الدولة الصفارية

الدولة الصفارية

احتل يعقوب بن ليث الصفار عام 259هـ نيسابورفي خراسان من اعمال بلاد فارس، قاعدة بني طاهر على غير رأي الخليفة، مدعياً أن أهل خراسان قد طلبوه بسبب شغب آل طاهر. وكان يعقوب قد تولى أمر بلخ وطخارستان وكرمان وسجستان بأمر من الموفق بالله. ثم سار يعقوب إلى طبرستان ودخلها وهزم جماعة الحسين بن زيد الطالبي. ثم طلب من الخليفة أن يعطيه كل ما هو تحت بني طاهر وشرطتي بغداد وسامراء وأن يوقف لعنه على المنابر، فوافق الموفق شقيق الخليفة المعتمد على ذلك. ومع هذا فقد زادت أطماعه فاتجه نحو بغداد فدخل واسط فالتقى بجنود الخليفة يتقدمهم الخليفة بنفسه وثار الجند على يعقوب بن الليث وهُزم وكان ذلك عام 262هـ. ولكنه في العام نفسه دخل فارس وأخذ الأهواز من صاحب الزنج. وفي عام 265هـ مات يعقوب بن الليث وخلفه أخوه عمرو بن الليث الذي كتب للخليفة بالسمع والطاعة فأقره الموفق على خراسان وفارس وأصبهان وسجستان والسند وكرمان والشرطة ببغداد فأناب عنه في بغداد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر. ثم عاد الخليفة عام 271هـ وعزل عمرو بن الليث عن خراسان وأمر بلعنه على المنابر وحاربه وانتصرت جيوش الخليفة على الصفاريين غير أنهم لم يستطيعوا دخول كرمان وسجستان. وبقي الوضع على ما هو عليه حتى آخر أيام المعتمد الباقية.

وعندما تولى المعتضد الخلافة العباسية أمر بعزل رافع بن هرثمة عن خراسان وأعادها إلى عمرو بن الليث. غير أن رافع رفض ذلك وشق عصا الطاعة وحارب عمرو بن الليث. إلا أنه هُزم ودخل عمرو بن الليث نيسابور عام 280هـ. ثم طلب عمرو بن الليث ولاية ما وراء النهر وكانت بيد إسماعيل بن أحمد الساماني، فقبل الخليفة. لكن إسماعيل الساماني حاول صده عن ذلك فجرت الحرب بين الاثنين ووقع عمرو بن الليث أسيراً بيد إسماعيل الساماني الذي سيّره إلى الخليفة ولم يلبث أن مات، فآل حكم دولة الصفاريين إلى حفيده طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث عام 288هـ. وكان هذا صغيراً فاستبد بالسلطة سبك السبكري غلام عمرو بن الليث ودخلت جنوده فارس وقبضوا على طاهر وأخيه يعقوب وبعث بهما إلى بغداد عام 296هـ على عهد الخليفة المقتدر بالله. ولكن الليث بن علي بن الليث الصفاري طرد السبكري من فارس عام 297 هـ، وكان هذا الأخير قد استنجد بالخليفة فحلت الهزيمة بالليث. ثم استبد السبكري بالحكم واستعصى على الدولة فأرسلت له الجيش إثر الجيش حتى استطاع أحمد بن إسماعيل الساماني من القبض على السبكري ومحمد بن علي الصفاري وإرسالهما إلى بغداد عام 298 هـ. وبذلك زالت الإمارة الصفارية.

ورد في “تاريخ ابن خلدونالمجلد الثالث لابن خلدون عن الدولة الصفارية ما يلي:

 ” كان يعقوب بن الليث بن عمرو الصفار بسجستان، وكان صالح بن النضر الكناني من أهل البيت قد ظهر بتلك الناحية وقام يقاتل الخوارج، وسمى أصحابه المتطوعة، حتى قيل له صالح المطوعى، وصحبه جماعة منهم درهم بن الحسن ويعقوب بن الليث هذا وغلبوا على سجستان، ثم أخرجهم عنها طاهر بن عَبْد الله أمير خراسان. وهلك صالح إثر ذلك، وقام بأمر المتطوعة درهم بن الحسن فكثر أتباعه. وكان يعقوب بن الليث شهماً وكان درهم مضعفاً، واحتال صاحب خراسان حتى ظفر به وحبس ببغداد، فاجتمعت المتطوعة على يعقوب بن الليث، وقام بقتال السراة وأتيح له الظفر عليهم وأثخن فيهم وخرب قراهم، وكانت له شرية في أصحابه لم تكن لأحد قبله، فحسنت طاعتهم له وعظم أمره وملك سجستان مظهراً طاعة الخليفة وكاتبه وقلده حرب السراة، فأحسن الغناء فيه وتجاوزه إلى سائر أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم سار من سجستان إلى نواحي خراسان وعليها يومئذ محمد بن عَبْد الله بن طاهر، وعلى هراة من قبله محمد بن أوس الأنباري، فجمع لمحاربة يعقوب وسار إليهم في التعبية، فاقتتلوا وانهزم ابن أوس وملك يعقوب هراة وبوشنج، وعظم أمره وهابه صاحب خراسان وغيرها من الأطراف- وكان المعتز قد كتب بولاية سجستان، فكتب له الآن بولاية كرمان، وكان على فارس علي بن الحسين بن شبل، وأبطأ عامل الخراج. واعتذر، فكتب له المعتز بولاية كرمان يريد إعداء كل منهما بصاحبه لأن طاعتهما مهوضة، فأرسل عليّ ابن الحسين بفارس طوق بن الغلس خليفة على كرمان، وسار يعقوب الصفار من سجستان فسبقه طوق واستولى عليها، وأقام يعقوب بمكانه قريباً منها يترقب خروج طوق إليه. وبعد شهرين ارتحل إلى سجستان فوضع طوق أوزار الحرب وأقبل على اللهو، واتصل ذلك بيعقوب في طريقه، فكر راجعاً وأغذ السير فصادفه بعد يومين، وركب أصحابه وقد أحيط بهم ففروا ناجين بأنفسهم، وملك يعقوب كرمان وحبس طوق. وبلغ الخبر إلى عليّ بن الحسين وهو على شيراز، فجمع جيشه ونزل على مضيق شيراز وأقبل عليه يعقوب حتى نزل قبالته، والمضيق متوعر بين جبل ونهر ضيق المسلك بينهما، فاقتحم يعقوب النهر بينهما وأجاز إلى علي بن الحسين وأصحابه فانهزموا، وأخذ عليّ أسيراً، واستولى على جميع عسكره، ودخل شيراز وملكها وجبى الخراج ورجع إلى سجستان وذلك سنة خمس وخمسين. ويقال بل وقع بينهما بعد عبور النهر حرب شديدة انهزم آخرها علّي، وكان عسكره نحواً من خمسة عشر ألفاً من الموالي والأكراد، ورجعوا منهزمين إلى شيراز آخر يومهم وازدحموا في الأبواب، وافترقوا في نواحي فارس وانتهوا إلى الأهواز وبلغ القتلى منهم خمسة آلاف، ولما دخل يعقوب وملك فارس امتحن عليًّا وأخذ منه ألف بردة، ومن الفرش والسلاح والآلة ما لا يحد، وكتب إلى الخليفة بطاعته وأهدى هدية جليلة يقال منها عشر بازات بيض وباز أبلق صيني ومائة نافجة من المسك وغير ذلك من الطرف ورجع إلى سجستان، ثم استعاد الخليفة بعد ذلك فارس وبعث عماله إليها”.

كما ورد في المجلد الرابع من “تاريخ ابن خلدون” عن الدولة الصفارية:

” الخبر عق دولة بني الصفار ملوك سجستان المتغلبين على خراسان ومبادىء أمورهم وتصاريف أحوالهم:

كان أهل هذه الدولة قوماً اجتمعو بنواحي سجستان، ونصّبوا لقتال الخوارج الشّراة بتلك الناحية عندما اضطربت الدولة ببغداد لقتل المتوكّل، وسمّو أنفسهم المتطّوعة. وكان اجتماعهم على صالح بن نصير الكناني، وبقال له صالح المتطّوعة، وصحبه جماعة منهم: درهم بن الحسن، ويعقوب بن الليث الصفّار، وغلبوا على سجستان وملكوها. ثم سار إليهم طاهر بن عبد الله أمير خراسان، وغلبهم عليها وأخرجهم منها. ثم هلك صالح اثر ذلك، وقام بامره في المتطّوعة درهم بن الحسن فكثر أتباعه. وكان يعقوب بن الليث قائده، وكان درهم مضعّفاً فتحيّل صاحب خراسان عليه حتى ظفر به، وبعثه إلى بغداد فحبس بها، واجتمع المتطّوعة على يعقوب بن الليث قائده، وكان درهم يكاتب المعتزّ يسأله ولايتها، وأن يقلّده حرب الخوارج فكتب له بذلك. وأحسن الغناء في حرب الشراة، وتجاوزه إلى سائر أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم سار من سجستان إلى خراسان سنة ثلاث وخمسين ومائتين، وعلي الأنبار ابن أوس فجمع لمحاربة يعقوب، وسار إليهم في التعبية فاقتتلوا، وانهزم ابن اوس ، وملك يعقوب قراة وبوشنج، وعظم أمره، وهابه صاحب خراسان وغيرها من الأطراف.

 استيلاء يعقوب الصفار على كرمان ثم علي فارس وعودها:

كان على فارس علي بن الحسن بن شبل، وكتب إلى المعتز يطلب كرمان، ويذكر عجز ابن طاهر عنها. وكان قد أبطأ عن حرب الخوارج فكتب له المعتز بولاية كرمان، وكتب ليعقوب الصفار أيضاً بولايتها بقصد التضريب بينهما لتتمحّص طاعتهما أو طاعة أحدهما. فارسل علي بن الحسين من فارس على كرمان طوق بن المفلّس من أصحابه فسبق إليها يعقوب وملكها. وجاء يعقوب فأقام قريباً منها شهرين يترقب خروج طوق إليه، ثم ارتحل إلى سجستان؟ ووضع طوق أوزار الحرب، وأقبل على اللهو، واتصل ذلك بيعقوب في طريقه فكّر راجعاً، وأغذّ السير، ودخل كرمان، وحبس طوقا. وبلغ الخبر إلى عليّ بن الحسين، وهو شيراز فجمع عسكره ونزل مضيّق شيراز.

وأقبل يعقوب حتى نزل قبالته، والمضيق متوعر بين جبل ونهر ضيق المسلك بينهما فاقتحم يعقوب النهر بأصحابه، وأجاز إلى علي بن الحسين وأصحابه فانهزموا. وأخذ عليّ بن الحسين أسيراً، واستولى على سواده، ودخل شيراز وملكها، وجبى الخراج، وذلك سنة خمس وخمسين ومائتين. وقيل قد وقع بينهما بعد عبور النهر حروب شديدة، وانهزم آخرها علي، وكان عسكره نحواً من خمسة عشر ألفاً من الموالي والأكراد فرجعوا منهزمين إلى شيراز آخر يومهم، وازدحموا في الأبواب، وبلغ القتلى منهم خمسة آلاف. ثم افترقوا في نواحي فارس، وانتهبوا الأموال. ولما دخل يعقوب شيراز، وملك فارس امتحن علياً وأخذ منه ألف بدرة ومن الفرش والسلاح والآلة ما لا يحصى، وكتب للخليفة بطاعته، وأهدى هدية جليلة منها عشرة بازات بيض، وباز أبلق صيني، ومائة نافجة من إلى مسك، وغير ذلك من الطرف، ورجع إلى سجستان ومعه علي، وطوق في اعتقاله، ولما فارق فارس بعث المعتز عماله إليها.

ولاية يعقوب الصفار علي بلخ وهراة:

ولما انصرف يعقوب عن فارس، ولّى عليها المعتز من قبله والخلفاء بعده، وليها الحارث بن سيما فوثب به محمد بن واصل بن إبراهيم التميمي من رجال العرب، وأحمد بن الليث من الأكراد الذين بنواحيها فقتلاه، واستولى ابن واصل على فارس سنة ست وخمسين ومائتين، وأظهر دعوة المعتمد. وبعث عليها المعتمد الحسين بن الفياض فسار إليه يعقوب بن الليث سنة سبع وخمسين ومائتين، وكتب إليه المعتمد بالنكير على ذلك. وبعث إليه الموفّق بولاية بلخ طخارستان فملكها، وخرّب المباني التي بناها داود بن العبّاس بظاهر بلخ، وتسمّى باساديانج. ثم سار إلى كابل، واستولى عليها، وقبض على رتبيل، وبعث بالأصنام التي أخذها من كابل، وملك البلاد إلى المعتمد. وأهدى إليه هدية جليلة المقدار، وعاد إلى بست معتزماً على العود إلى سجستان فاحفظه بعض قوّاده بالرحيل قبله فغضب، وأقام منه إلى سجستان. ثم سار إلى خراسان، وملك هراة. ثم إلى بوشنج فملكها، وقبض على عاملها الحسين بن علي بن طاهر الكبير، وكان كبير بيتهم. وشفع له فيه محمد بن طاهر صاحب خراسان فأبى من إسعافه، وبقي في قلبه وولّى على هراة وبوشنج وباذغيس ورجع إلى سجستان.

استيلاء الصفار على خراسان وانقراض أمر بني طاهر:

كان بسجستان عبد الله السجزيّ ينازع يعقوب بن الليث، فلمّا قوي يعقوب واستفحل سار عبد الله إلى خراسان، وطمع في ملكها، وحاصر محمد بن طاهر في كرسيّ ولايته نيسابور. ثم تردّد الفقهاء بينهم في الصلح حتى تمّ بينهما، وولاّه محمد الطبسين وقهستان. ثم بعث يعقوب إلى محمد في طلبه فأجاره، وأحفظ ذلك يعقوب فسار إلى محمد بنيسابور، فخام محمد عن لقائه. ونزل يعقوب بظاهر نيسابور، وخرج إليه قرابة محمد وعمومته وأهل بيته، ودخل نيسابور واستعمل عليها وذلك سنة تسع وخمسين ومائتين، وكتب إلى المعتمد بأنّ أهل خراسان استدعوه لعجز ابن طاهر وتفريطه في أمره. وغلبه العلويّ على طبرستان فكتب إليه المعتمد بالنكير والاقتصار على ما بيده، وإلاّ سلك به سبيل المخالفين. وقيل في ملكه نيسابور غير ذلك، وهو أن محمد بن طاهر لما أصاب دولته العجز والإدبار كاتب بعض قرابته يعقوب بن الليث الصفّار. واستدعوه فكتب يعقوب إلى محمد بن طاهر بمجيئه إلى ناحيته موريا بقصد الحسن بن زيد في طبرستان. وأنّ المعتمد أمره بذلك، وأنه لا يعرض لشيء من أمر خراسان. وبعث بعض قوّاده عيناً عليه، وعنّفه على الإهمال والعجز، وقبض على جميع أهل بيته نحواً من مائة وستين رجلا. وحملهم جميعاً إلى سجستان، وذلك لإحدى عشرة سنة من ولاية محمد. واستولى يعقوب على خراسان، وهرب منازعه عبد الله السجزيّ إلى الحسين بن يزيد صاحب طبرستان، وقد كان ملكها من لدن سنة إحدى وخمسين ومائتين فأجاره الحسين. وسار إليه يعقوب سنة ستين وحاربه فانهزم الحسين إلى أرض الديلم، واعتصم بجبال طبرستان. وملك يعقوب سارية وآمد، ورجع في طلب السّنجريّ إلى الريّ، وتهدد العامل على دفعه إليه فبعث به وقتله يعقوب. 

استيلاء الصفار على فارس:

قد تقدم لنا تغلّب محمد بن واصل على فارس سنة ست وخمسين ومائتين، ومسير الصفّار إليه سنة سبع وثلاثمائة، ورجوعه عنها، وأنه أعاضه عنها ببلخ وطخارستان. ثم إن المعتمد أضاف فارس إلى موسى بن بغا مع الأهواز والبصرة والبحرين واليمامة، وما بيده من الأعمال، فولّى موسى على فارس من قبله عبد الرحمن بن مفلح وبعثه إلى الأهواز، وأمدّه بطاشتمر . وزحفوا إلى ابن واصل، وسار لحرب موسى بن بغا بواسط فولى على الأهواز مكانه أبا الساج وأمره بمحاربة الزنج فبعث صهره عبد الرحمن لذلك، فلقيه عليّ بن أياز قائد الزنج، وهزمه وقتل. وملك الزنج الأهواز وعاثوا فيها، وأديل من أبي الساج بابراهيم بن سيما وسار لحرب ابن واصل واضطرابت الناحية على موسى بن بغا فاستعفى من ولايتها، وأعفاه المعتمد. وطمع يعقوب الصفار في ملك فارس فسار من سجستان ممداً، ورجع ابن واصل من الأهواز إليه، وترك محاربة ابن سيما، وأغذّ السير ليفجأه على بغتة ففطن له الصفّار، وسار إليهم وقد أعيوا وتعبوا من شدة السير والعطش. ولما تراءى الجمعان، تخاذل أصحاب ابن واصل وانهزموا من غير قتال، وغنم الصفّار في معسكره، وما كانوا أصابوا لابن مفلح. واستولى على بلاد فارس، ورتّب بها العمّال، وأوقع بأهل ذمّ لاعانتهم ابن واصل، وطمع في الاستيلاء على الأهواز وغيرها.

حروب الصفار مع الموفق:

ولما ملك الصفّار خراسان من يد ابن طاهر، وقبض عليه، وملك فارس من يد ابن واصل. وكان المعتمد نهاه عن تلك فلم ينته، صرّح المعتمد بأنه لم يولّه ولا فعل ما فعل بإذنه، وأحضر حاجّ خراسان وطبرستان والري، وخاطبهم بذلك فسار الصفّار إلى الأهواز سنة اثنتين أصحابه الذين أسروا بخراسان فأبى إلا العزم على الوصول إلى الخليفة ولقائه. وبعث حاجبه درهماً يطلب ولاية طبرستان وخراسان وجرجان والريّ وجارس والشرطة ببغداد، فولاّه المعتمد ذلك كله مضافاً إلى سجستان وكرمان. وأعاد حاجبه بذلك، ومعه عمرو بن سيما فكتب يقول لا بدّ من الحضور بباب المعتمد، وارتحل من عسكر مكرم جائياً. وخرج أبو الساج من الأهواز لتلقّيه لدخول الأهواز في أعماله فأكرمه، ووصله. وسار إلى بغداد ونهض المعتمد من بغداد فعسكر بالزعفرانيّة، ووافاه مسرور البلخّيى من مكانه من مواجهه الزنج. وجاء يعقوب إلى واسط فملكها، ثم سار منها إلى دير العاقول.

وبعث المعتمد أخاه الموفق لمحاربته، وعلى ميمنته موسى بن بغا، وعلى ميسرته موسى البلخي فقاتله منتصف رجب، وانهزمت ميسرة الموفّق، وقتل فيها إبراهيم بن سيما وغيره من القوّاد. ثم تزاحفوا واشتدّت الحرب، وجاء للموفّق محمد بن أوس والدواني مدداً من المعتمد. وفشل أصحاب الصفّار، ولما رأوا مدد الخليفة انهزموا وخرج الصفّار، واتبعهم أصحاب الموفق، وغنموا من عسكره نحواً من عشرة آلاف من الظهر ومن الأموال والمسك ما يؤود حمله.

وكان محمد بن طاهر معتقلاً في العسكر منذ قبض عليه بخراسان فتخلّص ذلك اليوم. وجاء إلى الموفّق وخلع عليه، وولاّه الشرطة ببغداد. وسار الصفار إلى خوزستان فنزل جند يسابور، وراسله صاحب الزنج على الرجوع، ويعده المساعدة فكتب له: { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} [الكافرون:1]. وكان ابن واصل قد خالف الصفار إلى فارس وملكها فكتب إليه المعتمد بولايتها، وبعث إليه الصفار جيشاً مع عمر بن السري من قواده فأخرجه عنها، وولّى على الأهواز محمد بن عبيد الله بن هزارمرد الكردي. ثم رجع المعتمد إلى سامرّا والموفّق إلى واسط، واعتزم الموفّق على اتباع الصفار فقعد به المرض عن ذلك. وعاد إلى بغداد ومعه مسرور البلخي، وأقطعه ما لأبي الساج من الضياع والمنازل، وقدم معه محمد بن طاهر فقام بولاية الشرطة ببغداد.

انتقاض الخجستاني بخراسان علي يعقوب الصفار وقيامه بدعوة بني طاهر:

كان من أصحاب محمد بن طاهر ورجالاته أحمد بن عبد الله بن خجستان، وكان متوليّاً على  وهي من جبال سراة وأعمال باذغيس. فلما استولى الصفّار على نيسابور وخراسان انضم أحمد هذا إلى أبيه علي بن الليث، وكان شركب الحمّال قد تغلّب على مرو ونواحيها سنة تسع وخمسين ومائتين، وتغلّب على نيسابور سنة ثلاث وستين ومائتين وأخرج منها الحسين بن طاهر. وكان لشركب ثلاثة من الولد إبراهيم وهوأكبرهم، وأبوحفص يعمر، وأبو طلحة منصور. وكان إبراهيم قد أبلى في واقعة المغار مع الحسن بن زيد بجرجان فقدمه الصفار، وحسده أحمد الخجستاني فخوفه عادية الصفّار، وزين له الهرب. وكان يعمر أخوه محاصرا لبعض بلاد بلخ فاتفق إبراهيم وأحمد الخجستاني في الخروج إلى يعمر، وسبقه إبراهيم إلى الموعد ولم يلقه فسار إلى سرخس.

ولما عاد الصفّار إلى سجستان سنة إحدى وستين ومائتين، ولّى على هراة أخاه عمرو بن الليث فاستخلف عليها طاهر بن حفص الباذغيسيّ. وجاء الخجستاني إلى علي بن الليث، وزيّن له أن يقيم بخراسان نائباً عنه في أموره وأقطاعه، فطلب ذلك من أخيه يعقوب فأذن له. فلمّا ارتحلوا عن خراسان جمع أحمد الخجستاني وأخرج علي بن الليث من بلده سنة إحدى وستين ومائتين، وفلك تونس وأعاد دعوة بني طاهر، وملك نيسابور سنة إثنتين وستين. واستقدم رافع بن هرثمة من رجالات بني طاهر فجعله صاحب جيشه، وسار إلى هراة فملكها من يد طاهر بن حفص. وقتله ثم قتل يعمر بن شركب، واستولى على بلاد خراسان، ومحا منها دعوة يعقوب بن الليث. ثم جاء الحسن بن طاهر أخو محمد بأصفهان ليخطب له فأبى فخطب له أبو طلحة بن شركب بنيسابور. وانتقض الخجستاني، واضطربت خراسان فتنة. وزحف إليها الحسن بن زيد فقاتلوه وهزموه. ثم ملك نيسابور من يد عمرو بن الليث، وترك الخطبة لمحمد بن طاهر، وخطب للمعتمد ولنفسه من بعده كما هو مشروح في أخبار الخجستانيّ.

استيلاء الصفار على الأهواز:

قد تقدّم لنا استيلاء الصفّار على فارس بعد خراسان. ثم سار منها إلى الأهواز، وكان أحمد بن لسوقة قائد مسرور البلخي على الأهواز قد نزل تستر فرحل عنها، ونزل يعقوب جنديسابور، وفّرت عساكر السلطان من تلك النواحي. وبعث يعقوب بالخضر بن العين إلى الأهواز، وعليّ بن أبان والزنج يحاصرونها فتأخروا عنها إلى نهر السّدرة. ودخل الخضر الأهواز وملكها بدعوة الصفّار. وكان عسكره وعسكر الزنج يغير بعضهم على بعض. ثم أوقع الزنج بعسكره، ولحق الخضر بعسكر مكرم، واستخرج ابن أبان ما كان في الأهواز، ورجع إلى نهر السّدرة. وبعث يعقوب الإمداد إلى الخضر، وأمره بالكفّ عن قتال الزنج والمقام بالأهواز فواح الزنج، وشحن الأهواز بالأقوات وأقام. 

وفاة يعقوب الصفّار وولاية عمرو أخيه:

ثم توفي يعقوب الصفار في شوال سنة خمس وستين بعد أن افتتح الزنج، وقتل ملكها، وأسلم أهلها على يده. وكانت مملكة واسعة الحدود. وافتتح زابلستان، وهي غزنة وأعمالها. وكان المعتمد قد استماله وولاه على سجستان والسّند. ثم تغلّب على كرمان وخراسان وفارس، وولاّه المعتمد على جميعها. ولما مات قام مكانه أخوه عمرو بن الليث، وكتب إلى المعتمد بطاعته فولاّه الموفّق من قبل أعمال أخيه، وهي خراسان وأصفهان وسجستان والسند وكرمان والشرطة ببغداد. وبعث إليه بالخلع، فولّى عمرو بن الليث على الشرطة ببغداد وسر من رأى من قبله عبيد الله بن عبيد الله بن طاهر. وخلع عليه الموفّق وعمرو بن الليث. وولّى على أصفهان من قبله أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف. وولى على طريق مكة والحرمين محمد بن أبي الساح”.