الحكومات العربية مقصرة في توجيه المغتربين للاسهام في المشاريع الاقتصادية

 مع رجال الاعمال : جوزف سماحة يقول :

الحكومات العربية مقصرة في توجيه المغتربين للاسهام في المشاريع الاقتصادية

نشرت وقائع اللقاء في تشرين الاول / اكتوبر 1962 ، العدد الرابع والعشرون ، الرائد العربي

يزور لبنان الآن وبعض الاقطار الشقيقة السيد جوزف توفيق سماحة ، احد رجال الاعمال اللبنانيين في الولايات المتحدة الاميركية الذين عملوا منذ سنين عديدة ، وما زالوا يعملون  بهمة ، لاعلاء شأن بلادهم وترسيخ جذور العلاقات العربية بين المواطنين المقيمين والمغتربين في اميركا . وللسيد سماحة في جملة نشاطاته الاقتصادية والتجارية ، مكاتب للسياحة والسفر والدعاية والعلاقات العامة في مدينتي نيويورك وواشطن ، كما ان له فروعاً تجارية تتعاطى الاعمال الكبرى مع عدد من الشركات العالمية . وهو عضو في عدد من المؤسسات العالمية ، كاتحاد النوادي السورية – اللبنانية وجمعية كتاب السياحة الاميركية وغيرها ، مما يمكنه ان يكون جسر لقاء بين ابناء وطنه المقيمين والمغتربين ويحفزهم على زيارة مسقط رؤوسهم والمساهمة في المشاريع الاقتصادية الرامية الى انعاش اقتصاديات الوطن العربي بأكمله . وقد قدمنا له عدداً من الاسئلة أجاب عليها بما يلي :

من المعرو انكم من المغتربين الذين لم يقطعوا الصلة بين وطنهم الاول والثاني ، بل على العكس من ذلك ، انتم على اتصال شخصي دائم مع لبنان وسائر البلاد العربية ، إن بالزيارات المستمرة التي تقومون بها او بطبيعة العمل الذي تزاولونه. ما هي إنطباعاتكم عن الاوضاع الاقتصادية والتجارية والعمرانية في البلاد العربية الناجمة عن اتصالاتكم المستمرة هذه؟.

لقد بدأ العالم العربي يحتل مكاناً مرموقاً في أعين أصحاب المصالح والصناعيين الاجانب ، وعلى الاخص الاميركيين منهم . فقد شعرت ان الشركات الاميركية الكبرى المتحررة من النفوذ والاموال الصهيونية ، قد بدأت تبتعد عن التعامل مع اسرائيل رغم المغريات التي تقدم لها ، وذلك ليتسنى لها العمل في الاسواق العربية . وهذا دليل على ان الوضع الاقتصادي في البلاد العربية مهم ويزداد أهمية ، خاصة وان القدرة الشرائية لدى المواطن العربي في ارتفاع مستمر ، والبلاد العربية في حاجة الى الكثير من المشاريع الصناعية والعمرانية ، وبات الدخل الوطني في اكثر البلدان العربية قادراً على تطوير اقتصاديات هذه البلدان تطويراً متنامياً متجهاً نحو الاكتفاء الذاتي في الكثير من الحقول .

ما هو ، في رأيكم ، مستقبل العلاقات الاقتصادية بين البلدان العربية كمجموعة من جهة ، والولايات المتحدة الاميركية من جهة اخرى ، خاصة بعد التخطيط الحثيث لقيام السوق الاوروبية المشتركة  ؟.

لمست من خلال اتصالاتي في المدة الاخيرة مع رجال الاعمال الاميركيي إتجاهاً ملموساً نحو التعاون مع البلاد العربية والرساميل العربية ، وذلك من اجل تحقيق المشاريع الاقتصادية التي تحتاج اليها الاسواق العربية الصاعدة ، ولاقامة علاقة جيدة مع اسواق البلدان المجاورة في الشرقين الاقصى والادنى وفي بعض البلدان الافريقية ، حيث يكثر المغتربون العرب ، وذلك قطعاً لطريق المزاحمة التي ستخلقها تكتلات البلدان الاوروبية في الحقل الاقتصادي للمنتجات الاميركية التي كانت تجد رواجاً في الاسواق الانفة الذكر . وهذا سيؤدي طبعاً ، الى قيام مشاريع وطنية مفيدة تسهم فيها الرساميل والتقنية الاميركية .

كيف يمكن للمغتربين العرب في اميركا ان يسهموا مساهمة فعالة في تطوير اقتصاديات البلاد العربية ؟ . وهل الرغبة متوفرة لدى هؤلاء المغتربين للقيام بهكذا مساهمة ؟ .

جواباً على سؤالكم الاول أقول ان امكانات المغتربين تقسم الى قسمين : القسم القسم الفني والقسم المادي . بين المغتربين من برزوا في مختلف الحقول العلمية والفنية وفي حقول الاقتصاد والمال والصناعة . وبامكان هذه الفئات البارزة الاشتراك بما عندها من خبرة واستعداد في تقديم الدروس والمساهمة في وضع أسس المشاريع العمرانية في البلاد العربية والسير بها نحو النجاح المرجو. اما الفئة الثانية من المغتربين ، وأعني بها الفئة المتمولة ، فبامكانها ، بدل توظيف رؤوس اموالها في مشاريع مختلفة حيث تقبم ، ان تسهم في ايجاد الرساميل اللازمة للمشاريع الاقتصادية في البلاد العربية . أما في ما يتعلق بالشق الثاني من سؤالكم ، المتعلق بالرغبة لدى المغتربين في الاسهام في مشاريع داخل اوطانهم الام ، فانني كمغترب أقول ان الرغبة موجودة ، لكن مع الأسف لم توجه هذه الرغبة توجيهاً سليماً ، بحيث تصبح عملاً ملموساً وذلك لسببين اثنين هما : اولاً، عدم معرفة المغتربين بالمشاريع الاقتصادية والعمرانية التي تحتاج اليها بلادهم الام، وثانياً ، لعدم اهتمام الحكومات العربية في وضع لوئح باسماء المغتربين لمعرفة من منهم ذو اختصاص وخبرة ومن منهم ذو قدرة على توظيف الاموال في مشاريع منتجة ، كي يجري الاتصال بهم والعمل على تشويقهم وترغيبهم باستخدام امكاناتهم لخدمة الاقتصاد العربي .

ما هي هذه الواجبات التي اشرت اليها وقلت ان على السلطات العربية المسؤولة ان تفعلها لاجتذاب الرأسمال المغترب للاسهام في بناء اقتصاديات البلدان العربية وجعله اقتصاداً نامياً وقوياً ؟ .

ما اراه اليوم هو ان اهتمام الحكومات العربية بالمغتربين لا يتعدى النطاق الاداري المحدود . فنحن نرى ، مثلاً، ان جامعة الدول العربية قد أنشأت دائرة خاصة بالمغتربين ، وكذلك فعلت اغلب الحكومات العربية التي أنشأت في وزاراتها الخارجية دوائر تهتم بشؤون المغتربين . لكن  مع الأسف ، لم تنتج عن انشاء هذه الدوائر اي نتائج ملموسة في تطوير العلاقات بين المغتربين وأوطانهم الأم . والسبب في رأي يعود الى أمرين اثنين : اولاً ، عدم وجود نشرات رسمية تطلع المغتربين على حقيقة الامكانات الاقتصادية والاستثمارية المتوفرة في اوطانهم العربية الام ؛ وثانياً عدم توفر الدراسات العلمية والفنية الوافية التي تطمئنهم الى ان استثماراتهم ستثمر حقاً وبأي كلفة ومجهود .

ما هي في رأيكم المشاريع التي قد تستثير رغبة المغتربين ؟ .

أعتقد ان المغتربين يفضلون المساهمة في المشاريع التي تقع ضمن اختصاص كل فرد منهم . لكنني أود أن أصر على نقطة اساسية ، وهي ان المغتربين ، بوجه عام ، على استعداد للاسهام في مشاريع مكتملة الدروس الفنية التي تثبت انها تسهم في تطوير اقتصاد البلاد وانها تبرر توظيف رؤوس الاموال ، ومنها اموالهم هم . لذلك أعتقد ان الخطوة الاولى للوصول الى هذا الهدف تكمن في خلق الجو الملائم بين المغتربين واشاعة الثقة بينهم ليتشجعوا للعمل في بلادهم او للاسهام ، من بعيد ، في مشاريع ناجحة ورابحة . ففي قلب كل مغترب حب متأصل لبلاده الام ولكن الحب وحده لا يدفعه الى المغامرة . ولم تعد تغريه الآن الشعارات العاطفية .  لذلك أقول ان على الحكومات العربية الراغبة في اجتذاب الرأسمال المغترب ان تقوم ، اولاًوقبل كل شيء،  بحماية الصناعة الوطنية من المزاحمة الاجنبية وتشجيع التبادل التجاري بين البلدان العربية وتشريع تنقل الاموال والافراد بين هذه البلدان ، وبالتالي تحضير دراسات مقنعة للمشاريع التي قد يرغب المغترب بالمساهمة فيها ، ومن ثم عرضها عليه .

للننتقل ألان الى ميدان السياحة والسفر ، وهو اختصاصكم الأول على ما أعهد . ما هي الصعاب التي تعترضكم في هذا السبيل ؟ .

إننا كأول شركة سياحة عربية تعمل على اساس دولي بواسطة مكاتبها الخاصة في الولايات المتحدة ، نرى ان جهودنا في حقل السياحة الى البلاد العربية ، التي هي رقعة اختصاصنا في الولايات المتحدة واوروبا ، محدودة النتائج . ويعود ذلك الى سبب معروف هو ان الدعاية الحكومية العربية في البلاد التي هي ” نبع السياح ” ، لا تزال محدودة الطاقة ، ضعيفة الاثر . فالدعاية الحكومية هي العامل الاساس الذي يساعد شركات السياحة على تنظيم الرحلات للافراد والمجموعات ، ذلك لأن الشركات ، مهما كبرت ، لا تستطيع القيام بعملها الا بعد ان تكون الدعاية الحكومة قد مهدت لها الطريق ولعبت دورها الفعال في تقديم ميزات بلادها للرأي العام الاجنبي بشكل مشوق وجذاب ، شارحة ميزات بلادها وما تحويه من آثار تاريخية ومعالم دينية ومشوقات طبيعية الخ.. اما العامل الثاني الذي يحد من نشاطنا هو ان البلدان العربية لا تعمل على تشجيع السياحة كوحدة جغرافية ، بينما الواقع هو ان هناك تاريخاً مشتركاً ولغة واحدة ومصلحة مشتركة تربط بين اجزاء هذه الوحدة وتحتم على الحكومات العربية تخطيط سياسة سياحية على أساس الوحدة الجغرافية الواحدة .

أنتم من أنصار التأشيرة السياحية الموحدة الى كل البلاد العربية ؟ .

بكل تأكيد . فمنذ ان بدأت عملي السياحي في الخارج شعرت ان واجب الحصول على تأشيرات عربية عديدة للسائح هو من الامور الصعبة والمرهقة التي تطلب وقتاً وجهداً ومصاريف غير ضرورية ، خاصة في الولايات المتحدة حيث تفتقر اكثر المدن الكبيرة الى قنصليات عربية تمنح التأشيرات . لذلك سعيت ، ولا أزال أسعى ، في كل مرة ازور البلاد العربية واقابل المسؤولين فيها ، الى اقناعهم بتوحيد التأشيرة السياحية الى البلاد العربية . وأعني بذلك انه اذا تمكن السائح من الحصول على تأشيرة لبنانية ،مثلاً ، يجب ان تساعده تلك التأشيرة على الدخول الى باقي البلدان العربية . اما الدعاية السياحية فيجب ان تكون ايضاً على أساس المنطقة وليس على أساس كل بلد بمفرده . فالسائح الاوروبي او الاميركي الذي يأتي الى هذه البقعة من العالم يأتي ليزور اكثر بلدانها ، وليس بلداً واحداً وحسب . من هنا نعتقد ان التعاون بين مختلف البلدان العربية في  وضع برنامج سياحي موحد ومدروس وتنفيذه يكون له المفعول المرجو ، إذ ليس بمقدور اي دولة عربية وحدها ان تنفرد ببرنامج سياحي وتحقق النجاح الذي ترجوه ، فضلاً عن كلفة اي برنامج دعاية افرادي سيكون عبئاً ثقيلاً على ميزانيتها ، حتى ولو كان هذا البرنامج متواضع الاهداف والكلفة ، وقد تكون له آثار عكسية في بعض الاحيان .

ما هي ، في نظركم ، الفوائد الاقتصادية التي تجنيها البلدان العربية من السياحة ؟ .

من المسلم به ان تدفق السياح الاجانب على البلدان العربية وما ينفقونه في اسواقها من أموال ، ينعش الاقتصاد الوطني ويرفع الدخل القومي . غير انني أعتقد جازماً انه ما دامت البلدان العربية بلداناً مستهلكة من الوجهة الاقتصادية وليست منتجة ، كالبلدان الاوروبية مثلاً ، فان ما ستجنيه هذه الدول من الحركة السياحية سيكون ولا شك محدود النطاق وقليل الفائدة . والسبب في ذلك ان أكثر وأهم ما يستعمله السائح في بلادنا مستورد من الخارج . وأعني بذلك السيارة والمحروقات واكثر المواد الغذائية الخ.. وفي هذه الحالة تكون بلداننا العربية مجرد واسطة لتصريف المنتجات الاجنبية مقابل ربح قليل ، بينما الربح الحقيقي من الاموال التي ينفقها السائح تعود الى البلدان الاوروبية المنتجة . وما لم تعط الحكومات العربية ، كما الشعب ، الناحية الانتاجية قدرها من الاهمية ، فستبقى الفائدة الحاصلة من السياح محدودة الأثر ، وبالتالي تمر الاموال التي ينفقها السياح في ربوعنا عبرنا مرور الكرام .