الدولة البورية

الدولة البورية

الدولة البورية من دول الإسلام. هُم بنو تتش بن ألب أرسلان ومواليهم بالشام وحلب.

لما استولى السلجوقيون على العراق أرسل السلطان ملك شاه السلجوقي الأمير اتسز لفتح الشام ففتح الرملة وبيت المقدس ونشر فيهما الدعوة للدولة العباسية وأبطل الدعوة للعلوية ثم ملك دمشق أيضًا سنة468 هـ.

وفي سنة 470هـ تنازل السلطان ملك شاه لأخيه تتش بن ألب أرسلان عن بلاد الشام فافتتح حلب. وفي هذه الأثناء أرسل بدر الجمالي العساكر من مصر لطرد أتسز المذكور من الشام فاستنجد هذا الأخير بتتش بن ألب أرسلان فأنجده وسير جيوشه إلى دمشق فرحل عنها جيش المصريين وتقدّم أتسز للقياه فأنبه تتش لتأخّره وأمر بقتله. وملك تتش دمشق وسار سيرةً محمودةً وتلقّب تاج الدولة.

وعليه، فالدولة البورية فرع من الدولة السلجوقية لأن مؤسسها تتش هذا ابن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق.

استولى تتش على حمص وقلعة عرقة وقلعة أفاميا وغيرها، ثم سار إلى بغداد لعيادة أخيه السلطان ملك شاه فبلغه موته وهو بمدينة هيت فاستولى على هيت وعاد إلى دمشق فطمع في وراثة أخيه. فجمع جيشه وسار إلى حلب فملكها، وخضع له في طريقه صاحب أنطاكية وصاحب الرها وحران وخطبوا له في بلادهم وقصد الرحبة فملكها ثم نصيبين فافتتحها عنوةً ثم الموصل فأخضعها وأخضع لحكمه سواها. ثم سار إلى ديار بكر فاستولى على ميافارقين وسائر بلاد ديار بكر. ثم قصد أذربيجان فاتّسعت دائرة ملكه وصار نفوذه عظيمًا فخاف السلطان برقيارق من ابن أخيه وكان بنصيبين من بطش عمه فقصده بجيشٍ فلم يقو عليه وهرب منه إلى أخيه الملك محمود بأصفهان فلم يقبله الأصفهانيون. ولكن اتفق موت أخيه فقبلوه وجعلوه ملكًا عليهم فتاقت نفس تتش لملك أصفهان فقصدها فجمع برقيارق جيشه وسيره لقتال جيش عمه فلقيه بقرب الرّي، وبعد قتال شديد انهزم تتش بن ألب أرسلان وقُتِل في سنة 488هـ.

لمّا توفّي تتش المذكور اختلف ولداه في الملك وهُما رضوان ودقماق وتقاتلا عليه، ثم اقتسماه فاستولى رضوان على حلب وأورثها بنيه، واستولى دقماق على دمشق وأورثها ولده. فانقسمت بذلك دولتهم إلى دولتين إحداهما قاعدتها حلب والأخرى عاصمتها دمشق.

كان تتش عهد بالملك بعده لإبنه رضوان وكتب إليه وهو بالجبل يأمره أن يسير إلى العراق ويقيم بدار المملكة فصدع بالأمر. فعاد إلى حلب وكان عامل أبيه فيها أبا القاسم الحسن بن علي وله بها حكم نافذ وسلطان قوي فنزل أولاً كضيفٍ لديه ثم استمال الجيش إليه فنادى به ملكًا.

في هذه الأثناء كان أخوه دقماق قد استولى على دمشق فأراد رضوان أن ينزعها منه فسار إليه سنة 470هـ وحاصره فلم يقو على فتحها. فأراد دقماق الإنتقام فقصد حلب وعضده صاحب أنطاكيا واستنجد رضوان بالتركمان ولقي أخاه بقنسرين فدارت الدّائرة على دقماق فعاد إلى دمشق ثمّ تصالحا على أن يخطب لرضوان بدمشق وإنطاكية.

وفي سنة 509هـ توفّي رضوان وكان قد قتل أخويه أبا طالب وبهرام. وكان له ضلع مع الباطنية.

تولى ألب أرسلان بن رضوان الملك بعد أبيه وكان صغيرًا. فدبر الملك معه أتابك لؤلؤ واستبدّ فعارضه ألب أرسلان فثار عليه وقتله وولي أخاه سلطان شاه بن رضوان.

استبدّ أتابك لؤلؤ في زمانه حتى كرهه الجنود فلمّا قصد قلعة جبر سنة 511هـ قتله جنوده الأتراك بالطريق ونهبوا خزانته فاستعادها أهل حلب منهم. فولى سلطان شاه شمس الخواص برقناش بدلاً من لؤلؤ فأساء السّيرة فولى بعده أبا المعالي بن الملحي ثم عزله، وارتبكت الأحوال فخاف أهل حلب من امتداد يد الصّليبيين إليهم فاستقدموا نجم الدّين أيلغازي وسلّموه المدينة وتلاشى أمر بني رضوان.

لما قُتِل تتش بن ألب أرسلان سار دقماق بن تتش إلى حلب وأقام عند أخيه رضوان فكتب إليه الأمير سارتكين والي قلعة دمشق سرًا يدعوه ليملكه دمشق فهرب من أخيه فأرسل في طلبه خيلاً فلم تدركه، فلمّا وصل إلى دمشق نصّبه الأمير ساوتكين ملكًا وساعده على ذلك كثير من خاصّة أبيه.

في هذه الأثناء وصل معتمد الدولة طغدكين ومعه جمهور من خواص تتش فمال إليه وثبت الأمر له.

وفي سنة 490هـ وصل الملك رضوان إلى دمشق لفتحها وانتزاعها من يد أخيه دقماق، فلم ينجح. فطمع دقماق في الإستيلاء على ملك رضوان فقاتله فانهزم، كما تقدّم وانتهى الأمر بالصلح على أن يخطب بإسم رضوان في بلاد دقماق.

لما توفي دقماق سنة 497هـ خطب أتابك طغدكين بإسم ولد له صغير عمره سنة واحدة. ثم قطع الخطبة له وخطب باسم عمه بكتاش بن تتش وعمره اثنتا عشرة سنة. ثم طمع طغدكين في المُلك فاحتال على بكتاش بأن أخرجه لقتال الرحبة إذ اضطرب حبلها فذهب وفتحها. ولما عاد وجد طغدكين قد دعا الناس لنفسه. فما كان من بكتاش إلا أن التجأ إلى الملك بودوين ملك الصليبيين بالشام واستنجده على طغدكين فحرضه بودوين على الإفساد في أعمال دمشق وتخريبها ففعل. ولم ينجده ملك الصليبيين واستقرّ أمر دمشق لطغدكين. ولما استقر الملك له في دمشق أحسن السياسة واستمال قلوب مجاورة إليه وكان شجاعًا مُهيبًا حارب الصليبين مرارًا وانتصر عليهم حتى كفّهم عن قصد دمشق بسوءٍ. وكان إذا قصدوه حرّض من حوله من الملوك على قتالهم وشتّت شملهم. ومن حبّه لجهاد العدو وإيثار العدل لقب ظهير الدين وكان ملكه نحوًا من 25 سنة وتوفي سنة 520هـ.

تولّى بوري بن طغدكين، وهو أكبر أولاد طغدكين المُلك بعد أبيه وأقرّ وزير أبيه أبا علي طاهر بن سعد المزدغاني في وزارته. وكان هذا الوزير رافضيًا يرى رأي الإسماعيلية وكانوا كثيري العدد بدمشق فتقوى بهم وأصبحت سلطته غير محدودةٍ.

بلغ بوري بن طغدكين أن وزيره وحزبه من الإسماعيلية كاتبوا ملك الصليبيين لتمليكهم دمشق، فأمر بقتل ذلك الوزير والإيقاع بالإسماعيلية حيث وجدوا. وفي هذه الأثناء قدم الفرنج إلى دمشق وحاصروها فاستنجد بوري بالعرب والتركمان فلم ينجح الصليبيون في حصارهم ورجعوا إلى حيث أتوا وأتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون. وفي سنة 525هـ ثار الإسماعيلية على بوري فأصابوه بجرحٍ اندمل ثم عاوده في رجب سنة 526هـ فتوفي.

تولّى شمس الملوك إسماعيل بن بوري بعد أبيه سنة 526هـ فاستقلّ أخوه محمد بن بوري ببعلبك فقاتله حتى استأمن فأمنه وعاد إلى دمشق.

ثم سار إلى باشاش، وقد كان من بها من الفرنج، نقضوا العهد وأخذوا جماعة من تجار دمشق إلى بيروت فسار إليها ونقب سورها وملكها عنوة ومثل بالفرنج الذين بها فاعتصم مهزوموهم بالقلعة فحاصرها فاستأمنوه فأمنهم وملكها ورجع إلى دمشق.

ثم بلغه أن الخليفة العباسي المسترشد باللّه زحف إلى الموصل فطمع هو في مدينة حماة فقصدها وملكها.

كان شمس الملوك جائرًا في حكمه جبارًا في بغيه، بالغ في العقوبة ليخرج الأغنياء إليه أموالهم فكرهه الناس فراسل عماد الدين زنكي ليحضر إليه ليسلمه دمشق. وقال له: “إن أهملتَ المجيء سَلّمتُ المدينة إلى الفرنج فصدع زنكي بأمره وقصد دمشق فاستاء خاصة أبيه وجدّه وذكروا الأمر لوالدته. فساءها ما سمِعَت ووعدتهم بالمساعدة ثم أنها ارتقبت فرصةً خلوةً ولدها وأمرت غلمانها بقتله فقتل سنة 529هـ وولوا أخاه شهاب الدين بن بوري.

تولى شهاب الدين محمود بن بوري سنة 529هـ وقُتِلَ سنة 532هـ.

وصل في أوّل ولايته أتابك زنكي وحاصر دمشق فدافع عنها أهلها دفاع الأبطال، ثم أمر الخليفة المسترشد زنكي بمصالحة الملك شهاب الدين محمود.

كان لشهاب الدين والدةٌ ظهر أثرها في تدبير الملك وسياسته، اسمها مردخاتون بنت جاولي، فأراد عماد الدين زنكي أن يتزوّجها ليسهل عليه بواسطتها امتلاك حمص وغيرها ودمشق ذاتها، فخطبها إلى ابنها وتزوّجها ولكنه لم يظفر ببغيته من دمشق فاكتفى بحمص عنها.

وفي سنة 533هـ قُتِلَ شهاب الدين بن بوري وهو على فراشه. قتله ثلاثة من غلمانه كانوا ينامون عنده.

تولّى جمال الدين محمد بوري المُلك سنة 533هـ بعد أخيه وفوض أمر ملكه إلى مملوك جده معين الدين أنز وأقطعه بعلبك فاستقامت الأمور في مدته.

ولكن أم شهاب الدين التّي تزوجت عماد الدين زنكي لما بلغها خبر قتل ابنها كتبت لزوجها وكان بالجزيرة وطلبت إليه الأخذ بثأر ابنها فسار إلى دمشق ثم عدل عنها إلى بعلبك وجد في حربها فملكها ثم سار إلى دمشق وطلب إلى صاحبها جمال الدين أن يسلّمها إليه على أن يعوّضه عنها، فلم يجبه. فزحف عليها وضيق عليها الحصار.

زاد طمع زنكي في الإستيلاء على دمشق بعد موت جمال الدين فحمل عليها حملةً شديدةً فلم يسع القائم بأمر الدولة وهو معين الدين بن أنز مملوك جد مجير الدين إلاّ أن يستنجد بالفرنج على أن يحاصر قاشاش، فإن فتحها أعطاهم إياها، فأجابوه إلى ما طلب خوفًا من امتداد سلطة زنكي واشتداد شوكته. فجرّدوا جيشًا لدمشق فتصدى لهم زنكي بالطريق فهابه الفرنج ولم يلاقوه، فعاد زنكي إلى حصار دمشق. فلما أعياه أمرها أحرق قرى المرج والغوطة وعاد إلى بلاده.

وفي سنة 543هـ حاصر الصليبيون دمشق وفي مقدمتهم ملك أورشليم بودوين الثالث ولويس ملك فرنسا وكونراد ملك ألمانيا فحاربهم المسلمون ببسالةٍ فائقةٍ. ولكن كثرة عدد أعدائهم حملهم على الهزيمة فتحقق الفرنج من امتلاك دمشق فلبثوا يتخاصمون على مَن يستولي عليها، وبينما هم كذلك وإذا بخبرٍ فاجأهم جعلهم يرضون من الغنيمة بالإياب. وذلك الخبر أن أمير حلب والموصل قادمان لقتالهم فارتاعوا لهذا الخبر وعادوا إلى حيث أتوا.

استولى نور الدين محمود بن زنكي على مدينة دمشق في سنة 549هـ بعد أن كان الفرنج قد استولوا على عسقلان في سنة 548هـ. فلم يجد نور الدين طريقًا إليهم لإعتراض دمشق بينهم وبينه. وكانت شوكتهم قد قُوّيت بعد امتلاك عسقلان. فكاتب مجير الدين صاحبها واستماله إليه وواصله بالهدايا وأظهر له المودة حتى وثق به. وكان نور الدين في تلك الأثناء يكاتب شُبّان دمشق في تسليم المدينة إليه فوعدوه بذلك. فسار إليها نور الدين فأصاب مجير الدين هلعٌ حمله على مكاتبة الصليبيين. لكن نور الدين كان أسرع منهم إليها فملكها وامتنع مجير الدين في القلعة فصالحه نور الدين بأن يعطيه حمص فقبل وسلمه القلعة. ثم تراجع نور الدين عن قوله وأراد أن يعطيه نابلس فلم يرضَ بها مجير الدين وسار عنها إلى العراق وأقام ببغداد حتى مات. وبه انقرضت الدولة البورية وخلفتها على دمشق الدولة الزنكية.