الخصائص الطبيعية لبلاد الشام

الخصائص الطبيعية لبـلاد الشام

يقول البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم بطريرك إنطاكي للروم الأورثوذكس إن “بلاد الشام اسم أطلقه العرب منذ القرن الرابع أو الخامس للميلاد على عموم الأراضي الممتدة من نهر الفرات شرقاً إلى المتوسط غرباً، ومن حد بر الأناضول عند جبال طوروس شمالاً إلى حد مشارف سيناء جنوبا. وكان العرب القدماء يميزون بين مواطنهم الشمالية ويسمونها الشامية، ومواطنهم الجنوبية ويسمونها اليمنية. والفاصل بينها رمال النفوذ وما يليها من البادية إلى الشرق والغرب”.

لعل أهم الخصائص التي تتميز بها بلاد الشام أنها تمثل منطقة انتقال من الصخور القديمة إلى الصخور الحديثة. وتبدو الصخور الحديثة في الشرق والجنوب رقيقة ومتقطعة ترتكز على قاعدة أركية تظهر على السطح في أماكن محدودة، ولكنها تختفي تماما نحو الشمال والغرب حيث تبدو الصخور الحديثة الرسوبية أكثر تماسكا وتنوعا وتختفي تحتها القاعدة الأركية القديمة تماما. لذلك فإن الطبقات الأركية تظهر قرب السطح في الأردن وفلسطين وتكوّن نواة جبال القدس والخليل ومرتفعات غرب الأردن. ولكن في سوريا الشمالية فإن حضيض المرتفعات تنتمي إلى صخور العصر الجوراسي، وهي تعد أقدم المجموعات الصخرية في هذا النطاق. وقد أدى ذلك إلى ظهور عدة ملامح مهمة في السطح. ففي الجنوب تقل أنواع الصخور وتكون أكثر انتظاماً نتيجة صلابة الكتلة التحتية، بينما في الشمال تتنوع الصخور وتصبح الالتواءات التي اصابتها ظاهرة واضحة.

أدى وجود الانكسارات التي تمتد من الشمال إلى الجنوب ووجود بعض الفوالق المستعرضة الأصغر بين الحين والحين، إلى وجود سلسلة من الكتل المرتفعة المنفصلة بعضها عن بعض بمناطق سهول منخفضة تبدو تقريبا على شكل مثلثات.

تتحدد الأقاليم التضاريسية في بلاد الشام في:

1- السهول الساحلية. وهي تمتد بين ساحل البحر المتوسط وسفوح الجبال وقد تكوّنت نتيجة للتعرية البحرية والتعرية الأرضية، ولذلك اختلفت أشكالها من إقليم لآخر. فهي في بعض الجهات رملية منخفضة وفي الاخرى صخرية منبسطة أو مموّجة. وتنحدر إليها من المرتفعات الغربية عدة أنهار سريعة الجريان يجف اغلبها في الصيف. كذلك يتميز خط الساحل بقلة تعاريجه. فهو في شمال جبل الكرمل صخري منتظم فيه الرؤوس والخلجان ثم يتحول في الجنوب إلى ساحل رملي منبسط له إنحناء منتظم حتى سواحل شبه جزيرة سيناء.

تختلف السهول الساحلية في اتساعها من جهة لأخرى، ويمكن تتبعها من الشمال إلى الجنوب، فيتسع سهل اسكندرونة بين 5-10 كلم، وينتهي هذا السهل عند رأس الخنزير قرب نهاية جبل أمانوس. أما سهل اللاذقية وبانياس والتي تعرف بسهول العلويين، فتبدو أطول امتداداً وأكثر اتساعا. أما سهل عكار فيمتد شرقاً حتى يتصل بالنطاق المنخفض فيما بين كتلة العلويين وجبل لبنان. ويجري في هذا السهل النهر الكبير الجنوبي الذي يصب في خليج عكار.

أما سهل فلسطين فيبدأ عند رأس الناقورة ويمتد حتى يتداخل في سهل شمال سيناء في مصر. وهو يبدو عامة كأرض منبسطة لا تزيد في ارتفاعها على مائتي متر فوق مستوى سطح البحر. ويعرف هذا السهل الساحلي إلى الشمال من جبل الكرمل باسم سهل عكا. أما إلى الجنوب فيعرف بسهل صارونة حتى يافا، ثم بسهل فلسطين حتى غزة، وتنحدر إلى هذه السهول عدة أودية تجري فيها المياه عقب سقوط الأمطار.

2- المرتفعات الغربية. وهي تمتد من الشمال الشرقي نحو الجنوب الغربي وتتكوّن قاعدتها من صخور طباشيرية كريتاسية تعلوها صخور جيرية صلبة وتتكوّن من عدة كتل تفصل بينها منخفضات تجري فيها أنهار تنتهي إلى البحر.

تبدأ هذه الكتل الجبلية بمرتفعات أمانوس التي تمتد من جبال طوروس نحو الجنوب الغربي حتى تنتهي إلى البحر في رأس الجنزير. ويقسمها ممر بولان إلى قسمين: الشمالي حيث جبل الكافر والجنوبي حيث الجبل الأحمر. وإلى الجنوب من مصب نهر العاصي وخليج السويدية يظهر جبل الأقرع على هيئة التواء قبابي ذي قمة مخروطية، وينبع من سفوحه الجنوبية النهر الكبير الشمالي. وقد سمي هذا الجبل الأقرع لأن أعاليه جرداء خالية من الأشجار.

أما جبال العلويين التي تعرف أيضاَ بجبال النصيرية، فتمتد من أعالي النهر الكبير حتى الأخدود العريض الممتد بين حمص وسهل عكار والذي يفصلها عن جبال لبنان الغربية. وتتكوّن جبال العلويين من تحدّب ملتو عريض ذي صخور جيرية. وأعلى قمة فيها هي قمة النبي يونس. وتنحدر هذه الجبال بشدة نحو الأخدود الشرقي المتمثل في سهل الغاب، حيث يجري فيه نهر العاصي الأوسط في قطاعه الأوسط. وتتميز هذه الجبال بأنها من أشد جبال سورية وعورة ولذلك كثرت فيها الحصون والقلاع. وتنحدر جبال العلويين تدريجياً نحو البحر وقد أثرت فيها عوامل التعرية البحرية فظهرت مدرجات بحرية تغطيها الرواسب البحرية وتتميز بأنها رواسب أقل مسامية من الطبقات الجيرية، ومن ثم تكون صالحة للزراعة وتعد من المناطق المزدحمة بالسكان.

إلى الشرق من سهل الغاب ترتفع الأرض تدريجياً لتكوّن هضبة غير منتظمة تعرف أعلى أجزائها باسم جبل الزاوية بين إدلب وحماه. وتقع أعلى الاجزاء شرق حماة حيث تصل إلى حوالى ستمئة وسبعين متراً. ومعظم هذه الهضبة يبدو مفتوحاً وخصباً لتسهل زراعته مما يعطي الانطباع بأنها سهل واسع أكثر منها هضبة مرتفعة، وإن كانت المجاري المائية قد عمّقت مجاريها فيها ويصعب رفع المياه منها لأغراض الري.

أما سلسلة جبال لبنان فتعد أعلى الكتل الجبلية في بلاد الشام ويفصلها عن جبال العلويين النهر الكبير الجنوبي. وتتكون هذه السلسلة الجبلية من التواء فيه العديد من الانكسارات. ويتميز الكثير منها بوجود الصخور البازلتية. ومن الظاهرات المهمة والمميزة للبنان، وجود تكوينات من الصخور غير المسامية التي ترجع للعصر الكريتاسي مكوّنة من الحجر الرملي والمارل واللجنيت. ويعلو هذه الصخور تكوينات كريتاسية مسامية تكون في أعالي الجبال. وعند خط الانفصال بين هذين النوعين من التكوينات توجد سلسلة من الينابيع التي تتدفق منها مياه الأمطار التي تسربت في الطبقة المسامية العلوية.

أما فيما يتعلق بمرتفعات فلسطين، فتبدو على شكل هضبة أكثر منها جبلاً، ويتكوّن معظمها من الصخور الجيرية. ويقطع هذه الهضبة سهل مرج ابن عامر الخصيب الذي يقسمها إلى كتلتين الشمالية تعرف بهضبة الجليل، والجنوبية تعرف باسم هضبة السامرية في الشمال وجبال الخليل في الجنوب.

يشرف على سهل مرج ابن عامر في الغرب حاجز جبلي هو جبل الكرمل الذي يمتد في البحر ليشكل رأس الكرمل التي جعلت من خليج عكا منطقة محمية من الرياح الجنوبية مما ساعد على قيام ميناء حيفا. وتتباين الحدود الشمالية لسهل مرج ابن عامر ولذلك يختلف في اتساعه حيث يصل إلى نحو 36 كلم عند عكا، ولكن يتقلص نحو الداخل ليصل إلى ممر ضيق عرضه نحو ثلاثة أو أربعة كلم، وما يلبث أن يتسع مرة أخرى نحو نهر الأردن.

3- المرتفعات الشرقية. تمتد المرتفعات الشرقية في بلاد الشام شرق المنخفض الأخدودي. وهي تختلف عن المرتفعات الغربية الساحلية حيث أنها أقل انتظاماً وأكثر تقطعاً وأقل ارتفاعاً. وكذلك فإنها بحكم موقعها الداخلي أصبحت جرداء عكس المرتفعات الغربية الغنية بحياتها النباتية.

تبدأ مرتفعات الشام الشرقية بجبل الأكراد المرتفع من جبال طوروس، ومن الشمال إلى الجنوب، ويفصله عن جبال أمانوس نهر قرهصو الذي يصب في بحيرة العمق. وإلى الجنوب الشرقي منه يوجد جبل سمعان ويفصلهما نهر عفرين ثم جبل الزاوية الذي يفصله عن جبال العلويين وادي نهر العاصي. وهذه الجبال كلها متوسطة الارتفاع تتعدى الألف متر بقليل.

أما جبال لبنان الشرقية فتمتد من جنوب حمص حتى القنيطرة في الجولان موازية لجبال لبنان الغربية. وهي كتلة يبلغ امتدادها نحو 170 كلم وعرضها نحو 40 كلم ويقسمها سهل الزبداني الذي يجري فيه نهر بردى المكوّن بدوره لغوطة دمشق.

4- إقليم السهول الساحلية. وهو يمثل إقليماً واسعاً يمتد بين السلاسل الجبلية في الغرب وبين أرض الجزيرة في سورية فيما بين الفرات ودجلة. ويمكن تقسيم هذه السهول إلى: سهول حلب، سهول حماة- حمص، وأرض الجزيرة السورية.

تمتد سهول حلب بين وادي نهر الفرات والمنخفض الأخدودي وتحف بها هضبتان في الشمال يجري فيها نهران هما نهر قويق الذي ينبع من تركيا، ونهر الذهب الذي ينبع من هضبة حلب شمال بلدة الباب.

أما سهول حماة-حمص فيحدها في الشمال جبل الزاوية وفي الجنوب جبال لبنان الشرقية وتتصل بالمنخفض الأخدودي في المنطقة التي يجري فيها العاصي الأوسط. وتعتمد السهول على مياه العاصي وعلى الأمطار.

أما أرض الجزيرة فيقصد بها تلك السهول المحصورة بين الفرات ودجلة. وتتألف من سهول فسيحة يتراوح ارتفاعها بين 400-500 م، وتنحدر تدريجياً نحو الجنوب والجنوب الشرقي حتى تصل إلى 100م على حدود سهول الجزيرة الواقعة شمال جبل عبد العزيز باسم سهول الجزيرة العليا. وتغطيها طبقة رسوبية حملتها عوامل التعرية من المرتفعات الشمالية وتحيط بها من أطرافها الشمالية الينابيع الغزيرة التي تمد نهر الخابور بالمياه التي تتناقص فيها الأمطار، وتقترب من الظروف الصحراوية ويصبح التركز السكاني قاصراً على أودية الأنهار كالفرات والخابور.