الحلقة الدراسية العالمية عن تخطيط المدن ومشاكلها الاجتماعية في البلاد العربية

الحلقة الدراسية العالمية عن تخطيط المدن ومشاكلها الاجتماعية في البلاد العربية

نشرت هذه الحلقة في شباط / فبراير 1961 ، العدد الرابع ، الرائد العربي . وكانت الحلقة الدراسية العالمية حول تخطيط المدن قد انعقدت في القاهرة بين 19 و 22 كانون الاول / ديسمبر 1960 برعاية جمعية المهندسين المصرية واصدرت التوصيات التالية :

المقررات

1 –الطبيعة العامة للمشكلة

تشارك المدن العربية غيرها من المدن مشاكلها كالاسكان غير اللائق واحياء العشش القذرة slums وازدحام حركة المرور وعدم كفاية امدادت الماء والكهرباء وازالة القمامة والمزج المفرط لاستعمالات الارض . وتزداد هذه الامور خطورة بتركيز النمو الحضري في المدن الكبرى . إن هذه المشاكل ليست على الدرجة نفسها من الخطورة في كل المدن العربية . ولتعيين حجم هذه المشاكل ووسائل حلها ، يجب اعداد معلومات احصائية بتفصيل مناسب وبدقة أكثر .

2 – الهجرة الى المدن

الهجرة المفرطة الى المدن الكبيرة تزيد من مشاكل هذه المدن . لذلك يجب درس اسباب الهجرة لتعيين الوسائل اللازمة من اجل تخفيف هذه الحالة ، وتنفيذها .

3 – تنظيم المدن بالنسبة الى التخطيط القومي

أ – ينبغي اعطاء اهتمام اكثر لتكامل وتنسيق تنظيم المدن مع التخطيط الاقليمي والقومي ، وينبغي استشارة مخططي المدن عند اعداد المخططات القومية .

ب – بالرغم من ضرورة اعطاء تطوير الريف الاهتمام الاكبر في التنظيم القومي ، فإنه من الضروري كذلك اعطاء مشاكل المدن الملحة العناية اللازمة ايضاً

ج – يجب انشاء مراكز تعليمية وتدريبية في التخطيط الشامل للمدن .

د – يجب اقامة الصناعات الجديدة ، قدر المستطاع ، خارج مناطق المدن الكبيرة للتخفيف من مشاكل هذه المدن البيئية ورفع مستوى المدن الاصغر حجماً .

ه – أودى التقدم العلمي والتقني بالكثير من المضار التي الحقتها الصناعات بالمدن في السابق ، مما أفسح في المجال الآن لاقامة صناعات داخل المدن بدل اقامتها خارجها .

4 – الخطة الرئيسة Master Plan

أ – تحتاج المدن العربية الى تخطيط وخطط رئيسة . والخطة الرئيسة اداة مفيدة يجب ان لا يؤدي اعدادها الى اهمال المشاكل المستعجلة .

ب – إن تنمية وسائل تنفيذ الخطة الرئيسة هي احدى معالمها الاساسية . ويدخا ضمن وسائل التنفيذ انظمة تنظيف المناطق وقوانين البناء وانظمة استعمال الاراضي الخ.. ولا يجب ان تؤدي مثل هذه التشريعات الى الحد من حركة البناء والنمو ، بل ارشاد مثل هذا النمو على ضوء المصلحة العامة . وتبرز الحاجة ، على درجة من الاهمية ، الى تعريف الجمهور بفوائد الخطة الرئيسة لتأمين تعاونهم .

ج – يجب ان تكون الخطة الرئيسة مرنة لتتكيف مع مشاكل المدينة وأوضاعها المتغيرة .

د – تتطلب الخطة الرئيسة خدمات فنيين مدربين في حقول تخطيط المدن والهندسة والعلوم والخدمات الاجتماعية . وبما ان عدد الخبراء المدربين في التخطيط المدني قليل جداً في العالم العربي ، لذلك ينبغي اتخاذ خطوات للتغلب على هذا النقص .

ه – ينبغي على السلطات البلدية ان لا توقف حركة البناء خلال مدة اعداد الخطة الرئيسة ، بل ينبغي عليها ترك حركة البناء تسير ضمن الاطار العام المتوقع للخطة .

و – عند تنفيذ الخطة ، يجب إعتبار الاراضي المفتوحة غير المبنية واماكن الترفيه والتسلية ، على درجة من الاهمية لا تقل عن اهمية المعالم الاخرى التي تتضمنها لخطة الرئيسة . فلهذه الاماكن قيمة اقتصادية تكمن في رفع انتاجية ساكني المدن وفعاليتهم ، فضلاً عن قيمتها الرفاهية والترفيهية .

ز – يجب محاربة المضاربة على الاراضي بصرامة . وتحدث هذه المضاربة عادة عند تنفيذ تخطيط عام لاستثمار الاراضي .

ح – ذهبت بعص البلدان بعيداً في مزج استعمالات الارض بعضها ببعض . ومع كون بعض المزج في استعمالات الارض يعتبر حتمياً ، وحتى مفيداً ، إلا انه من الواجب ان لا يسمح له بتخطي حدود التخطيط الجيد .

ط – ينبغي ان تشمل حدود المدينة كل المساحة المنتظرة للنمو والتوسع . فيمكن عندئذ الحيلولة ، بواسطة الرقابة الصارمة ، دون خلق احياء عشش ( ضواحي فقر ) جديدة تصبح مع الزمن جزءاً من المدينة .

ي – بما انه من الضروري بناء التخطيط على الواقع الاجتماعي ، فينبغي ان يشترك مخططو الدولة مع منظمي المدينة في وضع مقاييس التخطيط الملائمة المتعلقة بالتربية والاسكان والملاعب الخ ..

5 – مسؤولية البلديات وسلطتها

أ – معظم المدن العربية لا تملك هيئات بلدية ذات سلطة كافية ، مما أدى الى نمومها غير المنظم. فالمدن الحديثة بحاجة لمثل هذه السلطة ، خاصة بالنسبة لاعتمادها المتزايد على الخطط الرئيسة. ولا تستطيع تنفيذ الخطة الرئيسة الا هيئة بلدية قوية ذات صلاحيات وسلطة كافية لتضمن تأيد الهيئات الحكومية المختلفة المعنية وتعاونها .

ب – ينبغي ان تكون مساهمة الشعب في شؤون مدنه فعالة . وهذه مسألة تنبعث من روح المدينة العربية الحديثة .

ج – ينبغي ان توضع تحت تصرف البلديات اموال كافية لتمكينها من مواجهة متطلبات الخدمات العامة كالنقل العام وامدادات الماء والكهرباء وازالة القمامة الج .. ، حاضراً ومستقبلاً . كما ينبغي تأمين الاموال اللازمة لتمكين البلديات من الحصول على ارض ، لاستعمالها الخاص مستقبلاً عند توسع المدينة ، باسعار معتدلة ضمن المساحة التوسعية المتوقعة .

6 – الاسكان بالنسبة لتنظيم المدينة

أ – إن أهمية المسكن للانسان تتطلب من سلطات التخطيط في الدولة ، عند توزيع الموارد وتخصيصها ، إعطاء أفضلية لبناء المساكن . فبناء المساكن صناعة تحرك العمالة كما تحرك النشاطات الصناعية كافة .

ب – ينبغي تغطية نفقات الاسكان ذي الكلفة المنخفضة ، بصورة رئيسة ، من الاموال العامة والاعانات الحكومية .

ج – ينبغي ان لا يخضع اسكان ذوي الدخل المتوسط والمرتفع للتقييد من اي نوع ما لئلا يقل الاستثمارفي انشاء ابنية جديدة .

د – نظراً الى ان الحاجة الملحة لبناء مساكن كثيرة في العالم العربي ، خاصة لذوي الدخل المنخفض ، ينبغي القيام فوراً بابحاث واسعة ومعمقة لتحديد انواع المساكن ومواد البناء الاكثر ملائمة لحاجة السكان وتقاليدهم واحوال المناخ والامكانات الاقتصادية . لذلك يجب وضع تصاميم وعناصر ذات مقياس واحد .

ه – ينبغي ان تشمل مخططات التصنيع الصناعات المتعلقة بالاسكان كمواد البناء والادوات الصحية والابواب والنوافذ النمطية .

7 – المحافظة على طابع المدينة العربية

أ – يجب المحافظة على الطابع التقليدي للمدينة العربية ، مع الاخذ بالاعتبار حاجات الحاضر والمستقبل في تنظيمها ونموها .

ب – المسجد

1 – لما كان المسجد جزءاً حيوياً من التكوين الاجتماعي للبيئة العربية ، فينبغي اعطاءه اعتباراً خاصاً عند تخطيط المدن .

2 – ينبغي تشجيع الاتجاه لاحياء الاستعمال التقليدي لمسجد ، لا كمكان للعبادة فحسب ، بل كمركز للنشاط التربوي والاجتماعي ايضاً .

3 – جرى أصلاً تصميم كثير من المساجد ومواقعها بحيث ترتفع صروحاً جميلة في المدن . غير انها حجبت الآن عن النظر . فينبغي ازالة ما يحجبها بغيت اعطاء المسجد مركزه الجمالي الذي يستحقه .

ج – إن الاسواق العربية التقليدية القديمة ، في حالتها الحاضرة ، تلائم النمط التجاري للمدينة الحديثة . لذلك يجب المحافظة عليها وتقديم ما تحتاج اليه من تسهيلات لتظل على جمالها . فهذه الاسواق تشكل نموذجاً ممتازاً لتصميم مراكز التسوق الحديثة .

8 – خلاصة

برهنت هذه الحلقة الدراسية عن بداية مثمرة لفهم المدينة الحديثة في العالم العربي . فيجب المحافظة على هذا الاهتمام ، كما يجب انشاء منظمة دائمة للمهتمين بشؤون المدينة العربية تضم المنظمين او المهندسين المعماريين ، والمهندسين ، وعلماء الاجتماع ، لمواصلة درس مشاكل المدن والبحث عن حلول لها .

ملحق

تعليق الرائد العربي

إن ” الحلقة الدراسية العالمية عن تخطيط المدن في العالم العربي ومشاكلها الاجتماعية ” التي عقدت في القاهرة بين 17 و 22 كانون الاول / ديسمبر سنة 1960 برعاية جمعية المهندسين المصرية و ” المنظمة العالمية لحرية الثقافة ” يمكن ان تعطي موضوع تنظيم المدن والاقاليم الشامل القوة الدافعة ليكتسب بذلك المركز المسؤ ول والناضج والكامل في الادارة الحكومية العربية .

تناولت حلقة الدراسات هذه ، ولربما لاول مرة في التاريخ العربي ، موضوع ” المدينة الحديثة في العالم العربي ” على أرفع المستويات العلمية والاجتماعية والثقافية الممكنة . واشترك مع حوالى ثمانين خبيراً عربياً مخططو مدن ومهندسو فن العمارة ورجال تربية ذوو شهرة عالمية من الدنمارك ويوغوسلافيا وانكلترا وبولندا وهولندا واليونان والهند والرازيل وايطاليا والولايات المتحدة . ودارت الابحاث حول المستويات المعنية الخاصة ، كما دارت حول المستويات المقارنة. ومع ان مشاكل المدينة الحديثة الآخذة بالتوسع ، اعتبرت متشابهة على صعيد عالمي ، وليس على صعيد المنطقة فحسب ، بالنظر للدوافع السكانية والصناعية المتشابهة في كل المدن ، فقد وجدت الحلقة الدراسية انه من الضروري الوصول الى نتائج اساسية تخص المدينة العربية ، وأقرت المقررات المهمة المنشورة اعلاه .

من المتوقع ان تحظى هذه المقررات باعتبار والتفات اكبر من الحكومات والبلديات المسؤولة ، ذلك ان مستقبل العالم العربي يكمن في مدى جودة تنظيم المدينة والاقليم وارتباطهما بعضهم ببعض ضم اطار جغرافي طبيعي وسياسي أشمل وأعم . فمن غير الممكن توفير الوجود السليم للمدينة والاقليم اذا كان تعايشهما يقوم على اساس علاقة طفيلية . ومن الممكن اثبات هذه المسألة تاريخياً ، سواء أكانت مطبقة على علاقة جزء من المدينة بجزء آخر ، او على علاقة المدينة بالاقليم ، او على علاقة الاقليم بالبلد كله ، او على علاقة بلد مع بلد آخر . فالاحتكاك ، سواء إتخذ شكل انحراف احداث او حرب ذرية ، هو النتيجة الحتمية لحالة نمو وتوسع غير متوازنين ولا شاملين ولا قائمين على اساس علمي .

ولعله من المفيد ان ننوه هنا بأن المؤتمر الهندسي العربي الثامن الذي سيعقد بالاسكندرية في ايلول / سبتمبر عام 1961 اختار موضوعاً شديد الحيوية هو ” المشاكل الفنية للمدن والقرى العربية وطرق معالجتها ” كمجال وحيد لبحثه .

ومن المؤمل سريعاً ان تخرج البيئة السكنية لكل عربي من حيز الرغبات الباطنية للاصلاح والتقدم ، وتأخذ مكانها الشرعي المهم في غرف رسم السياسة في دوائر الحكومات المركزية والبلديات والجامعات والمنظمات الوطنية . فمن اجل ان نحلم بمستقبل افضل يجب ان نضع منذ الآن احجار الزاوية لهذا المستقبل في مكانه المناسب والآمن .