الدولة السامانية

الدولة السامانية

(266-389هـ/ 880-999م)

تنتمى الدولة السامانية إلى “نصر بن أحمد الساماني” الذى ولاه الخليفة “المعتمد” على ما وراء النهر سنة 261هـ، وكان لنصر هذا أخ يدعى “إسماعيل الساماني” فولاه الخليفة بخاري.

وقد عرف أن السامانيين كانوا فى بلاد ما وراء النهر، وأنهم قضوا على الصفاريين واستولوا على أملاكهم.

حتى إذا جاء عام 279هـ/893م، مات نصر فقام أخوه إسماعيل مقامه فى بلاد ما وراء النهر، فوطَّد أمرها، وثبت قواعدها، وقام بحملة عسكرية ضد المجاورين له من المسيحيين؛ لأنهم كانوا يهاجمون المناطق الإسلامية من حين إلى آخر، وقد نتج عن هذه الحملة انتصاره فى هذه الحروب، ودخول كبار قادة هذه البلاد فى الإسلام، وتبعتهم فى ذلك الجماهير التابعة لهم، لقد كان إسماعيل يحب الخير والعلم، فقرب إليه العلماء، ونشر الخير فيمن حوله.

وفى عهده، تم القضاء على الدولة الصفارية، وامتد نفوذه إلى خراسان، واستولى على طبرستان بعد أن انتصر على واليها العلوى “محمد بن زيد” عام 287هـ/ 900م، وصرعه فى أثناء القتال.

وتمكن إسماعيل بعد ذلك من ضم الرى وقزوين إلى حوزته وتحت سيطرته.

وتوارثت الأجيال السامانية الولاية بعد إسماعيل السامانى حتى سنة 389هـ/ 999م ؛ حيث سقطت الدولة السامانية بسبب الأطماع والخلافات؛ مما أطمع القواد والعمال فى الخروج على الحاكمين من السامانيين.

ولا ينسى التاريخ أن يذكر للدولة السامانية اهتمامها بالعلم والعلماء ورعايتها للآداب، وقيامها بنهضة فنية رائعة فى العمارة، وصناعة الخزف والمنسوجات الحريرية، وصناعة الورق التى انتشرت فى سمرقند، ومنها انتشرت فى بقية العالم الإسلامي، وكان اهتمامهم باقتناء الكتب عظيمًا، فالمطلع على مكتبة الدولة يجد مالا يوجد فى سواها من كتب المعارف والعلوم.

ورد في “تاريخ ابن خلدونالمجلد الثالث:

” كان جدهم أسد بن سامان من أهل خراسان وبيوتها، وينتسبون في الفرس تارة إلى سامة بن لؤي وإلى ابن غالب أخرى. وكان لأسد أربعة من الولد: نوح وأحمد ويحيى وإلياس. وتقدموا عند المأمون أيام ولايته خراسان واستعملهم، ولما انصرف المأمون إلى العراق ولى على خراسان غسان بن عباد من قرابة الفضل بن سهل، فولى نوحاً منهم على سمرقند وأحمد على فرغانة، ويحيى على الشاش وأشروسنة وإلياس على هراة. فلما ولي طاهر بن الحسين بعده أقرهم على أعمالهم. ثم مات نوح بن أسد فأقر أخويه يحيى وأحمد على عمله، وكان حسن السيرة. ومات إلياس بهراة، فولى عَبْد الله بن طاهر مكانه ابنه أبا إسحق محمد بن إلياس، وكان لأحمد بن أسد من البنين سبعة نصر ويعقوب ويحيى وإسمعيل وإسحق وأسد وكنيته أبو الاشعث وحميد وكنيته أبو غانم. فلما توفي أحمد استخلف ابنه نصراً على أعماله بسمرقند وما إليها، وأقام إلى انقراض أيام بني طاهر وبعدهم، وكان يلي أعماله من قبل ولاة خراسان إلى حين انقراض أيام بني طاهر. واستولى الصفار على خراسان، فعقد المعتمد لنصر هذا على أعماله من قبله سنة إحدى وستين، ولما ملك يعقوب الصفار خراسان كما قلنا بعث نصر  جيوشه إلى شط جيحون مسلحة من الصفار، فقتلوا مقدمهم ورجعوا إلى بخارى، وخشيهم واليها على نفسه ففرعنها، فولوا عليهم ثم عزلوا ثم ولوا ثم عزلوا فبعث نصر أخاه إسمعيل لضبط بخارى. ثم ولي خراسان بعد ذلك رافع بن هرثمة بدعوة بني طاهر، وغلب الصفار عليها، وحصلت بينه وبين إسمعيل صاحب بخارى موالاة اتفقا فيها على التعاون والتعاضد، وطلب منه إسمعيل أعمال خوارزم، فولاه إياها، وفسد ما بين إسمعيل وأخيه مضر، وزحف نصر إليه سنة إثنتين وسبعين، واستجاش إسمعيل برافع بن هرثمة فسار إليه بنفسه مدداً، ووصل إلى بخارى، ثم أوقع الصلح بينه وبين أخيه خوفاً على نفسه، وانصرف رافع ثم انتقض ما بينهما وتحاربا سنة خمس وسبعين، وظفر إسمعيل بنصر. ولما حضر عنده ترجل له إسمعيل وقبل يده ورده إلى كرسي إمارته بسمرقند، وأقام نائباً عنه ببخارى، وكان إسمعيل خيراً مكرماً لأهل العلم والدين”.

وورد في المجلد الرابع من “تاريخ ابن خلدون” أيضاً:

أصل بني سامان هؤلاء من العجم ؛ كان جدهم أسد بن سامان من أهل خراسان وبيوتها وينتسبون في الفرس إلى بهرام حشيش الذي ولاّه كسرى أنوشروان مرزبان أذربيجان. وبهرام حشيش من أهل الريّ ونسبهم إليه هكذا: أسد بن سامان خذاه بن جثمان بن طغان بن نوشردين بن بهرام نجرين بن بهرام حشيش. ولا وثوق لنا بضبط هذه الأسماء. وكان لأسد أربعة من الولد: نوح وأحمد ويحيى والياس، وأصل دولتهم، هذه فيما وراء النهر أنّ المأمون لما وليَ خراسان اصطنع بني  أسد هؤلاء، وعرف لهم حق سلفهم واستعملهم. فلمّا انصرف إلى العراق ولّى على خراسان غسّان بن عبّاد من قرابة الفضل بن طاهر، مكان إبنه إسحق، ومحمد بن الياس. ثم مات أحمد بن أسد بفرغانة سنة إحدى وستين ، وكان له من الوُلْد سبعة: نصر ويعقوب ويحيى وإسمعيل وإسحق وأسد وكنيته أبو الأشعث، وحميد وكنيته أبو غانم. ولما توفي أحمد، وكانت سمرقند من أعماله، استخلف عليها ابنه نصراً، وأقام في ولايتها أيام بني طاهر و بعدهم. وكان يلي أعماله من قبل ولاة خراسان إلى حين انقراض أمر بني طاهر واستيلاء الصفّار على خرا سان.

ولاية نصر بن أحمد علي ما وراء النهر:

ولما استولى الصفّار على خراسان، وانقرض أمر بني طاهر، عقد المعتمد لنصر بن أحمد على أعمال ما وراء النهر، فبعث جيوشه إلى شطّ جيحون مسلحة من عبور الصفّار فقتل مقدّمهم. ورجعوا إلى بخارى. وخشيهم واليها على نفسه ففرّ عنها. وولوا عليهم ثم عزلوا، ثم ولّوا ثم عزلوا، فبعث نصر أخاه إسمعيل على شط بخارى. وكان يعظم محلّه ويقف في خدمته. ثم ولّى على غزنة أبا إسحق بن التكين. ثم ولّى على خراسان من بعد ذلك رافع بن هرثمة بولاية بني طاهر، وأخرج عنها الصفار. وحصلت بينه وبين إسمعيل أعمال خوارزم فولاّه إياها، وفسد ما بين إسمعيل وأخيه نصر،  وزحف إليه سنة إثنتين وسبعين فأرسل قائده حمويه بن عليّ إلى رافع يستنجده، فسار إليه بنفسه منها، وأصلح بينهما ورجع إلى خرا سان. ثم انتقض ما بينهما وتحاربا سنة خمس وسبعين، وظفر إسمعيل بنصر. ولما حضر عنده ترجّل له إسمعيل وقبّل يده وردّه إلى كرسي إمارته بسمرقند. وأقام نائباً عنه ببخاري، وكان إسمعيل خيّراً مكرماً لأهل العلم والدين.

وفاة نصر بن أحمد وولاية أخيه إسمعيل علي ما وراء النهر:

ثم توفي نصر سنة تسع وسبعين، وقام مكانه في سلطان ما وراء النهر أخوه إسمعيل وولاّه المعتضد. ثم ولاّه خراسان سنة سبع وثمانين، وكان سبب ولايته على خراسان أنّ عمرو بن الليث كان المعتضد ولاّ خراسان، وأمره بحرب رافع بن هرثمة فحاربه وقتله، وبعث برأسه إلى المعتضد، وطلب منه ولاية ما وراء النهر فولاّه وسير العساكر لمحاربة إسمعيل بن أحمد مع محمد بن بشير من خواصه، فانتهوا إلى آمد بشط جيجون. وعبر إليهم إسمعيل فهزمهم وقتل محمد بن بشير، ورجع إلى بخارى فسار عمرو بن الليث من نيسابور إلى بلخ يريد العبور إلى ما وراء النهر، فبعث إليه إسمعيل يستعطفه بأن الدنيا العريضة في يدك وإنما لي هذا الثغر فأبى ولجّ. وعبر إسمعيل النهر، وأحاط به، وهو على نجد فصار محصورا وسأل المحاجزة فأبى إسمعيل وقاتله فهزمه. وأخذه بعض العسكر أسيرا، وبعث به إلى سمرقند. ثم خّيره في إنفاذه إلى المعتضد فاختاره فبعث به إليه، ووصل إلى بغداد سنة ثمان وثمانين، وأدخل على جمل وحبس. وأرسل المعتضد إلى إسمعيل بولاية خراسان كما كانت لهم فاستولى عليها، وصارت بيده. ولما قُتل عمرو بن الليث طمع محمد بن زيد العلوي صاحب طبرستان والديلم في لملك خراسان، فسار إليها، وهو يظن ان إسمعيل بن احمد لا بريدها ولا يتجاوز عمله، فلما سار إلى جرجان، وقد وصل كتاب  المعتضد إلى إسمعيل بولاية خراسان، فكتب إليه ينهاه عن المسير إليها فأبى، فسّرح إليه محمد بن هرون قائد رافع، وكان قد فارقه عند هزيمته ومقتله. ولحق بإسمعيل فسرّحه في العساكر لقتال محمد بن زيد العلوي ولقيه على جرجان فانهزم محمد بن زيد وغنم ابن هرون عساكره، وأصابت محمد بن زيد جراحات هلك لأيام منها. وأسر إبنه زيد فانزله إسمعيل ببخارى، وأجرى عليه، وسار محمد بن هرون إلى طبرستان فملكها، وخطب فيها لإسمعيل وولاّه إسمعيل عليها.

استيلاء إسمعيل علي الري:

كان محمد بن هرون قد انتقض في طبرستان على إسمعيل، وخلع دعوة العبّاسيّة، وكان الوالى على أهل الري من قبل المكتفي أغرتمش التركي، وكان سئ السيرة فيهم فاستدعوا محمد بن هرون من طبرستان فسار إليهم، وحارب أغرتمش فقتله، وقتل إبنين له، وأخاه كيغلغ من قواد المكتفي. واستولى على الري فكتب المكتفي إلى إسمعيل بولاية الريّ، وسار إليها فخرج محمد بن هرون عنها إلى قزوين وزنجان، وعاد إلى طبرستان، واستعمل إسمعيل بولاية الذين على جرجان فارس الكبير. وألزمه بإحضار محمد بن هرون فكاتبه. فارس، وضمن له إصلاح حاله، فقبل قوله وانصرف عن حسّان الديلمي إلى بخارى في شعبان سنة تسعين ومائتين. ثم قُبِض في طريقه، وأُدْخِل إلى بخارى مقيّداً فحبس بها، ومات لشهرين.

وفاة إسمعيل بن أحمد وولاية ابنه أحمد:

ثم توفي إسمعيل بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر في منتصف سنة خمس وتسعين ومائتين، وكان يلقّب بعد موته بالماضي، وولىَ بعده أبو نصر أحمد، وبعث إليه المكتفي بالولاية، وعقد له لواءه  بيده. وكان إسمعيل عادلاً حسن السيرة حليماً. وخرجت الترك في أيامه سنة إحدى وتسعين ومائتين إلى ما وراء النهر في عدد لا يحصى، يقال كان معهم سبعمائة قبّة، وهي لا تكون إلا للرؤساء ،فاستنفر لهم إسمعيل الناس، وخرج من الجند والمتطوّعة خلق كثير. وخرجوا إلى الترك وهم غارّون فكبسوهم مصبحين، وقتلوا منهم ما لا يحصى وانهزم الباقون. واستبيح عسكرهم. ولما مات ولىَ إبنه أبو نصر أحمد، واستوسق أمره ببخارى بعث عن عمّه إسحق بن أحمد من سمرقند فقبض عليه، وحبسه. ثم عبر إلى خراسان ونزل نيسابور، وكان فارس الكبير مولى أبيه عاملاً على جرجان، وكان ظهر له أنّ  أباه عزله عن جرجان بفارس هذا. وكان فارس قد وليَ الريّ وطبرستان، وبعث إلى إسمعيل أحمد بثمانين حملاً من المال، فلما سمع بوفاة إسمعيل استردّها من الطريق. وحقد له أبو نصر ذلك كله فخافه فارس. فلما نزل أبو نصر نيسابور كتب فارس إلى المكتفي يستأذنه في المسير إليه، وسار في أربعة آلاف فارس، وأتبعه أبو نصر فلم يدركه. وتحصّن منه عامل أبي نصر بالريّ، ووصل إلى بغداد فوجد المقتدر قد وليَ بعد المكتفي، وقد وقعت حادثة ابن المعين فولاّه المقتدر ديار ربيعة، وبعثه في طلب بني حمدان، وخشي أصحاب المقتدر أن يتقدّم عليهم فوضعوا عليه غلاماً له فسمّه، ومات الموصل وتزوج الغلام امرأته.

استيلاء أحمد بن إسمعيل علي سجستان:

كانت سجستان في ولاية الليث بن علي بن الليث، وخرج إلى طلب فارس فأسره مؤنس الخادم، وحُبس ببغداد وولى على سجستان أخوه المعدّل. ثم سار أبو نصر أحمد بن إسمعيل سنة سبع وتسعين من بخارى إلى الري، ثم إلى هراة، وطمع في ملك سجستان فبعث إليه العسكر في محرّم سنة ثمان وتسعين مع أعيان قوّاده: أحمد بن سهل، ومحمد بن المظفّر وسيمجور الدواتيّ، والحسين بن علي المروروذيّ. فلما بلغ الخبر ألى المعدّل، بعث أخاه محمد بن علي إلى بست والزنج فحاصرته العساكر بسجستان. وسار أحمد بن إسمعيل إلى بُست فملكها، وأسر محمد بن علي، وبلغ الخبر إلى المعدّل فاستأمن إلى الحسين فملكها، وحمل المعدّل معه إلى بخارى. وولّى الأمير على سجستان أبا صالح منصور بن عمّه إسحق بن أحمد، وكان قد قبض على إسحق لأوّل ولايته. ثم أطلقه الآن وأعاده إلى سمرقند وفرغانة. وقد كان سبُكري هزمته عساكر المقتدر بفارس، وخرج إلى مفازة سجستان فبعث الحسين عسكراً لاعتراضه، وأُخِذَ أسيراً، وبعثوا به وبمحمد بن علي إلى بغداد. وبعث المقتدر إلى أحمد بالخلع والهدايا. ثم انتقض أهل سجستان على سيجور الدواني، وولّوا منصور ابن عمه إسحق على نيسابور

قتل أبي نصر أحمد بن إسمعيل وولاية ابنه نصر:

ثم قُتِل أبو نصرأحمد صاحب خراسان وما وراء النهر آخر جمادى الآخرة سنة إحدى وثلثمائة، وكان مولعاً بالصيد فخرج إلى برير متصيّداً. وكان له أسد يربط كل ليلة على باب خيمته، فأغفل ليلة، فعدا عليه بعض غلمانه وذبحوه على سريره. وحمل إلى بخارى فدفن بها، ولقّب الشهيد، وقتل من وُجد من أولئك الغلمان. وولىَ الأمير مكانه إبنه أبا الحسن نصر بن أحمد وهو ابن ثَمان سنين، ولّقب السعيد. وتولّى الأمور له أصحاب أبيه ببخارى، وحمله على عاتقه أحمد بن الليث مستولي الأمور. وانتقض عليه أهل سجستان وعمّ أبيه إسحق بن أحمد بسمرقند، وإبناه منصور والياس ومحمد بن الحسين ونصر بن محمد وأبو الحسين بن يوسف والحسن بن علي المروروذيّ وأحمد بن سهل وليلى بن النعمان من الديلم صاحب العلويّين بطبرستان، ومعه سيمجور وأبو حسين بن الناصر الأطروش وقراتكين، وخرج عليه إخوته يحيى ومنصور وإبراهيم بنو أبيه وجعفر بن داود ومحمد بن الياس، ومرداويج ووشكمير ابنا زياد من أمراء الديلم، وكان سعيد نصر مظفّراً على جميعهم.

انتقاض سجستان:

ولما قتل أحمد بن إسمعيل انتقض أهل سجستان وبايعوا للمقتدر، وبعثوا إليه وأخرجوا سيجور الدواتي، فأضافها المقتدر إلى بدر الكبير، وأنفذ إليها الفضل بن حميد وأبا يزيد من قبل السعيد نصر، وسعيد الطالقاني بغزنة كذلك فقصدها الفضل وخالد واستوليا على غزنة وبستة، وقبضا على سعيد الطالقاني وبعثا به إلى بغداد. وهرب عبيد الله الجهستاني.ثم اعتل الفضل وانفرد خالد بالأمور. ثم انتقض فأنفذ إليه المقتدر أخا نجح الطولونيّ فهزمه خالد، وسار إلى كرمان فأنفذه إليه بدر الجيش فأخذ أسيرا ومات، وحمل إلى بغداد.

انتقاض إسحق العمّ وابنه الياس:

كان إسحق بن أحمد عم الأمير أحمد بن إسمعيل والياً على سمرقند، فلما بلغه مقتل الأمير أحمد، وولاية إبنه السعيد نصر، دعا لنفسه بسمرقند، وتابعه إبنه الياس على ذلك. وساروا إلى بخارى فبرز إليهم القائد حمويه بن عليّ فهزمهم إلى سمرقند. ثم جمعوا وعادوا فهزمهم ثانية،وملك سمرقند من أيديهم عنوة. واختفى إسحق وجدّ حمويه في طلبه فضاق به مكانه، واستأمن إلى حمويه وحمله إلى بخارى ،وأقام بها إلى أن هلك، ولحق الياس بفرغانة فأقام بها إلى أن خرج ثانية كما يأتي.

ظهور الأطروش واستيلاؤه على طبرستان:

الأطروش وهو الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمرو بن علي بن الحسن السبط، وأنه استعمل الأمير أحمد على طبرستان مكانه أبا العبّاس أحمد عبد الله بن محمد بن نوح فأحسن السيرة، وعدل في الرعية، وأكرم العلويّة وبالغ في الإكرام والإحسان إليهم. واستمال رؤساء الديلم وهاداهم، وكان الحسن الأطروش قد دخل إليهم بعد قتل محمد بن زيد، وأقام فيهم ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإ سلام، ويقتصر منهم على العُشْر، ويدافع عنهم ملكهم ابن حسّان فأسلم منهم خلقٌ كثيرٌ، واجتمعوا إليه، وبنى في بلادهم المساجد، ودعاهم للمسير معه إلى طبرستان فلم يجيبوه إلى ذلك. ثم عزل أبو العبّاس، وتولّى سلام فلم يحسن سياسة الديلم فخرجوا عليه، وقاتلوه فهزمهم، واستعان بالأمير أحمد السعيد، فأعاد الأمير أحمد إليها ابن نوح، فاستعمل عليها أبا العبّاس محمد بن إبراهيم صعلوك، ففسد ما بينه وبين الديلم بإساءة السيرة وعدم السياسة. فطلبهم الأُطروش في الخروج معه فخرجوا، ولقيهم ابن صعلوك على مرحلة من سالوس وهي ثغر طبرستان فانهزم، وقتل من أصحابه أربعة آلاف، وحصر الأطروش الباقين، ثم أمَّنهم وعاد إلى آمد. وسار إليهم الحسن بن القاسم العلويّ الداعي صهر الأُطروش فقتلهم، متعللا عليهم بأنه لم يحضر لعهدهم. واستولى الأطروش على طبرستان سنة إحدى وثلثمائة أيام السعيد نصر، وخرج صعلوك إلى الريّ متعلّلاً عليهم، ومنها إلى بغداد. وكان الذين أسلموا على يد الأطروش الديلم من وراء أسفيجاب إلى آمد، فيهم شيعة زيدية. وكان الأطروش زيديًّا. وخرجت طبرستان يومئذ من ملك بني سامان.

انتقاض منصور بن إسحق العم والحسين والمروروذي:

كان الأمير أحمد بن إسمعيل لما افتتح سجستان ولّى عليها منصور ابن عمّه إسحق، وكان الحسين بن عليّ هو الذي تولّى فتحها وطمع في ولايتها. ثم افتتحها ثانياً كما ذكرنا فوليا سيجور الدواتي فاستوحش الحسين لذلك، وداخل منصور بن إسحق في الانتقاض ،على أن تكون إمارة خراسان لمنصور والحسين بن علي خليفته على أعماله. فلما قتل الأمير أحمد انتقض الحسين بهراة، وسار إلى منصور بنيسابور فانتقض أيضاً، وخطب لنفسه سنة إثنتين وثلثمائة.وسار القائد حمويه بن علي من بخارى في العساكر لمحاربتهما، ومات منصور قبل وصوله فلما قارب حمويه نيسابور، سار الحسين عنها إلى هراة، وأقام بها. وكان محمد بن جند على شرطته من مدة طويلة، وبعث من بخارى بالنكير فخشي على نفسه، وعذل عن الطريق إلى هراة فسار الحسين بن علي من هراة إلى نيسابور، بعد أن استخلف عليها أخاه منصوراً فملك نيسابور، فسار إلى محاربته من بخارى أحمد بن سهل فحاصر هراة وملكها من منصور على الأمان. ثم سار إلى نيسابور فحاصر بها الحسين وملكها عنوة، وأسر الحسين سنة إثنتين وثلثمائة. وأقام أحمد بن سهل بنيسابور، وجاءه ابن جيد مزمر وقبض عليه، وسيّره والحسين بن علي إلى بخارى. فأمّا ابن جيد مزمر فُسّير إلى خوارزم ومات بها، وأمّا الحسين فحبس، ثم خلّصه أبو عبد الله الجهانيّ مدبر الدولة، وعاد إلى خدمة السعيد نصر.

انتقاض أحمد بن سهل بنيسابور وفتحها:

كان الأمير أحمد بن سهل من قوّاد إسمعيل، ثم إبنه أحمد، ثم ابنه نصر بن أحمد. قال ابن الأثير: وهو أحمد بن سهل بن هاشم بن الوليد بن جبلة بن كامكان بن يزدجرد بن شهربان الملك. قال: وكان كامكان دهقان بنواحي مَرْو قال: وكان لأحمد إخوة ثلاثة وهم: محمد والفضل والحسين قُتُلوا في عصبيّة العرب والعجم. وكان خليفة عمرو بن الليث على مرو فسخطه وحبسه بسجستان. ثم فرّمن محبسه ولحق بمرو فملكها، واستأمن إلى أحمد بن إسمعيل، وقام بدعوته فاستدعاه إلى بخارى وأكرمه ورفع منزلته. ونظّمه في طبقة القوّاد، وبقي في خدمته وخدمة بنيه، فلما انتقض الحسين بن علي بنيسابور على السعيد نصر بن أحمد بن إسمعيل سنة إثنتين وثلثمائة، سار إليه أحمد بن سهل في العساكر وظفر به كما مرّ. وولّى السعيد نصر بن أحمد بن إسمعيل على نيسابور وقراتكين مولاهم.

مقتل ليلي بن النعمان ومهلكه:

كان ليلى بن النُعمان من كبار الديلم، ومن قوّاد الأُطروش، وكان الحسن بن القاسم الداعي قد ولاّه على جرجان سنة ثلاث وثلاثمائة، وكان أولاد الأطروش يحلّونه في كتابهم بالمؤيد لدين الله المنتصر لأولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان كريماً شجاعاً . ولمّا وليَ جرجان سار إليه قراتكين، وقاتله عشرة فراسخ من جرجان، فانهزم قراتكين، واستأمن غلامه فارس إلى ليلى في ألف رجل من أصحابه فأمّنه وأكرمه وزوّجه أخته. واستأمن إليه أبو القاسم بن حفص ابن أخت سهل، وحرّضه على المسير إلى نيسابور، وبها قراتكين. وكان أجناده قد كثروا وضاقت عليهم الأموال فاستأذن الداعي في المسير إلى نيسابور، فأذن له، وسار إليها في ذي الحجة سنة ثمان وثلثمائة فملكها، وأقام بها الخطبة للداعي الحسين بن القاسم. وأنفذ السعيد نصر العساكر من بخارى مع حمويه بن علي، ومحمد بن عبيد الله البلغميّ، وأبي جعفر صعلوك، وخوارزم شاه، وسيجور الدواتيّ، فانهزم أكثر أصحاب حمويه، وثبت القوّاد، وجالت العساكر جولة فانهزم ليلى ودخل آمد. ولحقه بقراخان ملك الترك، جاء مع العساكر مدداً فقبض على ليلى في آمد، وبعث إلى حمويه بذلك، فبعث إليه من قطع رأس ليلى في ربيع سنة تسع وثلثمائة. وبعث به إلى بخارى. وطلب قوّاد الديلم الذين كانوا مع ليلى الأمان فأمّنوهم، بعد أن أشار حمويه بقتلهم، والراحة منهم فلم يوافقوه. وهؤلاء القوّاد هم الذين خرجوا بعد ذلك على الجهات وملكوها: مثل أسفار ومرداويج وشبكين وبني بويه، وستأتي أخبارهم. وبقي فارس غلام قراتكين بجرجان والياً عليها. ثم جاءه قراتكين، واستأمن إليه غلامه فارس فأمّنه. ثم قتله سنة ست عشرة وثلثمائة وانصرف عن جرجان.

حرب سيجور مع ابن الأطروش:

ولما قتل قراتكين غلامه سنة ست عشرة وثلثمائة، وانصرف عن جرجان، سار إليها أبو الحسن بن ناصر الأطروش من أستراباذ فملكها، وأنفذ السعيد لحربه سيجور الدواتي في أربعة آلاف فارس فنزل على فرسخين من جرجان، وخرج إليه أبو الحسن في ثمانية آلاف راجل من الديلم فاقتتلا. وكان سيجور قد أكمن لهم، وأبطأ عليه الكمين فانهزم واتبعه سُرخاب. وشغل عساكر أبي الحسن بالنهب. ثم خرج عليهم الكمين بعد ساعة فانهزم أبو الحسن، وقتل من عسكره نحو أربعة آلاف. وركب البحر إلى أُستراباذ. واجتمع إليه فلّ من أصحابه. وجاءه سرُخاب بعد أن رجع عن سيجور، وجمع عيال أصحابه ومخلفهم، وقدم بهم. وأقام سيجور بجرجان. ثم مات سُرخاب، ورجع ابن الأطروش إلى سارية بعد أن استخلف ما كان بن كالي على أستراباذ، واجتمع إليه الديلم وأمَّرُوه. ثم سار إلى أستراباذ ومعه محمد ليظهر غناؤهم فخرج من سارية، وولوا عليها بقراخان، ووصلوا إلى جرجان، ثم إلى نيسابور. ورجع ما كان إلى أستراباذ مع جرجان ولحق بقراخان بنيسابور. وهذا كان مبتدأ أمر ما كان بن كالي وستأتي أخباره.

خروج الياس بن إسحق:

قد تقدّم لنا انتقاض إسحق وابنه الياس بسمرقند سنة إحدى وثلثمائة، وكيف غلبهم القائد حمويه. وسار بإسحق إلى بخارى ومات بها. ولحق إبنه الياس بفرغانة فأقام بها إلى سنة ست عشرة وثلثمائة، وأجمع المسير إلى سمرقند، واستظهر بمحمد بن الحسين بن مت من قوّاد بني سامان، واستمدّ أهل فرغانة من الترك فأمدّوه، واجتمع إليه ثلاثون ألف فارس، وقصد سمرقند. وبعث السعيد للمدافعة عنها أبا عمرو، ومحمد بن أسد، وغيره في ألفين وخمسمائة راجل. فلما ورد الياس كمنوا له بين الشجر، حتى إذا اشتغلت عساكره بضرب الأبنية خرجوا عليه، فانهزم الحسن بن ست ولحق بأسفيجاب، ومنها إلى ناحية طراز وكريت فلقيه دهقان الناحية فقتله، وأنفذ رأسه إلى بخارى. ثم استمدّ الياس صاحب الشاش، وهو أبو الفضل بن أبي يوسف فأمدّه بنفسه، وبعث إليه أليسعَ بالمدد، وعاود محاربة الوالي بسمرقند، فانهزم إلى كاشغر، وأسر أبو الفضل وحُمل إلى بخارى فمات بها. وسار الياس إلى كاشغر، وصاحبها طغاتكين من ملوك الترك فصاهره بإبنته وأقام معه.

استيلاء السعيد على الري:

كان المقتدر قد عقد على الريّ ليوسف بن أبي الساج، وسار إليه سنة إحدى عشرة وثلثمائة فملكه من يد أحمد بن علي أخي صعلوك، وقد كان فارق أخاه صعلوكاً، وسار إلى المقتدر فولاّه على الري. ثم انتقض على المقتدر ووصل يده بماكان بن كالي قائد الديلم وأولاد الأطروش وهم بطبرستان وجرجان. وفارق طاعة المقتدر فسار إليه يوسف بن أبي الساج وحاربه فقتله، واستولى على الريّ. ثم استدعاه المقتدر سنة أربع عشرة وثلثمائة إلى واسط لقتال القرامطة، وكتب إلى السعيد نصر بن أحمد بولاية الريّ فاستخلف عليها وأمره بالمسير إليها. وأخذها فاتك مولى يوسف بن أبي الساج فسار نصر السعيد لذلك أوّل سنة أربع عشرة وأربعمائة. فلما وصل إلى جبل قارن منعه أبو نصرالطبري من الاجتياز به فبذل له ثلاثين ألف دينار واسترضاه. وسار إلى الريّ فخرج عنها فاتك، واستولى عليها السعيد منتصف السنة، وأقام بها شهرين، ثم عاد عنها إلى بخارى، واستعمل عليها محمد بن علي الملقّب صعلوك، فأقام بها إلى شعبان سنة ست عشرة، ومرض فكاتب الداعي وماكان بن كالي في القدوم ليسلّم لهم الريّ فقدموا، واستولوا على الري. وسار صعلوك عنها فمات في طريقه. وأقام الحسن الداعي بالريّ مالكاً لها. واستولى معها على قزوين وزنجان وأبهر وقمّ، ومعه ماكان. وكان أسفار قد استولى على طبرستان، فسار الداعي وماكان إليه، والتقوا على سارية فانهزم، وقتل الداعي كما مرّ في أخبار العلويّة بطبرستان.

ولاية أسفار علي جرجان والري:

كان أسفار بن شيرويه من أعيان الديلم، وكان من أصحاب ماكان بن كالي. وقد تقدّم لنا أنّ أبا الحسن بن الأطروش ولّى ماكان على أستراباذ، وأنّ الديلم اجتمعوا إليه وأمرّوه، وأنه ملك جرجان، واستولى بعدها على طبرستان، وولّى أخاه أبا الحسن بن كالي على جرجان. وكان أسفار بن شيرويه من قوّاده ،فانصرف مغاضباً عنه سنة خمس عشرة وثلثمائة إلى بكر بن محمد بن أليسع بنيسابور فبعثه بكر إلى جرجان ليفتحها، واضطرب أمر جرجان، لأن ماكان بن كالي اعتقل بها أبا علي الأطروش بنظر أخيه ابن كالي، فوثب الأطروش على أخيه أبي الحسن وقتله، وملك جرجان. واستقدم أسفار بن شيرويه فقدم وضبط أمره، وسار إليهم ماكان من طبرستان في جيوشه فهزموه، واتبعوه إلى طبرستان فملكوها وأقاموا بها.وهلك أبو علي ابن الأطروش بطبرستان، فعاد ماكان بن كالي، وأخرج أسفار بن شيرويه من طبرستان. ثم زحف أسفار إلى الداعي وماكان والتقوا على السيَّاريّة فانهزم الداعي وماكان، وقٌتِل الداعي. واستولى أسفار على طبرستان وجرجان والريّ وقزوين وزنجان وأبهر وقمّ والكرخ. ودعا للسعيد نصر بن أحمد صاحب خراسان. واستعمل على آمد هرون بن بهرام يريد استخلاصه لنفسه، لأن هرون كان يخطب لأبي جعفر من ولد الأطروش فولاّه آمد، وزوّجه ببعض نساء الأعيان بها. وحضر عرسه أبو جعفر، وغيره من العلويّين فهجم عليه أسفار يوم العرس، فقبض على أبي جعفر والعلويّين، وحملهم إلى بخارى فاعتقلوا بها، واستفحل أمر أسفار وانتقض على السعيد صاحب خراسان، وعلى الخليفة المقتدر. وسار السعيد من بخارى إلى نيسابور لمحاربته، وأشار عليه وزيره محمد بن مطرّف الجرجاني بطاعة السعيد، وخوّفه منه فقبل إشارته، ورجع إلى طاعة السعيد، وقبل شروطه من حمل المال وغيره. ثم انتقض عليه مرداويح واستدعى ماكان من طبرستان، وهزم أسفار وقتله. وملك ما بيده من الأعمال كما يذكر في أخبار الديلم. ثم ملك طبرستان وجرجان من يد ماكان، فاستمدّ ماكان السعيد فأمدّه بأبي علي بن محمد المظفرّ فهزمهما مرداويج، وعاد أبو علي إلى نيسابور، وماكان إلى خراسان.

خروج أولاد الأمير أحمد بن إسمعيل علي أخيهم السعيد:

كان السعيد نصر بن أحمد لمّا وليَ استراب بإخوته، وكانوا ثلاثة: أبو زكريا يحيى، وأبو صالح منصور، وأبو إسحق إبراهيم أولاد الأمير أحمد بن إسمعيل ،فحبسهم في القندهان ببخارى ووكّل بهم. فلما سار السعيد إلى نيسابور سنة خمس عشرة فتقوا السجن، وخرجوا منه على يد رجل خبّاز من أصفهان يسمّى أبا بكر، داخلهم في محبسهم بتسهيل نفقتهم التي كانت على يده. وجاء إلى القندهان قبل يوم الجمعة الذي كان ميقاتاً لفتحه. وأقام عندهم مُظهراً للزهد والدين، وبذل للبوّاب دنانير على أن يخرجه ليلحق الصلاة في الجماعة، ففتح له الباب، وقد أعدّهم جماعة للوثوب، فحبسوا البواب، وأخرجوا أولاد الأمير أحمد ومن معهم في الحبس من العلويّين والديلم والعيّارين. واجتمع إليهم من كان وافقهم من العسكر والقوّاد، ورأسهم شروين الجبليّ، وبايعوا يحيى ابن الأمير أحمد، ونهبوا خزائن السعيد وقصوره. وقدّم يحيى أبا بكر الخبّاز، وبلغ الخبر إلى السعيد فعاد من نيسابور إلى بخارى. وكان أبو بكر محمد بن المظفّر بن محتاج صاحب خراسان مقيماً بجرجان، فاستدعى ماكان بن كالي، وصاهره، وولاّه نيسابور فسار إليها. ولما جاء السعيد إلى بخارى اعترضه أبو بكر الخبّاز عند النهر فهزمه السعيد، وأسره ودخل بخارى فعذّبه وأحرقه في تنوره الذي كان يخبز فيه. ولحق يحيى بسمرقند، ثم مرّ بنواحي الصغانيان، وبها أبو علي بن أحمد بن أبي بكر بن المظفّر بن محتاج صاحب خراسان مقيماً بجرجان ،فاستدعى ماكان بن كالي إلى جرجان، ولقوا بها محمد بن الياس، وقوي أمره فلما جاء يحيى إلى نيسابور خطب له، وأظهر دعوته. ثم قصدهم السعيد فافترقوا، ولحق ابن الياس بكرمان، ولحق يحيى وقراتكين بُبْست والرخَّج، ووصل السعيد إلى نيسابور سنة عشرين وثلثمائة، واصطلح قراتكين وأمّنه، وولاّه بلخ، وذهبت الفتنة. وأقام السعيد بنيسابور إلى أن استأمن إليه أخواه يحيى ومنصور وحضرا عنده وهلكا، وفرّ إبراهيم إلى بغداد، ومنها إلى الموصل. وهلك قراتكين بُبسْت، وصلحت أمور الدولة. وكان جعفر بن أبي جعفر بن داود والياً لبني سامان على الخُتَّل، فاستراب به السعيد، وكتب إلى أبي علي أحمد بن أبي بكر محمد بن المظفّر وهو بالصغانيان أن يسير إليه، فسار إليه وحاربه وكسره، وجاء به إلى بخارى فحبس بها، فلما فتق السجن خرج مع يحيى وصحبهم. ثم لما رأى تلاشي أموره استأذنه في المسير إلى الخُتّل فأذن له فسار إليها، وأقام بها، ورجع إلى طاعة السعيد سنة ثمان عشرة وصلح حاله. (والختل بخاء معجمة مضمومة، وتاء مثناة فوقانية مشددة مفتوحة).

ولاية ابن المظفر علي خراسان:

كان أبو بكر محمد بن المظفّر واليا للسعيد نصر على جرجان. ولما استفحل أمر مرداويح بالريّ كما يأتي في أخبار الديلم، خرج عنها ابن المظفّر، ولحق بالسعيد نصر في نيسابور وهو مقيم بها، فسار السعيد في عساكره نحو جرجان، ووقعت المكاتبة بين محمد بن عبيد الله البلغميّ مدبر دولته، وبين مُطَّرف بن محمد، واستماله محمد فمال إليه مطّرف، وقتله سلطانه مرداويح. ثم بعث محمد ينتصح لمرداويح، ويذكره نعمة السعيد عنده في اصطناعه وتوليته، وتطّوق العار في ذلك المطرف الوزير الهالك. ويهوّل عليه أمر السعيد ويخوّفه، ويشير عليه بمسالمة جرجان إليه. وصالحه السعيد عليها. ولما فرغ السعيد من أمر جرجان، وأحكمه استعمل محمد بن المظفّر بن محتاج على جيوش خراسان سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، وردّ إليه تدبير الأمور بجميع نواحيها. وسار إلى كرسي ملكه ببخارى واستقرّ بها.

استيلاء السعيد على كرمان:

كان محمد بن الياس من أصحاب السعيد، ثم سخطه وحبسه، وشفع فيه محمد بن عبيد الله البلغمي فأطلقه، وسيّره محمد بن المظفّر إلى جرجان. ثم سار إلى يحيى وإخوته عندما توثبوا ببخارى فكان معه في الفتنة، وخطب له بنيسابور كما مرّ. فلمّا زحف السعيد إليهم فارق يحيى ولحق بكرمان، واستولى عليها. ثم خرج إلى بلاد فارس وبها ياقوت مولى الخلفاء فوصل إليه بأصطخر يريد أن يستأمن له، وأطلع ياقوت على مكره، فرجع إلى كرمان. ثم بعث السعيد ماكان بن كالي في العساكر سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، وقاتل ابن الياس وهزمه، وملك كرمان بدعوة السعيد نصر بن أحمد. وسار الياس إلى الدّينور. ثم رجع ماكان عن كرمان على ما نذكره بعد، فرجع إليها ابن الياس. وسبب خروج ماكان أنّ السعيد بعد قتل مرداويح، كتب إليه وإلى محمد بن المظفّر صاحب خراسان أن يقصد جرجان والريّ، وبها وشمكير أخو مرداويح، فجاء ماكان على المفازة، ووصل إلى نيسابور بعد أن كان محمد بن المظفّر قد استولى عليها، بعث إليه مدداً فهزمتهم عساكر وشمكين فأقصر ماكان عن حربهم، وأقام بنيسابور وجعلت ولايتها له. وذلك أوّل سنة أربع وعشرين وثلثمائة. ثم صفت كرمان لمحمد بن الياس بعد حروب مع جيش نصر كان له الظفر فيها آخراً.

استيلاء ماكان علي كرمان وانتقاضه:

لما ملك مانحين جرجان، وأقام ماكان بنيسابور، وجُعِلَت ولايتها له، وهلك مانحين لأيام من دخوله جرجان، استنفر محمد المظفّر ماكان للمسير إلى جرجان فاعتلّ بالخروج بجميع أصحابه. وسار إلى أسفراين، فأنفذ عسكراً إلى جرجان، واستولى عليها. ثم انتقض وسار إلى نيسابور، وبها محمد بن المظفّر. وكان غير مستعدّ للحرب فسار نحو سرخس، ودخل ماكان نيسابور سنة أربع وعشرين وثلثمائة. ثم رجع عنها خوفا من اجتماع العساكر.

ولاية علي بن محمد علي خراسان وفتحه جرجان:

كان أبو بكر محمد بن المظفّر بن محتاج صاحب خراسان من ولاة السعيد عليها سنة احدى وعشرين وثلثمائة، فلمّا كانت سنة سبع وعشرين وثلثمائة اعتلّ أبو بكر، وطال به مرضه، وقصد السعيد راحته فاستقدم ابنه أبا علي من الصغانيان، وبعثه أميراً على خراسان. واستدعى أباه أبا بكر فلقي إبنه أبا عليّ على ثلاث مراحل من نيسابور فوصّاه، وحمّله حملاً من سياسته. وسار إلى بخارى، ودخل إبنه أبو علي نيسابور من السنة فأقام بها أياما. ثم سار في محرّم سنة ثمان وعشرين وثلثمائة إلى جرجان وبها ماكان بن كالي مستنقضاً على السعيد، وقد غّوروا المياه في طريقه فسلك إليهم غمرة حتى نزل على فرسخ من جرجان، وحاصرها وضيّق عليها، وقطع الميرة عنها حتى جهدهم الحصار. وبعث ماكان بن كالي إلى وشمكير وهو بالريّ فأمدّه بقائد من قوّاده، فلما وصل إلى جرجان شرع في الصلح بينهما لينجو فيه ماكان فتمّ ذلك، وهرب ماكان إلى طبرستان واستولى أبو علي على جرجان سنة ثلاث وعشرين واستخلف عليها إبراهيم بن سيجور الدواتي.

استيلاء أبي علي على الريّ وقتل ماكان بن كالي:

ولما ملك أبو علي جرجان أصلح أمورها. ثم استخلف عليها إبراهيم بن سيجور، وسار إلى الريّ في ربيع سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، وبها وشمكير بن زياد أخو مرداويح قد تغلّب عليها من بعد أخيه. وكان عماد الدولة وركن الدولة إبنا بويه يكاتبان أبا علي صاحب خراسان، ويستحثّانه لقصد الريّ بأنّ أبا عليّ لا يقيم بها لسعة ولايته فتصفو لهما. فلمّا سار أبو علي لذلك بعث وشمكير إلى ماكان بن كالي يستنجده، فسار إليه من طبرستان، وسار أبو علي، وجاءه مدد ركن الدولة بن بويه، والتقوا بنواحي الريّ فانهزم وشمكير وماكان. ثم ثبت ماكان، ووقف مستميتاً فأصابه سهم فقتله، وهرب وشمكير إلى طبرستان فأقام بها، واستولى أبو علي على الريّ سنة تسع وعشرين وثلثمائة، وأنفذ رأس ماكان والأسرى معه إلى بخارى فأقاموا حتى دخل وشمكير في طاعة بني سامان. وسار إلى خراسان سنة ثلاثين وثلثمائة واستوهبهم الأسرى فأطلقوا له، وبقي الرأس ببخارى ولم يحمل إلى بغداد.

استيلاء أبي عليّ على بلد الجبل:

ولما ملك أبو علي بن محتاج صاحب خراسان بلد الريّ والجبل من يد وشمكير، وأقام بها دعوة السعيد نصر بعث العساكر إلى بلد الجيل ففتحها، واستولى على زنجان وأبهر وقزوين وقُمّ وكرخ وهمذان ونهاوند والدينور إلى حدود حلوان، ورتّب فيها العمّال وجبى الأموال. وكان الحسن بن الفيرزان بسارية وهو ابن عم ماكان بن كالي، وكان وشمكير يطمع في طاعته له وهو يتمنع، فقصده وشمكير وحاصره بسارية وملكها عليه. واستنجد الحسن أبا عليّ بن محتاج فسار معه لحصار وشمكير بسارية سنة ثلاثين وثلثمائة، وضيّق عليه حتى سأل الموادعة، فصالحه أبو علي على طاعة السعيد نصر، وأخذ رهنه، ورحل عنه إلى جرجان سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة. ثم بلغه موت السعيد فعاد أبو عليّ إلى خراسان فملكها، وراسله الحسن بن الفيرزان يستميله، وردّ عليه ابنه سلار الرهينة ليستعين به على الخراسانية، فوعده واطمعه. ولما ملك وشمكير الريّ طمع فيه بنو بويه لأنه كان قد اختلّ أمره بحادثته مع أبي علي، فسار الحسن بن الفيرزان إلى الريّ، وقاتل وشمكير فهزمه، واستأمن إليه الكثير من جنده. وسار وشمكير إلى الريّ فاعترضه الحسن بن الفيرزان من جرجان وهزمه إلى خراسان، وراسل الحسن ركن الدولة، وتزّوج بنته واتصل ما بينهما.

وفاة السعيد نصر وولاية ابنه نوح:

ثم أصاب السعيد نصراً صاحب خراسان وما وراء النهر مرضُ السلّ فاعتلّ ثلاثة عشر شهراً، ومات في شعبان سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة لثلاثين سنة من ولايته. وكان يؤثر عنه الكرم والحلم، وأخلص في مرضه التوبة، إلى أن توفي. ولما مات وليَ مكانه إبنه نوح، وكان يؤثر الكرم والحلم عنه، وبايعه الناس، ولقّب الحميد، وقام بتدبير ملكه أبوالفضل أحمد بن حويه وهو من أكابر أصحاب أبيه، كان أبوه السعيد ولّى إبنه إسمعيل بخارى في كفالة أبي الفضل وولايته، فأساء السيرة مع نوح، وحقد له ذلك. وتوفي إسمعيل في حياة أبيه، وكان يؤثر أبا الفضل فحذّره من إبنه نوح. فلما وليَ نوح سار أبو الفضل من بخارى وعبر جيحون إلى آمد. وكان بينه وبين أبي علي بن محتاج صهر، فبعث إليه يخبره بقدومه فنهاه عن القدوم عليه. ثم كتب له نوح بالأمان، وولاّه سمرقند وكان على الحاكم صاحب الدولة ولا يلتفت إليه، والآخر يحقد عليه ويعرض عنه. ثم انتقض عبد الله بن أشكام بخوارزم على الأمير نوح فسار من بخارى إلى مرَوْ سنة إثنتين وثلاثين وثلثمائة، وبعث إليه جيشا مع إبراهيم بن فارس فمات في الطريق. واستجار ابن اشكام بملك الترك. وكان ابنه محبوسا ببخارى فبعث إليه نوح بإطلاق إبنه على أن يقبض على ابن أشكام، وأجابه ملك الترك لذلك. ولما علم بذلك ابن أشكام عاد إلى طاعة نوح وعفا عنه وأكرمه.

استيلاء أبي علي على الريّ ودخول جرجان في طاعة نوح:

ثم إن الأمير نوحاً سار إلى مَرْو، وأمر أبا علي بن محتاج أن يسير بعساكر خراسان إلى الريّ وينتزعها من يد ركن الدولة بن بويه فسار لذلك، ولقي في طريقه وشمكير وافداً على الأمير نوح فبعثه إليه. وسار أبو علي إلى بسطام فاضطرب جنوده، وعاد عنه منصور بن قراتكين من أكابر أصحاب نوح، فقصدوا جرجان، وصدّهم الحسن بن الفيرزان فانصرفوا إلى نيسابور. وسار إلى الأمير نوح بمَرُو فأعاده وأمده بالعساكر. وسار من نيسابور في منتصف ثلاث وثلاثين وثلثمائة وعلم ركن الدولة بكثرة جموعه، فخرج من الري واستولى أبو علي عليها، وعلى سائر أعمال الجبال. وأنفذ نوّابه إلى الأعمال، وذلك في رمضان من سنته. ثم سار الأمير نوح من مَرْو إلى نيسابور، وأقام بها، ووضع جماعة من الغوغاء والعامّة يستغيثون من أبي علي، ويشكون سوء السيرة منه ومن نّوابه، فولى على نيسابور إبراهيم بن سيجور، وعاد عنها، وقصد أن يقيم أبو علي بالري لحسن دفاعه عنها، وينقطع طمعه عن خراسان، فاستوحش أبو علي للعزل وشق عليه. وبعث أخاه أبا العبّاس الفضل بن محمد إلى كور الجبال، وولاّه همذان، وخلافة العساكر، فقصد الفضل نهاوند والدينور، واستولى عليها. واستأمن إليه رؤساء الأكراد بتلك النواحي، وأعطوا رهنهم على الطاعة. وكان وشمكير لما وفد على الأمير نوح بمَرْو كما قدّمناه استمدّه على جرجان، فأمدّه بعسكر، وبعث إلى أبي علي بمساعدته فلقي أبا علي منصرفه في المرّة الأولى من الري إلى نيسابور، فبعث معه جميع من بقي من العسكر، وسار وشمكير إلى جرجان، وقاتل الحسن بن الفيرزان فهزمه، واستولى على جرجان بدعوة نوح بن السعيد، وذلك في صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلثمائة.

انتقاض أبي على وولاية منصور بن قراتكين علي خراسان:

قد تقدم لنا أنّ الأمير نوحا عزل أبا علي بن محتاج عن خراسان، وكان من قبلها عزله عن ديوان الجند وهو لنظره، وبعث من يستعرض الجند فمحا وأثبت وزاد في العطاء ونقص فاستوحش لذلك كله، واستوحش الجند من التعرّض إليهم بالإسقاط، ولأرزاقهم بالنقصان. وخلص بعضهم إلى بعض بالشكوى، واتفقوا في سيرهم إلى الريّ وهم بهمذان على استقدام إبراهيم بن أحمد أخي السعيد الذي كان قد هرب أمامه إلى الموصل كما تقدم. وظهر أبو علي على شأنهم فنكر عليهم فتهدّدوه، وكاتبوا ابراهيم واستدعوه، جاء إليهم بهمذان في رمضان سنة أربع وثلاثين وثلثمائة. وكاتبه أبو علي، وكتب أخوه الفضل سراً إلى الأمير نوح بذلك. ونمي خبر كتابه إلى أخيه أبي علي فقبض عليه، وعلى متولي الديوان. وسار إلى نيسابور، واستخلف على الريّ والجبل، وبلغ الخبر إلى الأمير نوح، فنهض إلى مَرْو، واضطرب الناس عليه، وشكوا من محمد بن أحمد الحاكم مدبّر ملكه، ورأوا أنه الذي أوحش أبا عليّ وأفسد الدولة، فنقموا ذلك عليه، واعتلّوا عليه فدفع إليهم الحاكم فقتلوه منتصف سنة خمس وثلاثين وثلثمائة. ووصل أبو علي إلى نيسابور وبها إبراهيم بن سيجور ومنصور بن قراتكين وغيرهما من القوّاد فاستمالهم، وساروا معه ودخلها في محرم سنة ست وثلاثين وثلثمائة. ثم ارتاب بمنصور بن قراتكين فحبسه، وسار من نيسابور، ومعه العم إبراهيم إلى مَرْو، وهرب أخوه الفضل في طريقه من محبسه، ولحق بقهستان. ولما قاربوا مَرْو اضطرب عسكر الأمير نوح، وجاء إليهم أكثرهم. واستولى عليها وعلى طخارستان. وبعث نوح العساكر من بخارى مع الفضل أبي علي إلى الصغانيان فأقاموا بها، ودسّ إليهم أبو علي فقبض على الفضل وبعثوا به إلى بخارى. وعاد أبو علي من طخارستان إلى الصغانيان فأقاموا بها في ربيع سنة سبع وثلاثين وثلثمائة ، وقاتل العساكر فغلبوه، ورجع إلى الصغانيان. ثم تجاوزها وأقام قريباً منها، ودخلتها العساكر فخّربوا قصوره، ومساكنه، وخرجوا في اتباعه، فرجع وأخذ عليهم المسالك، فضاقت أحوالهم، وجنحوا إلى الصلح معه، على أن يبعث بابنه أبي المظفّر عبد الله إلى الأمير نوح رهينة، فانعقد ذلك منتصف سنة سبع وثلاثين وثلثمائة. وبعث بإبنه إلى بخارى فأمر نوح بلقائه، وخلع عليه وخلطه بندمائه، وسكنت الفتنة. قال ابن الأثير: هذا الذي ذكره مؤرخوا خراسان في هذه القصة، وأمّا أهل العراق فقالوا: إنّ أبا علي لمّا سار نحو الريّ استمدّ ركن الدولة بن بويه أخاه عماد الدولة فكتب يشير عليه بالخروج عن الريّ، وملكها أبو علي. وكتب عماد الدولة إلى نوح سرًّا يبذل له في الريّ في كل سنة مائة ألف دينار وزيادة على ضمان أبي علي، ويعجّل له ضمان سنة وسجله عليه. ثم دسّ عماد الدولة إلى نوح في القبض على أبي علي وخوّفه منه، فأجاب الأمير نوح إلى ذلك، وبعث تقرير الضمان، وأخذ المال. ودسّ ركن الدولة إلى أبي علي بهمذان، ورجع به على خراسان. وعاد ركن الدولة إلى الريّ، واضطربت خراسان، ومنع عماد الدولة مال الضمان خوفاً عليه في طريقه من أبي علي. وبعث إلى أبي علي. يحرّضه على اللقاء، ويعده بالمدد. وفسد ما بينه وبين إبراهيم وانقبض عنه، وأنّ الأمير نوحاً سار إلى بخارى عند مفارقتها أبي علي.

 وحارب إبراهيم العم ففارقه القوّاد إلى الأمير نوح فأُخِذَ أسيراً، وسمله الأمير نوح وجماعة من أهل بيته، والله أعلم.

انتقاض ابن عبد الرزاق بخراسان:

كان محمد بن عبد الرزاق عاملا بطوس وأعمالها، وكان أبو علي استخلفه بنيسابور عندما زحف منها إلى الأمير نوح، فلما راجع الأمير نوح ملكه انتقض ابن عبد الرزاق بخراسان. وولّى الأمير نوح على خراسان محمد بن عبد الرزاق، واتفق وصول وشمكير منهزماً من جرجان أمام الحسن بن فيرزان. واستمدّ الأمير نوحاً فأخرج معه منصوراً في العساكر، وأمرهما بمعاجلة ابن عبد الرزاق، فخرج سنة ست وثلاثين وثلثمائة إلى أستراباذ ومنصور في اتباعه فلحق بجرجان، واستأمن إلى ركن الدولة بن بويه، ومضى إلى الريّ. وسار منصور بن قراتكين إلى طوس، وحاصر رافع إلى قلعة أخرى فحاصره منصور بها حتى استأمن إليه، وجمع ما معه فأنهبه أصحابه. وخرج معهم فافترقوا في الجبال، واحتوى منصور على ما وجد بالحصن، وحمل عيال محمد بن عبد الرزاق وأمّه إلى بخارى فاعتقلوا بها. ولما وصل محمد بن عبد الرزاق إلى ركن الدولة بن بويه أفاض عليه العطاء، وسّرحه إلى محاربة المرزبان بأذربيجان كما يأتي.

استيلاء ركن الدولة بن بويه علي طبرستان وجرجان ومسير العساكر إلى جرجان والصلح مع الحسن بن الفيرزان:

ولما وقع من الاضطراب ما وقع بخراسان، اجتمع ركن الدولة بن بويه والحسن بن الفيرزان، وقصدوا بلاد وشمكير فهزموه، وملك ركن الدولة طبرستان. وسار إلى جرجان فملكها، وأقام بها الحسن بن الفيرزان. واستأمن قوّاد وشمكير إليهم فأمّنوهم. وسار وشمكير إلى خراسان مستنجداً بصاحب خراسان، فسار معه منصور بن قراتكين في عساكر خراسان إلى جرجان، وبها الحسن بن الفيرزان. واسترهن ابنه، ثم أبلغه عن الأمير نوح ما أقلعه فأعاد على الحسن ابنه، وعاد إلى نيسابور وأقام وشمكير باورن.

مسير ابن قراتكين إلى الريّ وعوده إليه:

ثم سار منصور بن قراتكين سنة تسع وثمانين وثلثمائة إلى الريّ بأمر الأمير نوح لغيبة ركن الدولة بن بويه في نواحي فارس، فوصل إلى الريّ، واستولى عليها وعلى الجبل إلى قرميسين فكبس، الذين بها من العسكر وهم غازون، وأسروا مقدمّهم محكماً وحبس ببغداد، ورجع الباقون إلى همذان. فسار سبكتكين نحوهم، وجاء ركن الدولة إثر الإنهزام، وشاور وزيره أبا الفضل بن العميد فأشار عليه بالثبات. ثم أجفل عسكر خراسان إلى الريّ لانقطاع الميرة عنهم، وكان ذلك سواء بين الفريقين إلاّ أنّ الديلم كانوا أقرب إلى البداوة فكانوا أصبر على الجوع والشظف، فركب ركن الدولة، واحتوى على ما خلفه عسكر خراسان.

وفاة ابن قراتكين ورجوع أبى عليّ بن محتاج إلى ولاية خراسان:

ثم توفي منصور بن قراتكين صاحب خراسان بالريّ بعد عوده من أصفهان في ربيع سنة أربعين، وحملت جنازته إلى أسفيجاب فدفن بها عند والده، فولّى الأمير نوح على خراسان أبا علي بن محتاج، وأعاده إلى نيسابور. وقد كان منصور يستقيل من ولاية خراسان لما يلقى بها من جندها، ويستعفى نوحاً المرة بعد المرّة. وكان نوح يعد أبا علي بعوده إلى ولايته. فلما توفي منصور بعث إليه بالخلع واللواء، وأمره بالمسير، وأقطعه الري، وأمره بالمسير إليها فسار عن الصغانيان في رمضان سنة أربعين وثلثمائة، واستخلف مكانه إبنه أبا منصور، وانتهى إلى مَرْو فأقام إلى أن أصلح أمر خوارزم وكانت شاغرة. ثم سار إلى نيسابور فأقام بها. ولما كانت سنة إثنتين وأربعين وثلثمائة كتب وشمكير إلى الأمير نوح أن يأمر أبا علي بن محتاج بالمسير معه في عساكر خراسان، فساروا في ربيع من السنة، وخام ركن الدولة عن لقائهم، فامتنع بطزل، وأقام عليه أبو علي عدّة شهور يقاتله حتى سئم العسكر، وعجفت دوابهم فمال إلى الصلح، وسعى بينهما فيه محمد بن عبد الرزاق المقدّم ذكره، فتصالحا على مائتي ألف دينار ضريبة يعطيها ركن الدولة في كل سنة، ورجع أبو علي إلى خراسان. وكتب وشمكير إلى الأمير نوح بأنّ أبا علي لم ينصح في الحرب، وأنّ بينه وبين ركن الدولة مداخلة. وسار ركن الدولة بعد انصراف أبي علي نحو وشمكير فانهزم إلى أسفراين، واستولى ركن الدولة على طبرستان.

عزل الأمير أبي علي عن خراسان ومسيره إلى ركن الدولة وولاية بكر بن مالك مكانه:

ولما تمكنت سعاية وشمكير من أبي علي عند الأمير نوح، كتب إليه بالعزل عن خراسان سنة إثنتين وأربعين وثلثمائة، وكتب إلى القواد بمثل ذلك. واستعمل على الجيوش مكانه أبا سعيد بكر بن مالك الفرغاني، وبعث أبو علي يعتذر فلم يقبل. وأرسل جماعة من أعيان نيسابور يسألون إبقاءه فلم يجيبوا، فانتقض أبو علي، وخطب لنفسه بنيسابور. وكتب نوح إلى وشمكير والحسن بن الفيرزان بأن يتفقا ويتعاضدا على أولياء ركن الدولة حيث كانوا ففعلا ذلك، فارتاب أبو علي بأمره، ولم يمكنه العود إلى الصغانيان، ولا المقام بخراسان فصرف وجهه إلى ركن الدولة، واستأذنه في المسير إليه فأذن. وسار أبو علي إلى الريّ سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة  فأكرمه ركن الدولة، وأنزله معه، واستولى بكر على خرا سان.

وفاة الأمير نوح وولاية ابنه عبد الملك:

ثم توفي الأمير نوح بن نصر، ولقبه الحميد، في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وثلثمائة لإثنتي عشرة سنة من ولايته، ووليَ بعده إبنه عبد الملك. وقام بأمره بكر بن مالك الفرغاني فلمّا قرّر أمر دولته، وثبت ملكه، أمر بكراً بالمسير إلى خراسان فكان من شأنه مع أبي علي ما قدّمناه.

مسير العساكر من خراسان إلى الري وأصفهان:

ثم زحفت عساكر خراسان إلى الريّ سنة أربع وأربعين وثلثمائة، وبها ركن الدولة بن بويه قدم إليها من جرجان، واستمدّ أخاه. مُعِزّ الدولة ببغداد فأمدّه بالحاجب سبكتكين. وبعث بكر عسكراً آخر من خراسان مع محمد بن ماكان على طريق المفازة إلى أصفهان. وكان بأصفهان أبو منصور علي بن بويه بن ركن الدولة فخرج عنها مَجَرم أبيه وخزائنه، وانتهى إلى خالنجان. ودخل محمد بن ماكان أصفهان، وخرج في اتباع ابن بويه، وأدرك الخزائن فأخذها وسار فأدركه. ووافق وصول أبي الفضل بن العميد وزير ركن الدولة في تلك الساعة فقاتله ابن ماكان وهزم أصحابه، وثبت ابن العميد، وشُغِل عسكر ابن ماكان بالنهب، فاجتمع على ابن العميد لمة من العسكر فاستمات، وحمل على عسكر أبن ماكان فهزمهم وأسر ابن ماكان. وسار ابن العميد إلى اصفهان فملكها، وأعاد حرم ركن الدولة وأولاده إلى حيث كانوا من أصفهان. ثم بعث ركن الدولة إلى بكر بن مالك صاحب الجيوش بخراسان، وقرّر معه الصلح على مال يحمله ركن الدولة إليه على الريّ وبلد الجيل، فتقرّر ذلك بينهما، وبعث إليه من عند أخيه ببغداد بالخلع واللواء بولاية خراسان، فوصلت إليه في ذي القعدة سنة أربع وأربعين وثلثمائة.

وفاة عبد الملك بن نوح صاحب ما وراء النهر وولاية أخيه منصور:

ثم توفي الأمير عبد الملك لإحدى عشرة خلت من شّوال سنة خمس وثلاثين وثلثمائة لسبع سنين من ولايته. ووليَ بعده أخوه أبو الحرث منصور بن نوح، واستولى ركن الدولة لأوّل أيامه على طبرستان وجرجان فملكهما. وسار وشمكير عنها فدخل بلاد الجبل.

مسير العساكر من خراسان إلى الري ووفاة وشمكير:

قد ذكرنا من قبل أنّ وشمكير كان يقدح في عمّال بني سامان بأنهم لا ينصحون لهم، ويداخلون عدوّهم من الديلم. ووفد أبو علي بن الياس صاحب كرمان على الأمير أبي الحرث منصور مستجيشا به على بني بويه، فحرّضه على قصد الريّ، وحذّره من الاستمالة في ذلك إلى عمّاله كما أخبره وشمكير، وبعث إلى الحسن بن الفيرزان بالنفير مع عساكره. ثم أمر صاحب جيوش خراسان أبا الحسن بن محمد بن سيجور الدواني بالمسير إلى الريّ وأوصاه بالرجوع إلى رأي وشمكير، وبلغ الخبر إلى ركن الدولة، فاضطرب وبعث بأهله وولده إلى أصفهان. واستمدّ إبنه عضد الدولة بفارس، وبختيار ابن أخيه عزّ الدولة ببغداد، فبادر عضد الدولة إلى إمداده وبعث العساكر على طريق خراسان يريد قصدها لخلوّها من العسكر، فأجحفت عساكر خراسان، وانتهوا إلى الدامغان، فأقاموا. وبرز ركن الدولة نحوهم في عساكره من الريّ. وبينما هم في ذلك ركب وشمكير يوما ليتصيّد فاعترضه خنزير فأجفل فرسه، وسقط إلى الأرض وانهشم ومات، وذلك في المحرم سنة سبع وخمسين وثلثمائة، وانتقض ما كانوا فيه، وقام يسنون بن وشمكير مقام أبيه، وراسل ركن الدولة وصالحه فأمدّه ركن الدولة بالمال والرجال.

خبر ابن الياس بكرمان:

كان أبو علي بن الياس قد ملك كرمان بدعوة بني سامان، واستبدّ بها وأصابه فالج وأزمن به. وكان له ثلاثة من الولد اليسع والياس وسليمان: فعهد إلى اليسع وبعده الياس، وأمر سليمان بالعود إلى أرضهم ببلاد الصغد، يقيم بها فيما لهم هنالك من الأموال لعداوة كانت بين سليمان وإليسع فخرج سليمان لذلك، واستولى على السيرجان، فأنفذ إليه أبوه أبو علي إبنه الآخر في عسكر، وأمره بإجلائه عن البلاد، ولا يمكنه من قصد الصغد إن طلبها، فسار وحاصره. ولما ضاق الحصار على سليمان جمع أمواله، ولحق بخراسان. وملك إليسع السيرجان، وسار إلى خراسان. ثم لحق أبو علي ببخارى ومعه ابنه سليمان فأكرمه الأمير أبو الحرث، وقرّبه. وأغزاه أبو علي بالريّ، وتجهيز العساكر إليه كما ذكرناه. وأقام عنده إلى أن توفي سنة ست وخمسين وثلثمائة كما نذكر في أخباره. ولحق إليسع ببخارى فأقام بها،ثم سعى سليمان عند الأمير أبي الحرث منصور في المسير إلى كرمان وأطمعه في ملكها، وأنّ أهلها في طاعته فبعث معه عسكراً. ولما وصل أطاعه أهل نواحيها من القُّمْص والبولص وجميع المنتقضين على عضد الدولة، واستفحل أمره فسار إليه كوركين عامل عضد الدولة بكرمان، وحاربه، ونزعت عساكره عنه، فانهزم وقتل معه إبنا أخيه إليسع، وهما بكر والحسين وكثير من القوّاد وصارت كرمان للديلم.

انعقاد الصلح بين منصور بن نوح وبين بني بويه:

ثم انعقد الصلح بين الأمير أبي الحرث منصور بن نوح صاحب خراسان وما وراء النهر، وبين ركن الدولة، وزوّجه إبنته، وحمل إليه من الهدايا والتحف ما لم يحمل مثله. وكتب بينهم كتاب الصلح، شهد فيه أعيان خراسان وفارس والعراق. وتمّ ذلك على يد أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجور صاحب الجيوش بخراسان من جهة الأمير أبي الحرث في سنة إحدى وستين وثلثمائة.

وفاة منصور بن نوح وولاية ابنه نوح:

ثم توفي الأمير أبو الحرث منصور ببخارى منتصف سنة ست وستين وثلثمائة، وولي بعده إبنه أبو القاسم نوح صبياً لم يبلغ الحلم، فاستوزر أبا الحسن العتبي، وجعل على حجابة بابه مولاه أبا العبّاس قاسماً، وكان من موالي أبي الحسن العتبي فأهداه إلى الأمير أبي صالح وشركهما في أمر الدولة أبو الحسن فائق، وأقرّ على خراسان أبا الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجور، واطردت أمور الدولة على استقامتها.

عزل ابن سيجور عن خراسان وولاية أبي العباس تاش:

قد تقدّم لنا شأن خلف بن أحمد الليثي صاحب سجستان، وانتصاره بالأمير منصور ابن فرج على قريبه طاهر بن خلف بن أحمد بن الحسين المنتقض عليه لسنة أربع وخمسين وثلثمائة، وأنه مدّه بالعسكر وردّه إلى ملكه. ثم انتقض طاهر ثانيا بعد انصراف العسكر عن خلف، وبعث مستجيشاً فأمدّه ثانياً. وقد هلك طاهر ووليَ إبنه الحسين فحاصره خلف، وأرهقه الحصار فنزل لخلف عن سجستان ولحق بالسعيد نوح بن منصور. وأقام خلف دعوة نوح في سجستان، وحمل المال متقرّراً عليه كل سنة. ثم قصر في الطاعة والخدمة، وصار يتلقى الأوامر بالإعراض والإهمال فَرُمِيَ بالحسين بن طاهر في جيوش خراسان، وحاصره بقلعة أَرَك، وطال انحصاره. وأمدّه العتبي الوزير بجماعة القوّاد كالحسن بن مالك وبكتاش فأقاموا عليه سبع سنين، حتى فنيت الرجال والأموال. وكان ابن سيجور بخراسان، وكانت أيامه قد طالت بها فلا يطيع السلطان إلا فيما يراه. وكان خلف بن أحمد صاحبه فلم يغن عليه، وعوتب في ذلك، وعزل عن خراسان بأبي العبّاس تاش فكتب يعتذر، ورحل إلى قهستان ينتظر جواب كتابه، فجاءه كتاب الأمير نوح بالمسير إلى سجستان فسار، واستنزل خلفاً من معقله للحسين بن طاهر. وسار خلف إلى حصن الطاق، وداخله ابن سيجور، وأقام خطبة لرضا نوح به وانصرف. ولمّا ولّى الأمير نوح الحاجب أبا العبّاس تاش قيادة خراسان، سار إليها سنة إحدى وسبعين وثلثمائة فلقي هنالك فخر الدولة ابن ركن الدولة، وشمس المعالي قابوس بن وشمكير ناجين من جرجان، وكان من خبرهما أنّ عضد الدولة لما استولى على بلاد أخيه فخر الدولة وهزمه، ولحق فخر الدولة بقابوس، وبعث عضد الدولة في طلبه ترغيباً وترهيباً فأجاره قابوس، وبعث عضد الدولة في طلبه أخاه مؤيد الدولة في العساكر إليهم، ولقيهم قابوس فهزموه فسار إلى بعض قلاعه، واحتمل منها ذخائره ولحق بنيسابور. ولحق به فخر الدولة ناجيا من المعركة فأكرمهم أبو العبّاس تاش، وأنزلهم خير منزل، وأقاموا عنده. واستولى مؤيد الدولة على جرجان وطبرستان.

مسير أبي العباس في عساكر خراسان إلى جرجان ثم مسيره إلى بخاري:

ولما وصل قابوس بن وشمكير وفخر الدولة بن ركن الدولة إلى أبي العبّاس تاش مستجيرين بالأمير نوح على استرجاع جرجان وطبرستان من يد مؤيّد الدولة، كتب بذلك إلى الأمير نوح ببخارى فأمره بالمسير معهما، وإعادتهما إلى ملكهما فسار معهما لذلك في العساكر، ونازلوا جرجان شهرين، حتى ضاق عليهم الحصار. وداخل مؤيد الدولة فائقاً من قوّاد خراسان، ورغّبه فوعده بالإنهزام. ثم خرج مؤيد الدولة من جرجان في عساكره مستميتاً فهزمهم، ورجعوا إلى نيسابور، وكتبوا إلى بخارى بالخبر فأجابهم الأمير نوح بالوعد، واستنفر العساكر من جميع الجهات إلى نيسابور للمسير مع قابوس وفخر الدولة فاجتمعوا هنالك. ثم جاء الخبر بقتل الوزير أبي الحسن العتبي، وكان زمام الدولة بيده، فيقال: إنّ أبا الحسن محمد بن إبراهيم بن سيجور وضع عليه من قتله، وذلك سنة إثنتين وسبعين وثلثمائة. ولما قتل كتب الأمير نوح بن منصور إلى الحاجب أبي العبّاس تاش يستدعيه لتدبير دولته ببخارى، فسار عن نيسابور إليها، وقتل من ظفر به من قتلة أبي الحسن.

ردّ أبي العباس إلى خراسان ثم عزله وولاية ابن سيجور:

ولما سار أبو العبّاس إلى بخارى وكان أبو الحسن بن سيجور من حين سار إلى سجستان كما مرّ مقيماً بها. ثم رجع آخراً إلى قهستان. فلما سار أبو العبّاس تاش إلى، بخارى وكتب ابن سيجور إلى فائق يطلب مظاهرته على ملك خراسان أجابه إلى ذلك، واجتمعا بنيسابور، واستوليا على خراسان، وسار إليهما أبو العبّاس تاش في العساكر. ثم تراسلوا كلّهم واتفقوا على أن يكون بنيسابور، وقيادة العساكر لأبي العبّاس تاش، وبلخ لفائق، وهراة لأبي الحسن بن سيجور، وانصرف كل واحد إلى ولايته. وكان فخر الدولة بن بويه خلال ذلك معهما بنيسابور ينتظر النجدة إلى أن هلك أخوه مؤيد الدولة بجرجان في شعبان سنة ثلاث وسبعين وثلثمائة. واستدعاه أهل دولته للملك فكاتبه الصاحب ابن عبّاد وغيره فسار إليهم، واستولى عل ملك أخيه بجرجان وطبرستان. وكان الأمير نوح لما سار أبو العبّاس من بخارى إلى نيسابور استوزر مكانه عبد الله بن عزيز، وكانت بينه وبين أبي الحسن العتبي منافسة وعداوة. ثم لمّا وليَ الوزارة تقدّم على عزل أبي العبّاس عن خراسان وكتب إلى أبي الحسن محمد بن إبراهيم بخراسان بولاية نيسابور.

انتقاض أبي العباس وخروجه مع ابن سيجور ومهلكه:

ولما عُزِل أبو العبّاس تاش عن خراسان كتب إلى الأمير نوح يستعطفه فلم يجبه، فانتقض، وكتب إلى فخر الدولة يستمدّه على ابن سيجور فأمدّه بالأموال والعسكر مع أبي محمد عبد الله بن عبد الرزاق، وسار إلى نيسابور في عساكره وعساكر الديلم، وتحصّن ابن سيجور بنيسابور. وجاءه مدد آخر من فخر الدولة، وبرز ابن سيجور للقائهم فهزموه، وغنموا منه. واستولى أبو العبّاس على نيسابور، وكتب إلى الأمير نوح يستعطفه ولجّ ابن عزيز في عزله. ثم ثاب لابن سيجور رأيه، وعادت إليه قوّته، وجاءه الأمراء من بخارى مدداً. وكاتب شرفُ الدولة أبا الفوارس بن عضد الدولة بفارس يستمدّه فأمده بألفي فارس مراغمة لعمّه فخر الدولة. فلمّا كثف جمعه زحف إلى أبي العبّاس وقاتله فهزمه، ولحق بفخر الدولة ابن بويه بجرجان فأكرمه وعظّمه، وترك له جرجان ودهستان وأستراباذ إقطاعاً. وسار عنها إلى الري، وبعث إليه من الأموال والآلات ما يخرج عن الحدّ. وأقام أبو العبّاس بجرجان. ثم جمع العساكر وسار إلى خراسان فلم يقدر على الوصول إليها، وعاد إلى جرجان وأقام بها ثلاث سنين، ومات سنة سبع وسبعين وثلثمائة. وقام أهل جرجان بأصحابه لما كانوا يحقدون عليهم من سوء السيرة فقاتلهم أصحابه، واستباحوهم حتى استأمنوا وكفّوا عنهم. ثم افترق أصحابه وسار أكثرهم وهم كبار الخواص والغلمان إلى خراسان، وقد كان صاحبها أبو الحسن سيجور مات فجأة. وقام بأمرها مكانه إبنه أبو علي، وأطاعه إخوته وكبيرهم أبو القاسم، ونازعه فائق الولاية فلحق به أصحاب أبي العبّاس، واستكثر بهم لشأنه.

ولاية أبي علي بن سيجور على خراسان:

قد تقدم اتفاق أبي الحسن بن سيجور وأبي العبّاس تاش وفائق على أن تكون نيسابور وقيادة خراسان لتاش، وبلخ لفائق، وهراة لأبي علي بن أبي الحسن سيجور. ثم عُزِل تاش بسعاية الوزير ابن عزيز، وولىَ أبو الحسن، وكانت بينهما الحرب التي مرّ ذكرها. وانهزم تاش إلى جرجان فاستقرّ أبو علي بهراة وفائق ببلخ، وكان ابن عزيز يستحثّ الحسن لقصد جرجان. ثم عزل ابن عزيز ونفي إلى خوارزم، وقام مكانه أبو علي محمد بن عيسى الدامغاني. ثم عجز لما نزل بالدولة من قلّة الخراج وكثرة المصاريف، فصرف عن الوزارة بأبي نصر بن أحمد بن محمد بن أبي يزيد، ثم عزل وأعيد أبو علي الدامغاني. وهلك أبو الحسن بن سيجور خلال ذلك، وقام إبنه أبو علي مقامه. وكاتب الأمير نوح بن منصور يطلب أن يعقد له الولاية كما كانت لأبيه فأجيب إلى ذلك ظاهراً، وكتب لفائق بولاية خراسان، وبعث إليه بالخلع والألوية. وكان أبو علي يظنّ أنّها له، فلما بدا له من ذلك ما لم يحتسب، جمع عسكره وأغذ السير، وأوقع بفائق ما بين هراة وبوشنج، فانهزم فائق إلى مرَوْ الروذ، وملك أبو علي مرو، ووصله عهد الأمير نوح بقيادة الجيوش وولاية نيسابور وهراة وقهستان، ولقبه عماد الدولة، ثم رقّاه الأمير نوح. واستولى على سائر خراسان، واستبدّ بها على السلطان حتى طلبه نوح في بعض أعمالها لنفقته فمنعه، وأقام مظهراً لطاعته، وخشي غائلة السلطان من طلبة نوح فكاتب بقراخان ملك الترك ببلاد كاشغر وشاغور يغريه ويستحثّه لملك بخارى وما وراء النهر على أن يستقّر هو بخراسان.

خبر فائق:

وأقام بعد انهزامه أمام أبي علي بمرو الروذ حتى اندملت جراحه، واجتمع إليه أصحابه. وسار إلى بخارى قبل أن يستأذن، فارتاب به الأمير نوح فسرّح إليه العساكر مع أخي الحاجب، وفكنزرون فانهزم وعبر النهر إلى بلخ، فأقام بها أياما، وسار إلى ترمذ، وكاتب بقراخان يستحثّه. وكتب الأمير نوح إلى والي الجوزجان أبي الحرث أحمد بن محمد الفيرقوني بقصد فائق، فقصده في جموعه، وسّرح فائق إليه بعض عسكره فهزمه وعاد إلى بلخ. وكان طاهر بن الفضل قد ملك الصغانيان على أبي المظفّر محمد بن أحمد، وهو واحد خراسان فانقطع أبو المظفّر إلى فائق صريخاً فأمده، وسار إلى طاهر بعسكر فائق، واقتتلوا فانهزم طاهر وقتل، وصارت الصغانيان لفائق.

استيلاء الترك علي بخاري:

ولما خرج الأمير نوح عن بخارى عبر النهر واستقر بآمل الشط، وكاتب أبا علي بن سيجور يستحثّه للنصرة، وكاتب فائقا أيضاً يستصرخه فلم يصرخه أحد منهما. وبلغه مسير بقراخان عن بخارى فأغذّ السير إليها، وعاود الجلوس على كرسي ملكه، وتباشر الناس بقدومه. ثم بلغه مهلك بقراخان فتزايد سرورهم، ولما عاد الأمير نوح إلى بخارى ندم أبو علي على ما فرّط فيه من نصرته، وأجمع الاستظهار بفائق فأزاحوه عن ملكه وملكوها، ولحق فائق بأبي علي بن سيجور، وتظاهرا على الأمير نوح، وذلك سنة أربع وثمانين وثلثمائة.

عزل أبي علي بن سيجور عن خراسان وولاية سبكتكين:

ولما اجتمع أبو علي بن سيجور وفائق على منافرة الأمير نوح وعصيانه، كتب الأمير نوح إلى سبكتكين، وكان أميراً على غزنة ونواحيها يستقدمه لنصره منهما، وإنجاده عليهما وولاّه خراسان. وكان سبكتكين في شغل عن أمرهم بما هو فيه من الجهاد مع كفّار الهند. فلما جاءه كتاب نوح ورسوله بادر إليه، وتلقّى أمره في ذلك، وعاد إلى غزنة فجمع العساكر، وبلغ الخبر أبا علي وفائقاً، فبعثا إلى فخر الدولة بن بويه يستنجدانه، واستعانا في ذلك بوزيره الصاحب ابن عبّاد، فبعث إليهما مدداً من العساكر. ثم سار سبكتكين وابنه محمود نحو خراسان سنة أربع وثمانين وثلثمائة. وسار الأمير نوح واجتمعوا ولقوا أبا علي وفائقاً بنواحي هراة، وكان معهما دارا بن قابوس بن وشمكير، فنزع إلى الأمير نوح، وانهزم أصحاب أبي علي وفائق، وفتك فيهم أصحاب سبكتكين، واتبعوهم إلى نيسابور، فلحقا بجرجان، وتلقّاهما فخر الدولة بالهدايا والتحف والأموال، وأنزلهما بجرجان. واستولى نوح على نيسابور، واستعمل عليها وعلى جيوش خراسان محمود بن سبكتكين، ولقبّه سيف الدولة. ولقّب أباه سبكتكين ناصر الدولة، وعاد نوح إلى بخارى وترك سبكتكين بهراة ومحمود بنيسابور.

عود ابن سيجور إلى خراسان:

لما افترق نوح وسبكتكين طمع أبو علي وفائق في خراسان، فسار عن جرجان إلى نيسابور في ربيع سنة خمس وثمانين وثلثمائة وبرز محمود للقائهما بظاهر نيسابور، وأعجلوه عن وصول المدد من أبيه سبكتكين. وكان في قلّة ، وانهزم إلى أبيه، وغنموا اسواده. وأقام أبو علي بنيسابور. وكان الأمير نوح يستميله ويتلطّف في العُذْرِ مما كان من سبكتكين فلم يجيباه إلى ما طلب.

ظهور سبكتكين وابنه محمود عل أبي علي وفائق ومقتل أبي علي:

ولما دخل أبوعلي نيسابور، وانهزم عنها محمود جمع سبكتكين العساكر، وسار إليه، فالتقوا بطوس، وجاء محمود على أثره مدداً فانهزم، هو وفائق إلى أبيورد، فاتبعهما سبكتكين بعد أن أستخلف إبنه محموداً بنيسابور فلحقا بمرو، ثم آمل الشطّ، وكتبا إلى الأمير نوح يستعطفانه، فشرط على أبي علي أن ينزل بالجرجانّية، ويفارق فائقاً ففعل. ونزل قريباً من خوارزم بالجرجانية، فأكرمه أبو عبد الله خوارزم شاه، وسكن إليه، وبعث من ليلته من جاء به واعتقله وأعيان أصحابه. وبلغ الخبر إلى مأمون بن محمد صاحب الجرجانية فاستعظم ذلك. وسار بعساكره إلى خوارزم شاه، وافتتح مدينته وتسمّى كاش عنوة وخلّص أبا علي من محبسه، وعاد إلى الجرجانية. واستخلف بعض أصحابه على بلاد خوارزم. ولما عاد إلى الجرجانية أخرج خوارزم شاه، وقتله بين يدي أبي علي بن سيجور، وكتب إلى الأمير نوح يشفع في أبي علي فشفعه. واستدعى أبا علي إلى بخارى فسار إليها وأمر الأمراء والعساكر بتلقيه، فلما دخل عليه أمر بحبسه. وشفع سبكتكين فيه فهرب ولحق بفخر الدولة، وأقام عنده. وأمّا فائق فلما فارقه أبو علي كما شرط عليه الأمير نوح، سار إلى إيلك خان ملك الترك بكاشغر، فأكرمه، وكتب إلى نوح يشفع فيه فقبل شفاعته، وولاّه عليها وأقام بها.

وفاة الأمير نوح وولاية ابنه منصور وولاية بكثرزون علي خراسان:

ثم توفي الأمير نوح بن منصور منتصف سبع وثمانين وثلثمائة لإحدى وعشرين سنة من ملكه، وانتقض بموته ملك بني سامان، وصار إلى الإنحلال. ولما توفي قام بالملك بعده إبنه أبو الحرث منصور، وتابعه أهل الدولة واتفقوا على طاعته، وقام بتدبير دولته بكثرزون. واستوزر أبا طاهر محمد بن إبراهيم. وبلغ خبر وفاة نوح إلى إيلك خان، فطمع في ملكهم، وسار إلى سمرقند، وبعث من هنالك فائقاً والخاصة إلى بخارى فاضطرب منصور، وهرب عن بخارى. وقطع النهر. ودخل فائق بخارى، وأعلم الناس أنه إنما جاء لخدمة الأمير منصور، فبعث مشايخ بخارى بذلك إلى منصور ودخل. واستقدموه بعد أن أخذوا له مواثيق العهود من فائق، فاطمأن، وعاد إلى بخارى، وأقام فائق بتدبير أمره، وتحكّم في دولته، وأبعد بكثرزون إلى خراسان أميراً. وقد كان سبكتكين توفي في شعبان من هذه السنة، ووقعت الفتنة بين إبنيه إسمعيل ومحمود فقدم بكثرزون أيام فتنتهما واستولى على خراسان.

عود أبي القاسم بن سيجول إلى خراسان وخيبته:

قد ذكرنا مسير بكثرزون إلى خراسان عند مفرّه أيام محمود بن سبكتكين من خراسان، وأقام عند فخر الدولة، وعند أبيه مجد الدولة،واجتمع عنده أصحاب أبيه. وكتب إليه فائق من بخارى يغريه ببكثرزون ويأمره بقصد خراسان، ويخرج بكثرزون منها فسار عن جرجان إلى نيسابور، وبعث جيشاً إلى أسفرايين فملكوها من يد أصحاب بكثرزون. ثم تردّد السفراء بينهما، ووقع الصلح والصهر، وعاد بكثرزون إلى نيسابور.

انتقاض محمود بن سبكتكين وملكه نيسابور ثم  خروجه عنها:

لما فرغ محمود بن سبكتكين من أمر الفتنة بينه وبين أخيه إسمعيل، واستولى على ملك غزنة، وعاد إلى بلخ وجد بكثرزون واليا على خراسان كما ذكرنا فبعث إلى الأمير منصور بن نوح يذكر وسائله في الطاعة والمحاباة، ويطلب ولاية خراسان فاعتذر له عنها، وولاه ترمذ وبلخ وما وراءهما من أعمال بست فلم يرض ذلك، وأعاد الطلب فلم يجب فسار إلى نيسابور، وهرب منها بكثرزون وملكها محمود سنة ثمان وثمانين وثلثمائة فسار الأمير منصور من بخارى إليه فخرج عنها إلى مرو الروذ وأقام بها.

خلع الأمير منصور وولاية أخيه عبد الملك:

ولما سار الأمير منصور عن بخارى إلى خراسان لمدافعة محمود بن سبكتكين عن نيسابور، سار بكثرزون للقائه فلقيه بسرخس ثم لم يلق من قبوله ما كان يؤمّله فشكا ذلك إلى فائق فألفاه واجداً مثل ذلك فخلصا في نجواهما، واتفقا على خلعه، وإقامة أخيه عبد الملك مقامه. ووافقهما على ذلك جماعة من أعيان العسكر. ثم قبضوا عليه وسملوه أول سنة تسعين لعشرين شهراً من ولايته. وولى مكانه أخوه عبد الملك، وبعث محمود إلى فائق وبكثرزون يقبح عليهما فعلهما، وسار نحوهما طامعا في الاستيلاء على الملك.

استيلاء محمود بن سبكتكين علي خراسان:

ثم سار محمود بن سبكتكين إلى فائق وبكثرزون ومعهما عبد الملك الصبي الذي نصّبوه فساروا إليه، والتقوا بمرو سنة تسعين وثلثمائة، وقاتلهم فهزمهم وافترقوا. ولحق عبد الملك ببخارى ومعه فائق، ولحق بكثرزون بنيسابور، ولحق أبو القاسم بن سيجور بقهستان. وقصد محمود نيسابور، وانتهى إلى طرسوس فهرب بكثرزون إلى جرجان، وبعث في أثره ارسلان الحاجب إلى أن وصل جرجان، ورجع فاستخلفه محمود على طرسوس، وسار إلى هراة فخالفه بكثرزون إلى نيسابور وملكها. ورجع إليها محمود فأجفل عنها، ومرّ بمرو فنهبها، ولحق ببخارى. واستقرّ محمود بخراسان، وأزال عنها ملك بني سامان، وخطب فيها للقادر العبّاسي، واستدعى الولاية من قبله فبعث إليه بالعهد عليها والخلع لبني سيجور، وأنزله نيسابور. وسار هو إلى بلخ كرسي أبيه فافتقده واتفق أصحاب الأطراف بخراسان على طاعته، مثل آل افريقون بالجوزجان، والشاه صاحب غرسيان، وبني مأمون بخوارزم.

استيلاء ايلك خان علي بخاري وانقراض دولة بني سامان:

ولما ملك محمود خراسان، ولحق عبد الملك ببخارى اجتمع إليه فائق وبكثرزون وغيرهما من الأمراء، وأخذوا في جمع العساكر لمناهضة محمود بخراسان. ثم مات فائق في شعبان من هذه السنة فاضطربوا ووهنوا لأنه كان المقدم فيهم، وكان خصيّاً من موالي نوح بن نصر فطمع ايلك خان في الاستيلاء على ملكهم، كما ملكه بقراخان قبله فسار في جموع الترك يظهر المدافعة لعبد الملك عنه، فاطمأنوا لذلك، وخرج بكثرزون وغيره من الأمراء والقواد للقائه فقبض عليهم جميعاً، ودخل بخارى عاشر ذي القعدة، ونزل دار الإمارة. واختفى عبد الملك فبعث العيون عليه حتى ظفر به، وأودعه السجن في أرزكند فمات. وحبس معه أخاه أبا الحارث منصورا المخلوع وإخوته الآخرين أبا إبراهيم إسمعيل وأبا يعقوب، وأعمامه أبا زكريا وأبا سليمان وأبا صالح القاري وغيرهم من بني سامان. وانقرضت دولتهم بعد أن كانت انتشرت في الافاق ما بين حلوان وبلاد الترك، ووراء النهر، وكانت من أعظم الدول وأحسنها سياسة.

خروج إسمعيل بن نوح بخراسان:

ثم هرب أبو إبراهيم إسمعيل بن نوح من محبسه في زيّ امرأة كانت تتعاهد خدمته فاختفى ببخارى. ثم لحق بخوارزم، وتلّقب المنتصر، واجتمع إليه بقايا القوّاد والأجناد. وبعث قابوس عسكراً مع إبنيه منوجهر ودارا. ووصل إسمعيل إلى نيسابور في شوّال سنة إحدى وتسعين، وجبى أموالها. وبعث إليه محمود مع التوتناش الحاجب الكبير صاحب هراة فلقيهم، فانهزم المنتصر إلى أبيورد، وقصد جرجان فمنعه قابوس منها فقصد سرخس، وجبى أموالها وسكنها في ربيع سنة إثنتين وتسعين وثلثمائة فأرسل إليها محمود العساكر مع منصور، والتقوا فانهزم إسمعيل، وأسر أبو القاسم بن سيجور في جماعة من أعيان العسكر فبعث بهم منصور إلى غزنة. وسار إسمعيل حائرا فوافى أحياء الغز بنواحي بخارى فتعصبّوا عليه، وسار بهم إلى ايلك خان في شوال سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة فلقيه بنواحي سمرقند.

وانهزم ايلك، واستولى الغز على سواده وأمواله، وأسرى من قوّاده. ورجعوا إلى أحيائهم وتفاوضوا في إطلاق الأسرى من أصحاب ايلك خان، وشعر بهم إسمعيل فسار عنهم خائفا، وعبر النهر إلى آمل الشط. وبعث إلى مرو ونسا وخوارزم فلم يقبلوه، وعاودوا العبور إلى بخارى. وقاتله واليها فانهزم إلى دبوسية وجمع بها. ثم عاد فانهزم من معسكر بخارى، وقاتله واليها. وجاءه جماعة من فتيان سمرقند فصاروا في جملته. وبعث إليه أهله بأموال وسلاح ودواب. وسار إليه ايلك خان بعد أن استوعب في الحشد، ولقيه بنواحي سمرقند في شعبان سنة أربع وتسعين وثلثمائة.

وظاهر الغز إسمعيل فكانت الدبرة على ايلك خان. وعاد إلى بلاد الترك فاحتشد، ورجع إلى إسمعيل وقد افترقت عنه أحياء الغزّ إلى أوطانهم. وخفّ جمعه فقاتلهم بنواحي مروسية فهزموه، وفتك الترك في أصحابه. وعبر إسمعيل النهر إلى جوزجان فنهبها، وسار إلى مرو وركب المفازة إلى قنطرة راغول، ثم إلى بسطام وعساكر محمود في اتباعه مع ارسلان الحاجب صاحب طوس. وأرسل إليه قابوس عسكراً مع الأكراد الشاهجانية فأزعجوه عن بسطام، فرجع إلى ما وراء النهر، وأدرك أصحابه الكلل والملال ففارقه الكثير منهم، وأخبروا أصحاب ايلك خان وأعلموهم بمكانه فكبسه الجند فطاردهم ساعة. ثم دخل في حي من أحياء العرب بالفلاة من طاعة محمود بن سبكتكين يعرف أميرهم بابن بهيج، وقد تقدم إليهم محمود في طلبه فأنزله عندهم، حتى إذا جنّ الليل وثبوا عليه وقتلوه، وذلك سنة خمس وتسعين. وانقرض أمر بني سامان، وانمحت آثار دولتهم، والبقاء لله وحده”.