزموا كتامة ووافت أبا يزيد حشود البربر من كل ناحية واحاط بسوسة وضيّق عليها.

ثم انتقض البربر عليه بما كان منه من المجاهرة بالمحرّمات والمنافسة بينهم فانفضوا عنه، ورجع إلى القيروان سنة أربع وثلاثين. وغنم أهل المهديّة معسكره، وكثر عبث البربر في امصار إفريقية وضواحيها، وثار أهل القيروان بهم، وراجعوا طاعة القائم. وجاء علي بن حمدون من المسيلة بالعساكر فبيته أيوب بن أبي يزيد وهزمه، وسار إلى نونس وجاءت عساكر القائم فواقعوه مرّات، وانهزم إلى القيروان في ربيع سنة أربع وثلاثين. فبعث ايوب ثانية لقتال عليّ بن حمدون ببلطة. وكانت حروبه معه سجالاً إلى ان اقتحم عليه البلد بمداخلة بعض أهلها. ولحق ابن حمدون ببلاد كتامة، واجتمعت قبائل كتامة ونفزة ومزاتة وعسكروا بقسطنطينة. وبعث ابن حمدون العساكر إلى هوارة فأوقعوا بهم، وجاءهم مدد أبي يزيد فلم يغن عنهم. وملك ابن حمدون مدينة يتجست وباغاية.

ثم زحف أبو يزيد إلى سوسة في جمادى الاخر من سنته وبها عسكر القائم، وتوفي القائم وهو بمكانه من حصارها.

وفاة القائم وولاية ابنه المنصور

ثم توفي القائم أبو القاسم محمد بن عبيد الله المهدي صاحب أفريقية، بعد أن عهد إلى ولده إسمعيل بعده، وتلقّب بالمنصور، وكتم موت أبيه حذراً أن يطلع عليه أبو يزيد وهو بمكانه من حصار سوسة، فلم يسمّ بالخليفة، ولا غّير السكة ولا الخطبة ولا البنود إلى أن فرغ من أمر أبي يزيد كما يذكر.

بقية أخبار أبي يزيد ومقتله:

ولمّا مات القائم كان أبو يزيد محاصراً لسوسة كما تقدّم، وقد جهد أهلها الحصار، فلمّا وليّ إسمعيل المنصور، وكان أول عمله أن بعث الأساطيل من المهديّة إلى سوسة مشحونة بالمدد من المقاتلة والأمتعة والميرة مع رشيق الكاتب، ويعقوب بن إسحق، وخرج بنفسه في أثرهم وأشار أصحابه بالرجوع فرجع ووصل الاسطول إلى سوسة، وخرجوا لقتال أبي يزيد، وعساكر سوسة معهم فانهزم أبو يزيد، واستُبيح معسكره نهبا وإحراقاً، ولحق بالقيروان فمنعه أهلها من الدخول، وثاروا بعامله فخرج إليه، ورحل إلى سبيبة وذلك أواخر شّوال سنة أربع. وجاء المنصور إلى القيروان وأمّن أهلها، وأبقى على حرم أبي يزيد وأولاده، وأجرى عليهم الرزق، وخرجت سرية من عسكر المنصور لاستكشاف خبر أبي يزيد. وجاءت أخرى من عسكر أبي يزيد لمثل ذلك، فالتقوا وانهزمت سرية المنصور، فقوي أبو يزيد بذلك، وكثر جمعه، وعاد فقاتل القيروان وخندق المنصور على عساكره، وقاتلهم أبو يزيد فكان الظفر أول يوم للمنصور ثم قاتلهم ثانياً فانهزموا وثبت المنصور وراجع أصحابه من طريق المهديّة وسوسة.ولما رأى أبو يزيد امتناعهم عليه رحل آواخر ذي القعدة، ثم رجع فقاتلهم، وكانت الحرب سجالا، وبعث السرايا إلى طريق المهديّة وسوسة نكاية فيهم، وبعث إلى المنصور في حرمه وأولاده فبعثهم إليه بعد أن وصلهم. وقد كان أقسم على الرحيل فلّما وصلوا إليه نكث وقاتلهم خامس المحّرم سنة خمس وثلاثين، فهزمهم. ثم عبّى المنصور عساكره منتصف المحّرم، وجعل البرابر في الميمنة وكتامة في الميسرة، وهو وأصحابه في القلب. وحمل أبو يزيد على الميمنة فهزمها، ثم على القلب فلقيه المنصور واشتدّ القتال. ثم حملوا عليه حملة رجل واحد فانهزم وأسلم أثقاله وعسكره، وقتل خلق من أصحابه وبلغت رؤوس القتلى الذي في أيدي صبيان القيروان عشرة آلاف، ومضى أبو يزيد لوجهه، ومّر بباغاية فمنعه أهلها من الدخول فأقام يحاصرها، ورحل المنصور في ربيع الأول لاتباعه، واستخلف على المهديّة مراما الصقليّ وأدركه على باغاية فأجفل المنصور في إتباعه. وكّلما قصد حصناً سبقه المنصور إليه إلى أن نزل المنصور طبنة فجاءته رسل محمد بن خزر أمير مغراوة، من أصحاب أبي يزيد،ومواطئه بالغرب الأوسط فاستأمن للمنصور فأمنه، وأمره بطلب أبى يزيد. ووصل أبو يزيد إلى بني برَْزال وكانوا نكاريّة، وبلغه خبر المنصور في اتباعه فسلك الرملة. ثم عاد نواحي غمرت فصادف المنصور وقاتله فانهزم أبو زيد إلى جبل سالات، والمنصور في أثره في جبال وأوعار ومضايق تفضي إلى القفر، وأصابهم الجهد وعلم أنه ليس أمامه إلاّالمفازة إلى بلاد السودان فرجع إلى غمرت من بلاد صنهاجة. ووفد عليه هنالك زيري بن مناد أمير صنهاجة فأكرمه ووصله كما يجب له. وجاء كتاب محمد بن خزر بالمكان الذي فيه أبو يزيد من المفازة، وأقام المنصور هنالك لمرض أصابه فرجع أبو يزيد إلى المسيلة وحاصرها. فلما عوفي المنصور رحل أوّل رجب سنة خمس وثلاثين وقصده فأفرج عن المسيلة، وقصد المفازة يريد بلاد السودان فأبى عليه بنو كملان أصحابه فرجعوا إلى جبال كتامة وعجيسة فتحصّنوا بها. وجاء المنصور ننزل بساحتهم عاشر شعبان، ونزل أبو يزيد فقاتلهم فانهزم وأسلم عسكره وأولاده، وطعنه بعض الفرسان فأكبّه وحامى عنه أصحابه فقتل في الحومة ما يزيد على عشرة آلاف، وتخلص. ثم سار المنصور في آثره أوّل رمضان، ولم يقدر أحد من الفريقين على الهزيمة لضيق المكان وصعوبته. ثم انهزم أبو يزيد لما ضرسه الحرب، وترك أثقاله وساروا إلى رؤوس الجبال يرمون بالصخر، وتزاحفوا حتى تعانقوا بالأيدي، وكثر القتل. ثم تحاجزوا وتحصّن أبو يزيد بقلعة كتامة، واستأمن الذين معه من هوارة فأمنهم المنصور، وحصر أبا يزيد في القلعة وقاتلها غير مرة حتى افتتحها عنوة وأضرمها ناراً، وقتل أصحاب أبي يزيد في كل ناحية، وجمع أهله وأولاده في القصر، وأظلم الليل فأمرالمنصور بإشعال النيران في الشعراء المحيطة بالقصر، حتى أضاء الليل لتكون أحواله بمرأى منهم حذراً من فراره، حتى خرج الليل وحمل في أصحاب المنصور حملة منكرة فأفرجوا له، وأمر المنصور بطلبه فألفوه، وقد حمله ثلاثة من أصحابه لأنه كان جريحاً فسقط من الوعر وارتث فحملوه إلى المنصور فسجد سجدة الشكر، وأقام عنده إلى سلخ المحرم من سنة ست وثلاثين. ثم هلك من الجراحة التي به فأمر بسلخ جلده، وحشوه تبناً، واتخذ له قفصاً فأدخل فيه مع قردين يلاعبانه بعثاله. ورحل إلى القيروان والمهديّة، ولحق ابنه فضل بمعبد بن خزر، وزحف به إلى طبنة وبسكرة. وقصد المنصور فانهزم معبد، وصعد إلى كتامة فبعث إليه العساكر مع مولييه شفيع وقيصر، ومعهما زيري بن مناد في صنهاجة، فانهزم فضل ومعبد، وافترق جمعهم، ورجع المنصور إلى القيروان فدخلها.

بقية أخبار المنصور

ثم انتقض حميد بن يضلبتن عامل المغرب وانحرف عن طاعة الشيعة، ودعا للأموية من وراء البحر، وزحف إلى تاهرت فحاصرها فنهض إليه المنصور في صفر سنة ست وثلاثين، وجاء إلى سوق حمزة فأقام به. وحشد زيري بن مناد جموع صنهاجة من كل ناحية، ورحل مع المنصور فأخرج حميد عن تاهرت، وعقد عليها ليعلى بن محمد اليفرني، وعقد لزيري بن مناد على قومه وعلى سائر بلادهم. ثم رحل لقتال لواتة فهربوا إلى الرمال، وأقام هو على واد ميناس، وكان هنالك ثلاثة جبال، كل منهم عليه قصر مبني بالحجر المنحوت، فوجد في وجه أحد هذه القصور كتابة على حجر فسيح فأمر المنصور التراجمة بقراءته، وإذا فيه أنا سليمان السردغوس، خالف أهل هذا البلد على الملك، فبعثني إليهم ففتح الله عليهم وبنيت هذا البناء لأذكر به. ذكر هذه الغريبة ابن الرقيق في تاريخه.ثم رحل المنصور إلى القيروان بعد أن خلع على زيري بن مناد وحمله، ودخل المنصورية في جمادى سنة ست وثلاثين فبلغه أن فضل بن ابي يزيد جاء إلى جبل أوراس، وداخل البربر في الثورة فخرج إليه المنصور فدخل الرمل، ورجع المنصور إلى القيروان ثم إلى المهدية، ورجع فضل بن أبي يزيد إلى باغاية. وأقام يحاصرها فغدر به باطيط، وبعث برأسه إلى المنصور. ثم عقد سنة تسع وثلاثين للحسين بن عليّ بن أبي الحسين الكلبيّ على صقليّة وأعمالها، وكانت لخليل بن إسحق فصرفه الحسين واستقلّ بولايتها، فكان له فيها ولبنيه ملك سنذكره. وبلغ المنصور أنّ ملك إفرنجة يريد غزو المسلمين فأخرج أسطوله، وشحنه بالعساكر لنظر مولاه فرج الصقليّ، وأمر الحسين بن عليّ عامل صقلية بالخروج معه فأجازوا البحر إلى غُدْوَة الإفرنجة، ونزلوا قلورية ولقيهم رجاء ملك الفرنجة فهزموه. وكان فتحا لا كفاء له، وذلك سنة أربعين وثلاثمائة، ورجع فرج بالغنائم إلى المهديّة سنة إثنين وأربعين، وكان معبد بن خزر بعد مظاهرته لفضل بن أي يزيد لم يزل منتقضاً وأولياء المنصور في طلبه حتى أخذ في بعض الوقائع، وسيق مع ابنه إلى المنصور فطيف بهما في أسواق المنصوريّة، ثم قتلا سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.

وفاة المنصور وولاية ابنه المعز

ثم توفى المنصور إسمعيل بن القاسم سلخ رمضان سنة إحدى وأربعين لسبع سنين من خلافته، أصابه الجهد من مطر وثلج تجلّد على ملاقاته، ودخل على أثره الحمّام فعيت حرارته، ولازمه السهر فمات. وكان طبيبه إسحق بن سليمان الإسرائيلي قد نهاه عن الحمّام فلم يقبل. وولى الأمر بعده ابنه معدّ ، ولقب المعز لدين الله فاستقام أمره، وخرج لجبل أوراس سنة إثنتين وأربعين، وجالت فيه عساكره واستأمن إليه بنو كملان ومليلة من هوارة، ودخلوا في طاعته فأمنهم وأحسن إليهم. واستأمن إليه محمد بن خزر بعد مقتل أخيه معبد فأمنّه، ورجع إلى القيروان وترك مولاه قيصر في العساكر، وعقد له على باغاية فدّوخ البلاد وأحسن إلى الناس، وألف من كان شارداً من البربر، ورجع بهم إلى القيروان فأكرمهم المعز ووصلهم. ثم وفد بعدهم محمد بن خزر أمير مغراوة فلقّاه مبّرة وتكريماً. وأقام عنده بالقيروان إلى أن هلك سنة ثمان وأربعين. واستقدم المعزّ زيري بن مناد سنة ثلاث وأربعين أمير صنهاجة، فقدم من أشير فأجزل صلته، وردّه إلى عمله. وبعث إلى الحسين بن علي عامل صقلية سنة أربع وأربعين أن يخرجه بأسطوله إلى ساحل المرية من بلاد الأندلس، فعاث فيه، وغنم وسبى، ورجع فأخرج الناصر صاحب الأندلس أسطوله إلى سواحل إفريقية، مع غالب مولاه فمنعتهم العساكر، وأقلعوا. ثم عاودوا سنة خمس وأربعين في سبعين مركباً فأحرقوا مرسى الخزر، وعاثوا في جهات سوسة، ثم في نواحي طبرنة ورجعوا. واستقام أمر المعز في بلاد أفريقية والمغرب، واتسعت إيالته وكانت أعماله من ايفكان خلف تاهرت بثلاثة مراحل، إلى زناتة التي دون مصر، وعلى تاهرت وإيفكان يعلى بن محمد اليفرني، وعلى أشير وأعمالها زيرى بن مناد الصنهاجي، وعلى المسيلة وأعمالها جعفر بن علي الأندلسي، وعلى باغية وأعمالها قيصر الصقلي. وكان على فاس أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذامي، وعلى سجلماسة محمد بن واسول المكناسي. ثم بلغه سنة سبع وأربعين أن يعلى بن محمد اليفرني داخل الأموية من وراء البحر، وأنّ أهل المغرب الأقصى نقضوا طاعة الشيعة فأغزى جوهر الصقلّيّ الكاتب إلى المغرب بالعساكر، وكان على وزارته، وخرج معه جعفر بن عليّ صاحب المسيلة، وزيري بن مناد صاحب أشير، وتلقّاهم يعلى بن محمد صاحب المغرب الأوسط .ولما ارتحل عن ايفكان وقعت هيعة في أصحاب صيلة، وقيل له إن بني يعرب أوقعوها فتقبض على يعلى، وناشته سيوف كتامة لحينه، وخرب ايفكان وأسر ابنه يدو بن يعلى، وتمادوا إلى فاس، ثم تجاوزوها إلى سجلماسة فأخذها، وتقّبض على الشاكر لله محمد بن الفتح الذي تلقّب بأمير المؤمنين من بني واسول، وولّى ابن المعتز من بني عمه مكانه ودوّخ المغرب إلى البحر. ثم رجع إلى فاس وحاصرها وواليها يومئذ أحمد بن بكر بن أبي سهل الجذامي، وقاتلها مدّة فامتنعت عليه، وجاءته هدايا الأمراء الأدكرنية من السوس. ثم رحل إلى سجلماسة، وبها محمد بن واسول من مكناسة، وقد تلقّب بأمير المؤمنين الشاكر لله، وضرب السكة بإسمه، تقدّست عزة الله، فلما سمع بجوهر هرب، ثم أخذ أسيراً وجيء به إلى جوهر، وسار عن سجلماسة، وافتتح البلاد في طريقه. ثم عاد إلى فاس، وأقام في حصارها إلى أن افتتحها عنوة على يد زيري بن مناد تسنمّ أسوارها ليلاً، ودخلها وتقبّض على أحمد بن بكر، وذلك سنة ثمان وأربعين، وولّى عليها من قبله وطرد عمّال بني أمية من سائر المغرب. وانقلب إلى القيروان ظافراً عزيزاً، وضم تاهرت إلى زيري بن مناد. وقدم بالفاطميين، وبأحمد بن بكر وبمحمد بن واسال أسيرين في قفصين، ودخل بهما إلى المنصورية في يوم مشهود. وكانت ولاية المغرب والمشرق منقسمة بين مولييه قيصر ومُظفرَّ، وكانا متغلبين على دولته فقبض عليهما سنة تسع وأربعين وقتلهما. وفي سنة خمسين كان تغلّب النصارى على جزيرة إقريطش، وكان بها أهل الأندلس من جالية الحكم بن هشام بسبب ثورة الرفض، ففر بهم إلى الاسكندريّة فثاروا بها، وعبد الله بن طاهر يومئذ عامل مصر فحاصرهم بالأسكنـدريـة، حتى نزلوا على الأمان، وأن يجيزوا البحر إلى جزيرة إقريطش فعمروها ونزلوها منذ تلك الأيام، وأميرها أبو حفص البلّوطي منهم، واستبدّ بها وورث بنوه رياسة فيها إلى أن نازلهم النصارى في هذه السنة في سبعمائة مركب، واقتحموها عليهم عنوة، وقتلوا منهم وأسروا، وبقيت في أيدي النصارى لهذا العهد، والله غالب على أمره. وافتتح صاحب صقلية سنة إحدى وخمسين قلعة طرمين، من حصون صقلّية، بعد حصار طويل أجهدهم فنزلوا على حكم صاحب صقلية بعد تسعة أشهر ونصف للحصار، وأسكن المسلمين بالقلعة وسمّاها المُعزيَّة نسبة إلى المُعزّ صاحب إفريقية. ثم سار صاحب صقلية بعدها، وهو أحمد بن الحسن بن علي بن أبي الحسن إلى حصار رمطة من قلاع صقلية فاستمدوا ملكهم صاحب القسطنطينيّة فجهز لهم العساكر برا وبحرا، واستمد صاحب صقلية المعزّ فأمده بالعساكر مع إبنه الحسن ووصل مدده إلى مدينة ميسنى، وساروا بجموعهم إلى رمطة، وكان على حصارها الحسن بن عمار فحمل عسكرا على رمطة وزحف إلى عسكر الروم مستميتا فقاتلهم فقتل أمير الروم وجماعة من البطارقة، وهزموا أقبح هزيمة، واعترضهم خندق فسقطوا فيه، وأثخن المسلمون فيهم وغنموا عساكرهم. واشتدّ الحصار على أهل رمطة، وعدموا الأقوات فاقتحمها المسلمون عنوة، وركب فلّ الروم البحر يطلبون النجاة فأتبعهم الأمير احمد بن الحسن في أسطوله فأدركهم، وسبح بعض المسلمين في الماء فخرّق مراكبهم وانهزموا، وبث أحمد سرايا المسلمين في مدائن الروم فغنموا منها وعاثوا فيها حتى صالحوهم على الجزية، وكانت هذه الواقعة سنة أربع وخمسين وتسمّى وقعة المجاز.

فتح مصر

ثم إنّ المعز لدين الله بلغه اضطراب أحوال مصر بعد موت كافور الأخشيدي، وعظم فيها الغلاء، وكثرت الفتن وشغل بغداد عنهم بما كان من الفتن بين بختيار بن مُعزّ الدولة، وعُضدُ الدولة ابن عمه، فاعتزم المُعزّ على المسير إلى مصر، وأخرج جوهراً الكاتب إلى المغرب لحشد كتامة، وأوعز إلى عمّال برقة لحفر الآبار في طريقها، وذلك سنة خمس وخمسين فسيّره إلى مصر، وخرج لتوديعه وأقام أياماً في معسكره، وسار جوهر وبلغ خبره إلى عساكر الأخشيدية بمصر فافترقوا، وكان ما يذكر في أخبارهم، وقدم جوهر منتصف شعبان من سنة تمان وخمسين فدخلها، وخطب في الجامع العتيق منه باسم المُعزّ، وأقيمت الدعوة العلويّة. وفي جمادى من سنة تسع وخمسين دخل جوهر جامع ابن طولون فصلّى فيه، وأمر بزيادة حيّ على خير العمل في الآذان، فكان أوّل أذان أذّن به في مصر. ثم بعث إلى المعزّ بالهدايا وبأعيان دولة الأخشيدية فحبسهم المعز بالمهديّة، وأحسن إلى القضاة والعلماء من وفدهم، وردّهم إلى مصر، وشرع جوهر في بناء القاهرة واستحث المعزّ للقدوم على مصر.

فتح دمشق

ولما فتحت مِصْرَ، وأُخِذَ بنو طفج ،هرب منهم الحسن بن عبد الله بن طفج إلى مكّة، ومعه جماعة من قوّادهم، فلّما استشعر جوهر به بعث جعفر بن فلاح الكتامي في العساكر إليه فقاتله مراراً، ثم أسره ومن كان معه من القوّاد، وبعث بهم إلى جوهر فبعث بهم جوهر إلى المُعِزّ بأفريقية. ودخل جعفر الرملة عنوة فاستباحها، ثم أمّن من بقي وجبى الخراج وسار إلى طبرية، وبها ابن مُلْهَم وقد أقام الدعوة للمعز فتجافى عنه، وسار إلى دمشق فافتتحها عنوة وأقام بها الخطبة للمعز لأيام من المحّرم سنة تسع وخمسين، وكان بدمشق الشريف أبو القاسم بن يعلى الهاشميّ، وكان مطاعاً فيهم فجمع الأوباش والذعّار وثار بهم في الجمعة الثانية، ولبس السواد، وأعاد الخطبة للمطيع فقاتلهم جعفر بن فلاح أياماً وأولى عليهم الهزائم. وعاثت جيوش المغاربة في أهل دمشق فهرب ابن أبي يعلى ليلا من البلد، وأصبحوا حيارى، وكانوا قد بعثوا الشريف الجعفري إلى جعفر في الصلح فأعاده إليهم بتسكين الناس والوعد الجميل، وأن يدخل البلد، فيطوف فيه، ويرجع إلى معسكره فدخل، وعاث المغاربة في البلد بالنهب فثار الناس بهم وحملوا عليهم، وقتلوا منهم، وشرعوا في حفر الخنادق وتحصين البلد. ومشى الشريف أبو القاسم في الصلح بينهم وبين جعفر بن فلاح، فتم ذلك منتصف ذي الحجة من سنة تسع وخمسين، ودخل صاحب شرطة جعفر فسَكَنَ الناس وقَبَضَ علي جماعة من الأحداث، وقتل منهم وحبس. ثم قبض على الشريف أبي القاسم بن أبي يعلى في المحرّم من سنة ستين، وبعث به إلى مصر، واستقام ملك دمشق لجعفر بن فلاح، وكان خرج بأفريقية في سنة ثمان وخمسين أبوجعفر الزناتي واجتمعت إليه جموع من البربر والنكاريَّة، وخرج إليه المُعزِّ بنفسه، وانتهى إلى باغاية، وافترقت جموع أبي خزر، وسلك الأوعار فعاد المعزّ وأمر بلكين بن زيري بالمسير في طلبه فسار لذلك حتى انقطع عنه خبره، ثم جاء أبو جعفر مستأمناً سنة تسع وخمسين فقبله، وأجرى عليه الرزق، وعلى أثر ذلك وصلت كتب جوهر بإقامة دعوته بمصر والشام، وباستدعائه إليها فاشتدّ سرور المعز بذلك، وأظهره في الناس، ونطق الشعراء بامتداحه. ثم زحف القرامطة إلى دمشق وعليهم ملكهم الأعصم. ولقيهم جعفر بن فلاح فظفر بهم وقتلهم. ثم رجعوا إليه سنة إحدى وستين وبرز إليهم جعفر فهزموه وقتلوه، وملك الأعصم دمشق، وسار إلى مصر، وكاتب جوهر بذلك للمُعزّ فاعتزم على الرحلة إليها.

مسير المعز إلى مصر ونزوله بالقاهرة

ولما انتهت هذه الأخبار إلى المعزّ اعتزم على المسير إلى مصر، وبدأ بالنظر في تمهيد المغرب وقطع شواغله، وكان محمد بن الحسن بن خزر المغراوي مخالفا عليه بالمغرب الأوسط، وقد كثرت جموعه من زناتة والبربر، وكان جّباراً طاغياً فأَهَمّ المُعزّ أمره، وخشي على أفريقية عائلته، فأمر بلكين بن زيري بن مناد بغزوه، فغزاه في بلاده، وكانت بينهما حروب عظيمة. ثم انهزم محمد بن خزر وجموعه، ولما أحسّ بالهزيمة تحامل على سيفه فقتل نفسه، وقتل في المعركة سبعة عشر من أمراء زناتة، وأُسِرَ منهم كثيرٌ وذلك سنة ستين. وسَرَّ المَعز ذلك، وقعد للهناء به. واستقدم بلكين بن زيري فاستخلفه على أفريقية والمغرب، وأنزله القيروان وسمّاه يوسف، وكنّاه أبا الفتوح، وولّى على طرابلس عبد الله بن يخلف الكتامي، ولم يجعل لبلكين ولاية عليه، ولا على صاحب صقليّة. وجعل على جباية الأموال زيادة الله بن الغريم، وعلى الخراج عبد الجبّار الخراسانيّ، وحسين بن خلف المرصدي بنظر بلكين، وعسكر ظاهر المنصوريّة آخر شوّال من سنة إحدى وستين، وأقام على سردانية قريباً من القيروان حتى فرغ من أعماله، ولحقته عسكره، وأهل بيته وعمّاله وحمل له ما كان في قصره من الأموال والأمتعة. وارتحل بعد أربعة أشهر من مقامه، وسار معه بلكين قليلا، ثم وّدعه وردّه إلى عمله، وسار هو إلى طرابلس في عساكره، وهرب بعضهم إلى جبل نَفُوسة فامتنعوا به، وسار إلى بَرْقَة فقتل بها شاعره محمد بن هانىء الأندلسي، وجد قتيلا بجانب البحر في آخر رجب من سنة إثنتين وستين. ثم سار إلى الإسكندريّة وبلغها في شعبان من هذه السنة، ولقيه بها أعيان مصر فأكرمهم ووصلهم، وسار فدخل القاهرة لخمس من رمضان من هذه السنة فكانت منزله ومنزل الخلفاء بعده إلى آخر دولتهم.

حروب المعز مع القرامطة واستيلاؤه علي دمشق

كان للْقَرَامِطَةِ على بني طفج بدمشق ضريبة يؤدّونها إليهم، فلّما ملك ابن فلاح بدعوة المُعِزّ قطع تلك الضريبة، وآسفهم بذلك فرجعوا إلى دمشق، وعليهم الأعصم ملكهم، فبرز إليهم جعفر بن فلاح فهزموه وقتلوه، وملكوا دمشق وما بعدها ،إلى الرَمْلَة، وهرب من كان بالَرمْلَة وتحصّنوا بيافا. وملك القرامطة الَرمْلَة، وجهّزوا العساكر على يافا، وساروا إلى مِصْرَ، ونزلوا عَيْن شمس وهي المعروفة لهذا العهد بالمطرية. واجتمع إليهم خلق كثير من العرب، وأولياء بني طفج، وحاصروا المغاربة بالقاهرة، وقاتلوهم أياماً فكان الظفر بهم. ثم خرج المغاربة واستماتوا، وهزمهم فرحلوا إلى الرَمْلَة، وضيّقوا حصار يافا، وبعث إليهم جعفر بالمدد في البحر فأخذه القرامطة وانتهى الخبر إلى المعزّ بالقيروان. وجاء إلى مصر ودخلها كما ذكرناه. وسمع أنهم يريدون المسير إلى مصر فكتب إلى الأعصم يذكّره فضل بنيه، وأنهم إنما دعوا له ولآبائه وبالغ في وعظه وتهدّده فأساء في جوابه، وكتب إليه: وصل كتابك الذي قلّ تحصيله، وكَثُر تفصيله، ونحن سائرون إليك والسلام. وسار من الأحساء إلى مصر، ونزل عين شمس في عساكره، واجتمع إليه الناس من العرب وغيرهم. وجاء حسَان بن الجرّاح في جموع عظيمة من طيء، وبثّ سراياه في البلاد فعاثوا فيها وأهمّ المعز شأنه فراسل ابن الجرّاح، واستماله بمائة ألف دينار على أن ينهزم على القرامطة واستحلفوه على ذلك. وخرج المعز ليوم عيّنوه لذلك فانهزم ابن الجرّاح بالعرب، وثبت القرامطة قليلا، ثم إنهزموا وأخذ منهم نحو ألف وخمسمائة أسير. وساروا في أتباعهم ولحق القرامطة باذرعات، وساروا منها إلى الأحساء، وقتلوا صبراً ونهب معسكرهم. وجرّد المعز القائد أبا محمود في عشرة آلاف فارس، وبعث المعز القائد ظالم ابن موهوب العُقيليّ والياً على دمشق فدخلها، وكان العامل بها من قبل القرامطة أبو اللجاء وابنه. في جماعة منهم فحبسهم ظالم، وأخذ أموالهم، ورجع القائد أبو محمود من اتباع القرامطة إلى دمشق فتلقّاه ظالم وسرّ بقدومه، وسأله المقام بظاهر دمشق حذراً من القرامطة ففعل ودفع أبا اللجاء وابنه فبعث بهم إلى مصر فحبسوا بها، وعاث أصحاب أبي محمود في دمشق، فاضطرب الناس، وقتل صاحب الشرطة بعضهم فثاروا به وقتلوا أصحابه. وركب ظالم بذراريهم وأجفل أهل الضواحي إلى البلد من عيث المغاربة، ثم وقعت في منتصف شوّال من سنة ثلاث وستين فتنة بين العامّة وبين عسكر أبي محمود وقاتلوه أياماً، ثم هزمهم وتبعهم إلى البلد. وكان ظالم بن موهوب يداري العامّة فأشفق في هذا اليوم على نفسه، وخرج من دار الإمارة وأحرق المغاربة ناحية باب الفراديس، ومات فيها خلق، واتصلت الفتنة إلى ربيع الآخر من سنة أربع وستين. ثم وقع الصلح بينهم على إخراج ظالم من البلد، وولاية جيش بن الصمصامة ابن أخت محمود فسكن الناس إليه. ثم رجع المغاربة إلى العيث، وعاد العامّة إلى الثورة، وقصدوا القصر الذي فيه جيش فهرب ولحق بالعسكر، وزحف إلى البلد فقاتلهم وأحرق ما كان بقي، وقطع الماء عن البلد فضاقت الأحوال، وبطلت الأسواق، وبلغ الخبر إلى المعزّ فنكر ذلك على أبي محمود واستعظمه، وبعث إلى زياد الخادم في طرابلس يأمره بالمسير إلى دمشق لاستكشاف حالها، وأن يصرف القائد أبا محمود عنها ،فصرفه إلى الرملة، وبعث إلى المعز بالخبر، وأقام بدمشق إلى أن وصل أفتكين والياً على دمشق. وكان أفتكين هذا من موالي عزّ الدولة بن بويه، ولما ثار الأتراك على إبنه بختيار مع سبكتكين، ومات سبكتكين، قدّمه الأتراك عليهم، وحاصروا بختيار بواسط، وجاء عضد الدولة لإنجاده فاجفلوا عن واسط فتركوه ببغداد. وسار أفتكين في طائفة من الجند إلى حمص فنزل قريباً منها، وقصده ظالم بن موهوب العُقيليّ ليقبضه فعجز عنه، وسار أفتكين فنزل بظاهر دمشق وبها زياد خادم المعز، وقد غلب عليه، وعلى أعيان البلد الأحداث والذّعار، فلم يملكوا معهم أمر أنفسهم فخرج الأعيان إلى أفتكين، وسألوا منه الدخول إليهم ليولّوه، وشكوا إليه حال المغاربة، وما يحملونهم عليه من عقائد بعض الرفض، وما أنزل بهم عمّالهم من الظلم والعسف فأجابهم واستحلفهم، وحلف لهم، وملك البلد، وخرج منها زياد الخادم، وقطع خطبة الُمعزّ العلوي، وخطب للطائع العبّاسيّ، وقمع أهل الفساد، ودفع العرب عمّا كانوا استولوا عليه من الضواحي. واستقل ملك دمشق، وكاتب المعزّ بطلب طاعته وولايتها من قبله فلم يثق إليه، وردّه وتجهز لقصده، وجهّز العساكر فتوفي بعسكره ببلبيس كما يذكر.

وفاة المعز وولاية ابنه العزيز

ثم توفي المعزّ بمصر في منتصف ربيع الآخر سنة خمس وستين لثلاث وعشرين سنة من خلافته، ووليَ إبنه نزار بعهده إليه، ووصّيته، ولقّب العزيز بالله، وكتم موت أبيه إلى عيد النحر من السنة فصلّى بالناس وخطبهم، ودعا لنفسه وعزّى بأبيه، وأقّر يعقوب بن كلس على الوزارة كما كان أيام أبيه، وأقّر بلكين بن زيري على ولاية أفريقية، وأضاف إليه ولاية عبد الله بن يخلف الكتامي، وهي طرابلس، وسرت وجرابيه. وكان أهل مكة والمدينة قد خطبوا للمعز أبيه في الموسم، فتركوا الخطبة للعزيز فبعث جيوشه إلى الحجاز فحاصروا مكة والمدينة، وضيّقوا عليهم حتى رجعوا إلى دعوتهم، وخطب للعزيز بمكة، وكان أمير مكة عيسى بن جعفر، والمدينة طاهر بن مسلم، ومات في هذه السنة فولي إبنه الحسن وابن أخيه مكانه.

بقية أخبار أفتكين

ولما توفي المعز وولي العزيز قام أفتكين، وقصد البلاد التي لهم بساحل الشام فبدأ بصيدا فحاصرها، وبها ابن الشيخ في رؤوس المغاربة، وظالم بن موهوب العُقيليّ فبرزوا إليه، وقاتلوه فاستنجد لهم، ثم كرّ عليهم وأوقع بهم، وقتل منهم أربعة آلاف، وسار إلى عكة فحاصرها، وقصد طبرية وفعل فيها مثل صيدا. ورجع واستشار العزيز وزيره يعقوب بن كلس فأشار بإرسال جوهر الكاتب إليه، فجهّزه العزيز وبعثه، وأقبل أفتكين على أهل دمشق يريهم التحوُّل عنهم، ويذكرهم بذلك ليختبرهم فتطارحوا إليه، واستماتوا واستحلفهم على ذلك، ووصل جوهر في ذي القعدة سنة خمس وستين فحاصر دمشق شهرين، وضيّق حصارها وكتب افتكين إلى الأعصم مَلِك القرامطة يستنجده، فسار إليه من الإحساء، واجتمع إليهم من رجال الشام والعرب نحو من خمسين ألفاً وأدركوا جوهراً بالرملة، وقطعوا عنه الماء فارتحل إلى عسقلان فحاصروه بها حتى بلغ الجهد، وأرسل جوهر إلى أفتكين بالمغاربة والوعد. والقرمطيّ يمنعه، ثم سأله في الاجتماع فجاءه أفتكين، ولم يزل جوهر يعتل له في الدروة والغارب، وأفتكين يعتذر بالقرمطيّ ويقول: أنت حملتني على مداراته. فلما أيس منه، كشف له عمّا هم فيه من الضيق، وسأله الصنيعة وأنها يتّخذها عند العزيز فحلف له على ذلك، وعزله القرمطيّ. وأراه جوهر أن يحمل العزيز على المسير بنفسه فصُمّ من عزله وأبى إلاّ الوفاء، وانطلق جوهر إلى مصر وأغرى العزيز بالمسير إليهم، فتجهّز في العساكر، وسار وجوهر في مقدّمته، ورجع أفتكين والقرمطيّ إلى الرملة، واحتشدوا ووصل العزيز فاصطفوا للحرب بظاهر الرملة في محّرم سنة سبع وستين. وبعث العزيز إلى أفتكين يدعوه إلى الطاعة،و يرغّبه ويعده بالتقدّم في دولته، ويدعوه إلى الحضورعنده فتقدم بين الصفّين، وترجّل وقبّل الأرض وقال: قل لأمير المؤمنين لوكان قبل هذه لسارعت، وأما الآن فلا يمكنني. وحمل على المسيرة فهزمهم وقتل الكثير منهم فامتعض العزيز وحمل هو والميمنة جميعاً فهزمهم، ووضع المغاربة السيف فقتلوا نحواً من عشرين الفاً. ثم نزل في خيامه، وجيء بالأسرى فخلع على من جاء بهم، وبذل لمن جاء بأفتكين مائة ألف دينار، فلقيه المفرّج بن دغفل الطائي، وقد جهده العطش فاستسقاه، وتركه بعرشه مُكَّرماً. وجاء إلى العزيز فأخبره بمكانه، وأخذ المائة ألف التي بذلها فيه، وأمكنه من قياده. ولما حضر عند العزيز وهو لا يشك أنه مقتول أكرمه العزيز ووصله، ونصب له الخيام، وأعاد إليه ما نهب له، ورجع به إلى مصر فجعله أخص خدمه وحجّابه، وبعث إلى الأعصم القرمطيّ من يردّه إليه ليصله، كما فعل بأفتكين فأدرك بطبرية، وامتنع من الرجوع فبعث إليه بعشرين ألف دينار، وفرضها له ضريبة. وسار القرمطيّ إلى الأحساء، وعاد العزيز إلى مصر، ورقي رتبة أفتكين وخصّ به الوزير يعقوب بن كلس فسمّه، وسمع العزيز بأنه سمّه فحبسه أربعين يوماً وصادره على خمسمائة ألف دينار، ثم خلع عليه، وأعاده إلى وزارته. وتوفي جوهر الكاتب في ذي القعدة من سنة إحدى وثمانين، وقام إبنه الحسن مقامه، ولقّب قائد القوّاد. وكان أفتكين قد استخلص أيام وزارته بدمشق رجلا إسمه قسّام، فعلا صبته وكثُر تابعه، واستولى على البلد. ولما انهزم أفتكين والقرامطة، بعث العزيز القائد أبا محمود بن إبراهيم والياً على دمشق كما كان لأبيه المعزّ فوجد فيها قسّاماً قد ضبط البلد، وهو يدعو للعزيز فلم يتم له معه ولاية. وبقي قسّام مستبداً عليه إلى أن مات أبو محمود سنة سبعين. ثم جاء أبو ثعلب بن حمدان صاحب الموصل إلى دمشق، عند انهزامه أمام عضد الدولة فمنعه قسّام من الدخول، وخاف أن يغلبه على البلد بنفسه أو بأمر العزيز،واستوحش أبو ثعلب لذلك فقاتله قليلا، ثم رحل إلى طبريّة. وجاءت عساكر العزيز مع قائده الفضل فحاصروا قسّاما بدمشق، ولم يظفروا به ورجعوا. ثم بعث العزيز سنة تسع وستين سليمان بن جعفر بن فلاح فنزل بظاهرها، ولم يمكّنه قسّام من دخولها، ودسّ إلى الناس فقاتلوه، وأزعجوه عن مكانه. وكان مفرج بن الجرّاح أمير بني طيء، وسائر العرب بأرض فلسطين قد كثرت جموعه، وقويت شوكته، وعاث في البلاد، وخّربها فجهّز العزيز العساكر لحربه مع قائده بلتكين التركيّ ،فسار إلى الرملة، واجتمع إليه العرب من قيس وغيرهم، ولقي ابن الجرّاح وقد أكمن لهم بلتكين من ورائهم، فانهزم ومضى إلى أنْطاكِية، فأجاره صاحبها. وصادف خروج ملك الروم من القسطنطينية إلى بلاد الشام فخاف ابن الجرّاح، وكاتب بكجور مولى سيف الدولة وعامله على حمص، ولجأ إليه فأجاره. ثم زحف بلتكين إلى دمشق وأظهر لقسّام أنه جاء لإصلاح البلد. وكمان مع قسّام جيش بن الصمصامة ابن أخت أبي محمود قد قام بعده في ولايته، فخرج إلى بلتكين فأمره بالنزول معه بظاهر البلد هو وأصحابه. واستوحش قسّام وتجهّز للحرب. ثم قاتل وانهزم أصحابه، ودخل بلتكين أطراف البلد فنهبوا وأحرقوا. واعتزم أهل البلد على الإستئمان إلى بلتكين، وشافهوه بذلك فأذن لهم وسمع قسّام فاضطرب وألقي ما بيده، واستأمن الناس إلى بلتكين لأنفسهم ولقسّام فأمّن الجميع. وولّى على البلد أميراً إسمه خطلج ،فدخل البلد، وذلك في المحرم سنة إثنتين وسبعين. ثم اختفى قسّام بعد يومين فنهبت دوره ودور أصحابه، وجاء ملقياً بنفسه على بلتكين فقبله، وحمله إلى مصر فأمّنه العزيز. وكان بكجور في غويّة من غلمان سيف الدولة وعامله على حمص. وكان يمدّ دمشق أيام هذه الفتنة والغلاء، ويحمل الأقوات من حمص إليها، ويكاتب العزيز بهذه الخدم. ثم استوحش سنة ثلاث وسبعين من مولاه أبي المعالي فاستنجز من العزيز وعده إياه بولاية دمشق، وصادف ذلك أنّ المغاربة بمصر أجمعوا على التوثّب بالوزير ابن كلس، ودعت الضرورة إلى استقدام بلتكين من دمشق فأمره العزيز بالقدوم، وولاية بكجور على دمشق ففعل، ودخلها بكجور في رجب من سنة ثلاث وسبعين، وعاث في أصحاب ابن كلس وحاشيته بدمشق، لما كان يبلغه عنه من صدّ العزيز عن ولايته.ثم أساء السيرة في أهل دمشق فسعى ابن كلس في عزله عند العزيز، وجهّز العساكر سنة ثمان وسبعين مع منير الخادم، وكتب إلى نزال عامل طرابلس بمظاهرته، وجمع بكجور العرب وخرج للقائه فانهزم. ثم خاف من وصول نزال فاستأمن لهم وتوجّه إلى الرقّة فاستولى عليها، ودخل منير دمشق واستقرّ في ولايتها، وارتفعت منزلته عند العزيز وجهزه لحصار سعد الدولة بحلب. وكان بكجور بعد انصرافه من دمشق إلى الرقّة سأل من سعد الدولة العَوْد إلى ولاية حمص فمنعه فأجلب عليه، واستنجد العزيز لحربه، وبعث إلى نزال عامل طرابلس بمظاهرته فسار إليه بالعساكر، وخرج سعد الدولة من حلب للقائهم. وقد أضمر نزال الغدر ببكجور، وتقدّم إليه بذلك عيسى بن نسطورس وزير العزيز بعد ابن كلس.وجاء سعد الدولة للقائهم، وقد استمدّ عامل أنْطاكِية للروم فامدّه بجيش كثير وداخل العرب الذين مع بكجور في الإنهزام عنه، ووعدوه ذلك من أنفسهم، فلما تراءى الجمعان، وشعر بكجور بخديعة العرب فاستمات، وحمل على الصفّ بقصد سعد الدولة فقتل لؤلؤ الكبير مولاه بطعنه إياه، ثم حمل عليه سعد الدولة فهزمه، فسار إلى بعض العرب، وحمل إلى سعد الدولة فقتله، وسار إلى الرقّة فملكها وقبض جميع أمواله وكانت شيئاً لا يعبّر عنه. وكتب أولاده إلى العزيز يستشفعون به فشفع إلى سعد الدولة فيهم أن يبعثهم إلى مصر، ويتهدّده على ذلك فأساء سعد الدولة الردّ، وجهّز لحصار حلب الجيوش مع منجوتكين، فنزل عليها وحاصرها، وبها أبو الفضائل بن سعد الدولة، ومولاه لؤلؤ الصغير. وأرسلا إلى بسيل ملك الروم يستنجدانه، وهو في قتال بلغار فبعث إلى عامل أنْطاكِية أن يمدّهما، فسار في خمسين ألفاً حتى نزل حبس العاصي، وبلغ خبره إلى منجوتكين فارتحل عن حلب، ولقي الروم فهزمهم وأثخن فيهم قتلاً وأسرا.وسار إلى أنْطاكِية وعاث في نواحيها، وخرج أبو الفضائل في مغيب منجوتكين إلى ضواحي حلب، فنقل ما فيها من الغلال وأحرق بقيتها لتفقد عساكر منجوتكين الأقوات. فلما عاد منجوتكين إلى الحصار، جهّز عسكره، وأرسل لؤلؤ إلى أبي الحسن المغربيّ في الصلح، فعقد له ذلك، ورحل منجوتكين إلى دمشق، وبلغ الخبر إلى العزيز فغضب، وكتب إلى منجوتكين بالعود إلى حصار حلب وإبعاد الوزير المغربيّ، وأنفذ الأقوات للعسكر في البحر إلى طرابلس. وأقام منجوتكين في حصار حلب. وأعادوا مراسلة ملك الروم فاستنجدوه وأغروه، وكان قد توسط بلاد البلغار فعاد مجدّا في السير. وبعث لؤلؤ إلى منجوتكين بالخبر حذرا على ال مسلمين، وجاءته جواسيسه بذلك فأجفل بعد أن خرّب ما كان اتخذه في الحصار من الأسواق والقصور والحمّامات. ووصل ملك الروم إلى حلب ولقي أبا الفضائل ولؤلؤاً، ثم سار في الشام وافتتح حمص وشيزر، ونهبهما، وحاصر طرابلس أربعين يوما، فامتنعت عليه، وعاد إلى بلاده، وبلغ الخبر إلى العزيز فعظم عليه، واستنفر الناس للجهاد، وبرز من القاهرة، وذلك سنة إحدى وثمانين. ثم انتقض منير في دمشق،فزحف إليه منجوتكين إلى دمشق.

أخبار الوزراء

كان وزير المعز لدين الله، يعقوب بن يوسف بن كلس أصله من اليهود وأسلم، وكان يدبّر الأحوال الأخشيدية بمصر، وعزله أبو الفضائل بن الفرات سنة سبع وخمسين، وصادره فاستتر بمصر، ثم فّر إلى المغرب ولقي المعز لدين الله، وجاء في ركابه إلى مصر فاستوزره وعظم مقامه عنده، واستوزره بعده إبنه العزيز إلى أن توفي سنة ثمانين، وصلى عليه العزيز وحضر دفنه، وقضى عنه دينه، وقسّم عمله فردّ النظر في الظلامات إلى الحسن بن عمّار كبير كتامة، وردّ النظر في الأموال إلى عيسى بن نسطورس، ولم تزل الوزارة سائر دولتهم في أرباب الأقلام، وكانوا بمكان، وكان منهم البارزي. وكان مع الوزارة قاضي القضاة وداعي الدعاة. وسأل أن يرسم إسمه على السكّة فغرب ومنع، ومات قتيلا بتنيس. وأبو سعيد النسري، وكان يهودياً وأسلم قبل وزارته، والجرجاني وقطع الجرجاني في أمر منع من الكتب فيه فكتب وحلف الحاكم بيمين لا تكفّر ليُقطعنّه. ثم ردّه بعد ثلاث وخلع عليه وابن أبي كُدينة ثلاثة عشر شهراً. ثم صرف وقتل وأبو الطاهر بن ياشاد، وكان من أهل الدين واستعفى فأُعفِيَ، وأقام معتكفاً في جامع مصر، وسقط ليلة من السطح فمات. وكان آخرهم الوزير أبو القاسم بن المغربيّ، وكان بعده بدر الجيالي أيام المستنصر وزير سيف الدولة، واستبدّ له على الدولة، ومن بعده منهم كما يأتي في أخبارهم.

أخبار القضاة

كان النُعمان بن محمد بن منصور بن أحمد بن حيُّون في خطة القضاء للمعزّ بالقيروان. ولما جاء إلى مصر أقام بها في خطة القضاء إلى أن توفي، وولي ابنه عليّ، ثم توفي سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، فولّى العزيز أخاه أبا عبد الله محمداً، خلع عليه وقُلّده سيفاً. وكان المعز قد وعد أباه بقضاء إبنه محمد هذا بمصر، وتمّ في سنة تسع وثمانين أيام الحاكم. وكان كبير الصيت، كثير الإحسان، شديد الاحتياط في العدالة فكانت أيامه شريفة. ووليَ بعده ابن عمه أبو عبد الله الحسين علي بن النعمان أيام الحاكم،  ثم عزل سنة أربع وتسعين، وقتل وأحرق بالنار، ووليَ مكانه ملكة بن سعيد الفارقيّ إلى أن قتله الحاكم سنة خمس وأربعمائة بنواحي القصور، وكان عالم المنزلة عند الحاكم ومداخلاً له في أمور الدولة، وخالصة له في خلواته. وولّى بعده أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي العوّام. واتصل في آخرين إلى آخر دولتهم، كان كثيراً ما يجمعون للقاضي المظالم والدعوة، فيكون داعي الدعاة، وربما يفردون كلاًّ منهما. وكان القاضي عندهم يصعد مع الخليفة المنبر مع من يصعده من أهل دولته عندما يخطب الخلفاء في الجمع والأعياد.

وفاة المعز وولاية ابنه الحاكم

قد تقدم لنا أنّ العزيز استنفر الناس للجهاد سنة إحدى وثمانين، وبرز في العساكر لغزو الروم، ونزل بلبيس فاعتورته الامراض، واتصلت به إلى أن هلك آخر رمضان سنة ست وثمانين لإحدى عشرة سنة ونصف من خلافته، ولقّب الحاكم بأمر الله، واستولى برجوان الخادم على دولته كما كان لأبيه العزيز بوصيته بذلك، وكان مدبّر دولته، وكان رديفه في ذلك أبو محمد الحسن بن عمّار ويلقّب بأمين الدولة، وتغلّب على ابن عمّار، وانبسطت أيدي كتامة في أموال الناس وحرمهم، ونكر منجوتكين تقديم ابن عمّار في الدولة، وكاتب برجوان بالموافقة على ذلك فأظهر الانتقاض، وجهّز العساكر لقتاله مع سليمان بن جعفر بن فلاح فلقيهم بعسقلان، وانهزم منجوتكين وأصحابه، وقتل منهم ألفين، وسيق أسيراً إلى مصر فأبقى عليه ابن عمّار، واستماله للمشارقة، وعقد على الشام لسليمان بن فلاح، ويكّنى أبا تميم، فبعث من طبريّة أخاه عليا إلى دمشق، فامتنع أهلها، فكاتبهم أبو تميم، وتهدّدهم وأذعنوا، ودخل على البلد ففتك فيهم. ثم قدّم أبو تميم فأمّن وأحسن، وبعث أخاه علياً إلى طرابلس، وعزل عنها جيش ابن الصمصامة فسار إلى مصر، وداخل برجوان في الفتك بالحسن بن عمّار وأعيان كتامة، وكان معهما في ذلك شكر خادم عضد الدولة، نزع إلى مصر بعد مهلك عضد الدولة، ونكبة أخيه شرف الدولة إياه، فخلص إلى العزيز فقرّبه، وحظي عنده، فكان مع برجوان وجيش بن الصمصامة. وثارت الفتنة، واقتتل المشارقة والمغاربة فانهزمت المغاربة، واختفى ابن عمّار وأظهر برجوان الحاكم وجدّد له البيعة، وكتب إلى دمشق بالقبض على أبي تميم بن فلاح فنهب، ونهبت خزائنه، واستمرّ القتل في كتامة واضطربت الفتنة بدمشق، واستولي الأحداث. ثم أذن برجوان لابن عمّار شي الخروج من أستاره، وأجرى له أرزاقه على أن يقيم بداره. واضطرب الشام فانتقض أهل صور، وقام بها رجلٌ ملاّح إسمه العلاّقة، وانتقض مُفَرّج بن دغفل بن الجّراح، ونزل على الرملة، وعاث في البلاد، وزحف الدوقش ملك الروم إلى حصن أفامية محاصراً لها. وجهّز برجوان العساكر مع جيش ابن الصمصامة فسار إلى عبد الله الحسين بن ناصر الدولة بن حمدون، وأسطولاً في البحر، واستنجد العلاّقة ملك الروم فأنجده بالمقاتلة في المراكب، فظفر بهم أسطول المسلمين. واضطرب أهل صور، وملكها ابن حمدان، وأسر العلاّقة، وُبعِثَ به إلى مصر فسلخ وصلب، وسار جيش ابن الصمصامة إلى الفرج بن دغفل فهرب أمامه، ووصل إلى دمشق وتلقّاه أهلها مذعنين، وأحسن إليهم وسكّنهم، ورفع أيدي العدوان عنهم. ثم سار إلى أفامية وصافّ الروم عندها فانهزم أولاً هو وأصحابه ،وثبت بشارة أخشيدي بن قرارة في خمسمائة فارس، ووقف الدوقش ملك الروم على رابية في ولده، وعدّة من غلمانه ينظر فعل الروم في المسلمين، فقصد كردي من مصاف الأخشيدي ،وبيده عصا من حديد يسمّى الخشت، وظنّه الملك مستأمناً، فلما دنا منه ضربه بالخشت فقتله، وانهزم الروم وأتبعهم جيش بن الصمصامة إلى أنْطاكِية يغنم ويسبى ويحرق. ثم عاد مظفّراً إلى دمشق فنزل بظاهرها ولم يدخل. واستخلص رؤساء الأحداث واستحجبهم وأُقيم له الطعام في كل يوم، وأقام على ذلك برهة. ثم أمر أصحابه إذا دخلوا للطعام أن يغلق باب الحجرة عليهم، ويوضع السيف في سائرهم، فقتل منهم ثلاثة آلاف، ودخل دمشق، وطاف بها، وأحضر الأشرف فقتل رؤساء الأحداث بين أيديهم، وبعث بهم إلى مصر، وأمّن الناس.ثم إنه توفي وولىّ محمود بن جيش، وبعث برجوان إلى بسيل ملك الروم فصالحه لعشر سنين، وبعث جيشاً إلى برقة وطرابلس المغرب ففتحها، وولّى عليها يانساً الصِقليّ. ثم ثقل مكان برجوان على الحاكم فقتله سنة تسع وثمانين، وكان خِصِيّا أبيض، وكان له وزير نصراني استوزره الحاكم من بعده. ثم قتل الحسين بن عمّار، ثم الحسين بن جوهر القائد. ثم جهّز العساكر مع يارختكين إلى حلب، وقصد حسّان بن فرج الطائي، لما بلغ من عيثه وفساده. فلما رحل من غزوه إلى عسقلان لقيه حسّان وأبوه مفرج فانهزم وقتل، ونهبت النواحي، وكثرت جموع بني الجرّاح، وملكوا الرملة، واستقدموا الشريف أبا الفتوح الحسن بن جعفر أمير مكة فبايعوه بالخلافة.ثم استمالهما الحاكم ورغّبهما فردّاه إلى مكة، وراجعا طاعة الحاكم، وراجع هو كذلك، وخطب له بمكة. ثم جهّز الحاكم العساكر إلى الشام مع عليّ ابن جعفر بن فلاح، وقصد الرملة، فانهزم حسّان بن مفرج وقومه، وغلبهم على تلك البلاد واستولى على أموالهم وذخائرهم، وأخذ ما كان لهم من الحصون بجبل السراة، ووصل إلى دمشق في شوّال سنة تسعين، فملكها واستولى عليها، وأقام مفرج وابنه حسّان شريدين بالقفز نحواً من سنتين. ثم هلك مفّرج، وبعث حسّان إبنه إلى الحاكم فأمّنه وأقطعه، ثم وفد عليه بمصر فأكرمه ووصله.

خروج أبي ركوة ببرقة والظفر به:

كان أبو ركوة هذا يزعم أنه الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الداخل، وأنه هرب من المنصور بن أبي عامر حين تتّبعهم بالقتل وهو ابن عشرين سنة، وقصد القيروان فأقام بها يعلّم الصبيان. ثم قصد مصر وكتب الحديث، ثم سار إلى مكة واليمن والشام، وكان يدعو للقائم من ولد أبيه هشام، وإسمه الوليد، وإنما لقبه أبا ركوة لأنه كان يحملها لوضوئه على عادة الصوفيّة. ثم عاد إلى نواحي مصر ونزل على بني قُرَّة من بادية هلال بن عامر، وأقام يعلّم الصبيان ويؤمهم في صلاتهم. ثم أظهر ما في نفسه، ودعا للقائم. وكان الحاكم قد اسرف في القتل في أصناف الناس وطبقاتهم، والناس معه على خطر، وكان قتل جماعة من بني قُرَّة، وأحرقهم بالنار لفسادهم، فبادر بنو قُرَّة، وكانوا في أعمال برقة فأجابوه وانقادوا له وبايعوا. وكان بينهم وبين لواتة ومزاتة وزناتة جيرانهم في الاصل حروب ودماء فوضعوها، واتّفقوا على بيعته.وكتب عامل برقة أنيال الطويل بخبرهم إلى الحاكم فأمره بالكفّ عنهم. ثم اجتمعوا وساروا إلى برقة فهزموا العامل برمادة، وملكوا برقة، وغنموا الأموال والسلاح وقتلوه. وأظهر أبو ركوة العدل، وبلغ الخبر إلى الحاكم فاطمأنت نفسه، وكفّ عن الأذى والقتل، وجهّز خمسة آلاف فارس مع القائد أبي الفتوح الفضل بن صالح فبلغ ذات الحمّام، وبينها وبين برقة مفازة صعبة معطشة، وأمر أبو ركوة من غور المياه التي فيها. على قلبها. ثم سار للقائهم بعد خروجهم من المفازة على جهد العطش فقاتلهم، ونال منهم وثبت أبو ركوة، واستأمن إليه جماعة من كتامة لما نالهم من أذى الحاكم وقتله فأمّنهم، ولحقوا به، وانهزمت عساكر الحاكم، وقتل خلق كثير منهم. ورجع أبو ركوة إلى برقة ظافراً، وردّد البعوث والسرايا إلى الصعيد وأرض مصر. وأهمّ الحاكم أمره، وندم على ما فّرط. وجهّز عليّ بن فلاح العساكر لحربهم. وكاتب الناس أبا ركوة يستدعونه، وممن كتب إليه الحسن بن جوهر قائد القوّاد، وبعثهم في ستة عشر ألف مقاتل سوى العرب، وبعث أخاه في سرية فواقع بني قُرَّة وهزمهم، وقتل من شيوخهم عبد العزيز بن مّصعب، ورافع بن طراد ومحمد بن أبي بكر، واستمال الفضل بني قُرَّة فأجابه ماضي بن مقرب من أمرائهم، وكان يطالعه بأخبارهم. وبعث عليّ بن فلاح عسكراً إلى الفيّوم فكبسه بنو قُرَّة وهزموه، ونزل أبو ركوة بالهرمين، ورجع من يومه. ثم رحل الفضل إلى الفيّوم لقتالهم فواقعهم برأس البركة وهزمهم، واستأمن بنو كلاب وغيرهم، ورجع عليّ بن فلاح، وتقدّم الفضل لطلب أبي ركوة، وخذل ماضي بن مقرب بني قُرَّة عن أبي ركوة فقالوا له أنج بنفسك إلى بلد النوبة، ووصل إلى تخومهم وقال: أنا رسول الحاكم، فقالوا: لا بدّ من استئذان الملك، فوكّلوا به، وطالعوا الملك بحقيقة الحال. وكان صغيراً قد وليَ بعد سرقة أبيه، وبعث إليه الفضل بشأنه، وطلبه فكتب إلى شجرة بن مينا قائد الخيل بالثغر بأن يسلّمه إلى نائب الحاكم، فجاء به رسول الفضل، وأنزله الفضل في خيمة، وحمله إلى مصر فطيف به على جمل لابسا طرطوراً وخلفه قرد يصفعه. ثم حمل إلى ظاهر القاهرة ليقتل، فمات قبل وصوله، وقُطِعَ رأسهُ وصُلِبَ. وبالغ الحاكم في إكرام الفضل، ورفع مرتبته، ثم قتله بعد ذلك، وكان ظفر الحاكم بأبي ركوة سنة سبع وتسعين.

بقية أخبار الحاكم:

كان الحسن بن عمّار زعيم كتامة مدّبر دولته كما ذكرناه، وكان برجوان خادمه وكافله، وكان بين الموالي والكتاميين في الدولة منافسة. وكان كثيراً ما يفضي إلى القتال. واقتتلوا سنة سبع وثمانين. وأركب المغاربة ابن عمّار، والموالي برجوان، وكانت بينهم حروب شديدة. ثم تحاجزوا واعتزل ابن عمّار الأمور، وتخلّى بداره عن رسومه وجراياته، وتقدّم برجوان بتدبير الدولة. وكان كاتب بن فهر بن إبراهيم يربع، وينظر في الظلامات، ويطالعه. وولّى على برقة يانس صاحب الشرطة مكان صندل. ثم قتل برجوان سنة تسع وثمانين، ورجع التدبير إلى القائد أبي عبد الله الحسين بن جوهر، وبقي ابن فهر على حاله. وفي سنة تسعين انقطعت طرابلس عن منصور بن بلكين بن زيري صاحب أفريقية، وولّى عليها يأنس العزيزي، من موالي العزيز، فوصل إليها، وأمكنه عامل المنصور منها، وهو عصولة بن بكّار.وجاء إلى الحاكم بأهله وولده وماله وأطلق يد يأنس على مخلّفه بطرابلس، يقال كان له من الولد نيف وستون بين ذكر وأنثى، ومن السراري خمس وثلاثون فتلقيّ بالمبّرة وهُيّيء له القصور، ورُتّب له الجراية وقلّده دمشق وأعمالها ،فهلك بها لسنة من ولايته. وفي سنة إثنتين وتسعين وصل الصريخ من جهة فلفول بن خزرون المُغراوي في ارتجاع طرابلس إلى منصور بن بلكين، فجهزّت العساكر مع يحيى بن علي الأندلسي الذي كان جعفر أخوه عامل الزاب للعبيديين، ونزع إلى بني أمية وراء البحر. ولم يزل هو وأخوه في تصريفهم إلى أن قتل المنصور بن أبي عامر جعفراً منهما، ونزع أخوه يحيى إلى العزيز بمصر فنزل عليه، وتصرّف في خدمته وبعثه الآن الحاكم في العساكر لما قدّمناه، فاعترضه بنو قُرَّة ببرقة ففضّوا جموعه. ورجع إلى مصر وسار يانس من برقة إلى طرابلس، فكان من شأنه مع عصولة ما ذكرناه.وبعد وفاة عصولة وليَ على دمشق مفلح الخادم، وبعده عليّ بن فلاح سنة ثمان وتسعين. وبعد مسير يانس ولى على برقة صندل الأسود. وفي سنة ثمان وتسعين عزل الحسين بن جوهر القائد، وقام بتدبير الدولة صالح بن علي بن صالح الروباذيّ. ثم نكب حسين القائد بعد ذلك وقتل، ثم قتل صالح بعد ذلك، وقام بتدبير الدولة الكافي بن نصر بن عبدون، وبعده زُرعة بن عيسى بن نسطورس، ثم أبو عبد الله الحسن بن طاهر الوزّان. وكثر عيث الحاكم في أهل دولته، وقتْلِهِ إيّاهم مثل الجرجراي وقطعه أيديهم، حتى أنّ كثيراً منهم كانوا يهربون من سطوته، وآخرون يطلبون الأمان فيكتب لهم به السجلاّت. وكان حاله مضطرباً في الجور والعدل، والإخافة والأمن، والنسك والبدعة. وأمّا ما يرمى به من الكفر، وصدور السجلات بإسقاط الصلوات فغير صحيح، ولا يقوله ذو عقل، ولو صدر من الحاكم بعض ذلك لقتل لوقته. وأمّا مذهبه في الرافضة فمعروف. ولقد كان مضطرباً فيه مع ذلك، فكان يأذّن في صلاة التراويح ثم ينهى عنها. وكان يرى بعلم النجوم ويؤثره، وينقل عنه أنه منع النساء من التصرّف في الأسواق، ومنع من أكل الملوخيّا. ورفع إليه أنّ جماعة من الروافض تعرّضوا لأهل السُنَّة في التراويح بالرجم، وفي الجنائز فكتب في ذلك سجلاً قرىء على المنبر بمصر كان فيه:أمّا بعد، فإن‍ّ أمير المؤمنين، يتلو عليكم آية من كتاب الله المبين،{ لا إكراه في الدين }[ الآية]. مضى أمس بما فيه، وأتى اليوم بما يقتضيه. معاشر المسلمين نحن الأئمة، وأنتم الأمّة. لا يحلّ قتل من شهد الشهادتين ولا يحلّ عروة بين إثنين، تجمعها هذه الأخوّة، عصمَ الله بها من عصمْ، وحرّم لها ما حرّم، من كل محرّم، من دم ومال ومنكح، الصلاح والأصلح بين الناس أصلح، والفساد والإفساد من العبّاد يستقبح. يطوى ما كان فيما مضى فلا يُنْشَر، ويعرض عما انقضى فلا يُذْكَر. ولا يقبل على ما مرّ وأدبر من إجراء الأمور على ما كانت عليه في الأيام الخالية أيام آبائنا الأئمة المهتدين، سلام الله عليهم أجمعين، مهديهم بالله، وقائمهم بأمر الله، ومنصورهم بالله، ومعزّهم لدين الله، وهو إذ ذاك بالمهديّة والمنصوريّة، وأحوال القيروان تجري فيها ظاهرة غير خفيّة، ليست بمستورة عنهم ولا مطويّة. يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون، صلاة الخمس للدين بها جاءهم فيها يصلون، وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون. يخمّس في التكبير على الجنائز المخمّسون، ولا يمنع من التكبير عليها المربّعون. يؤذّن بحيّ على خير العمل المؤذّنون، ولا يؤذى من بها لا يؤذّنون. لا يسبّ أحد من السلف، ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يوصف، والخالف فيهم بما خلف. لكل مسلم مجتهد في دينه اجتهاده وإلى الله ربّه ميعاده، عنده كتابه، وعليه حسابه. ليكن عباد الله على مثل هذا عملكم منذ اليوم، لا يستعلي مسلم على مسلم بما اعتقده، ولا يعترض معترض على صاحبه فيما اعتمده. من جميع ما نصّه أمير المؤمنين في سجلّه هذا، وبعد قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون } والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب في رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.

وفاة الحاكم وولاية الظاهر

ثم توفي الحاكم بأمر الله منصور بن العزيز نزار، قتيلا ببركة الحبش بمصر، وكان يركب الحمار ويطوف بالليل، ويخلو بدار في جبل المقطم للعبادة، ويقال لاستنزال روحانية الكواكب. فصعد ليلة من ليالي لثلاث بقين من شوّال سنة إحدى عشرة ركب على عادته ومشى معه راكبان فردّهما واحداً بعد آخر في تصاريف أموره. ثم افتُقِدَ ولم يرجع، وأقاموا أياماً في انتظاره. ثم خرج مُظَفَّر الصقلي والقاضي وبعض الخواصّ إلى الجبل فوجدوا حماره مقطوع اليدين، واتبعوا أثره إلى بركة الحبش فوجدوا ثيابه مُزرّرة، وفيها عدّة ضربات بالسكاكين فأيقنوا بقتله. ويقال إنّ أخته بلغه أنّ الرجال يتناوبون بها فتوعّدها فأرسلت إلى ابن دواس من قوّاد كتامة، وكان يخاف الحاكم فأغرته بقتله، وهوّنته عليه، لما يرميه به الناس من سوء العقيدة، فقد يهلك الناس ونهلك معه. ووعدته بالمنزلة والاقطاع، فبعث إليه رجلين فقتلاه في خلوته. ولما أيقنوا بقتله اجتمعوا إلى أخته ست الملك فأحضرت عليّ بن دواس، وأجلس علي بن الحاكم صبياً لم يناهز الحلم، وبايع له الناس ولقّب الظاهر لإعزاز دين الله، ونفذت الكتب إلى البلاد بأخذ البيعة له. ثم حضر ابن دواس من الغد، وحضر معه القوّ‍اد فأمرت ست الملك خادمها فعلاه بالسيف امامهم حتى قتله، وهو ينادي بثأر الحاكم فلم يختلف فيه اثنان، وقامت بتدبير الدولة أربع سنين. ثم ماتت، وقام بتدبير الدولة الخادم مِعُضاد وتافر بن الوزّان، وولى وزارته أبو القاسم علي بن احمد الجرجراي وكان متغلبا على دولته، وانتقض الشام خلال ذلك، وتغلّب صالح بن مرداس من بني كلاب على حلب، وعاث بنو الجراح في نواحيه فبعث الظاهر سنة عشرين قائده الزريري والي فلسطين في العساكر، وأوقع بصالح بن الجراح، وقُتِل صالح وابنه وملك دمشق.وملك حلب من يد شبل الدولة نصر بن صالح وقتله، وكان بينه وبين بني الجَراح قبل ذلك وهو بفلسطين حروب؟ حتى هرب من الرملة إلى قيسارية فاعتصم بها، وأخرب ابن الجّراح الرملة واحرقها. وبعث السرايا فانتهت إلى العريش وخشي أهل بلبيس وأهل القرافة على أنفسهم فانتقلوا إلى مصر، وزحف صالح بن مرداس في جموع العرب لحصار دمشق، وعليها يومئذ ذو القرنين ناصر الدولة بن الحسين. وبعث حسّان بن الجّراح إليهم بالمدد، ثم صالحوا صالح بن مرداس، وانتقل إلى حصار حلب، وملكها من يد شعبان الكتامي وجردّت العساكر من الشام مع الوزيري، وكان ما تقدّم، وملك دمشق وأقام بها.

وفاة الظاهر وولاية ابنه المستنصر

ثم توفي الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن عليّ ابن الحاكم منتصف شعبان سنة سبع وعشرين لست عشرة سنة من خلافته، فولي أبنه أبو تميم معدّ، ولقّب المستنصر بأمر الله، وقام بأمره وزير أبيه أبو القاسم عليّ بن أحمد الجرجراي، وكان بدمشق الوزيري واسمه أقوش تكين. وكانت البلاد صلحت على يديه لعدله ورفقه وضبطه، وكان الوزير الجرجراي يحسده ويبغضه، وكتب إليه بإبعاد كاتبه ابي سعيد فانفذ إليه أنه يحمل الوزيري على الانتقاض فلم يجب الوزيري إلى ذلك واستوحش، وجاء جماعة من الجند إلى مصر في بعض حاجاتهم فداخلهم الجرجراي في التوثّب به، ودسّ معهم بذلك إلى بقية الجند بدمشق فتعلّلوا عليه * فخرج إلى بعلبك سنة ثلاث وثلاثين، فمنعه عاملها من الدخول فسار إلى حماة فمُنِع أيضاً فقوتل، وهو خلال ذلك ينهب فاستدعى بعض اوليائه من كفر طاب، فوصل إليه في ألفي رجل، وسار إلى حلب فدخلها وتوفي بها في جمادى الآخرة من السنة، وفسد بعده أمر الشام، وطمع العرب في نواحيه، وولّى الجرجراي على دمشق الحسين بن حمدان فكان قصارى أمره منع الشام، وملك حسّان بن مفرّج فلسطين، وزحف معزّ الدولة بن صالح الكلابي إلى حلب فملك المدينة، وامتنع عليه أصحاب القلعة، وبعثوا إلى مصر للنجدة فلم ينجدهم فسلّموا القلعة لمعزّ الدولة بن صالح فملكها.

مسير العرب إلي إفريقية

كان المعز بن باديس قد انتقض دعوة العبيديين بإفريقية، وخطب للقائم العباسيّ،وقطع الخطبة للمستنصر العلويّ سنة أربعين وأربعمائة فكتب إليه المستنصر يتهدّده. ثم إنه استوزر الحسين بن علي التازوري بعد الجرجراي، ولم يكن في رتبته فخاطبه المعز دون ما كان يخاطب من قبله، كان يقول في كتابه إليهم عبده، ويقول في كتاب التازوري صنيعته فحقد ذلك، واغرى به المستنصر واصلح بين زغبة ورياح من بطون هلال، وبعثهم إلى إفريقية وملكهم كل ما يفتحونه، وبعث إلى المعز: أما بعد فقد أرسلنا إليك خيولاً، وحملنا عليها رجالاً فحولاً، ليقضي الله أمراً كان مفعولا.

 فساروا إلى برقة فوجدوها خالية، لأن المعز كان اباد أهلها من زناتة فاستوطن العرب برقة، واحتقر المعز شأنهم، واشترى العبيد واستكثر منهم، حتى اجتمع له منهم ثلاثون الفاً.وزحف بنو زغبة إلى طرابلس فملكوها سنة ست وأربعين، وجازت رياح الأتبح وبنو عدي إلى إفريقية فأضرموها ناراّ. ثم سار امراؤهم إلى المعز، وكبيرهم مؤنس بن يحيى من بني مرداس من زياد فأكرمهم المعزّ، وأجزل لهم عطاياه فلم يغن شيئاً، وخرجوا إلى ما كانوا عليه من الفساد، ونزل بإفريقية بلاء لم ينزل بها مثله. فخرج إليهم المعزّ في جموعه من صنهاجة والسودان نحوا من ثلاثين الفاً، والعرب في ثلاثة آلاف فهزموه واثخنوا في صنهاجة بالقتل واستباحوهم. ودخل المعزّ القيروان مهزوما. ثم بيتهم بوم النحر، وهم في الصلاة فهزموه أعظم من الأولى.ثم سار إليهم بعد أن احتشد زناتة معه فانهزم ثالثة، وقتل من عساكره نحو من ثلاثة آلاف، ونزل العرب بمصلّى القيروان، ووالوا عليهم الهزائم، وقتلت منهم أمم. ثم أباح لهم المعز دخول القيروان للميرة فاستطالت عليهم العامة فقتلوا منهم خلقاً، وأدار المعزّ السور على القيروان سنة ست وأربعين. ثم ملك مؤنس بن يحيى مدينة باجة سنة ست وأربعين، وأمر المعز أهل القيروان بالانتقال إلى المهدية للتحصّين بها، وولّى عليها ابنه تيما سنة خمس وأربعين. ثم انتقل إليها سنة تسع وأربعين، وانطلقت أيدي العرب على القيروان بالنهب والتخريب، وعلى سائر الحصون والقرى كما يذكر في أخبارهم. ثم كانت الخطبة للمستنصر ببغداد على يد البساسيري من مماليك بني بويّه عند انقراض دولتهم، واستيلاء السلجوقيّة كما نذكره في أخبارهم.

مقتل ناصر الدولة ابن حمدان بمصر

كانت أمّ المستنصر متغلّبة على دولته، وكانت تصطنع الوزراء وتوليّهم، وكانوا يتخذون الموالي من الأتراك للتغلّب على الدولة. فمن استوحشت منه أغرت به المستنصر فقتله. فاستوزرت أولاً أبا الفتح الفلاحي، ثم استوحشت منه فقبض عليه المستنصر وقتله، ووزر بعده أبا البركات حسن بن محمد وعزله. ثم ولّي الوزارة أبا محمد التازوري من قرية بالرملة تسمى تازور، فقام بالدولة إلى أن قتل. ووزر بعده أبو عبد الله الحسين ابن البابلي، وكان في الدولة من موالي السودان ناصر الدولة بن حمدان، واستمالوا معهم كتامة والمصامدة. وخرج العبيد إلى الضياع واجتمعوا في خمسين ألف مقاتل، وكان الأتراك ستة آلاف، وشكوا إلى المستنصر فلم يشكهم، فخرجوا إلى غرمائهم والتقوا بكوم الريش، وأكمن الأتراك للعبيد ولقوهم فانهزموا، وخرج كمينهم على العبيد، وضربوا البوقات والكاسات فارتاب العبيد وظنّوه المستنصر فانهزموا وقتل منهم وغرق نحو أربعين الفاً.وفدى الأتراك وتغلّبوا، وعظم الإفتراء فيهم فخلت الخزائن، واضطربت الأمور وتجمّع باقي العسكر من الشام وغيره إلى الصعيد، واجتمعوا مع العبيد وكانوا خمسة عشر الفاً، وساروا إلى الجيزة فلقيهم الأتراك، وعليهم ناصر الدولة بن حمدان فهزموهم إلى الصعيد، وعاد ناصر الدولة والأتراك ظافرين. واجتمع العبيد في الصعيد، وحضر الأتراك بدار المستنصر فأمرت أمه العبيد بالدار أن يفتكوا بمقدمي الأتراك ففعلوا وهربوا إلى ظاهر البلد، ومعهم ناصر الدولة، وقاتل أولياء المستنصر فهزمهم، وملك الإسكندرية ودمياط وقطع الخطبة منهما ومن سائر الريف للمستنصر. وراسل الخليفة العبّاسيّ ببغداد وافترق الناس من القاهرة. ثم صالح المستنصر ودخل القاهرة واستبدّ عليه، وصادر أمه على خمسين ألف دينار، وافترق عنه أولاده وكثير من أهله في البلاد. ودسّ المستنصر لقوّاد الأتراك بأنه يحول الدعوة فامتعضوا لذلك، وقصدوه في بيته، وهو آمن منهم فلما خرج إليهم تناولوه بسيوفهم حتى قتلوه وجاءوا برأسه، ومروا على أخيه في بيته فقطعوا رأسه، وأتوا بهما جميعاً إلى المستنصر، وذلك سنة خمس وستين، وولّى عليهم الذكر منهم وقام بأمر الدولة.

استيلاء بدر الجمالي على الدولة

أصل بدر هذا من الأرمن من صنائع الدولة بمصر وواليها، وكان حاجباً لصاحب دمشق، واستكفاه فيما وراء بابه. ثم مات صاحب دمشق فقام بالأمور إلى أن وصل الأمير على دمشق، وهو ابن منير فسار هو إلى مصر وترقًى في الولايات إلى أن ولي عكَا وظهر منه كفاية واضطلاع. ولما وقع بالمستنصر ما وقع من استيلاء الترك عليه، والفساد والتضييق، استقدم بدرا الجمالي لولاية الأمور بالحضرة فاستأذن في الاستكثار من الجند لقهر من تغلب من جند مصر فأذن له في ذلك، وركب البحر من عكا في عشرة مراكب، ومعه جند كثيف من الارمن وغيرهم فوصل إلى مصر، وحضر عند الخليفة فولاَه ما وراء بابه، وخلع عليه بالعقد المنظوم بالجوهر مكان الطوق، ولقبه بالسيد الأجل أمير الجيوش، مثل والي دمشق. وأضيف إلى ذلك كافل قضاة المسلمين، وداعي دعاة المؤمنين، ورتّب الوزارة وزاده سيفه ورد الأمور كلّها إليه، ومنه إلى الخليفة. وعاهده الخليفة على ذلك، وجعل إليه ولاية الدعاة والقضاة، وكان مبالغاً في مذهب الإمامية فقام بالأمور، واستردّ ما كان تغلّب عليه أهل النواحي مثل ابن عفار بطرابلس، وابن معروف بعسقلان وبني عقيل بصور. ثم استرد من القوّاد والأمراء بمصر جميع ما أخذوه أيام الفتنة من المستنصر من الأموال والأمتعة.وسار إلى دمياط وقد تغلَب عليها جماعة من المفسدين من العرب وغيرهم فأثخن في لواته بالقتل والنهب في الرجال والنساء، وسبى نساءهم، وغنم خيولهم. ثم سار إلى جهينة وقد ثاروا ومعهم قوم من بني جعفر فلقيهم على طرخ العليا سنة تسع وستين فهزمهم، وأثخن فيهم، وغنم أموالهم. ثم سار إلى أسوان وقد تغلب عليها كنز الدولة محمد فقتله وملكها، وأحسن إلى الرعايا ونظّم حالهم وأسقط عنهم الخراج ثلاث سنين، وعادت الدولة إلى أحسن ما كانت عليه.

وصول الغز إلى الشام واستيلاؤهم عليه وحصارهم مصر

كان السلجوقية وعساكرهم من الغزّ قد استولوا في هذا العصر على خراسان والعراقين وبغداد، وملكهم طغرلبك، وانتشرت عساكرهم في سائر الأقطار، وزحف إتسز بن أنز من أمراء السلطان ملك شاه وسماه الشاميون أفسفس، والصحيح هذا، وهو اسم تركي هكذا قال ابن الأثير فزحف سنة ثلاث وثلاثين، بل وستين ففتح الرملة، ثم بيت المقدس، وحاصر دمشق وعاث في نواحيها، وبها المعلى بن حيدرة، ولم يزل يوالي عليها البعوث إلى سنة ثمان وستين، وكثر عسف المعلى بأهلها مع ما هم فيه من شدة الحصار فثاروا به، وهرب إلى بلسيس. ثم لحق بمصر فحبس إلى أن مات، ولما هرب من دمشق اجتمعت المصامدة وولوا عليهم انتصار بن يحمى منهم ولقبوه وزير الدولة. ثم اضطربوا مما هم فيه من الغلاء، وجاء أمير من القدس فحاصرهم حتى نزلوا على أمانه.وانزل وزير الدولة بقلعة بانياس، ودخل دمشق في ذي القعدة، وخطب فيها للمقتدي العباسي. ثم سار إلى مصر سنة تسع وستين فحاصرها، وجمع بدر الجمالي العساكر من العرب وغيرهم وقاتله فهزمه، وقتل اكثر أصحابه، ورجع إتسز منهزما إلى الشام فأتى دمشق، وقد صانوا مخلفه فشكرهم ورفع عنهم خراج سنة تسع وستين، وجاء إلى بيت المقدس فوجدهم قد عاثوا في مخلفه، وحصروا أهله وأصحابه في مسجد داود عليه السلام فحاصرهم ودخل البلد عنوة، وقتل أكثر أهله حتى قتل كثيرا في المسجد الأقصى.ثم جهز أمير الجيوش بدر الجمالي العساكر من مصر مع قائده نصير الدولة فحاصر دمشق، وضيق عليها، وكان ملك السلجوقية السلطان ملك شاه قد اقطع أخاه تتش سنة سبعين وأربعمائة بلاد الشام، وما يفتحه منها فزحف إلى حلب وحاصرها وضيق عليها، ومعه جموع كثيرة من التركمان فبعث إليه إتسز من دمشق يستصرخه فسار إليه، وأجفلت عساكر مصر عن دمشق، وخرج إتسز من دمشق للقائه فقتله وملك البلد، وذلك سنة إحدى وسبعين. وملك ملك شاه بعد ذلك حلب، واستولى السلجوقية على الشام أجمع وزحف أمير الجيوش بدر الجمالي من مصر في العساكر إلى دمشق، وبها تاج الدولة تتش فحاصره وضيق عليه، وامتنع عليه، ورجع، وزحفت عساكر مصر سنة اثنتين وثمانين إلى الشام فاسترجعوا مدينة صور من يد أولاد القاضي عين الدولة بن ابي عقيل، كان أبوهم قد انتزى عليها، ثم فتحوا مدينة صيدا، ثم مدينة جميل، وضبط أمير الجيوش البلاد وولى عليها العمال. وفي سنة أربع وثمانين استولى الفرنج على جزيرة صقلية، وكان أمير الجيوش قد ولى على مدينة صور منير الدولة الجيوشى من طائفته فانتقض سنة ست وثمانين، وبعث إليه أمير الجيوش العساكر فثار به أهل المدينة، واقتحمت عليهم العساكر، وبعث منير الدولة إلى مصر في جماعة من أصحابه فقتلوا كلهم.ثم توفي أمير الجيوش بدر الجمالي سنة سبع وثمانين في ربيع الأول لثمانين سنة من عمره. وكان له موليان أمين الدولة لاويز ونصير الدولة أفتكين، فلما قضى بدر نحبه استدعى المستنصر لاويز ليقلده فأنكر ذلك أفتكين، وركب في الجند وشغبوا على المستنصر، واقتحموا القصر، وأسمعوه خشن الكلام فرجع إلى ولاية ولد بدر، وقدم للوزارة ابنه محمدا الملك أبا القاسم شاه، ولقبه بالأفضل مثل لقب أبيه. وكان أبو القاسم بن المقري رديفا لبدر في وزارته بما كان اختصه لذلك، فولى بعد موته الوزارة المقري، وكانت عندهم عبارة عن التوقيع بالقلم الغليظ. وقام الأفضل أبو القاسم بالدولة، وجرى على سنن أبيه في الاستبداد، وكانت وفاة المستنصر قريبا من ولايته.

وفاة المستنصر وولاية ابنه المستعلي

ثم توفي المستنصر معد بن الظاهر يوم التروية سنة سبع وثمانين لستين سنة من خلافته، ويقال لخمس وستين بعد أن لقي أهوالا وشدائد وانفتقت عليه فتوق استهلك فيها أمواله وذخائره حتى لم يكن له إلا بساطه الذي يجلس عليه، وصار إلى حد العزل والخلع، حتى تدارك أمره باستقدام بدر الجمالي من عكا فتقوم أمره، ومكنه في خلافته. ولما مات خلف من الولد احمد ونزارا وأبا القاسم. وكان المستنصر فيما يقال قد عهد لنزار، وكانت بينه وبين ابي القاسم الأفضل عداوة فخشي بادرته، وداخل عمته في ولاية أبي القاسم، على أن تكون لها كفالة الدولة، فشهدت بان المستنصر عهد له بمحضر القاضي والداعي فبويع ابن ست، ولقب المستعلى بالله واكره أخوه الأكبر على بيعته ففر إلى الإسكندرية بعد ثلاث، وبها نصير الدولة أفتكين مولى بدر الجمالي الذي سعى للأفضل فانتقض وبايع لنزار بعهده، ولقب المصطفى لدين الله.

وسار الأفضل بالعساكر وحاصرهم بالإسكندرية، واستنزلهم على الامان أعطاهم اليمين على ذلك، واركب نزارا السفن إلى القاهرة وقتل بالقصر. وجاء الأفضل ومعه أفتكين اشيرا فأحضره يوما ووبخه فهم بالرد عليه فقتل بالضرب بالعصى، وقال: لا يتناول اليمين هذه للقتلة، ويقال أن الحسين بن الصباح رئيس الإسماعيلية بالعراق قصد المستنصر في زفي تاجر وسأله إقامة الدعوة له ببلاد العجم فأذن له في ذلك، وقال له الحسن من إمامي بعدك؟ فقال: ابني نزار فسار ابن الصباح ودعا الناس ببلاد العجم إليه سرا. ثم أظهر أمره وملك القلاع هنالك، مثل قلعة الموت وغيرها كما نذكره في أخبار الإسماعيلية، وهم من اجل هذا الخبر يقولون بإمامة نزار.ولما ولي المستعلي خرج ثغرعن طاعته وولي عليه واليه كشيلة، وبعث المستعلي العساكر فحاصره، ثم اقتحموا عليه، وحملوه إلى مصر فقتل بها سنة إحدى وتسعين وأربعمائة. وكان تتش صاحب الشام قد مات، واختلف بعده ابناه رضوان ودقاق، وكان دقاق بدمشق، ورضوان بحلب فخطب رضوان في أعماله للمستعلي بالله أياما قلائل ثم عاودوا الخطبة للعباسيين.

استيلاء الفرنج علي بين المقدس

كان بيت المقدس قد أقطعه تاج الدولة تتش للأمير سليمان بن ارتق التركماني، وقارن ذلك استفحال الفرنج واستطالهم على الشام، وخروجهم سنة تسعين وأربعمائة، ومروا بالقسطنطينية وعبروا خليجها وخلى صاحب القسطنطينية سبيلها ليحولوا بينه وبين صاحب الشام من السلجوقية والغز فنازلوا اولاً أنْطاكِية فأخذوها من يد باغيسيان، من قواد السلجوقية، وخرج منها هاربا فقتله بعض الأرمن في طريقه، وجاء برأسه إلى الفرنج بأنْطاكِية. وعظم الخطب على عساكر الشام، وسار كربوقا صاحب الموصل فنزل مرج دابق واجتمع إليه دقاق بن تتش، وسليمان بن ارتق، وطغتكين أتابك صاحب حمص، وصاحب سنجار، وجمعوا من كان هنالك من الترك والعرب، وبادروا إلى أنْطاكِية لثلاثة عشر يوماً من حلول الفرنج بها.وقد اجتمع ملوك الفرنج ومقدمهم بنميد، وخرج الفرنج وتصادموا مع المسلمين، فانهزم المسلمون وقتل الفرنج منهم ألوفا، واستولوا على معسكرهم، وساروا إلى معرة النعمان، وحاصروها أياما، وهربت حاميتها، وقتلوا منها نحوا من مائة ألف، وصالحهم ابن منقذ على بلده شيزر، وحاصروا حمص فصالحهم عليها جناح الدولة، ثم حاصروا عكة فامتنعت عليهم، وأدرك عساكر الغز من الوهن ما لا يعبر عنه فطمع أهل مصر فيهم، وسار الأفضل بن بدر بالعساكر لاسترجاع بيت المقدس فحاصرها، وبها سقمان، وأبو الغازي ابنا ارتق، وابن أخيهما ياقوتي وابن عمهما سوتج، ونصبوا عليها نيفا وأربعين منجنيقاً، أقاموا عليها نيفا وأربعين يوما ثم ملكوها بالأمان في سنة تسعين.وأحسن الأفضل إلى سقمان وأبي الغازي ومن معهما، وخفى سبيلهم، فسار سقمان إلى بلد الرها وأبو الغازي إلى بلد العراق، وولى الأفضل على بيت المقدس، ورجع إلى مصر ثم سارت الفرنج إلى بيت المقدس وحاصروه نيفا وأربعين يوما، ونصبوا عليه برجين، ثم اقتحموها من الجانب الشمالي لسبع بقين من شعبان، واستباحوها أسبوعا، ولجأ المسلمون إلى محراب داود عليه السلام، واعتصموا به، إلى أن استنزلهم الفرنج بالأمان، وخرجوا إلى عسقلان، وقتل بالمسجد عند الشجرة سبعون الفاً، واخذوا من المسجد نيفاً وأربعين قنديلا من الفضة، يزن كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة، وتنورا من الفضة يزن أربعين رطلا بالشامي، ومائة وخمسين قنديلا من الصفر، وغير ذلك مما لا يحصى. وأجفل أهل بيت المقدس وغيرهم من أهل الشام إلى بغداد، باكين على ما أصاب الإسلام ببيت المقدس من القتل والسبي والنهب. وبعث الخليفة أعيان العلماء إلى السلطان بركيارق وإخوته محمد وسنجر، بالمسير إلى الجهاد فلم يتمكنوا من ذلك، للخلاف الذي كان بينهم. ورجع الوفد مؤيسين من نصرهم. وجمع الأفضل أمير الجيوش بمصر العساكر، وسار إلى الفرنج فساروا إليهم وكبسوهم على غير أهبة فهزموهم. وافترق عسكر مصر، وقد لاذوا بخم الشعراء هناك فأضرموها عليهم ناراً فاحترقوا وقتل من ظهر، ورجع الفرنج إلى عسقلان فحاصروها حتى أنزلوا لهم عشرين ألف دينار فارتحلوا.

وفاة المستعلي وولاية ابنه الأمر

ثم توفي المستعلي أبو القاسم أحمد بن المستنصر منتصف صفر سنة خمس وتسعين لسبع سنين من خلافته، فبويع ابنه أبو علي ابن خمس سنين، ولقب الآمر بأحكام الله، ولم يل الخلافة فيهم أصغر منه، ومن المستنصر فكان هذا لا يقدر على ركوب الفرس وحده.

هزيمة الفرنج لعساكر مصر

ثم بعث الأفضل أمير الجيوش بمصر العساكر لقتال الفرنج مع سعد الدولة الفراسي أميرا، مملوك أبيه، فلقي الفرنج بين الرملة ويافا، ومقدمهم بغدوين فقاتلهم، وانهزم وقتل واستولى الفرنج على معسكره فبعث الأفضل ابنه شرف المعالي في العساكر فبارزوهم قرب الرملة وهزمهم، واختفى بغدوين في الشجر، ونجا إلى الرملة مع جماعة من زعماء الفرنج، فحاصرهم شرف المعالي خمسة عشر يوما حتى أخذهم فقتل منهم أربعمائة صبرا. وبعث ثلاثمائة إلى مصر ونجى بغدوين للغزو، وسار بهم إلى عسقلان فهرب شرف المعالي وعاد إلى أبيه. وملك الفرنج عسقلان، وبعث العساكر في البر مع تاج العجم مولى أبيه إلى عسقلان، وبعث ا أسطول في البحر إلى يافا مع القاضي ابن قادوس فبلغ إلى يافا، واستدعى تاج العجم وحبسه. وبعث جمال الملك من مواليه إلى عسقلان مقدم العساكر الشامية. ثم بعث الأفضل سنة ثمان وتسعين ابنه سنا الملك حسين، وأمر جمال الملك بالسير معه لقتال الفرنج فساروا في خمسة آلاف، واستمدوا طغتكين أتابك دمشق فأمدهم ألف وثلاثمائة، ولقوا الفرنج بين عسقلان ويافا فتفانوا بالقتل، وتحاجزوا، وافترق المسلمون إلى عسقلان ودمشق. وكان مع الفرنج بكتاش بن تتش، عدل عنه طغتكين بالملك إلى بني أخيه دقاق بن تتش فلحق بالإفرنج مغاضبا.

استيلاء الفرنج على طرابلس وبيروت

كانت طرابلس رجعت إلى صاحب مصر، وكان يحاصرها من الفرنج ابن المرداني صاحب صيحيل، والمدد يأتيهم من مصر. فلما كانت سنة ثلاث وخمسين وصل اسطول من الفرنج مع “ويمتدين” إلى صيحيل، من قمامصتهم فنزل على طرابلس، وتشاجر مع المرداني فبادر بغدوين صاحب القدس، وأصلح بينهم ونزلوا جميعا على طرابلس، وألصقوا أبراجهم بسورها، وتأخرت الميرة عنهم من مصر في البحر لركود البحر فاقتحمها الفرنج عنوة ثاني الأضحى من سنة ثلاث وخمسين، وقتلوا ونهبوا وأسروا وغنموا. وكان واليها قد أستأمن قبل فتحها في جماعة من الجند فلحقوا بدمشق، ووصل الأسطول بالمدد وكفاية سنة من الأقوات بعد فتحها ففرقوه في صور وصيدا وبيروت، واستولى الفرنج على معظم سواحل الشام. وإنما خصصنا هذه بالذكر في الدولة العلوية لأنها كانت من أعمالهم وسنذكر البقية في أخبار الفرنج أن شاء الله تعالى.

استرجاع أهل مصر بعسقلان:

كان الأمير قد استولى على عسقلان، وبها قائد من قواد شص الخلافة فداخل بغدوين صاحب بيت المقدس من الفرنج وهاداه ليمتنع به على أهل مصر، وجهز أمير الجيوش عسكرا من مصر للقبض عليه إذا حضر وشعر بذلك، وانتقض، وأخرج من عنده من أهل مصر، وخاف الأفضل أن يسلم عسقلان إلى الفرنج فأقره على عمله، وارتاب شمس الخلافة بأهل عسقلان وأتخذ بطانة من الأرمن فاستوحش أهل البلد فثاروا به وقتلوه، وبعثوا إلى الآمر والأفضل بذلك فأرسل إليهم الوالي من مصر، واحسن إليهم واستقامت أحوالهم. وحاصر بغدوين بعد ذلك مدينة صور وفيها عساكر الأرمن واشتد في حصارها بكل نوع وكان به عز الملك الأعز من أولياء الأمر فاستمد طغتكين اتابك دمشق فأمده بنفسه وطال الحصار، وحضر أوان الغلال فخشي الفرنج أن يفسد طغتكين غلال بلدهم فأفرجوا عنها إلى عكا وكفى بالله شرهم. ثم زحف بغدوين ملك الفرنج من القدس إلى مصر وبلغ سنتين، وسبح في النيل فانتقض عليه جرح كان به، وعاد إلى القدس ومات، وعهد بملك القدس للقمص صاحب الرها، ولولا ما نزال بملوك السلجوقية من الفتنة لكانوا قد استرجعوا من الفرنج جميع ما ملكوه من الشام. ولكن الله خبأ ذلك لصلاح الدير بن أيوب حتى فاز بذكره.

مقتل الأفضل

قد قدمنا أن الآمر ولاه الأفضل صغيرا ابن خمس، فلما استجمع واشتد تنكر للأفضل وثقلمت وطأته عليه، فانتقل الأفضل إلى مصر وبنى بها دارا ونزلها، وخطب منه الأفضل ابنته فزوجها على كره منه، وشاور الآمر اصحابه في قتله فقال له ابن عمه عبد المجيد، وكان ولي عهده لا تفعل، وحذره سوء الاحدوثة لما اشتهر بين الناس من نصحه ونصح أبيه وحسن ولايتهما للدولة، ولا بد من إقامة غيره والاعتماد فيتعرض للحذر من مثلها إلى الامتناع منه. ثم أشار عليه من مداخلة ثقته ابي عبد الله بن البطائحي في مثل ذلك فإنه يحسن تدبيره ويضع عليه من يغتاله، وبقتل به فيسلم عرضك. وكان ابن البطائحي فراشا بالقصر، واستخلصه الأفضل ورقاه واستحجبه فاستدعاه الآمر وداخله في ذلك، ووعده بمكانه فوضع عليه رجلان فقتلاه بمصر، وهو سائر في موكبه من القاهرة منقلبا من خزانة السلاح في سنة خمس عشرة وخمسمائة، كان يفرق السلاح على العادة في الأعياد، وثار الغبار في طريقه فانفرد عن الموكب فبدره الرجلان وطعناه فسقط، وقتلا، وحملا إلى داره وبه رمق فجاءه الآمر متوجعا، وسأله عن ماله فقال: أما الظاهر فأبو الحسن ابن ابي أسامة يعرفه، وكان أبوه قاضيا بالقاهرة، واصله من حلب. وأما الباطن فإن البطائحي يعرفه. ثم قضى الأفضل نحبه لثمان وعشرين سنة من وزارته، وإحتاط الآمر على داره فوجد له ستة آلاف كيس من الذهب العين، وخمسين أردبا من الورق، ومن الديباج الملون والمتاع البغدادي والاسكندري، وطرف الهند، وأنواع الطيوب والعنبر والمسك ما لا يحصى. حتى لقد كان من ذخائره دكة عاج وأبنوس محلاه بالفضة عليها عرم متمن من العنبر زنته ألف رطل، وعلى العرم مثل طائر من الذهب برجلين مرجانا ومنقار زمرذا، وعينان ياقوتتان كان ينصبها في بيته ويضوع عرفها فيعم القصر وصارت إلى صلاح الدين.

ولاية ابن البطائحي

قال ابن الأثير: كان أبوه من جواسيس الأفضل بالعراق، ومات ولم يخلف شيئا. ثم ماتت أمه وتركته معلقا فتعلم البناء اولاً. ثم صار يحمل الأمتعة بالأسواق، ويدخل بها على الأفضل فخف عليه واستخدمه مع الفراشين، وتقدم عنده واستحجبه ولما قتل الأفضل ولاه الآمر مكانه وكان يعرف بابن فاتت، وابن القائد فدعاه الآمر جلال الإسلام، ثم خلع عليه بعد سنتين من ولايته للوزارة، ولقبه المأمون فجرى على سنن الأفضل في الاستبداد، ونكر ذلك الآمر، وتنكر له، واستوحش المأمون، وكان له أخ يلقب المؤتمن فاستأذن الآمر في بعثه إلى الإسكندرية لحمايتها ليكون له ردءاً هنالك فأذن له، وسار معه القواد، وفيهم علي بن السلار، وتاج الملوك قائمين، وسنا الملك الجمل ودري الحروب وأمثالهم، وأقام المأمون على استيحاش من الآمر، وكثرت السعاية فيه وأنه يدعي أنه ولد نزار من جارية خرجت من القصر حاملا به، وأنه بعث ابن نجيب الدولة إلى اليمن يدعو له فبعث الآمر اليمن في استكشاف ذلك.

مقتل البطائحي:

ولما كثرت السعاية فيه عند الآمر، وتوغر صدره عليه، كتب إلى القواد الذين كانوا مع أخيه بثغر الإسكندرية بالوصول إلى دار الخلافة  فهم لذلك علي بن سلار فحضروا، واستأذن المؤتمن بعدهم في الوصول فأذن له. وحضر رمضان من سنة تسع عشرة فجاؤوا إلى القصر للإفطار على العادة، ودخل المأمون والمؤتمن فقبض عليهما وحبسهما داخل القصر، وجلس الآمر من الغد في إيوانه، وقرأ عليه وعلى الناس كتابا بتعديد ذنوبهم. وترك الآمر رتبة الوزارة خلوا، وأقام رجلين من أصحاب الدواوين يستخرجان الأموال من الخراج والزكاة والمكس، ثم عزلهما لظلمهما. ثم حضر الرسول الذي بعثه إلى اليمن ليكشف خبر المأمون، وحضر ابن نجيب وداعيته فقتل، وقتل المأمون وأخوه المؤتمن.

مقتل الآمر وخلافة الحافظ

كان الآمر مؤثرا للذاته، وطموحا إلى المعالي وقاعدا عنها، وكان يحدث نفسه بالنهوض إلى العراق في كل الوقت، ثم يقصر عنه، وكان يقرض الشعر قليلا ومن قوله:

أصبحت لا أرجو ولا القى     إلا إلهي وله الفضــل

جدي نبي وإمامي ابي          ومذهبي التوحيد والعـدل

وكانت الفداوية تحاول قتله فيتحرر منهم، واتفق أن عشرة منهم اجتمعوا في بيت، وركب بعض الأيام إلى الروضة، ومر على الجسر بين الجزيرة ومصر فسبقوه فوقفوا في طريقه. فلما توسط الجسر أنفرد عن الموكب لضيقه فوثبوا عليه، وطعنوه وقتلوا لحينهم، ومات هو قبل الوصول إلى منزله سنة أربع وعشرين وخمسمائة لتسع وعشرين سنة ونصف من خلافته. وكان قد استخلص مملوكين، وهما برغش العادل، وبرعوارد هزبر الملوك، وكان يؤثر العادل منهما، فلما مات الآمر تحيلوا في قيام المأمون عبد الحميد بالأمر، وكان أقرب القرابة سنا وابوه أبو القاسم بن المستضيء معه، وقالوا أن الآمر أوصى بأن فلانة حامل فدلته الرؤيا بأنها تلد ذكرا فهو الخليفة بعدي، وكفالته لعبد الحميد فأقاموه كافلا ولقبوه الحافظ لدين الله؟ وذكروا من الوصية أن يكون هزبر الملوك وزيرا والسعيدباس من موالي الأفضل صاحب الباب، وقرأوا السجل بذلك في دار الخلافة.

ولاية أبي علي بن الأفضل الوزارة ومقتله

ولما تقرر الأمر على وزارة هزبر الملوك، وخلع عليه أنكر ذلك الجند، وتولى كبر ذلك رضوان بن ونحش كبيرهم. وكان أبو علي بن الأفضل حاضرا بالقصر فحثه برغش العادل على الخروج حسدا لصاحبه، وأوجد له السبيل إلى ذلك فخرج، وتعلق به الجند، وقالوا: هذا الوزير ابن الوزير، وتنصل فلم يقبلوا، وضربوا له خيمة بين القصرين، وأحدقوا به، وأغلقت أبواب القصر فتسوروه، وولجوا من طيقانه. واضطر الحافظ إلى عزل هزبر الملوك، ثم قتله وولى أبو علي احمد بن الأفضل الوزارة، وجلس بدست أبيه، ورد الناس أموال الوزارة المقضية. واستبد على الحافظ ومنعه من التصرف، ونقل الأموال من الذخائر والقصر إلى داره، وكان إماميا متشددا فأشار عليه الإمامية بإقامة الدعوة للقائم المنتظر. وضرب الدراهم بإسمه دون الدنانير. ونقش عليها الله الصمد الإمام محمد، وهو الإمام المنتظر.

وأسقط ذكر إسمعيل من الدعاء على المنابر، وذكر الحافظ، وأسقط من الآذان حي على خير العمل. ونعت نفسه بنعوت أمر الخطباء بذكرها على المنابر. وأراد قتل الحافظ بمن قتله الآمر من أخوته، فإن الآمر أجحفهم عند نكبة الأفضل، وقتلهم فلم يقدر أبو علي على قتله، فخلعه واعتقله. وركب بنفسه في المواسم، وخطب للقائم مموها فتنكر له أولياء الشيعة ومماليك الخلفاء. وداخل يونس الجند من كتامة وغيرهم في شأنه، واتفقوا على قتله. وترصد له قوم من الجند فاعترضوه خارج البلد، وهو في موكبه، وهم يتلاعبون على الخيل. ثم اعتمدوه فطعنوه وقتلوه، وأخرجوا الحافظ من معتقله، وجددوا له البيعة بالخلافة، ونهب دار ابي علي. وركب الحافظ وحمل ما بقي فيها إلى القصر. واستوزر أبا الفتح يانسا الحافظي، ولقبه أمير الجيوش، وكان عظيم الهيبة بعيد الغور، واستبد عليه، فاستوحش كل منهما بصاحبه. ويقال أن الحاكم وضع له سما في المستراح هلك به، وذلك آخر ذي الحجة سنة ست وعشرين.

قيام حسن بن الحافظ  بأمر الدولة ومكره بأبيه ومهلكه

ولما هلك يانس، أراد الحافظ أن يخلي دست الوزارة ليستريح من التعب الذي عرض منهم للدولة، وأجمع أن يفوض ا أمور إلى ولده، وفوض إلى ابنه سليمان. ومات لشهرين فأقام ابنه الآخر حسنا فحدثته نفسه بالخلافة، وعزم على اعتقال أبيه، وداخل الإجناد في ذلك فأطاعوه، واطلع أبوة على أمره ففتك بهم. يقال إنه قتل منهم في ليلة أربعين. وبعث أبوه خادما من القصر فهزمه حسن، وبقي الحافظ محجورا، وفسد أمره، وبعث حسن بهرام الأرمني لحشد الأرمن ليستظهر بهم على الجند، وثاروا بحسن وطلبوه من أبيه، ووقفوا بين القصرين، وجمعوا الحطب لإحراق القصر. واستبشع إلى حافظ قتله بالحديد، فأمر طبيبه ابن فرقة عنه في ذلك سنة تسع وعشرين.

وزارة بهرام ورضوان بعده

ولما مات حسن بن الحافظ، ورحل بهرام لحشد الأرمن، اجتمع الجند وكان بهرام كبيرهم وراودوا الحافظ على وزارته فوافقهم، وخلع عليه، وفوض إليه الأمور السلطانية، واستثنى عليه الشرعية، وتبعه تاج الدولة أفتكين في الدولة، واستعمل الأرمن، وأهانوا المسلمين، وكان رضوان بن ولحيس صاحب الباب، وهو الشجاع الكاتب من أولياء الدولة، وكان ينكر على بهرام ويهزأ به فولاه بهرام الغربية، ثم جمع رضوان وأتى إلى القاهرة ففر بهرام وقصد قوص، في ألفين من ا أرمن، ووجد أخاه قتيلا فلم يعرض لأهل قوص، وباء بحق الخلافة، وصعد إلى أسوان فامتنعت عليه بكنز الدولة. ثم بعث رضوان العساكر في طلبه مع أخيه الأكبر، وهو إبراهيم ا أوحد فاستنزله على الأمان له وللأرمن الذين معه. وجاء به فأنزله الحافظ في القصر إلى أن مات على دينه، واستقر رضوان في الوزارة، ولقب بالأفضل وكان سنيا، وثان أخوه إبراهيم إماميا فأراد الاستبداد، وأخذ في تقديم معارفه سيفا وقلما. وأسقط المكوس، وعاقب من تصدى لها فتغير له الخليفة فأراد خلعه، وشاور في ذلك داعي الدعاة وفقهاء الإمامية فلم يعينوه في ذلك بشىء.

وفطن له الحافظ فدس خمسين فارسا ينادون في الطرقات بالثورة عليه، وينهضون باسم الحافظ فركب لوقته هاربا منتصف شوال سنة ثلاث وثلاثين، ونهبت داره، وركب الحافظ، وسكن الناس، ونقل ما فيها إلى قصره. وسار رضوان يريد الشام ليستنجد الترك، وكان في جملته شاور، وهو من مصطفيه وأرسل الحافظ الأمير بن مصال ليرده على الأمان فرجع وحبس في القصر، وقيل وصل إلى سرخد فأكرمه صاحبها أمين الدولة كمستكين، وأقام عنده ثم رجع إلي مصر سنة أربع وثلاثين فقاتلهم عند باب القصر وهزمهم. ثم افترق عنه أصحابه أرادوا العود إلى الشام فبعث عنه الحافظ بن مصال، وحبسه بالقصر إلى سنة ثلاث وأربعين فنقب الحبس وهرب إلى الجيزة، وجمع المغاربة وغيرهم، ورجع إلى القاهرة، ونزل عند جامع الأقمر، وأرسل إلى الحافظ في المال ليفرقه فبعث عشرين ألفاً على عادتهم مع الوزير، ثم استزاد عشرين وعشرين. وفي خلال ذلك وضع الحافظ عليه جمعا كثيرا من السودان فحملوا عليه وقتلوه، وجاؤوا برأسه إلى الحافظ. واستمر الحافظ في دولته مباشرا لأموره وأخلى رتبة الوزارة فلم يول أحدا بعده.

وفاة الحافظ وولاية ابنه الظافر

ثم توفي الحافظ لدين الله عبد الحميد بن الأمير أبي القاسم، أحمد بن المستنصر، سنة أربع وأربعين لتسع عشرة سنة ونصف من خلافته، وعن أبي العالية يقال بلغ عمره سبعا وسبعين سنة، ولم يزل في خلافته محجور الوزارة، ولما مات ولي بعده ابنه أبو منصور إسمعيل بعهده إليه بذلك، ولقب الظافر بأمر الله.

وزارة ابن مصال ثم ابن السلار

كان الحافظ لما عهد لابنه الظافر أوصاه بوزارة ابن مصال فاستوزره أربعين يوما، وكان علي بت السلار واليا على الإسكندرية، ومعه بلارة بنت عمه القاسم، وابنه منها عباس، وتزوجت بعده بابن السلار، وشب عباس، وتقدم عند الحافظ حتى ولي الغربية فلم يرض ابن السلار وزارة ابن مصال، واتفق مع عباس على عزله، وبلغ الخبر إلى ابن مصال فشكا إلى الظافر فلم يشكه فقال ذوو الحرب: ليس هنا من يقاتل ابن السلار فغضب الظافر، ودس عليه من بني علي مصلحيه فخرج إلى الصعيد وقدم ابن السلار إلى القاهرة فاستوزره الظافر، وهو منكر له، ولقبه العادل. وبعث العساكر مع العباس ربيبه في اتباع ابن مصال فخرج في طلبه.

وكان جماعة من لواتة السودان فتحصنوا من عباس في جامع دولام فأحرقه عليهم، وقتل ابن مصال وجاء برأسه. وقام ابن سلار بالدولة وحفظ النواميس وشد من مذاهبه أهله. وكان الخليفة مستوحشا منه منكرا له، وهو مبالغ في النصيحة والخدمة. واستخدم الرجالة لحراسته فارتاب له صبيان الخاص من حاشية الخليفة فاعتزموا على قتله ونمي ذلك فقبض على رؤوسهم فحبسهم، وقتل جماعة منهم وافترقوا، ولم يقدر الظافر على إنكار ذلك. واحتفل ابن السلار بأمر عسقلان، ومنعها من الفرنج، وبعث إليها بالمدد كل حين من الأقوات والأسلحة فلم يغن ذلك عنها، وملكها الفرنج، وكان لذلك من الوهن على الدولة ما تحدث به الناس.

ولما قتل العادل بن السلار صبيان الخاص تأكد نكر الخليفة له، واشتد قلقه. وكان عباس بن أبي الفتوح صديقاً ملاطفا له فكان يسكنه ويهديه. وكان لعباس ولد اسمه نصير، استخصه الظافر واستدناه، ويقال كان يهواه ففاوض العادل عباسا في شأن ابنه، عن مخالطة ابنه للظافر فلم ينته ابنه، فنهى العادلى جدته عن السماح للولد أن يدخل إلى بيته فشق ذلك على نصير وعلى أبيه، وتنكر للعادل. وزحف الفرنج إلى عسقلان فجهز العادل الجيوش والعساكر إليها مددا مع ما كان يمدها به، وبعثهم مع عباس ابن أبي الفتوح فارتاب لذلك، وفاوض الظافر في قتل العادل وحضر معهم مؤيداً لدولة الأمير أسامة بن منقذ أحد أمراء شيزر وكان مقرباً عند الظافر، وصديقا لعباس فاستصوب ذلك وحث عليه، وخرج عباس بالعساكر إلى بلبيس، وأوصى ابنه نصير بقتله فجاء في جماعة إلى بيت جدته، والعادل نائم فدخل إليه وضربه فلم يجهز عليه، وخرج إلى أصحابه. ثم دخلوا جميعا فقتلوه وجاؤوا برأسه إلى الظافر، ورجع عباس من بلبيس بالعساكر فاستوزره الظافر وقام بالدولة، وأحسن إلى الناص وأيس أهل عسقلان من المدد فأسلموا أنفسهم وبلدهم بعد حصار طويل، وكان ذلك كله سنة ثمان وأربعين.

مقتل الظافر واخويه وولاية ابنه الفائز

ولما وزر عباس للظافر، وقام بالدولة، كان ولده نصير من ندمان الظافر، وكان يهواه كما تقدم. وكان أسامة بن منقذ من خلصاء عباس وأصدقائه فقبح عليه سوء المقالة في ابنه، وأشار عليه بقتل الظافر فاستدعى ابنه نصيرا وقبح عليه في شناعة الاحدوثة فيه ببن الناس، وأغراه باغتيال الظافر ليمحو عنه ما يتحدث به الناس فسأل نصير من الظافر أن يأتي إلى بيته في دعوة فركب من القصر إليه فقتله نصير، ومن جاء معه، ودفنهم في داره وذلك في محرم سنة تسع وأربعين وباكر إلى القصر، ولم ير الظافر، وسأل خدام القصر فأحسن العذر، ورجع إلى أخوي الظافر يوسف وجبريل فخبرهما بركوب الظافر إلى دار نصير فقالا له: خبر الوزير. فلما جاء عباس من الغد أخبره بأنه ركب إلى بيت نصير ابنه، ولم يعد فاستشاط غيظا عليه، ورماه بأنه داخل اخويه في قتله. ثم استدعاهما فقتلهما، وقتل معهما ابنا هنالك لحسن بن الحافظ. ثم أخرج ابنه القاسم عيسى ابن خمس سنين، وحمله على كتفه، وأجلسه على سرير الملك، وبايع له بالخلافة، ولقبه الفائز بالله ونقل عباس بسب ذلك ما في القصر من الأموال والذخائر ما لا حد له. وعند خروجه بأخويه رأى القتلى فاضطرب وفزع، وبقي سائر أيامه يعتاده الصرع.

وزارة الصالح بن رزيك

ولما قتل الظافر وأخواه كما ذكرناه، كتب النساء من القصر إلى طلائع بن زريك وكان واليا على الاشمونين، والبهنسة. وجاء الخبر بان الناس اختلفوا على عباس بسبب ذلك فجمع وقصد القاهرة ولبس السواد حزنا، ورفع على الرماح الشعور التي بعث بها النساء حزنا. ولما عبر البحر خرج عباس وولده، ودفعوا ما قدروا عليه من مال وسلاح من حاصل الدولة، ومعهما صديقهما أسامة بن منقذ فاعترضهم الفرنج، وقاتلوا فقتل عباس، وأسر ولده، ونجا أسامة إلى الشام. ودخل طلائع القاهرة في ربيع سنة تسع وخمسين، رجاء إلى القصر راجلا. ثم مضى إلى دار عباس ومعه الخادم الذي حضر لقتله فاستخرجه من التراب، ودفنه عند آبائه، وخلع الفائز عليه الوزارة ولقبه الصالح. وكان إماميا كاتبا أديبا فقام بأمر الدولة، وشرع في جمع الأموال والنظر في الولايات. وكان الأوحد بن تميم من قرابة عباس والياً على تنيس، وكان لما سمع بفعله قريبه عباس جمع وقصد القاهرة فسبقه طلائع؟ فلما استقل بالوزارة أعاده إلى عمله بدمياط وتنيس. ثم بعث في فداء نصير من عباس بن الفرنج فجيء به وقتله، وصلبه به زويله. ثم نظر في المزاحمين من أهل الدولة، ولم يكن أرفع رتبة من تاج الملوك قايماز، وابن غالب فوضع عليهما الجند فطلبوهما فهربا، ونهب دورهما وتتبع كبراء الأمراء بمثل ذلك حتى خلا الجو، ووضع الرقباء والحجاب على القصر، وثقلت وطأته على الحرم، ودبرت عمة الفائز في قتل الصلح، وفرقت الأموال في ذلك. ونمي الخبر إليه فجاء إلى القصر، وأمر الأستاذين والصقالبة بقتلها فقتلوها سرا، وصار الفائز في كفالة عمته الصغرى، وعظم اشتداد الفائز واستفحل أمره، وأعطى الولايات للأمراء، واتخذ مجلساً لأهل الأدب يسامرون فيه، وكان يقرض الشعر ولا يجيده. وولى شاور السعدي على قرضه، وأشار عليه حجابه يصرفه، واستقدمه فامتنع وقال: أن عزلني دخلت بلاد النوبة. وعلى عهده كان استيلاء نور الدين محمود الملك العادل على دمشق من يد ابن طغتكين أتابك تتش، سنة تسع وأربعين وخمسمائة.

وفاة الفائز وولاية العاضد

ثم توفي الفائز بنصر الله، أبو القاسم عيسى بن الظافر إسمعيل، سنة خمس وخمسين، لست سنين من خلافته فجاء الصالح بن رزيك إلى القصر، وطلب الخدام بإحضار أبناء الخلفاء ليختار منهم، وعدل عن كبرائهم إلى صغرائهم لمكان استبداده فوقع اختياره على ابي محمد عبد الله بن يوسف قتيل عباس فبايع له بالخلافة، وهو غلام، ولقبه العاضد لدين الله، وزوجه ابنته وجهزها بما لم يسمع بمثله.

مقتل الصالح بن رزيك وولاية ابنه رزيك

ولما استفحل يمر الصالح، وعظم استبداده بجباية الأموال والتصرف، وحجر العاضد تنكر له الحرم ودس إلى الأمراء بقتله. وتولت كبر ذلك عمة العاضد الصغرى التي كانت كافلة الفائز بعد أختها. واجتمع قوم من القواد والسودان، منهم الريفي الخادم، وابن الداعي والأمير بن قوام الدولة، وكان صاحب الباب، وتواطؤا على قتله، ووقفوا في دهليز القصر، وأخرج ابن قوام الدولة الناس أمامه وهو خارج من القصر، واستوقفه عنبر الريفي يحادثه، وتقدم ابنه رزيك فوثب عليه جماعة منهم وجرحوه، وضرب ابن الداعي الصالح فأثبته، وحمل إلى داره فبقي يجود بنفسه يومه ذلك. وإذا أفاق يقول رحمك الله يا عباس ومات من الغد. وبعث إلى العاضد يعاتبه على ذلك فحلف على البراءة من ذلك، ونسبه إلى العمة، وأحضر ابنه رزيك وولاه الوزارة مكان أبيه، ولقبه العادل فأذن له في الأخذ بثأره فقتل العفة، وابن قوام الدولة، والأستاذ عنبر الريفي، وقام بحمل الدولة، وأشير عليه بصرف شاور من قوص، وقد كان أبوه أوصاه ببقائه وقال له قد ندمت على ولايته، ولم يمكني عزله فصرفه، وولى مكانه الأمير بن الرفعة فاضطرب شاور وخرج إلى طريق الواحات، وجمع وقصد القاهرة، وجاء الخبر إلى رزيك فعجز عن لقائه، وخرج في جماعة من غلمانه بعدة أحمال من المال والثياب والجوهر، وانتهى إلى طفيحة، واعترضه ابن النضر، وقبض عليه، وجاء به إلى شاور فاعتقله، واعتقل معه أخاه فأراد الهرب من محبسه فوشى به أخوه فقتل لسنة من ولايته، ولتسع سنين من ولاية أبيه.

وزارة شاور ثم الضرغام من بعده

ودخل شاور القاهرة سنة ثمان وخمسين، ونزل بدار سعيد السعداء ومعه ولده طبن، وشجاع والطازي، وولاه العاضد الوزارة ولقبه أمير الجيوش، وأمكنه من أموال بني رزيك فاستصفى معظمها، وزاد أهل الرواتب والجرايات عشرة أمثالها، واحتجب  عن الناس، وكان الصالح بن رزيك قد أنشأ في لواتة أمراء يسمون البرقية، وكان مقدمهم الضرغام، وكان صاحب الباب فنازع شاور في الوزارة لتسعة أشهر من ولايته، وثار عليه وأخرجه من القاهرة فلحق بالشام، وقتل ولده عليا وكثيرا من أمراء المصريين، حتى ضعفت الدولة، وخلت من الأعيان، وأدى ذلك إلى خرابها.

مسير شيركوه وعساكر نور الدين إلى مصر مع شاور

ولما لحق شاور إلى الشام نزل على الملك العادل نور الدين بدمشق صريخا، وشرط له ثلث الجباية على أن يقيم له العساكر. وجهز نور الدين شيركوه وكان مقدما في دولته ويذكر سبب اتصاله به في موضعه فساروا في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين، وقد تقدم نور الدين إلى أسد الدين شيركوه بان يعيد شاور إلى وزارته، وينتقم له ممن نازعه، وسار نور الدين بعساكره إلى طرف بلاد الفرنج ليمنعهم من اعتراض أسد الدين أن هموا به، ولما وصل اشد الدين وشاور إلى بلبيس، لقيهم ناصر الدين همام، وفخر الدين همام أخو الضرغام في عساكر مصر فهزموه، ورجع إلى القاهرة، وقتل رفقاؤه الأمراء البرقية الذين أغروه بشاور. ودخل أسد الدين القاهرة، ومعه أخو الضرغام أسيرا، وفر الضرغام فقتل بالجسر عند مشهد السيدة نفيسة، وقتل أخواه، وعاد شاور إلى وزارته، وتمكن منها. ثم نكث عهده مع أسد الدين وسلطانه وصرفه إلى الشام.

فتنة أسد الدين مع شاور وحصاره

ولما رجع أسد الدين من مصر إلى الشام، أقام بها في خدمة نور الدين. ثم استأذن نور الدين العادل سنة اثنتين وستين في العود إلى مصر فأذن له، وجهزه في العساكر وسار إلى مصر، ونازل بلاد الفرنج في طريقه. ثم وصل إلى أطفيح من ديار مصر، وعبر النيل إلى الجانب الغربي، ونزل الجيزة، وتصرف في البلاد الغربية نيفا وخمسين واستمد شاور الفرنج، وجاء بهم إلى مصر، وخرج معهم للقاء أسد الدين شيركوه فأدركوه بالصعيد فرجع للقائهم على رهب لكثرة عددهم، وصدقهم القتال فهزمهم على قلة من معه فأنهم لم يبلغوا ألفي فارس. ثم سار إلى الاسكندرية، وهو يجبي الأموال في طريقه إلى أن وصلها فاستأمن أهلها، وملكها، وولى عليها صلاح الدين يوسف بن أخيه نجم الدين أيوب، ورجع إلى جباية الصعيد. واجتمعت عساكر مصر والفرنج على القاهرة، وأزاحوا عللهم وساروا إلى الأسكندرية وحاصروا بها صلاح الدين فسار أسد الدين إليهم من الصعيد، ثم خذله بعض من معه من التركمان بمداخلة شاور، وبعثوا له أثر ذلك في الصلح فصالحهم ورد إليهم الأسكندرية، ورجع إلى دمشق فدخلها آخر ذي القعدة من سنة اثنتين وستين. واستطال الفرنج على أهل مصر، وشرطوا عليهم أن ينزلوا القاهرة وشحنة، وان تكون أبوابها بأيديهم لئلا تدخل عساكر نور الدين، وقرر ضريبة يحملها كل سنة فأجابه إلى ذلك.

رجوع أسد الدين إلى مصر ومقتل شاور ووزارته

ثم طمع الإفرنج في مصر، واستطالوا على أهلها، وملكوا بلبيس، واعتزموا على فصد القاهرة. وأمر شاور بتخريب مصر خشية عليها منهم فحرقت ونهب أهلها، ونزل الفرنج على القاهرة وأرسل العاضد إلى نور الدين يستنجده، وخشي شاور من إتفاق العاضد ونور الدين فداخل الفرنج في الصلح على ألفي ألف دينار مصرية معجلة، وعشرة آلاف إردب من الزرع، وحذرهم أمر القهر إلى ذلك، وكان فيه السفير الجليس بن عبد القوي، وكان الشيخ الموفق كاتب السر، وكان العاضد قد أمرهم بالرجوع إلى رأيه وقال: هو رب الحرمة علينا وعلى آبائنا، وأهل النصيحة لنا. فأمر الكامل شجاع بن شاور القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني أن يأتيه، ويشاوره فقال له قل لمولانا يعني العاضد أن تقرير الجزية للفرنج خير من دخول الغز للبلاد، وإطلاعهم على الأحوال. ثم بعث نور الدين العساكر مع أسد الدين شيركوه مددا للعاضد كما سأل، وبعث صلاح الدين ابن أخيه، وجماعة الأمراء فلما سمع الفرنج بوصولهم أفرجوا عن وفاة أسد الدين وولاية صلاح الدين الوزارة وقال ابن الطويل، مؤرخ دولة العبيدين: إنه هزمهم على القاهرة، ونهب معسكرهم، ودخل أسد الدين إلى القاهرة في جمادى سنة أربع وستين، وخلع عليه العاضد ورجع إلى معسكره، وفرضت له الجرايات. وبقي شاور على ريبة وخوف، وهو يماطله فيما يعين له من الأموال. ودس العاضد إلى أسد الدين بقتل شاور وقال: هذا غلامنا، ولا خير لك في بقائه، ولا لنا فبعث عليه صلاح الدين بن أخيه، وعز الدين خرديك. وجاء شاور إلى أسد الدين على عادته فوجده عند قبر الإمام الشافعي فسار إليه هنالك فاعترضه صلاح الدين وخرديك فقتلاه، وبعثا برأسه إلى العاضد، ونهبت العامة دوره، واعتقل ابناه شجاع والطازي، وجماعة من أصحابه بالقصر، وخلع عليه للوزارة واستقر في الأمر، وغلب على الدولة، وأقطع البلاد لعساكره. واستعد أصحابه في ولايتها، ورد أهل مصر إلى بلدهم، وأنكر ما فعلوه في تخريبها. ثم اجتمع بالعاضد مرة أخرى وقال له جوهر الأستاذ: يقول لك مولانا لقد تيقنا أن الله أدخرك نصرة لنا على أعدائنا فحلف له أسد الدين على النصيحة فقال له: الأمل فيك أعظم، وخلع عليه، وحسن عنده موقع الجليس بن عبد القوي، وكان داعي الدعاة وقاضي القضاة فأبقاه على مراتبه.

وفاة أسد الدين وولاية صلاح الدين الوزارة

ثم توفي أسد الدين رحمه الله تعلى لشهرين في أيام قلائل من وزارته، وقيل لأحد عشر شهرا، وأوصى أصحابه أن لا يفارقوا القاهرة. ولما توفي كان معه جماعة من الأمراء النورية، منهم عين الدولة الفاروقي، وقطب الدين نسال، وعين الدين المشطوب الهكاوي، وشهاب الدين محمود الحازمي فتنازعوا في طلب الرياسة، وفي الوزارة، وجمع كل أصحابه للمغالبة. ومال العاضد إلى صلاح الدين لصغره وضعفه عنهم، ووافقه أهل دولته على ذلك، بعد أن ذهب كثير منهم إلى دفع الغز وعساكرهم إلى الشرقية، ويولى عليهم قراقوش. ومال آخرون إلى وزارة صلاح الدين، ومالى العاضد إلى ذلك لمكافأته عن خدمته السالفة فاستدعاه، وولاه الوزارة، واضطرب أصحابه. وكان الفقيه عيسى الهكاري من خلصاء صلاح الدين فاستمالهم إليه إلا عين الدولة الفاروقي فإنه سار إلى الشام، وقام صلاح الدين بوزارة مصر نائباً عن نور الدين يكاتبه بالأمير الأصفهسان، ويشركه في الكتاب مع كافه الأمراء بالديار المصرية. ثم استبد صلاح الدين بالأمور، وضعف أمر العاضد، وهدم دار المعرفة بمصر، وكانت حبسا. وبناها مدرسة للشافعية، وبنى دار الغزل كذلك للمالكية، وعزل قضاة الشيعة، وأقام قاضيا شافعياً في مصر، واستناب في جميع البلاد.

حصار الفرنج دمياط

ولما جاء أسد الدين وأصحابه إلى مصر، وملكوها ودفعوهم عنها، ندموا على ما فرطوا فيها، وانقطع عنهم ما كان يصل إليهم، وخشوا غائلة العز على بيت المقدس، وكاتبوا الفرنج بصقلية والأندلس، واستنجدوهم، وجاءهم المدد من كل ناحية فنازلوا دمياط سنة خمس وستين، وبها شمس الخواص منكوريين فأمدها صلاح الدين بالعساكر والأموال، مع بهاء الدين قراقوش وأمراء الغز، واستمد نور الدين، واعتذر عن المسير إليها بشأن مصر والشيعة فبعث نور الدين العساكر إليها شيئا فشيئا، وسار بنفسه إلى بلاد الفرنج بسواحل الشام فضيق عليها، فاقلع الفرنج عن دمياط لخمسين يوما من نزولها فوجدوا بلادهم خراباً. وأثنى العاضد على صلاح الدين في ذلك. ثم بعث صلاح الدين غرابيه نجم الدين وأصحابه إلى مصر وركب العاضد للقائه تكرمة له.

واقعة الخصيان وعمارة

ولما استقام الأمر لصلاح الدين بمصر غص به الشيعة وأولياؤهم، واجتمع منهم العوريش، وقاضي القضاة ابن كامل، والأمير المعروف، والكاتب عبد الصمد، وكان فصيحا، وعمارة اليمني الشاعر الزبيدي، وكان متولي كبرها فاتفقوا على استدعاء الفرنج لأخراج الغز من مصر، وجعلوا لهم نصيبا وافرا من ارتفاعها، وعمدوا إلى شيعي من خصيان القصر اسمه نجاح ولقبه مؤتمن الدولة وكان قد ربى العاضد وصهره فأغروه بذلك، ورغبوا على أن يجمع رسول الفرنج بالعاضد فجمعه معه في بيته ملبساً بذلك، ولم يكن العاضد الذي حضر، وأوهموه انه عقد معه. ثم اتصل الخبر بنجم الدين بن مضال من أولياء الشيعة، وكان نجم الدين قد اختصه صلاح الدين وولاه الأسكندرية، واستغضبه بهاء الدين قراقوش ببعض النزغات فظنوا أنه غضب فاطلعوه على شأنهم، وأن يكون وزيرا وعمارة كات الدست، وصاحب ديوان الإنشاء، والمكاتبات مكان الفاضل بن كامل قاضي القضاة داعي الدعاة، وعبد الصمد جابي الأموال، والعوريش ناظرا عليه فوافقهم ابن مضال ووشى بهم إلى صلاح الدين فقبض عليهم، وعلى رسول الفرنج، وقررهم في عدة مجالس. وأحضر زمام القصر، وهو مختص بالغز، ونكر عليه خروج العاضد إلى بيت نجاح فحلف على نفسه وعلى العاضد أن هذا لم يقع، وأخبر العاضد بطلب حضور نجاح مع مختص فحضر، واعترف بالحق أن العاضد لم يحضر فتحقق صلاح الدين براءته. وكان عمارة يجالس شمس الدولة تورنشاه فنقل لأخيه صلاح الدين أنه امتدحه بقصيدة يغريه فيها بالمضي إلى اليمن، ويحمله على الإستبداد وأنه تعرض فيها للجانب النبوي، يوجب استباحة دمه وهو قوله:

فاخلق لنفسك ملكا لا تضاف به      إلى سواك وأور النار في العلم

هذا ابن تومرت قد كانت ولايته         كما يقول الورى لحماً على وضم

وكان أول هذا الدين من رجل           سعى إلى أن دعوه سيد الأمم

فجمعهم صلاح الدين وشنقهم في يوم واحد بين القصرين، وأخر ابن كامل عنهم عشرين يوما. ثم شنقه ومرعمارة بباب القاضي الفاضل فطلب لقاءه فمنع فقال وهو سائر إلى المشقة:

عبد الرحيم قد احتجب                   أن الخلاص هو العجب

وفي كتاب ابن الأثير: أن صلاح الدين إنما اطلع على أمرهم من كتابهم الذي كتبوه إلى الفرنجة، عثر على حامله، وقرأ الكتاب، وجيء به إلى صلاح الدين فقتل مؤتمن الخلافة لقرينة، وعزل جميع الخدام، واستعمل على القصر بهاء الدين قراقوش وكان خصيا أبيض، وغضب السودان لقتل مؤتمن الخلافة، واجتمعوا في خمسين ألفاً وقاتلوا أجناد صلاح الدين بين القصرين، وخالفهم إلى بيوتهم فأضرمها نارا، واحرق أموالهم وأولادهم فانهزموا، وركبهم السيف. ثم استأمنوا ونزلوا الجيزة وعبر إليهم شمس الدولة توريشاه فاستلحمهم.

قطع الخطبة للعاضد وانقراض الدولة العلوية بمصرة

كان نور الدين العادل يوم استقل صلاح الدين بملك مصر، وضعف أمر العاضد بها، وتحكم في قصره يخاطبه في قطع دعوتهم من مصر، والخطبة بها للمستضيء العباسي، وهو يماطل بذلك حذرا من استيلاء نور الدين عليه، ويعتذر بتوقع المخالفة من أهل مصر في ذلك فلا يقبل. ثم ألزمه ذلك فاستأذن فيه أصحابه فأشاروا به، وانه لا يمكن مخالفة نور الدين. ووفد عليه من علماء العجم الفقيه الخبشاني، وكان يدعى بالأمير العالم فلما رأى أحجامهم عن هذه الخطبة قال: أنا أخطبها فلما كان أول جمعة من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة، صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستنصر فلم ينكر أحد عليه فأمر صلاح الدين في الجمعة الثانية الخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا خطبة العاضد ويخطبوا للمستضيء ففعلوا، وكتب بذلك إلى سائر أعمال مصر. وكان العاضد في شدة من المرض فلم يعلمه أحد بذلك، وتوفي في عاشوراء من السنة، وجلس صلاح الدين للعزاء فيه، واحتوى طى قصر الخلافة بما فيه فحمله بهاء الدين قراقوش إليه، وكان في خزائنهم من الذخيرة ما لم يسمع بمثله من أصناف الجواهر واليواقيت والزمرد وحلي الذهب وآنية الفضة والذهب، ووجد ماعون القصر *، من الموائد والطسوت والأباريق والقدور والصحاف والخوان والبواقيل والمناير والطيافر والقباقب والأسورة كل ذلك من الذهب. ووجد من أنواع الطيوب واللباس والمذهبات والقرقبيات والمعلقات والوشي ما لا تقله الأوقار، ومن الكتب ما يناهز مائة وعشرين ألف سفر أعطاها للفاضل عبد الرحيم البيساني كاتبه وقاضيه، ومن الظهر والكراع والسلاح ومن الخدم والوصائف خمسين الفاً. ومن المال ما يملأ مائة بيت. ثم حبس رجالهم ونساءهم حش ماتوا، وكانت الدولة عند عهد العزيز والحاكم قد خلا جوها من رجالات كتامة، وتفرقوا في المشرق في سبيل ذلك الملك، وانقرضوا بانقراض أمر الشيعة وموت العاضد آخر خلفائهم، وأكلتهم الأقطار والوقائع شأن الدول كما ذكرناه من قبل. ولما هلك العاضد وحول صلاح الدين الدعوة إلى العباسية اجتمع قوم من الشيعة بمصر، وبايعوا الداود بن العاضد، ونمي خبرهم إلى صلاح الدين فقبض عليهم وقتلهم، وأخرج داود من القصر، وذلك سنة تسع وستين وخمسمائة. ثم خرج بعد حين ابنه سليمان بن داود رضي الله تعالى عنه بالصعيد، وحبس إلى أن هلك. وظهر بعد حين بجهة فاس بالمغرب محمد بن عبد الله بن العاضد، ودعا هنالك، وتسمى بالمهدي فقتل وصلب. ولم يبق للعبيديين ذكر إلا في بلاد الحثيثية من العراق، وهم دعاة الفداوية. وفي بلاد الإسماعيلية التي كانت فيها دعوتهم بالعراق. وقام بها ابن الصباح في قلعة الموت وغيرها كما يذكر في أخبارهم، إلى أن انقرضت تلك الدعوة اجمع بانقطاع دعوة العباسيين ببغداد على يد هولاكو، من ولد جنكزخان ملوك التتر سنة خمس وخمسين وستماية، والأمر لله وحده. هذه أخبار الفاطميين ملخصة من كتاب ابن الأثير، ومن تاريخ دولتهم لابن الطوير، وقليل من ابن المسيحي جمعت ما أمكنني منها ملخصا والله ولي العون”.

المجلد الثالث
المجلد الرابع