الحارث بن خالد المخزومي وبشرة

الحارث بن خالد المخزومي وبشرة

وبشرة هذه – التي ذكرها الحارث بن خالد – أمة كانت لعائشة بنت طلحة، وكان الحارث يكنى عن ذكر عائشة بها، وله فيها أشعار كثيرة.

منها مما يغني فيه قوله: صوت

يا ربع بشرة بالجناب تكلم

 

وابن لنا خبراً ولا تستعجم

مالي رايتك بعد أهلك موحـشـاً

 

خلقاً كحوض الباقر المتـهـدم

تسقي الضجيع إذا النجوم تغورت

 

طوع الضجيع وغاية المتوسـم

قب البطون أوانس شبه الدمـى

 

يخلطن ذاك بـعـفة وتـكـرم

عروضه من الكامل، والشعر للحارث بن خالد، والغناء لمعبد، ولحنه من خفيف الرمل بالسبابة في مجرى البنصر، عن إسحاق.
وفيه أيضاً ثقيل أول بالوسطى على مذهب إسحاق في رواية عمرو، ومنها: صوت

يا ربع بشرة إن أضر بك البلى

 

فلقد عهدتك آهلاً معـمـورا

عقب الرذاذ خلافه فكأنـمـا

 

بسط الشواطب بينهن حصيرا

غناه ابن سريج، رمل بالسبابة في مجرى الوسطى، عن إسحاق، وفيه لحن لمالك، وقيل: بل هو لابن محرز. وعروضه من الكامل.
وقوله: “عقب الرذاذ خلافه” يقول: جاء الرذاذ بعده، ومنه يقال: عقب لفلان غنى بعد فقر. وعقب الرجل أباه، إذا قام بعده مقامه. وعواقب الأمور مأخوذة منه، واحدتها عاقبة. والرذاذ: صغار المطر. وقوله خلافه: أي بعده. قال متمم بن نويرة:

وفقيد بني أم تداعوا فلم أكن

 

خلافهم أن استكين وأضرعا

أي بعدهم. والشواطب: النساء اللواتي يشطبن لحاء السعف يعملن منه الحصر، ومنه السيف المشطب. والشطيبة: الشعبة من الشيء، ويقال: بعثنا إلى فلان شطيبة من خيلنا، أي قطعة. مغنية وبيت شعر للحارث المخزومي

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، قال: كانت مغنية تختلف إلى صديق لها، فأتته يوماًن فوجدته مريضاً لا حراك به، فدعت بالعود وغنت:

يا ربع بشرة إن أضربك البلى

 

فلقد عهدتك آهلاً معمـورا

ومما يغني به فيه من هذه الأبيات الرائية: صوت

أعرفت أطلال الرسوم تنكرت

 

بعدي وغـير آيهـن دثـورا

وتبدلت بعد الأنيس بأهـلـهـا

 

عفر البواقر يرتعين وعـورا

من كل مصبية الحديث ترى لها

 

كفلاً كرابية الكثـيب وثـيرا

الأطلال: ما شخص من آثار الديار. الرسوم: البقايا من الديار، وهي دون الأطلال وأخفى منها. وتنكرت: تغيرت. والدائر: الدارس. والعفر: الظباء، واحدها أعفر. والوعور: المواضع التي لا أنيس فيها. والرابية: الأرض المشرفة، وهي دون الجبل. والكثيب: القطعة العالية المرتفعة من الرمل، جمعها كثب. والوثير: التام المرتفع، يقال: فراش وثير إذا كان مرتفعاً عن الأرض.
لإسحاق الموصلي في البيتين الأولين ثاني ثقيل بالبنصر، ولإبراهيم فيهما خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى، ولطويس فيهما خفيف ثقيل. وقيل: إنه ليس له. ولابن سريج في الثالث ثم الأول خفيف رمل، وقيل: بل هو لخليدة المكية. وفي البيت الأول والثاني لمالك رمل بالوسطى، وقيل: الرمل لطويس، وخفيف الثقل لمالك. ولمعبد في هذا الصوت لحنان: أحدهما ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى، والآخر خفيف ثقيل أول.
ومنها: صوت

يا دار حسرها البلى تحـسـيراً

 

وسفت عليها الريح بعدك مورا

دق التراب بخيلها فـمـخـيم

 

بعراصها ومسـير تـسـييرا

غنى في هذين البيتين ابن مسجح خفيف ثقيل الأول بالسبابة في مجرى الوسطى. وللغريض في: “أعرفت أطلال الرسوم” وما بعده ثقيل أول بالبنصر، وللغريض أيضاً ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى.
حسرها: أذهب معالمها، ومنه حسر الرجل عن ذراعه وعن رأسه إذا كشفهما. وحسر الصلع شعر الرأس، إذا حصة . والمور: التراب، والمخيم: المقيم.
ومنها صوت، أوله:

من كل مـصـبـية الـحـديث تـرى لـهـا

 

كفـلاً كـرابـية الـكـثـــيب وثـــيرا

يفتن لا يألون كل مغفليملأنه بحديثهن سرورا

 

 

ومنها: صوت

دع ذا ولكن هل رأيت ظعائناً

 

قربن أجمالاً لهن قحورا؟!

قربن كل مخيس متحـمـل

 

بزلاً تشبه هامهن قـبـورا

القحور: واحدها قحر، وهو المسن. والمخيس: المحبوس للرحلة. والمتحمل: معتاد الحمل.
وفي هذه الأربعة الأبيات للغريض اللحن الذي ذكرناه. ولابن جامع في:

دع ذا ولكن هل رأيت ظعائنا

والذي بعده ثاني ثقيل بالوسطى.
ومنها: صوت

إن يمس حبلك بعد طول تواصل

 

خلقاً ويصبح بيتكم مهـجـورا

 

فلقد أراني والجديد إلى بلى زمناً بوصلك راضياً مسرورا

 

جذلاً بمالي عندكم لا أبتغي

 

للـنـفـس بــعـــدك خـــلة وعـــشـــيرا

كنـت الـهـوى وأعـز مـن وطـىء الـحـصـــا

 

عنـدي، وكـنـت بــذاك مـــنـــك جـــديرا            

لإبراهيم الموصلي، ويحيى المكي في هذه الأبيات لحنان، كلاهما من الثقيل الثاني؛ فلحن إبراهيم بالوسطى، ولحن يحيى بالبنصر، ولإسحاق فيهما رمل. وقيل: إن لابن سريج فيهما أيضاً لحناً آخر.
مغنية تعبر عن حالها ببيتين من شعر الحارث أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، قال: حدثني رجل من أهل البصرة، قال: اشتريت جارية مغنية، فأقامت عندي زمناً وهويتني، وكرهت أن يراها أهلي، فعرضتها للبيع، فجزعت، وقالت: لقد اشتريتني وأنا لك كارهة، وإنك لتبيعني وأنا لذلك كارهة. فقال أخ لي: أرنيها، فقلت: هي عند فلانة، فانظر إليها، فأتاها فنظر إليها وأنا حاضر، فلما اعترضها وفرغ من ذلك غنت:

إن يمـس حـبـلـك بـعـد طــول تـــواصـــل

 

خلـقـاً ويصـبـح بـيتـكـم مـــهـــجـــورا

فلقد أراني والجديد إلى بلى زمناً بوصلك راضياً مسرورا

 

 

ثم بكت، وضربت بالعود الأرض فكسرته، فخيرتها بين أن أعتقها أو أبيعها ممن شاءت، فاختارت البيع، وطلبت موضعاً ترضاه حتى أصابته، فصيرتها إليه.
أخبرني يحيى بن علي، قال: حدثني أبو أيوب المدائني، قال: حدثني إبراهيم بن علي بن هشام، قال: حدثتني جارية يقال لها طباع – جارية محمد بن سهل بن فرخند – قالت: غنيت إسحاق في لحنه:

أعرفت أطلال الرسول تنكرت

 

بعــــــــــــدي

إسحاق ينكر على مخارق في أداء لحن له فأنكر علي في مقاطعة شيئاً، وقال: ممن أخذته؟ فقلت: من مخارق، فقال لي: تعثر الجواد بل هو كما أقول لك، ورده علي، فهو يقال كما يقول مخارق، وكما غيره إسحاق.

صوت

أخشى على أربد الحتوف ولا

 

أرهب نوء السماك والأسـد

فجعني الرعد والصواعق بال

 

فارس يوم الكريهة النـجـد

يا عين هلا بـكـيت أربـد إذ

 

قمنا وقام الخصوم في كـبـد

إن يشغبوا لا يبال شغـبـهـم

 

أو يقصدوا في الخصام يقتصد

عروضه من المنسرح.

النجد: البطل ذو النجدة. وقال الأصمعي في النجد مثل ذلك. وقال: النجد – بكسر الجيم -: الذي قد عرق جداً. والكبد: الثبات والقيام.

الشعر للبيد بن ربيعة، والغناء للأبجر، رمل بالبنصر عن عمرو بن بانة. ولإبراهيم فيها رمل آخر بالوسطى في مجراها عن إسحاق، أوله الثالث والرابع ثم الأول والثاني، وذكرت بذل أن في الثالث والرابع لحناً لحنين بن محرز.