الخليج العربي والرحالون الاوروبيون

الخليج العربي والرحالون الاوروبيون

بين 1300 و 1600 م

د. نقولا زيادة

نشر المقال في ايار / مايو 1962 ، العدد التاسع عشر، الرائد العربي

في أواخر العصور الوسطى أخذت المجتمع الاوروبي يقظة ونهضة ، تمثلت في غير ناحية واحدة من نواحي الحياة . ولعل أكثرها روعة وأكبرها مظهراً كانت العناية باكتشاف بلاد وطرق جديدة ، بقطع النظر عن البواعث والدوافع . وكان الرحالة ماركو بولو في طليعة الاوروبيين الذين زاروا الشرق وعاشوا في اجزائه ، ورحلاته ولا شك ، فيها فائدة ومتعة وطرافة . وقد زار ماركو بولو هرمز في اواخر القرن الثالث عشر ، ولعله أول أوروبي وصلت الينا أخباره عنها مدونة . يقول ماركو بولو عن هذه المدينة : ” يأتيها التجار من الهند وسفنهم محملة بالافاويه والحجارة الثمينة واللؤلؤ والاقمشة الحريرية والمذهبة والعاج وغير ذلك من المتاجر . هذه كلها يبتاعها تجار هرمز ، الذين يحملونها بدورهم الى أسواق الدنيا . إنها في الواقع مدينة عظيمة المتجر ، وثمة كثير من المدن والقرى التي تخضع لها ، وهي العاصمة … المدينة الحارة جداً . ويصنع البعض هنا خمراً من التمر ويضيفون اليه بعض البهارات … يغلب على طعام الناس هنا التمر والسمك والبصل . يزرع القوم في هرمز القمح والشعير في شهر تشرين الثاني / نوفمبر ويحصدون الغلال في شهر آذار / مارس… وليس في هذه الجهات عشب او حشائش الا القليل بسبب الجفاف ” .

هرمز التي يتحدث عنها ماركو بولو هي هرمز الجديدة القائمة في جزيرة جيرون . اما هرمز القديمة فكانت على الشاطئ . ولما انتقل القوم الى الجزيرة أطلقوا عليها اسم بلدهم الأول ، فصارت هي الاخرى هرمز . وتم هذا الانتقال قبل مجيئ ماركو بولو بمدة قصيرة . والذي نعرفه هو ان حكام هرمز الجديدة وسعوا سلطانهم ، بحيث شمل جزيرة قيس ، المنافسة القديمة لهم ، وما جاورها من الشاطىء الفارسي ، ثم البحرين ومسقط . والبحرين كانت ، في غالب الاحيان ، يقصد بها الجزر والشاطئ المجاور لها في شرق شبه الجزيرة العربية .

إستمرت هرمز مركزاً تجارياً مهماً : اولاً ، وهي مستقلة ومسيطرة على هذه المنطقة الواسعة ، وثانياً حتى بعد الاحتلال البرتغالي . ذلك ان البرتغاليين ، بعد اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح ، جاءوا المحيط الهندي والخليج العربي والبحر الاحمر فاتحين لانشاء امبراطورية طويلة عريضة . وتم لهم احتلال المناطق المصاقبة لخليج عمان وبعض الخليج العربي ، خاصة هرمز  في اوائل القرن السادس عشر . وظل هؤلاء البرتغاليون أصحاب الأمر والنهي حتى بدأت محاولة الاتراك لاخراجهم في أواسط القرن نفسه ، ثم جاء البريطانيون يزاحمونهم في مطلع القرن التالي . وبسبب هذا الوجود الاوروبي في الخليج كثر المترددون عليه ، خاصة من البرتغاليين ومن جاورهم . وبين أيدينا الكثير مما كتبه هؤلاء عن اجزاء الخليج وبعض المعارك التي دارت فيه. وها نحن ننقل طرفاً مما اتصل بنا .

زار الاب رينال هرمز في اواسط القرن الرابع عشر ووصف البلد وصفاً فيه بعض المبالغة . قال ” أصبحت هرمز عاصمة امبراطورية تشمل جزءاً كبيراً من بلاد العرب وجزءاً آخر من فارس. والمنظر الذي يجده الواحد عند وصول التجار الاجانب الى هرمز اجمل ما يمكن ان تقع عليه العين في اي مدينة في الشرق . التجار من جميع انحاء العالم يتبادلون سلعهم ويرتبون اشغالهم بمنتهى الادب واللياقة ..  كانت الشوارع مغطاة بالحصر وفي بعض الحالات بالبسط ، كما ان الاغطية الكتانية المعلقة من السطوح ، كانت تقي الناس حر الشمس الشديد . والبيوت تزينها خزائن ومزهريات من الهند والصين ، فيها زهور ونباتات عطرية . وفي الساحات العامة كانت الجمال المحملة بماء الشرب جاهزة لمن يحتاج . وكانت خمور فارس وطيوبها وما يشتهى من المأكل والمشرب موجودة بكثرة ” .

لم يشهد القرن الخامس عشر عناية كثيرة بالمنطقة التي نعنى بها الساعة . ولعل انصراف الكثيرين من الاوروبيين للبحث عن طريق حول أفريقيا ، عطل ، بعض الوقت ، الاتجاه المباشر نحو الشرق . حتى اذا أهل القرن السادس عشر ، عاد هؤلاء الرحالون ، بكل ما في عملهم من تنوع واختلاف وبواعث ، الى الظهور بكثرة على المسارح الشرقية . ومن أول هؤلاء الايطالي لودفيكو دي فارتما الذي مثل روح المغامرة والمجازفة في النهضة الاوروبية ، كما مثل الرغبة في التعرف على كل شيء واختبار كل شيء ، كما يقول هو عن نفسه. فهو ايطالي من مدينة بولونيا هبط الاسكندرية سنة 1503 واتجه منها نحو القاهرة . لكن المدينتين كانتا معروفتين لكثرة ما كتب عنهما . فلم تطب لفارتما الاقامة في مصر لأنه كان يريد ان يتعرف الى شيء جديد، فرحل عن مصر الى بيروت حيث قضى بضعة ايام . ومع انه أعجب بثراء بيروت فانه غادرها الى طرابلس فحلب فحماه فدمشق . ويحدثنا عن مركز حلب التجاري وقيمتها كنقطة تتبادل فيها القوافل الفارسية والتركية والسورية متاجرها . كما لفته قطن حماه . ويقيم فارتما في دمشق بضعة شهور محاولاً ان يتعلم اللغة العربية ، آملاً ان يحقق حلمه في ان يسوح في بلاد العرب . وتوآتيه الفرصة . ان قافلة الحجاج على وشك الرحيل من دمشق ، وقد صادق كبير المماليك الذين سيرافقون القافلة . فيضم فارتما اليهم على انه مملوك مسلم ويرحل مع القافلة ، ويقضي اربعين يوماً بين دمشق ومكة المكرمة . ويهم الحجاج بالعودة ، ولكن فارتما لا يريد ذلك  فيتخلص من المماليك بحيلة ويتخلف ثم يذهب الى جدة . ومن هناك يركب سفينة الى عدن ، حيث القي القبض عليه بتهمة التجسس وسجن . لكن الحظ ساعده فأفلت . ثم تجول في اليمن واخيراً هرب على سفينة متجهة نحو هرمز وفارس . وقد حملت فارتما أسفاره بعد ذلك الى الحبشة والهند وعاد اخيراً الى ايطاليا سنة 1508 بعد ان غاب عنها خمس سنوات .

زار ارتما هرمز سنة 1503 او 1504 ، أي قبيل وصول البرتغاليين بمدة قصيرة . وقال يصفها  ” … وأخيراً وصلنا مدينة جميلة تسمى هرمز ، والتي لا تضاهيها مدينة اخرى من حيث الموقع وكثرة اللؤلؤ . وهي تقع على جزيرة تبعد 12 ميلاً عن الشاطئ . ماؤها العذب نزر ، وكذلك القمح . لذلك فان المؤن اللازمة لسكانها تحمل اليها من الجهات الاخرى … وفد ترى فيها ثلاثمئة سفينة من مختلف انواع المراكب التي تأتيها من جهات عديدة وبلاد مختلفة … وفي المدينة ما لا يقل عن اربعمئة تاجر ووكيل يقيمون يها بصورة دائمة للاهتمام بالسلع التي تنقل اليها والتي تشمل الحرير واللؤلؤ والحجار الكريمة والافاويه وما الى ذلك ” . ويقول فارتما ان أهل هرمز يعتبرون الارز غذاء اساسياً ، لأنه لا يوجد عندهم قمح . وقد ذكر ماركو بولو ان أهل هرمز لا يستعملون الخبز في غذائهم الا في حالة المرض . ويبدو ان انعدام القمح عندهم هو السبب الرئيس لذلك .

 اخذ البرتغاليون في مطلع القرن السادس عشر باحتلال مناطق خليج عمان والخليج العربي . ففي سنة 1506 استولوا على مسقط وعمان وهرمز . وكذلك ثبتوا اقدامهم في الخليج لمدة قرن واحد تقريباً ، وان كانوا قد تعرضوا لثورات كثيرة في قلهات ومسقط سنة 1526 والقطيف في سنة 1550 . واخذ الاتراك منذ 1556 يقاومون البرتغاليين في تلك الاصقاع بواسطة جماعة من كبار رجال البحر مثل بيربك الذي هاجم القطيف وهرمز .

كانت هذه الفترة التي شغلت الناس بالحروب والفتن غنية ايضاً بالرحالين القادمين الى الخليج والذين خلفوا لنا الكثير مما نعرفه الآن عن البلاد وأهلها . فهناك ” العليقات ” التي كتبها القائد البرتغالي البوكيرك الذي قاد الاسطول لفتح المنطقة واحتلالها . وهناك دوراتي بربوزا الذي حظيت البحار والاقطار الشرقية بزيارته والذي كتب وصفاً مفصلاً لجميع المناطق التي زارها في العقد الثاني من القرن السادس عشر . وهناك فريا سوسه الذي مر بالبلاد في اواسط القرن . واخيراً عندنا فتش الانكليزي الذي زار هذه الديار في اواخر القرن .

يحدثنا البوكيرك عن مسقط التي احتلها سنة 1506 بقوله : ” مسقط مدينة كبيرة كثيرة السكان ، تحيط بها ، من الجهة الداخلية ، جبال مرتفعة . اما من جهة البحر فهي قريبة جداً من الماء … ميناؤها صغير يشبه نعل الفرس، وفي مأمن من الرياح . ومسقط السوق الرئيسة لمملكة هرمز ، إذ يجب ان تمر بها كل السفن لتتجنب الشاطيء الصخري المقابل . وهي منذ القدم ميناء الخيول والتمر . مدينة جميلة ، بيوتها أنيقة ، يأتيها من داخل البلاد القمح والذرة والشعير والتمر ” .

وصف دوراتي بربوزا عدداً كبيراً من مدن الخليجين : خليج عمان والخليج العربي ، بادئاً من الشحر ( او ربما شحر ) . فـ”الميناء الغني بمختلف انواع السلع … مثل الاقمشة القطنية …والارز والسكر والافاويه وغير ذلك من المتاجر … وهذه تبادلها الشحر مع القادمين اليها بالبخور والخيول الممتازة التي قد يبلغ ثمن الواحد منها في اسواق الهند نحو 250 استرلينية . وبلاد الشحر كثيرة القمح واللحوم والتمر والاعناب ” . ويعدد بربوزا الاماكن التابعة لمملكة هرمز ، وبينها قلهات والقريات ومسقط وصحار . مسقط ” واسعة المتجر كثيرة الاسماك التي تملح هناك وتجفف وتنقل الى كثيرمن البلدان لبيعها ” . اما في الجهة المقابلة ، أي على الشاطئ الفارسي، فالظاهر ان نفوذ هرمز كان ايضاً واسعاً ، إذ ان بربوزا يعد قرابة 15 مدينة وقرية ، بالاضافة الى الجزر الواقعة بين الشاطئين ، كانت ايضاً تابعة لهرمز” . والبحرين مسكن عدد كبير من التجار والسكان المحترمين … وتكثر حول الجزيرة مغاصات اللؤلؤ . والتجار يربحون ارباحاً طائلة من الغوص على اللؤلؤ ، فضلاً عن انهم يفيدون من تصديره ” .

تقع البصرة ” في نهاية البحر الفارسي .. وتأتي اليها سفن عديدة تحمل القطن والتوابل لتمتار من البصرة القمح والسمن والزيت والشعير” .

يسمي بربوزا هرمز بالمدينة الجميلة ، ويتحدث عنها حديثاً طويلاً يمكن تلخيصه بيما يلي : بيوت المدينة جميلة، لكن البلدة حارة جداً وجافة . تجارها عرب وفرس وكلهم يتكلمون العربية ، بينما يتكلم الفرس لغتهم الى جانب العربية . جميعهم مسلمون . لهم ولع بالموسيقى والغناء . كثير من تجارها اغنياء جداً ويملكون سفناً عديدة . وفي مينائها واسواقها يتبادل الناس سلعاً من مختلف الانواع والبلدان : مثل الافاويه والتوابل ، كالفلفل والزنجبيل وكبش القرنفل وحب الهال والزعفران ، بالاضافة الى خشب الصندل والنيلة والشمع والحديد والسكر والارز ( بكميات كبيرة ) وجوز الهند والحجارة الكريمة والفخار والبخور والاقمشة التي تنقل حتى من بلاد البنغال  والنحاس والزئبق وماء الورد وقماش البروكاد والتفتا والحرير والمسك والصمغ والخيول والتمور والملح والكبريت . والاثرياء من السكان يلبسون الثياب الحريرية ، بينما يكتفي الباقون بالثياب القطنية ، وكلها يحتفظ بها نظيفة . وهم أهل آداب حضرية ، شديدو العناية بمآكلهم . يكثرون من استهلاك الثمار المجففة والطازجة ، كالمشمش والتين والتفاح والرمان والدراق واللوز والاعناب والبطيخ . وكل شيء في هرمز مرتفع الثمن لأن المؤن تحمل كلها اليها من خارجها ، من بلاد العرب وفارس وغيرهما . اما الجزيرة فليس يها الا الملح ، حتى الماء يحمل اليها من خارجها ، تحمله طرادات ، أي سفن صغيرة . اما القوم فيحافظون على الوزن والكيل . وكل من يخالف ذلك يعاقب . ومن عاداتهم ان يبتاع اللحم مطهواً ، إما مسلوقاً اومشوياً . وكثير من الناس يأكلون في الاسواق .

لما اهتمت تركيا بالخليج وما اليه ، قام بيربك بازعاج البرتغاليين باسطوله ورجاله . فاحتل جهات واثار الثورات في جهات اخرى . عندها اضطربت الحياة بعض الاضطراب في اماكن كثيرة . لكن المحاولة التركية لم تستمر بحيث تخرج البرتغاليين من المنطقة . وفي هذه الاثناء زار الجهات فريا سوسه الذي كتب وصفاً لنشاط بيربك في جهات هرمز بعد معركة قرب مسقط كان النصر فيها حليفه ضد البرتغاليين في سنة 1550 . قال سوسه ” ظهر اسطول الاعداء ، أي الاتراك ، امام مسقط التي قاومت نحو شهر ، لكنها اخيراً وقعت في أيدي المهاجمين . عندها جعل بيربك الضابط وستين من الرجال يقومون بالتجديف في سفنه . لكن بعض هؤلاء افتدوا فيما بعد . ولما انتهى امر مسقط اتجه بيربك نحو هرمز ، حيث كان قائد الموقع  الفارو دو نورونه يقيم في الحصن ومعه تسعمئة رجل . وكان لديه من العتاد ما يكفيه لحصار طويل . وكان في الميناء اربعون سفينة. وجاء التركي الى الجزيرة وانزل المراسي ونزل الجند وخيموا هناك ، ثم حفروا الخنادق وأقاموا الطوابي ونصبوا المدافع وأطلقوا نيرانها شهراً كاملاً من دون توقف . ولما وجد ان هذا لم يجده نفعاً نهب ما استطاع من المدينة وانتقل الى جزيرة كثم ، حيث كان قد لجأ الكثيرون من سكان هرمز . هناك غنم كثيراً ، ثم انسحب ليعد نفسه للمعركة من جديد ” .

في اواخر القرن السادس عشر جاء الشرق اربعة من الانكليز بينهم رالف فتش . وقد قطع هؤلاء البلاد من طرابلس عبر سورية الى الفرات ثم الى الفلوجة فبغداد فالبصرة ومنها ركبوا البحر الى هرمز ، حيث القى البرتغاليون القبض عليهم على انهم جواسيس ، ومنها ارسلوا الى غوا في الهند . وقد وصف فتش رحلته فقال عن الطريق من البصرة جنوباً ما يلي : ” البصرة مدينة لها تجارة كبيرة في التوابل والعقاقير . ومنها ذهبت … في سفينة مصنوعة من الخشب المربوط ببعضها البعض بحبال مصنوعة من قشر جوز الهند او القنب ، ومن هنا الماء يدخلها كثيراً . وكانت فارس دوماً على يسارنا وشواطئ العربية على يميننا . ومررنا بكثير من الجزر، أهمها جزيرة البحرين المشهورة والتي تصدر خير اللؤلؤ .. ( ووصلنا بعد ذلك ) الى هرمز ، وهي أنشف جزيرة في الدنيا ، إذ لا ينبت فيها شيء الا الملح … وفي هذه المدينة تجار من جميع الامم من مسلمين وغير مسلمين . وهنا إتجار في كل انواع الافاويه والعقاقير والحرير والسجاد واللؤلؤ والخيول . ملكهم مسلم لكنه خاضع للبرتغال ” .

يبدو من هذا العرض المقتضب ومن هذه الفقرات التي نقلناها عن هؤلاء الرحالين ان المركز الرئيس لتجارة الخليج كان هرمز لمدة تقارب ثلاثة قرون ، وان المدينة ظلت مركزاً تجارياً مهماً حتى اثناء الاحتلال البرتغالي. ويبدو ايضاً ان المراكز التجارية الاخرى في عمان والخليج كانت تعتمد على هرمز واسواقها . لكن، مع ذلك ، كان لا بد من ان تتأثر المنطقة بكاملها من أمرين اثنين : الاول ، ان الاحتلال البرتغالي كان يريد ان يحصل على اكبر كمية من الفائدة لذويه ، وكان الحكام يحاولون الاثراء . وهذ إضعاف للتجارة بطبيعة الحال . والثاني ، ان فتح طريق جنوب افريقيا كان لا بد من ان يؤثر في تجارة الخليج . وقد بدأ هذا في السنوات الاولى من القرن السابع عشر .