الدولة الطولونية

                                                                                                                                 

الدولة الطولونية

868- 905 م

تقلد القائد «بايكباك» مصر من قِبَل الخليفة المُعتمد. وبعد موته عام 256هـ تولى أمر مصر «يارجوخ» وهو صهر ابن طولون فكتب إليه «تسلّم من نفسك لنفسك» وبذلك أقرّه على ما بيده. وفي عام 259هـ، مات يارجوخ صاحب قطاع مصر الذي كان ابن طولون يحكمها نيابةً عنه فتوطّدت قدمه في مصر وأصبح واليها المُباشر من قبل الخليفة. وفي عام 263هـ رفض ابن طولون اٍرسال الخراج إلى الخليفة، وبذلك أصبحت جميع أعمال مصر الإدارية والقضائية والمالية بيد أحمد بن طولون. وعندما توفّي والي الشام «ماجور» سار إليها فدانت له مدنها ودخل أنطاكيا عام 265هـ وهدّد الروم فأرسلوا له الهدايا.

ثم أعلن الخليفة عن عزل ابن طولون عن مصر وإعطائها إلى اسحق بن كنداج والي الموصل والجزيرة. غير أنّ ابن كنداج لم يستطع الوصول إلى مصر، فبقيت لإبن طولون الذي توفي في العام التالي واختار الجُند ابنه خمارويه واليًا عليها فوافق الخليفة على ذلك مُكرهًا.

تحرّكت جيوش الخليفة من بغداد وجيوش خمارويه من مصر فانتصرت جيوش بغداد ودخلت دمشق بعد معركة الطواحين عام 271هـ. فسار خمارويه بنفسه على رأس جيش فدخل دمشق عام 273هـ وواصل التقدم، ثم تصالح مع الخليفة وأخيه الموفّق بالله على أن يعطيه الخليفة مصر له ولأولاده لمدّة ثلاثين سنة.

ازدادت سلطة خمارويه بعد موت المُوفّق بالله واسحق بن كنداج عام 278هـ ثم موت الخليفة المُعتمد على الله عام 279هـ وبيعة المُعتضد بالله الذي أقره من جديد واليًا على جميع الأرض الممتدّة من الفرات إلى برقة، هو وأولاده من بعده لثلاثين سنة. كما تزوّج الخليفة المعتضد من ابنته «قطر الندى» ولمّا توفي خمارويه عام 282هـ، قتلاً على يد أحد خدّامه وهو نائم، وكان يومذاك بدمشق، سار جيش ابنه أبي العساكر بجنده إلى مصر وتولّى الأمر بعد أبيه. إلاّ أن الناس قد أخذوا عليه أمورًا أثارتهم عليه كما تنكّر له كبار الأمراء العسكريين الذين خلعوه وسجنوه ومات في سجنه عام 283هـ، وبُوِيَع أخوه هارون بن خمارويه، وكان صغيرًا فاستقدم الجنود عمه ربيعة بن أحمد بن طولون من الإسكندرية ووعدوه بالنّصرة. فلمّا وصل إلى الفسطاط واجهته جيوش هارون وقتلوه، وذلك عام 284هـ.

أرسل هارون جيشًا إلى الشام لمقاتلة القرامطة لكنه انهزم عام 290هـ. عندها فكّرت الدولة العباسية بإنهاء الدولة الطولونية، فأرسلت جيشًا بإمرة محمد بن سليمان فوصل إلى فلسطين ودخلها واتّجه نحو مصر، كذلك سار أسطول عباسي لمواجهة الأسطول المصري وهزم الجيش المصري. وفرّ هارون بن خمارويه إلى العباسة وهو مشغول باللهو فقتله عماه شيبان وعدي وعاد شيبان لإستلام زمام الأمور إلاّ أنّ الجند قد غضبوا عليه واستقدموا القائد العباسي محمد بن سليمان إلى الفسطاط فسار إلى العباسة وهناك استقبله طغج بن جف بمجموع القادة وانتهت بذلك الدولة الطّولونية.

ورد في “تاريخ ابن خلدونالمجلد الثالث الآتي:

” كان بابكيال من أكابر قواد الأتراك مع بغا ووصيف وسيما الطويل، ولما حدثت هذه الفتن وتغلبوا على الخلفاء أخذوا الأعمال والنواحي في اقطاعهم، فأقطع المعتز بابكيال هذا أعمال مصر وبها يومئذ ابن مدبر، وكان بابكيال مقيماً بالحفيدة فنظر فيمن يستخلفه عليها، وكان أحمد بن طولون من أبناء الأتراك وأبوه من سبي فرغانة وربّي في دار الخلفاء، ونشأ ابنه أحمد بها على طريقة مستقيمة لبابكيال خاله، وأشير عليه بتوليته فبعثه على مصر فاستولى عليها أوّلاً دون أعمالها والإسكندرية. ثم قتل المعتز بابكيال وصارت مصر في إقطاع بارجوع الترك، وكان بينه وبين أحمد بن طولون مودّة متأكدة، فكتب إليه واستخلفه على مصر جميعها، ورسخت قدمه فيها وأصارها تراثاً لبنيه فكانت لهم فيها الدولة المعروفة”.

وورد أيضاً في “تاريخ ابن خلدونالمجلد الرابع:

” قال ابن سعيد، ونقله من كتاب ابن الداية في أخبار بني طولون: كان طولون أبو أحمد من الطغز، غزوهم التتر. حمله نوح بن أسد عامل بخارى إلى المأمون في وظيفته من المال والرقيق والبراذين .  وولد له أحمد سنة عشرين ومائتين من جارية إسمها ناسم. ونوفي طولون سنة أربعين ومائتين، وكفله رفقاء أبيه بدار الملك، حتى ثبتت مرتبته، ونصرف في خدمة السلطان، وانتشر له ذكر عند الاولياء فاق به على أهل طبقته.

 وشاع بين الترك صونه ودينه وأمانته على الأسرار والأموال والفروج. وكان يستصغر عقول الأتراك، ويرى أنهم ليسوا بأهل للرتب. وكان يحب الجهاد. وطلب من محمد بن أحمد بن خاقان أن يسأل من عبد الله الوزير أن يكتب لهما بأرزاقهما إلى الثغر، ويقيما هنالك مجاهدين. وسار إلى طرسوس، وأعجبه ما عليه أهل الحق من تغيير المنكر واقامة الحق فأنس، وعكف على طلب الحديث. ثم رجع إلى بغداد، وقد امتلأ علماً وديناً وسياسةً. ولما تنكّر الاتراك للمستعين، وبايعوا المعتزّ، وآل أمر المستعين إلى الخلع والتغريب إلى واسط، وكّلوا به أحمد بن محمد الواسطيّ يومه. وكان حسن العشرة فكه المجالسة. ولمّا اعتزموا على قتله بعثوا إلى أحمد بن طولون  أن يمضى ذلك فتفادى منه ، فبعثوا سعيداً الحاجب قسمله ثم قتله، ودفنه ابن طولون، وعظم محلّه بذلك عند أهل الدولة. انتهى كلام ابن سعيد.

وقال ابن عبد الظاهر: وقفت على سيرة للاخشيد قديمة عليها خط الفرغاني، وفيها أن أحمد هو ابن النج من الاتراك، كان طولون صديق أبيه ومن طبقته. فلما مات النج رباه طولون وكفله، فلمّا بلغ من الحداثة مشى مع الحشوية وغزا وتنقلت به الأحوال إلى أن صار معدوداً في الثقات. وولي مصر واستقربها. قال صدر الدين بن عبد الظاهر: ولم أر ذلك لغيره من المؤرخين انتهى.

ولما وقع اضطراب الترك ببغداد، وقتل المستعين وولي المعتز، واستبدّ عليه الأتراك وزعيمهم يومئذ باك باك، وولاّه المعتزّ مصر، ونظر فيمن يستخلفه عليها فوقع اختياره على أحمد بن طولون فبعثه عليها، وسار معه أحمد بن محمد الواسطى، ويعقوب بن إسحق، ودخلها في رمضان سنة أربع وخمسين، وعلى الخوارج بها أحمد ابن المدبّر، وعلى البريد سفير مولى قبيجة فأهدى له ابن المدبر، ثم استوحش منه وكاتب المعتز بأنّ ابن طولون يروم العصيان، وكاتب صاحب البريد بمثل ذلك فسطا بسفير صاحب البريد ومات من غده.

ثم قتل المعتز وولي المهتدي فقتل باك باك، ورتب مكانه يارجوج، وولاّه مصر. وكانت بينه وبين أحمد بن طولون مودّة أكيدة فاستخلفه على مصر، وأطلق يده على الاسكندرية والصعيد بعد أن كان مقتصراً على مصر فقط. وجعل إليه الخراج فسقطت رتبة ابن المدبّر. ثم أعاده المعتمد فلم ينهض إلى مساماة ابن طولون ولا منازعته. ثم كتب إليه المعتمد بضبط عيسى بن شيخ الشيباني، وكان يتقلّد فلسطين والاردن، وتغلّب على دمشق وطمع في مصر ومنع الحمل. واعترض حمل ابن المدبر، وكان خمسة وسبعين حملاً  من الذهب فأخذها فكتب إليه المعتمد يومئذ بولاية أعماله فادّعى العجز، وأنكر مال الحمل ونزع السواد، وأنفذ أناجور من الحضرة في العساكر إلى دمشق سنة سبع وخمسين.

ثم خرج أحمد بن طولون إلى الاسكندرية ومعه أخوه موسى وكان يتجنى عليه، وبرى أنه لم يوف بحقّه. وظهر ذلك منه في خطابه فأوقع به ونفاه، وحبس كاتبه إسحق بن يعقوب، واتهمه بأنه أفضى بسّره إلى أخيه. وخرج أخوه حاجاً . وسار من هنالك إلى العراق، ووصف أخاه بالجميل فحظي بذلك عند الموفّق. واستفحل أمر أحمد، واستكثر من الجند وخافه أناجور بالشام. وكتب الموفّق يغريه بشأنه، وأنه يخشى على الشام منه. ثم كتب الموفّق إلى ابن طولون بالشخوص إلى العراق لتدبير أمر السلطان، وأن يستخلف على مصر فشعر ابن طولون بالمكيدة في ذلك، فبعث كاتبه أحمد بن محمد الواسطي إلى يارجوج وإلى الوزير وحمل إليهما الأموال والهدايا. وكان يارجوج متمكّناً في الدولة فسعى في أمره، وأعفاه من الشخوص وأطلق ولده وحرمه واشتدت وطأة ابن طولون، وخافه أحمد بن المدبّر فكتب إلى أخيه إبراهيم أن يتلطف له في الانصراف عن مصر فورد الكتاب بتقليده خراج دمشق وفلسطين والأردن. وصانع ابن طولون بضياعه التي ملكها، وسار إلى عمله بمصر، وشيّعه ابن طولون ورضي عنه. وذلك سنة ثمان وخمسين ومائتين. وولي الوزير على الخراج من قبله. وتقدم لابن طولون باستحثاثه فتتابع حمل الأموال إلى المعتمد. ثم كتب ابن طولون بأن تكون جباية الخراج له فأسعف بذلك. وأنفذ المعتمد نفيساً الخادم بتقليده خراج مصر وضريبتها وخراج مصر وضريبتها وخراج الشام. وبعث إليه نفيس الخادم، ومعه صالح بن أحمد بن حنبل فاضي الثغور، ومحمد بن أحمد الجزوعي قاضي واسط شاهدين بإعفائه ما زاد على الرسم من المال والطراز. ومات يارجوج في رمضان سنة تسع وخمسين، وكان صاحب مصر، ومن أقطاعه. ويدعى له قبل ابن طولون فلمّا مات استقل أحمد بمصر.

فتنة ابن طولون مع الموفق:

لما استأمن الزنج وتغلّبوا على نواحي البصرة، وهزموا العساكر، بعث المعتمد إلى الموفق، وكان المهتدي نفاه إلى مكة فعهد له المعتمد بعد ابنه المفوّض، وقسّم ممالك الإسلام بينهما. وجعل الشرق للموفّق ودفعه لحرب الزنج، وجعل الغرب للمفوّض، واستخلف عليه موسى بن بغا، واستكتب موسى بن عبيد الله بن سليمان بن وهص. وأوح كتاب عهدهما في الكعبة. وسار الموفّق لحرب الزنج، واضطرب الشرق، وقعد الولاة عن الحمل. وشكا الموفق الحاجة إلى المال. وكان ابن طولون يبعث الأموال إلى المعتمد يصطنعه بذلك، فأنفذ الموفق نحريراً خادم المتوكّل إلى أحمد بن طولون يستحثّه لحمل الأموال والطراز والرقيق والخيل، ودسّ إليه يعتقله. واطلع على الكتب. وقتل بعض القوّاد، وعاقب آخرين. وبعث مع نحرير ألفي ألف ومائتي ألف دينار ورقيقا وطرزاً. وجمع الرسم وبعث معه من أسلمه إلى الثقة أناجور صاحب الشام.

ولما فعل ابن طولون بتحرير ما فعل، كتب الموفّق إلى موسى بن بغا بصرف أحمد ابن طولون عن مصر، وتقليدها أناجور فكتب إلى أناجور بتقليدها فعجز عن مناهضة أحمد، فسار موسى بن بغا ليسلّم إليه مصر، وبلغ الرقّة. واستحث أحمد في الأموال فتهيّأ أحمد لحربه، وحصّن الجزيرة معقلاً لحربه وذخيرته. وأقام موسى بالرقة عشرة أشهر، واضطرب عليه الجند وشغبوا وطالبوه بالأرزاق، واختفى كاتبه موسى بن عبيد الله بن وهب فرجع وتوفي سنة أربع وستين ومائتين. ثم كتب الموفّق إلى ابن طولون باستقلال ما حمله من المال، وعنّفه وهدّده فأساء ابن طولون جوابه، وأنّ العمل لجعفر بن المعتمد ليس لك فأحفظ ذلك الموفق، وسأل من المعتمد أن يولّي على الثغور من يحفظها، وأن ابن طولون لا يؤمن عليها لقلة اهتمامه بأمرها فبعث محمد بن هارون التغلبيّ عامل الموصل، وركب السفن فألقته الريح بشاطىء دجلة فقتله الخوارج أصحاب مساو الساري.

 ولاية أحمل بن طولون على الثغور:

وكانت أمهات الثغور يومئذ أنْطاكِية وطرسوس والمصيصة وملطية، وكان على أنْطاكِية محمد بن علي بن يحيى الأرمني، وعلى طرسوس سيما الطويل وإليه أمر الثغور. وجاء في بعض أيامه إلى أنْطاكِية فمنعه الأرمني من الدخول فدس إلى أهل البلد بقتله. فقتلوه، وأحفظ ذلك الموفق فولّى على الثغور أرجون بن أولغ طرخان التركي، وأمره بالقبض على سيما الطويل فقام بالثغور، وأساء التصرّف، وحبس الأرزاق عن أهلها. وكانت قلعة لؤلؤة من قلاع طرسوس في نحر العدوّ، وأهمّ أهل طرسوس أمرها فبعثوا إلى حاميتها خمسة آلاف دينار رزقاً من عندهم فأخذها أرجون لنفسه، وضاعت حاميتها وافترقوا. وكتب الموفّق إلى أحمد بن طولون بتقليد الثغور، وأن يبعث عليها من قبله فبعث من قبله طحشى بن بكروان، وحسنت حالهم وطلب منه ملك الروم الهدنة، واستأذن في ذلك ابن طولون فمنعه، وقال: إنما حملهم على ذلك تخريبكم لقلاعهم وحصونهم فيكون في الصلح راحة لهم فحاش لته منه، وأمره برمّ الثغور وأرزاق الغزاة.

استيلاء أحمد بن طولون على الشام:

قد تقدم لنا ولاية أناجور على دمشق سنة سبع وخمسين ومائتين ، وما وقع بينه وبين أحمد بن طولون. ثم توفي أناجور في شعبان سنة أربع وستين، ونصّب ابنه عليّ مكانه. وقام يدبّر أمره أحمد بن بغا وعبيد الله بن يحيى بن وهب. وسار إلى الشام موريا بمشارفة الثغور واستخلف ابنه العبّاس على مصر، وضمّ إليه أحمد بن- محمد الواسطي وعسكر في مينة الأصبع ، وكتب إلى عليّ بن أناجور بإقامة الميرة للعساكر فأجاب الآمال. وسار ابن طولون إلى الرملة، وبها محمد بن أبي رافع من قبل أناجور، ومدبّر دولته أحمد بن هنالك منذ نفاه المهتدي فأكرمه. ثم سار عن دمشق، واستخلف عليها أحمد بن دوغياش، ورحل إلى حمص وبها أكبر قواد أناجور فشكت الرعية منه فعزله، وولّى يمتا التركي. ثم سار إلى أنْطاكِية، وقد امتنع بها سيما الطويل بعد أن كتب بالطاعة، وأن ينصرف عنه فأبى وحاصرها وشد حصارها.

وضجر أهلها من سيما فداخل بعضهم أحمد بن طولون، ودلّوه على بعض المسارب فدخلها منه في فاتحة خمس وستين، وقتل سيما الطويل وقبض على أمرائه وكاتبه. ثم سار إلى طرسوس فملكها، ودخلها في خلق كثير، وشرع في الدخول إلى بلاد الروم للغزو. وبينما هو يروم ذلك جاءه الخبر بانتقاض ابنه العبّاس الذي استخلفه بمصر فرجع، وبعث عسكراً إلى الرقة وعسكراً إلى حرّان، وكانت لمحمد بن أناشر فأخرجوه عنها وهزموه. وبلغ الخبر إلى أخيه موسى فسار إلى حران وكان شجاعاً. ود، ن مقدم العسكر بحرّان بن جيعونة فأهمه أمرهم فقال له أبو الأغرّ من العرب: أنا آتيك بموسى. واختار عشرين فارسا من الشجعان، وسار إلى معسكر موسى فأكمن بعفهم، ودخل بالباقين بعض الخيام فعقدت، واهتاج العسكر، وهرب أبو الأغرّ واتبعوه فخرج عليهم الكمين فهزموهم وأسر موسى، وجاء به أبو الأغرّ إلى جيعونة، قائد إبن طولون فاعتقله وعاد إلى مصر سنة ست وستين ومائتين.

الخبر عن انتقاض العباس بن أحمد بن طولون علي ابيه:

لما رحل أحمد بن طولون إلى الشام، واستخلف ابنه العبّاس، وكان أحمد بن الواسطي محكماً في الدولة. وكان للعبّاس بطانة يدارسونه الأدب والنحو، وأراد أن يولّي بعضهم الوظائف، ولم يكونوا يصلحون لها فمنع الواسطي من ذلك خشية الخلل في الأعمال فحمل هؤلاء البطانة عليه عند العباس، وأغروه به. وكتب هو إلى أحمد  يشكوهم فاجابه بمداراة الأمور إلى حين وصوله. وكان محمد بن رجاء كاتب أحمد مداخلا لابنه العباس فكان يبعث إليه بكتب الواسطي يتنزّل له فاطّلع على جواب أبيه عن كتبه بالمداراة فازداد خوفاً، وحمل ما كان هنالك من المال والسلاح، وهو ألف ألف دينار. وتسلّف من التجار مائتي ألف أخرى، واحتمل أحمد بن محمد الواسطي وأيمن الأسود مقيّدين، وسار إلى برقة.

ورجع أحمد إلى مصر، وبعث له جماعة فيهم القاضي أبو بكرة بكّار بن قتيبة، والصابوني القاضي، وزياد المرّيّ مولى اشهب فتلطّفوا به بالموعظة حتى لان. ثم منعه بطانته وخوّفوه فقال لبكّار: ناشدتك الله هل تأمنه عليّ ؟  فقال: هو قد حلف، وأنا لا أعلم فمضى على ريبته. ورجع القوم إلى أبيه. وسار هو إلى إفريقية يطلب ملكها، وسهل عليه أصحابه أمر إبراهيم بن أحمد بن الأغلب صاحبها. وكتب إليه بأن المعتمد قلّده إفريقية، وأنه أقره عليها. وانتهى إلى المدينة لبلة فخرج عليه عامل بن الأغلب فقبض عليه، ونهب البلد وقتل أهله، وفضح نساءهم فاستغاثوا بالياس بن منصور كبير نفوسة ورئيس الاباضيّة، وقد كان خاطبه يتهدّده على الطاعة.

وبلغ الخبر إلى ابن الأغلب فبعث العساكر مع خادمه بلاع، وكتب إلى محمد بن قهرب عامل طرابلس بأن يظاهر معه على قتال العبّاس فسار ابن قهرب وناوشه القتال من غير مسارعة. ثم صحبهم الياس في اثني عشر ألفاً من قومه. وجاء بلاغ الخادم من خلفه فأجفل، واستبيح أمواله وذخائره، وقتل أكثر من كان معه، وأفلت بحاشيته. وانطلق أيمن الأسود من القيد، ورجع إلى مصر. وجاء العبّاس إلى برقة مهزوما. وكان قد أطلق أحمد الواسطي بعد أن ضمن حزب برقة إحضاره، فلما رجع أعاده إلى محبسه فهرب من . الحبس، ولحق بالفسطاط. ووجد أحمد بز طولون قد سار إلى الإسكندرية عازماً على الرحيل إلى برقة فهوّن أمره، ومنعه من الرحيل بنفسه. وخرج طبارجي وأحمد الواسطي فجاؤوا به مقيّداً على بغل، وذلك سنة سبع وستين. وقبض على كاتبه محمد بن رجاء، وحبسه لما كان يطلع ابنه العبّاس على كتبه. ثم ضرب ابنه وهو باك عليه وحبسه.

خروج الصوفي والعمري بمصر:

كان أبو عبد الرحمن العمريّ بمصر، وهو عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر، مقيماً بالقاصية من الصعيد، وكان البجاة يغيرون في تلك الأعمال ويعيثون فيها. وجاؤوا يوم عيد فنهبوا وقتلوا فخرج هذا العمري غضبا لله، وأكمن لهم في طريقهم ففتك بهم، وسار في بلادهم حتى أعطوه الجزية، واشتدّت شوكته. وزحف العلويّ للقائه فهزمه العمري، وذلك سنة ستين ومائتين. وكان من خبر هذا العلوي انه ظهر بالصعيد سنة سبع وخمسين ومائتين ، وذكر أنّ إسمه إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، ويعرف بالصوفيّ. فملك مدينة أسنا ونهبها، وعاث في تلك الناحية. وبعث إليه ابن طولون جيشاً فهزمهم، وأسر مقدم الجيش فقطعه فأعاد إليه جيشاً آخر، وانهزم إلى الواحات. ثم عاد إلى الصعيد سنة تسع وخمسين ومائتين، وسار إلى الأشمونين. ثم سار للقاء العمري وانهزم إلى أسوان، وعاث غي جهاتها. وبعث إليه ابن طولون العسكر فهرب إلى عيذاب، وعبر البحر إلى مكة فقبض عليه الوالي بمكة، وبعث به إلى ابن طولون فحبسه مدة. ثم أطلقه ومات بالمدينة. ثم بعث ابن طولون العسكر إلى العمري فلقي قائدهم وقال: إني لم أخرج بالفساد، ولا يؤذى مسلم ولا ذمي، وإنما خرجت للجهاد فشاور أميرك في فأبى، وناجزه الحرب فانهزم العسكر، ورجعوا إلى ابن طولون فاخبروه بشأنه فقال: هلا كنتم شاورتموني فيه؟ فقد نصره الله عليكم ببغيكم. ثم وثب عليه بعد مدّة غلامان له فقتلاه وجاءا برأسه إلى أحمد بن طولون فقتلهما.

انتفاض برقة:

وفي سنة إحدى وستين ومائتين وثب أهل برقة بعاملهم محمد بن فرج الفرغاني فأخرجوه، ونقضوا طاعة ابن طولون فبعث إليهم العساكر مع غلامه  لؤلؤ ، وأمره بالملاينة فحاصرهم أياماً وهو يلين لهم حتى طمعوا فيه، ونالوا من عسكره فبعث إلى أحمد بخبره فأمره بالاشتداد فشدّ حصارهم، ونصب عليهم المجانيق فاستأمنوا، ودخل البلد، وقبض على جماعة من أعيانهم فضربهم وقطعهم، ورجع إلى مصر واستعمل عليهم مولى من مواليه، وذلك قبل خلاف العبّاس على أبيه.

انتقاض  لؤلؤ  على ابن طولون:

كان ابن طولون قد ولى مولاه لؤلؤاً على حلب وحمص وقنسرين وديار مضر من الجزيرة، وأنزله الرقة، وكان يتصرّف عن أمره. ومتى وقع في مخالفته عاقب ابن سليمان كاتب لؤلؤ فسقط  لؤلؤ  في المال، وقطع الحمل عن أحمد بن طولون. وخاف الكاتب مغبة ذلك فحمل لؤلؤاً على الخلاف، وأرسل إلى الموفّق بعد أن شرط على المعتمد شروطاً أجابه الموفق إليها. وسار إلى الرقّة وبها ابن صفوان العقيلي فحاربه، وملكها منه، وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق. وسار إلى الموفّق فوصل إليه بمكانة من حصار صاحب الزنج وأقبل عليه، واستعان به في تلك الحروب وولاّه على الموصل. ثم قبض عليه سنة ثلاث وسبعين ومائتين وصادره على أربعمائة ألف دينار فافتقر وعاد إلى مصر آخر أيام هارون بن خمارويه فقيراً فريداً.

مسير المعتمد إلى ابن طولون وعوده عنه من الشام:

كان ابن طولون يداخل المعتمد في السرّ ويكاتبه، ويشكو إليه المعتمد ما هو فيه من الحجر والتضييق عليه من أخيه الموفّق والموفق بسبب ذلك ينافر ابن طولون وشمعى في إزالته عن مصر. ولما وقع خلاف  لؤلؤ  على ابن طولون خاطب المعتمد، وخوّفه الموفّق واستدعاه إلى مصر. وأنّ الجيوش عنده لقتال الفرنج فأجابه المعتمد إلى ذلك، وأراد لقاءه بجميع عساكره فمنعه أهل الرأي من أصحابه، وأشاروا عليه بالعدول عن المعتمد جملة، وأنّ أمره يؤول معه إلى أكثر من أمر الموفّق، من أجل بطانته التي يؤثرها على كل أحد. واتصلت الأخبار بأنّ الموفّق شارف القبض على صاحب الزنج فبعث ابن طولون بعض عساكره إلى الرقة لانتظار المعتمد، واغتنم المعتمد غيبة الموفق وسار في جمادى سنة ثمان وستين ومائتين، ومعه جماعة من قواده فقبض عليهم وقيّدهم.

وقد كان ساعد بن مخلّد وزير الموفّق خاطبه في ذلك عن الموفق فأظهر طاعتهم حين صاروا إلى عمله، وسار معهم إلى أوّل عمل أحمد بن طولون فلم يرحل معهم حين رحلوا. ثم جلس معهم بين يدي المعتمد وعذلهم في المسير إلى ابن طولون، ودخلوهم تحت حكمه وحجره. ثم قام بهم عند المعتمد ليناظرهم في خلوة فلما دخلوا خيمته قبض عليهم. ثم رجع إلى المعتمد فعذله في الخروج عن دار خلافته، وفراق أخيه وهو في قتال عدوّه. ثم رجع بالمعتمد والذين معه حتى أدخلهم سر من رأى. وبلغ الخبر إلى ابن طولون فقطع خطبة الموفق ومحا إسمه من الطرز فتقدم الموفق إلى المعتمد بلعن ابن طولون  في دار العامّة فأمر  بلعنه على المنابر، وعزله عن مصر وفوّض إليه من باب الشاتية إلى أفريقيا، وبعت إلى مكة بلعنه في المواسم فوقعت بين أصحاب ابن طولون وسلبوا، وأمر جعفر المصريّين وقرأوا الكتاب في المسجد بلعن ابن طولون.

اضطراب الثغور ووصول أحمد بن طولون إليها ووفاته:

كان عامل أحمد بن طولون على الثغور طلخشى بن بلذدان، وإسمه خلف، وكان نازلا بطرسوس. وكان ما زيار الخادم مولى فتح بن خاقان معه بطرسوس، وارتاب به طلخشي فحبسه فوثب جماعة من أهل طرسوس، واستقدموا مازيار من يده وولوه. وهرب خلف، وتركوا الدعاء لابن طولون من مصر، وانتهى إلى أذنة وكاتب مازيار واستماله فامتنع، واعتصم بطرسوس فرجع ابن طولون إلى حمص ثم إلى دمشق فأقام بها. ثم رجع وحاصره في فصل الشتاء بعد أن بعث إليه يدعوه وانساح على معسكر أحمد وخيمه، وكادوا يهلكون فتأخر ابن طولون إلى أذنة، وخرج أهل طرسوس فنهبوا العسكر. وطال مقام أحمد بأذنة في طلب البرد.

ثم ثار إلى المصيصة فأقام بها ومرض هناك. ثم تماسك إلى أنْطاكِية فاشتد وجعه ونهاه الطبيب عن كثرة الغذاء فتناوله سراً فكثر عليه الاختلاف، لأن أصل علته هيضة من لبن الجواميس. وثقل عليه الركوب فحملوه على العجلة فبلغ الفرمار، وركب من ساحل الفسطاط إلى داره، وحضره طبيبه فسهّل عليه الأمر، وأشار بالحمية فلم يداوم عليها. وكثر الإسهال، وحميت كبده من سوء. الفكر فساءت أفعاله. وضرب بكار بن قتيبة القاضي، وأقامه للناس في الميدان، وخرق سواده وأوقع بابن هرثمة، وأخذ ماله وحبسه. وقتل سعيد بن نوفل مضروباً بالسياط.

ثم رجع أولياءه وغلمانه وعهد إلي ابنه أبي الجيش خمارويه، وأوصاهم بانظاره وحسن النظر فسكنوا إلى ذلك لخوفهم من ابنه أبي العبّاس المعتقل. ثم مات سنة ست وسبعين ومائتين لست وعشرين سنة من إمارته. وكان حازماً سائساً، وبنى جامعه بمصر؛ وأنفق فيه مائة وعشرين ألف دينار. وبنى قلعة يافا، وكان يميل إلى مذهب الشافعىّ رضي الله تعالى عنه. وخفف من المال عشرة آلاف دينار، ومن الموالي سبعة آلاف، ومن الغلمان أربعة آلاف ومن الخيل المرتبطة مائة، ومن الدواب لركابه مائتين وثلاثين. وكان خراج مصر لأيامه مع ما ينضاف إليها من ضياع الأمراء لحضرة السلطان أربعة آلاف ألف دينار، وثلاثمائة ألف دينار وعلى المارستان وأوقافه ستين ألف دينار، وعلى حصن الجزيرة، والجزيرة- وهي المسماة لهذا العهد بقلعة الروضة- ثمانين ألف دينار. وخربت بعد موته، وجدّدها الصالح نجم الدين بن أيوب. ثم خربت ثانية، ولم يبق منها إلا أطلال دائرة ، وكان يتصدق في كل شهر بألف دينار، ويجري على المسجونين خمسمائة في ينار في كل شهر وكانت نفقة مطابخه وعلوفته ألف دينار في كل يوم.

ولاية خمارويه بن أحمد بن طولون:

ولما توفي أحمد بن طولون اجتمع أهل الدولة وخواص الأولياء وكبيرهم أحمد بن محمد الواسطي والغالب على الدولة الحسن بن مهاجر، فاتفقوا على بيعة ابنه أبي الجيش خمارويه، وأحضروا ابنه العبّاس من محبسه وعزّاه الواسطي وهم يبكون. ثم قال: بايع لأخيك فأبى فقام طبارجي وسعد الآيس من الموالي، وسحبوه إلى حجرة في القصر فاعتقلوه بها واخرج من الغد ميتاً وأخرجوا أحمد إلى مدفنه، وصلى عليه أبنه ابو الجيش، وواراه ورجع إلى القصر مقيماً لأمر سلطانه.

مسير خمارويه إلى الشام وواقعته مع ابن الموفق:

ولما توفي أحمد بن طولون كان إسحاق بن كنداج عاملاً على الجزيرة والموصل، وابن أبي الساج على الكوفة، وقد ملك الرحبة من يد أحمد بن مالك فطمعا في ملك الشام، واستأذنا الموفق فأذن لهما ووعدهما بالمدد. وسار إسحق إلى الرقّة والثغور والعواصم فملكها من يد ابن دعاس عامل بن طولون. واستولى إسحق على حمص وحلب وأنْطاكِية، ثم على دمشق. وبعث خمارويه العساكر إلى الشام فملكوا دمشق وهرب العامل الذي انتقض بها ثم سار العسكر إلى شيزر فأقام عليها قبالة إسحق وابن أبي الساج، وهما ينتظران المدد من العراق. ثم هجم الشتاء فتفرّق عسكر خمارويه في دور شيزر، ووصل العسكر من العراق مع أبي العبّاس أحمد بن الموفق الذي صارت إليه الخلافة، ولقّب المعتضد فكبسوا عسكر خمارويه في دور شيزر، وفتكوا فيهم. ونجا الفل إلى دمشق، والمعتضد في اتباعهم فارتحلوا عنها، وملكها المعتضد في شعبان سنة إحدى وسبعين ومائتين.

ولحق عساكر خمارويه بالرملة فأقاموا بها، وكتبوا إلى خمارويه بالخبر، وسار المعتضد نحوهم من دمشق. وبلغه وصول خمارويه، وكثرة عساكره فهم بالعود، ومعه أصحاب خمارويه الذين خالفوا عليه، ولحقوا به. وكان ابن كنداج وابن أبي الساج متوحشين من المعتضد لسوء معاملته لهما. والتقى العسكر اًن على الماء الذي عليه الطواحين بالرملة فولّى خمارويه منهزماً مع عصابة معه ليس لهم دربة بالحرب. ومضى إلى مصر بعد أن أكمن مولاه سعداً الايس في عسكر. وجاء المعتضد فملك خيام خمارويه وسواده، وهو يظنّ الظفر فخرج سعدً الآيس من كمينه، وقصد الخيام وظنّ المعتضد أن خمارويه قد رجع فركب وانهزم لا يلوي على شيء. وجاء إلى دمشق فمنعوه الدخول فمضى إلى طرسوس، ولما افتقد سعد الآيس خمارويه نصّب أخاه ابا العشائر لقيادة العساكر، ووضع العطاء، ووصلت البشائر إلى مصر فسرّ خمارويه بالظفر، وخجل من الهزيمة، واكثر الصدقة واكرم الأسرى واطلقهم. وسارت عساكره إلى الشام فارتجعوه كله من أصحابه فأخرجوهم، ولحقوا بالعراق. وغزا بالصائفة هذه السنة مازيار صاحب الئغر، وغنم وعاد، ثم غزا كذلك سنة ثلاث وسبعين ومائتين.

فتنة ابن كنداج وابن أبي الساج والخطبة لابن طولون بالجزيرة:

كان ابن أبي الساج عاملا على قّنسرين، وإسحق على الجزيرة والموصل فتنافسوا في الأعمال، واستظهر ابن أبي الساج بخمارويه، وخطب له بأعماله، وبعث ابنه رهينة إليه فسار في عساكره بعد أن بعث إليه الأموال وانتهى إلى السنّ، وعبر ابن أبي الساج الفرات ولقي إسحق بن كنداج على الرقّة فهزمه، وجاز خمارويه من بعده فعبر الفرات إلى الرافقيّة. ونجا إسحاق إلى ماردين، وحصره ابن أبي الساج. ثم خرج وسار إلى الموصل، فصده ابن أبي الساج عنها، وهزمه فعاد إلى ماردين. واستولى ابن أبي الساج على الجزيرة والموصل، وخطب في أعمالها لخمارويه، ثم لنفسه بعده. وبعث العساكر مع غلامه فتح لجباية نواحي الموصل فأوقع بالشراة اليعقوبيّة، ومكر بهم. وعلم أصحابهم بما فعل معهم فجاؤوا إليه، وهزموه واستلحموا أصحابه. ونجا ابن أبي الساج في فل قليل.

ثم انتفض ابن أبي الساج على خمارويه سنة خمس وسبعين ومائتين، وذلك أن إسحق بن كنداج سار إلى خمارويه بمصر، وصار في جملته فانتقض ابن أبي الساج. وسار خمارويه إليه فلقيه على دمشق في المحرم فانهزم ابن أبي الساج، واستبيح معسكره. وكان وضع بحمص خزائنه فبعث خمارويه عسكراً إلى حمص فمنعوه من دخولها، واستولوا على خزائنه. ومضى ابن أبي الساج إلى حلب، ثم إلى الرقة، وخماوريه في اتباعه. ثم فارق الرقّة إلى الموصل، وعبر خمارويه الفرات واحتل مدينة بلد، وأقام بها وسار ابن أبي الساج إلى الحديثة.

وبعث خمارويه عساكره وقواده مع إسحق بن كنداج في طلب ابن أبي الساج فعبر دجلة، واقام بتكريت وإسحاق في عشرين الفاً، وابن أبي الساج في ألفين، وأقاموا يترامون في العوتين. ثم جمع ابن كنداج السفن ليمدّ الجسر للعبور فخالفهم ابن أبي الساج إلى الموصل ونزل بظاهرها فرحلوا في أتباعه فسار لقتالهم، فانهزم إسحق إلى الرقة، وتبعه ابن أبي الساج. وكتب إلى الموفق يستأذنه في عبور الفرات إلى الشام، وأعمال خمارويه فأجابه بالتربص وانتظار المدد. ولما انهزم إسحاق سار إلى خمارويه، وبعث معه العسكر، ورجع فنزل على حد الفرات من أرض الشام،. وابن أبي الساج قبالته على حدود الرقّة فعبرت طائفة من عسكر ابن كنداج لم يشعروا بهم، واوقعوا بجمع من عسكر ابن أبي الساج فلما رأى أن لا مانع لهم من العبور، سار إلى الرقّة إلى بغداد، وقدم على الموفق سنة ست وسبعين ومائتين فأقام عنده إلى أن ولاه أذربيجان في سنته واستولى ابن كنداج على ديار ربيعة وديار مضر، وأقام الخطبة فيها لخمارويه.

عود طرسوس إلى ايالة خمارويه:

قد كنا قدّمنا أن مازيار الخادم ثار بطرسوس سنة سبعين ومائتين، وحاصره أحمد بن طولون فامتنع عليه فلمّا ولي خمارويه، وفرغ من شواغله أنفذ إلى مازيار سنة سبع وسبعين ومائتين ثلاثين ألف دينار وخمسمائة ثوب وخمسمائة مطرف، واصطنعه فرجع إلى طاعته وخطب له بالثغور. ثم دخل بالصائفة سنة ثمان وسبعين ومائتين وحاصروا أسكند فأصابه منها حجر منجنيق رثه، ورجع إلى طرسوس فمات بها. وقام بأمر طرسوس ابن عجيف. وكتب إلى خمارويه فأقره على ولايتها. ثم عزله واستعمل مكانه محمد ابن عمه موسى بن طولون. وكان من خبره أنّ اباه موسى لما ملك أحمد اخوه مصر تبّسط عليه بدلالة القرابة وذوي الارحام فلم يحتمله له أحمد ورده عليه، وكسر جاهه فانحرف موسى وسخط دولته.

ثم خاطبه في بعض مجالسه بما لا يحتمله السلطان فضربه، ونفاه إلى طرسوس. وبعث إليه بمال يتزوّده فأبى من قبوله، وسار إلى العراق، ورجع إلى طرسوس فأقام بها إلى ان مات، وترك ابنه محمداً. وولاّه خمارويه وبعث إلى اميرهم راغب فأكرمه خمارويه وأنس به، وطالت إقامته عنده، وشاع بطرسوس أن خمارويه حبسه فاستعظم الناس ذلك، وثاروا بأميرهم محمد بن موسى وسجنوه رهينة في راغب. وبلغ الخبر إلى خمارويه فسرّحه إلى طرسوس فلمّا وصلها أطلقوا اميرهم محمد بن موسى، وقد سخطهم فسار عنهم إلى بيت المقدس. وعاد ابن عجيف إلى ولايته بدعوه خمارويه وغزا سنة ثمانين ومائتين بالطائفة، ودخل معه بدر الحمامي فظفروا وغنموا ورجعوا. ثم دخل بالطائفة سنة إحدى وثمانين ومائتين من طرسوس طغج بن جف الفرغاني من قبل خمارويه في عساكره طرابزون وفتح مكودية.

صهر المعتضد مع خمارويه:

ولما ولي المعتضد الخلافة بعث إلى خمارويه خاطباً قطر الندى إبنته، وكانت أكمل نساء عصرها في الجمال والآداب. وكان متولي خطبتها أمينه الخصيّ ابن عبد الله بن الجصاص فزوّجه خمارويه بها، وبعثها مع ابن الجصاص، وبعث معها من الهدايا ما لا يوصف. وقدمت سنة تسع وسبعين ومائتين فدخل بها، وتمتع بجمالها وآدابها، وتمكّن سلطانه في مصر والشام والجزيرة إلى أن هلك.

مقتل خمارويه وولاية ابنه جيش:

كان خمارويه قد سار سنة اثنين وثمانين ومائتين إلى دمشق فأقام بها أياماً، وسعى إليه بعض أهل بيته بأن جواريه يتخذون الخصيان يفترشوهنّ، واراد استعلام ذلك من بعضهن فكتب إلى نائبه بمصر أن يقّرر بعضهن فلما وصله الكتاب، قرّر بعض الجواري وضربهنّ. وخاف الخصيان، ورجع خمارويه من الشام، وبات في مخدعه فأتاه بعضهم وذبحه على فراشه في ذي الحجة سنة إثنتين وثمانين. وهرب الذين تولّوا ذلك فاجتمع القواد صبيحة ذلك اليوم، وأجلسوا ابنه جيش بن خمارويه على كرسي سلطانه، وأفيض العطاء فيهم، وسيق الخدم الذين تولّوا قتل خمارويه فقتل منهم نيف وعشرون.

مقتل جيش بن خمارويه وولاية أخيه هارون:

ولما ولي جيش كان صبياً غرّاً فعك ف على لذّاته، وقرّب الأحداث والسفّلة، وتنكر لكبار الدولة، وبسط فيهم القول ؛ وصرّح لهم بالوعيد فأجمعوا على خلعه. وكان طغج ابن جف مولى أبيه من كبار الدولة، وكان عاملاً لهم على دمشق فانتقض وخلع طاعته. وسار آخرون من القوّاد إلى بغداد، منهم إسحق بن كنداج وخاقان المفلحي، وبدر بن جف أبو طغج، وقدموا على المعتضد فخلع عليهم، وأقام سائر القواد بمصر على انتقاضهم وقتل قائداً منهم. ثم وثبوا بجيش فقتلوه ونهبوا داره، ونهبوا مصر وحرقوه، وبايعوا لأخيه هارون وذلك لتسعة اشهر من ولايته.

فتنة طرسوس وانتفاضها:

وقد تقدم لنا أن راغباً مولى الموفّق نزل طرسوس للجهاد فأقام بها، ثم غلب عليها بعد ابن عجيف. ولما ولي هارون بن خمارويه سنة ثلاث وثمانين ترك الدعاء له، ودعا لبدر مولى المعتضد، وقطع طرسوس والثغور من عمالة بني طولون. ثم بعث هارون بن خمارويه إلى المعتضد أن يقاطعه على أعماله بمصر والشام بأربعمائة ألف وخمسين ألف دينار، ويسلّم قنسرين والعواصم، وهي الثغور لمعتضد فأجابه إلى ذلك. وسار من آمد، وكان قد ملكها من يد محمد بن أحمد بن الشيخ فاستخلف ابنه المكتفي عليها. وسار سنة ست وثمانين ومائتين فتسلّم قنّسرين والثغور من يد أصحاب هارون، وجعلها مع الجزيرة في ولاية ابنه المكتفي.

ولاية طغج بن جف علي دمشق:

ولما ولي هارون بعد أخيه جيش على ما ولي عليه من اختلاف القوّاد وقوّة أيديهم، خشي أهل الدولة من افتراق الكلمة ففوّضوا أمرها إلى أسب جعفر بن أبان. كان مقدّماً عند أحمد وخمارويه فأصلح ما استطاع، وبقي يرتّق الفتق، ويجبر الصدع. ثم نظر إلى الجند الذين كانوا خالفوا بدمشق مع طغج بن جف فبعث إليهم بدراً الحمامي والحسين بن أحمد المارداني فأصلح أمور الشام وأفردا طغج بن جف بولاية دمشق، واستعملا في سائر الأعمال، ورجعا إلى مصر، والأمور مضطربة والقوّاد طوائف لا ينقاد منهم أحد إلى أن وقع ما نذكر.

زحف القرامطة إلى دمشق:

قد تقدّم لنا ابتداء أمر القرامطة، وما كان منهم بالعراق والشام، وأنّ ذكرويه بن مهداوية داعية القرامطة لما هزم بسواد الكوفة، وأفنى أصحابه القتل لحق ببني القليص بن كلب بن وبرة في السماوة فبايعوه، ولقبوه الشيخ، وسمّوه يحيى، وكنّوه أبا القاسم. وزعم أنه محمد بن عبد الله بن المكتوم بن إسمعيل الإمام فلقبوه المدّثر، وزعم أنه المشار إليه في القرآن. ولقب غلاماً من أهله المطوّق. وسار من حمص إلى حماة ومعرة النعمان إلى بعلبك ثم إلى سلميّه فقتل جميع من فيها حتى النساء والصبيان والبهائم. ونهب سائر القرى من كل النواحي. وعجز طغج بن جف وسائر جيشه وصاحبه هارون عن دفاعهم.

وتوجّ أهل الشام ومصر إلى المكتفي مستغيثين فسار إلى أهل الشام سنة تسعين ومائتين، ومرّ بالموصل، وقدّم بين يديه أبا الأغرّ من بني حمدان في عشرة آلاف رجل. ونزل قريباً من حلب، وكبسه القرمطي صاحب الشامة فقتل منهم جماعة، ونجا أبو الأغر إلى حلب في فلّ من أصحابه. وحاصره القرمطي، ثم أفرج عنه، وانتهى المكتفي إلى الرقة. وبعث محمد بن سليمان الكاتب في العساكر، ومعه الحسين من بني حمدان، وبنو شيبان فناهضه في المحرّم سنة إحدى وتسعين ومائتين على حماة، وانهزم القرامطة. وأخذ صاحب الشامة أسيراً فبعث به إلى الرقة، وبين يديه المدّثر والمطوّق وتقدّم المكتفي إلى بغداد، ولحقه محمد بن سليمان بهم فأمر المكتفي بضربهم وقطعهم، وضرب أعناقهم وحسم دائهم، حتى ظهر منهم من ظهر بالبحرين.

استيلاء المكتفي علي الشام ومصر وقتل هارون وشيبان ابني خمارويه وانقراض دولة بني طولون:

ونبدأ أولا بخبر محمد بن سليمان المتولّي بتحويل دولة بني طولون، كان أصله من ديار مضر من الرقّة اصطنعه أحمد بن طولون وخدمه في مصر. ثم تنكّر له وعامله في جاهه وأقاربه بما أحفظه، وخشي على نفسه فلحق ببغداد، ولقي بها مبّرة وتكرمة. واستخدمه الخلفاء وجعلوه كاتباً للجيش فما زال يغريهم بملك مصر إلى أن ولي هارون بن خمارويه، وفشلت دولة بني طولون بالشام. وعاث القرامطة في نواحيه؟ وعجز هارون عن مدافعتهم، ووصل صريخ أهل الشام إلى المكتفي فقام لدفع ضررهم عن المسلمين، ودفع محمد بن سليمان لذلك وهو يومئذ من أعظم قوّاده فسار في العساكر في مقدمته. ثم أمره المكتفي باتباع القرامطة. وأقام بالرقّة فسار حتى لقيهم وقاتلهم حتى هزمهم واستلحمهم، ودفع عن الشام ضررهم، ورجع بالقرمطي صاحب الشامة وأصحابه أسرى إلى المكتفي بالرقّة فرجع إلى بغداد، وقتلهم هنالك، وشفى نفسه ونفس المسلمين منهم.

وكان محمد بن سليمان لما تخلّف عن المكتفي عند وصوله إلى بغداد فأمره بالعود، وبعث معه جماعة من القوّاد وأمدّه بالأموال وبعث دميانة غلام مازيار في الأسطول وأمره بالمسير إلى سواحل مصر ودخول نهر النيل، والقطع عن أهل مصر ففعل وضيق عليهم. وسار محمد بن سليمان والعساكر، واستولى على الشام وما وراءه فلما قارب مصر كاتب القوّاد يستميلهم فجاء إليه بدر الحمامي، وكان رئيسهم فكسر ذلك من شوكتهم. وتتابع إليه القواد مستأمنين فبرز هارون لقتالهم فيمن معه من العساكر. وأقام قبالتهم، واضطرب عسكره في بعض الأيام من فتنة وقعت بينهم.

واقتتلوا فركب هارون ليسكنهم فأصابته حربة من بعض المغاربة، كان فيها حتفه فقام عمه شيبان بن أحمد بن طولون بعده بالأمر، وبذل الأموال للجند من غير حسبان ولا تقدير، ثم أباح نهب ما بقي منه يصطنعهم بذلك فنهبوه في ساعة واحدة، وتشوف إلى جمع المال فعجز عنه واضطرب، وفسد تدبيره، وتسايل إلى محمد بن سليمان جنده، وفاوض اعيان دولته في أمره فاتفقوا على الاستئمان إلى محمد بن سليمان فبعث إليه مستأمناً فسار إليه. ثم تبعه قواده وأصحابه فركب محمد إلى مصر، واستولى عليها، وقيد بني طولون وحبسهم، وكانوا سبعة عشر رجلا. وكتب بالفتح فأمره المكتفي بأشخاص بني طولون جميعاً من مصر والشام إلى بغداد فبعث بهم. ثم أمر بإحراق القطائع التي بناها أحمد بن طولون على شرقي مصر، وكانت ميلا في ميل فأحرقت ونهب الفسطاط.

ولاية عيسى النوشزي على مصر وثورة الخليجي:

ولما اعتزم محمد بن سليمان على الرجوع إلى بغداد وكان المكتفي قد ولاه على مصر فولى المكتفي عيسى بن محمد النوشزي، وقدم في منتصف سنة اثنتين وتسعين. ثم ثار بنواحي مصر إبراهيم الخليجي، وكان من قواد بني طولون، وتخلف عن محمد بن سليمان. وكتب إلى المكتفي عيسى النوشزي بالخبر. وكثرت جموع الخليجي، وزحف إلى مصر فخرج النوشزي هاربا إلى الإسكندرية وملك الخليجي مصر، وبعث المكتفي العساكر مع فاتك مولى أبيه المعتضد وبدر الحمامي، وعلى مقدمتهم أحمد بن كيغلغ في جماعة من القواد، ولقيهم الخليجي على العريش في صفر سنة ثلاث وتسعين فهزمهم. ثم تراجعوا وزحفوا إليه وكانت بينهم حروب فني فيها أكثر أصحاب الخليجي، وانهزم الباقون فظفر عسكر بغداد، ونجا الخليجي إلى الفسطاط واختفى به. ودخل قواد المكتفي المدينة وأخذوا الخليجي وحبسوه.

وكالت المكتفي عندما بلغته هزيمة ابن كيغلغ، وسار ابن كيغلغ في ربيع،- وبرز المكتفي من ورائهم يسير إلى مصر- فجاءه كتاب فاتك بالخبر، والحبس الخليجي فكتب المكتفي بحمله ومن معه إلى بغداد. وبرز من تكريت فبعث فاتك بهم، وحبسوا ببغداد. ورجع عيسى النوشري إلى مصر في منتصف ثلاث وتسعين فلم يزل واليا عليها إلى أن توفي في شعبان سنة سبع وتسعين لخمس سنين من ولايته وشهرين ، وقام بأمره ابنه محمد. وولى المقتدر على مصر أبا منصور تكين الخزري فقدمها آخر شوال من سنة سبع وتسعين، وأقام واليا عليها.

واستفحلت دولة العلويين بالمغرب. وجهز عبيد الله المهدي العساكر مع ابنه أبي القاسم سنة إحدى وثلاثمائة، فملك برقة في ذي الحجّة آخرها. ثم سار إلى مصر وملك الإسكندرية والفيوم، وبلغ الخبر إلى المقتدر فقلد ابنه أبا العبّاس مصر والمغرب، وعمره يومئذ أربع سنين. وهو الذي ولي الخلافة بعد ذلك ولقب الراضي ولما قلّده مصر استخلف له عليها مؤنساً الخادم، وبعثه في العساكر إلى مصر، وحاربهم فهزمهم. ورجعوا إلى المغرب فأعاد عبيد الله العساكر سنة اثنين مع قائده حامسة الكتامي. وجاء في الأسطول فملك الإسكندرية، وسار منها إلى مصر. وجاء مؤنس الخادم في العساكر فقاتله وهزمه. ثم كانت بينهم وقعات، وانهزم أصحاب المهدي آخراً في منتصف    إثنتين وثلاثمائة وقتل منهم نحواً من سبعة آلاف، ورجعوا إلى المغرب فقتل المهدي حامسة وعاد مؤنس إلى بغداد.

ولاية ذكاء الأعور:

لم يزل تكين الخزري واليا على مصر استخلافاً إلى أن صرف آخر إثنتين وثلاثمائة، فولّى المقتدر مكانه أبا الحسن ذكاء الأعور، وقدم منتصف صفر من سنة ثلاث فلم يزل واليا عليها إلى أن توفي سبع لأربع سنين من ولايته.

 ولاية تكين الخزري ثانية:

لما صرف المقتدر ذكاء ولّى مكانه أبا منصور تكين الخزري ولاية ثانية، فقدم في شعبان سنة سبع، وكان عبيد الله المهدي قد جهّز العساكر مع ابنه أبي القاسم، ووصل إلى الإسكندرية في ربيع من سنة سبع وملكها. ثم سار إلى مصر، وملك الجزيرة والأشمونين من الصعيد وما إليه، وكتب أهل مكة بطاعته. وبعث المقتدر من بغداد مؤنساً الخادم في العساكر فواقع ابا القاسم عدة وقعات، وجاء الأسطول من إفريقيا إلى الإسكندرية في ثمانين مركباً مدداً لأبي القاسم، وعليه سليمان بن الخادم، ويعقوب الكتامي فسار إليهم في أسطول طرسوس في خمسة وعشرين مركباً، وفيها النفط والمدد، وعليها أبو اليمن فالتقت العساكر في الأساطيل في مرسى رشيد. فظفر أسطول طرسوس بأسطول إفريقيا، واشر كثير منهم. وقتل بعضهم، وأطلق البعض. وأسر سليمان الخادم فهلك في محبسه بمصر، وأسر يعقوب الكتامي وحمل إلى بغداد فهرب منها إلى أفريقيا. واتصل الحرب بين أبي القاسم ومؤنس، وكان الظفر لمؤنس، ووقع الغلاء والوباء في عسكر أبي القاسم ففني كثير منهم بالموت. ووقع الموتان في الخيل فعاد العسكر إلى المغرب، واتبعهم عساكر مصر حتى أبعدوا فرجعوا عنهم. ووصل أبو القاسم إلى القيروان منتصف السنة. ورجع مؤنس إلى بغداد، وقدم تكين إلى مصر كما مرّ، ولم يزل والياً عليها إلى أن صرف في ربيع من سنة تسع.

ولاية أحمد بن كيغلغ:

ولاّه المقتدر بعد هلال بن بدر فقدم في جمادى، وصرف لخمسة أشهر من ولايته. وأعيد تكين المرّة الثالثة فقدم في عاشوراء سنة ثلاث عشرة، وأقام والياً عليها تسع سنين إلى أن توفي في منتصف ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرين. وفي أيامه جدّد المقتدر عهده لابنه أبي العباس على بلاد المغرب ومصر والشام واستخلف له مؤنساً، وذلك سنة ثمان عشرة. وقال ابن الأثير: وفي سنة إحدى وعشرين توفي تكين الخزري بمصر فولي عليها مكانه ابنه محمد، وبعث له القاهر بالخلع، وثار به الجند فظفر بهم انتهى.

ولاية أحمد بن كيغلغ الثانية:

ولاّه القاهر في شوّال سنة إحدى وعشرين بعد أن كان ولّى محمد بن طغج، وهو عامل دمشق، وصرفه لشهر من ولايته قبل أن يتسلم العمل، وردّه إلى أحمد بن كيغلغ كما قلناه. فقدم مصر في رجب سنة إثنتين وعشرين وثلاثمائة. ثم عزل آخر رمضان من سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وولي الراضي الخليفة بأن يدعى على المنبر باسمه ويزاد في ألقابه الأخشيد فقام بولاية مصر أحسن قيام ثم انتزع الشام من يده كما يذكر.

استيلاء ابن رائق علي الشام من يد الأخشيد:

كان محمد بن رائق أمير الأمراء ببغداد، وقد مر ذكره. ثم نازعه مولاه تحكم وولى مكانه سنة ست وعشرين وثلاثمائة. وهرب ابن رائق ثم استتر ببغداد، واستولى عليها؟ ورجع الخليفة من تكريت بعد أن كان قدم تحكم. ثم كتب إليه واستردّه، وقد عقد الصلح مع ناصر الدولة بن حمدان من قبل أن يسمع بخبر ابن رائق. ثم عادوا جميعاً وراسلهم ابن رائق مع أبي جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد في الصلح فأجيب وقلّده الراضي طريق الفرات وديار مضر التي هي حران والرّها وما جاورهما وجند قّنسرين والعواصم فسار إليها واستقر بها. ثم طمحت نفسه سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة إلى ملك الشام فسار إلى مدينة حمص فملكها، وكان على دمشق بدر بن عبد الله مولى الأخشيد ويلقّب بتدبير فملكها ابن رائق من يده، وسار إلى الرملة يريد مصر. وبرز الأخشيد من مصر فالتقوا بالعريش، وأكمن له الأخشيد؟ ثم التقيا فانهزم الأخشيد أولاً، وملك أصحاب ابن رائق سواده، ونزلوا في خيامهم. ثم خرج عليهم كمين الأخشيد فانهزموا ونجا ابن رائق إلى دمشق في فل من أصحابه، فبعث إليه الأخشيد أخاه أبا نصير بن طغج في العسكر فبرز إليهم ابن رائق وهزمهم، وقتل أبو نصر في المعركة فبعث ابن رائق شلوه إلى مصر مع ابنه مزاحم بن محمد بن رائق وكتب إليه بالعزاء والاعتذار، وأن مزاحماً في فدائه فخلع عليه وردّه إلى أبيه. وتمّ الصلح بينهما على أن تكون الشام لابن رائق، ومصر للأخشيد، والتخم بينهما للرملة. وحمل الأخشيد وبقي في عمالة ابن رائق إلى أن قتل تحكم والبريدي. وعاد ابن رائق من الشام إلى بغداد فاستدعاه المتقي وصار أمير الأمراء بها، فاستخلف على الشام أبا الحسن عليّ بن أحمد بن مقاتل. ولما وصل إلى بغداد قاتله كورتكين القائم بالدولة فظفر به وحبسه وقاتل عامّه أصحابه من الديلم. وزحف إليهم البريدي من واسط سنة ثلاثين وثلاثمائة فانهزم المتقي وابن رائق وسار إلى الموصل. وكان المتقي قد استنجد ناصر الدولة بن حمدان فبعث إليه أخاه سيف الدولة ولقيه المتقي بتكريت، ورجع معه إلى الموصل وقتل ناصر الدولة بن حمدان محمد بن رائق، وولي إمارة الأمراء للمتقي. فلما سمع الأخشيد بمقتل ابن رائق سار إلى دمشق، ثم استولى يوسف بعد ذلك عليها سنة إثنتين وثلاثين وثلاثمائة. وولّي ناصر الدولة بن حمدان في ربيع سنة اثنتين وثلاثين وثاثمائة على أعمال ابن رائق كلّها: وهي طريق الفرات وديار مفر وجند قنسرين، والعواصم وحمص أبا بكر محمد عليّ بن مقاتل، وأنفده إليها من الموصل في جماعة من القوّاد. ثم ولّى بعده في رجب ابن عمه أبا عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان على تلك الأعمال ؛ وامتنع أهل الكوفة من طاعته فظفر بهم وملكها. وسار إلى حلب، وكان المتقي قد سار إلى الموصل سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة مغاضباً لأمير الأمراء تورون فأقام بالموصل عند بني حمدان. ثم سار إلى الرقة فأقام بها، وكتب إلى الأخشيد يشكو إليه ويستقدمه فأتاهما النصر. ومرّ بحلب فخرج عنها الحسين بن سعيد بن حمدان وتخلف عنه أبو بكر بن مقاتل للقاء الأخشيد فأكرمه، واستعمله على خراج مصر. وولّى على حلب يأنس المؤنسي. وسار الأخشيد من حلب إلى الرقة في محرم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وأهدى له ولوزيره الحسين بن مقله وحاشيته، وأشار عليه بالمسير إلى مصر والشام ليقوم بخدمته فأبى فخوّفه من تورون وأن يلزم الرقّة. وكان قد أنفذ رسله إلى تورون في الصلح وجاؤه بالإجابة فلم يعرج على شيء من إشارته. وسار إلى بغداد، وانصرف الأخشيد إلى مصر وكان سيف الدولة بالرقّة معهم فسار إلى حلب وملكها، ثم سار إلى حمص. وبعث الأخشيد عساكره إليها مع كافور مولاه فلقيهم سيف الدولة إلى قنسرين، والتقيا هنالك وتحاربا. ثم افترقا على منعة وعاد الأخشيد إلى دمشق، وسيف الدولة إلى حلب؟ وذلك سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وسارت الروم إلى حلب وقاتلهم سيف الدولة فظفر بهم.

وفاة الأخشيد وولاية ابنه أنوجور استبداد كافور عليه واستيلاء سيف الدولة على دمشق:

ثم توفي الإخشيد أبو بكر بن طغج بدمشق سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وقيل خمس، وولي مكانه أبو القاسم أنوجور وكان صغيراً فاستبدّ عليه كافور، وسار من دمشق إلى مصر فخالفه سيف الدولة فسار إلى حلب، وزحف أنوجور في العساكر إليه فعبر سيف الدولة إلى الجزيرة، وحاصر أنوجور حلب أياماً. ثم وقع الصلح بينهما، وعاد سيف الدولة إلى حلب وأنوجور إلى مصر، ومضى كافور إلى دمشق، وولى عليها بدراً الأخشيدي المعروف بتدبير فرجع إلى مصر فأقام بدربها سنة، ثم عزل عنها وولى أبو المظفّر طغج وقبض على تدبير.

وفاة أنوجور ووفاة أخيه علي واستبداد كافور عليه:

ثم علت سن أبي القاسم أنوجور ورام الاستبداد بأمره وإزالة كافور فشعر به وقتله فيما قيل مسموماً سنة ونصّب أخاه علياً للأمر في كفالته، وتحت استبداده إلى أن هلك.

 وفاة علي بن الأخشيد وولاية كافور:

ثم توفي علي بن الأخشيد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. فأعلن كافور بالاستبداد بالأمر دون بني الأخشيد، وركب بالمظلّة. وكتب له المطيع بعهده على مصر والشام والحرمين وكناه العالي بالله فيم يقبل الكنية، واستوزر أبا الفضل جعفر بن الفرات. وكان من أعاظم الملوك جواداً ممدوحاً سيوساً كثير الخشية لله والخوف منه. وكان يداري المعزّ صاحب المغرب ويهاديه، وصاحب بغداد وصاحب اليمن، وكان يجلس للمظالم في كل سبت إلى أن هلك.

وفاة كافور وولاية أحمد بن علي بن الأخشيد:

ثم توفي كافور منتصف سبع وخمسين وثلاثمائة لعشره سنين وثلاثة أشهر من استبداده، منها سنتان وأربعه أشهر مستقلاًَ من قبل المطيع، وكان أسود شديد السواد، واشتراه الأخشيد بثمانية عشر ديناراً. ولما هلك اجتمع أهل الدولة وولّوا أحمد بن علي بن الأخشيد وكنيته أبو الفوارس، وقام بتدبير أمره الحسن إ بن عمه عبد الله بن طغج، وعلى العساكر شمول مولى جدّه، وعلى الأموال جعفر بن الفضل، واستوزر كاتبه جابر الرياحي. ثم أطلق ابن الفرات بشفاعة ابن مسلم الشريف، وفوّض أمر مصر إلى ابن الرياحي.

مسير جوهر إلى مصر وانقراض دولة بني طغج:

ولما فرغ المعز لدين الله من شواغل المغرب بعث قائده جوهر الصّقلي الكاتب إلى مصر، وجهّزه في العساكر، وأزاح عللها. وسار جوهر من القيروان إلى مصر ومرّ ببرقة، وبها أفلح مولى المعز فلقيه وترجل له فملك الإسكندرية، ثم الجيزة. ثم أجاز إلى مصر وحاصرها، وبها أحمد بن علي بن الأخشيد وأهل دولته. ثم افتتحها سنة ثمان وخمسين وقتل أبا الفوارس، وبعث بضائعهم وأموالهم إلى القيروان صحبة الوفد من مشيخة مصر وقضاتها وعلمائها. وانقرضت دولة بني طغج، وأذّن سنة تسع وخمسين في جامع ابن طولون بحيّ علي خير العمل. وتحوّلت الدعوة بمصر للعلوية واختطّ جوهر مدينة القاهرة في موضع العسكر، وسير جعفر بن فلاح الكتامي إلى الشام فغلب القرامطة عليه.

المجلد الثالث
المجلد الرابع