الجو والمزاج

الجو والمزاج

قدري طوقان

نشر المقال في نيسان / ابريل 1961 ، العدد السادس ، الرائد العربي

خطا علم الظواهر الجوية خطوات واسعة في هذا القرن ، وصار في الامكان التنبؤ بأحوال الجو ومعرفة ما سيحدث من عواصف واعاصير ، وما ستكون عليه الحرارة والضغط الجوي . وبنى العلماء بحوثهم في ذلك على التغيير في درجات حرارة الارض ، إذ لا يخفى ان هناك اتصالاً وثيقاً بين التغيير في احوال الجو وبين اشعاع الشمس الذي يولد الحرارة . ومع ان العلماء لا يزالون بعيدين عن التنبؤ بتقلبات الجو البعيدة ، فهم على ما يظهر ، سائرون في دراساتهم وتجاربهم في الاتجاه الصحيح . فقد ثبت ان لتقلب اشعاع الشمس تأثيراً في الحرارة والضغط على الارض . ويقول أبوت Abbot في هذا الشأن : ” يبدو ان تغييراً قدره نصف واحد في المئة في اشعاع الشمس يستطيع ان يحدث تغييراً ظاهراً في أحوال الجو . فقد يصحب التغيير في إشعاع الشمس تغيير في مقدار الغيم فيتضاعف التأثير ويتجمع . وكذلك التقلبات الشمسية تؤثر في الاشعة التي فوق البنفسجي ، وقد تغير كثافة الاوزون . وهذه الطبقة من الاوزون قائمة على ارتفاع 40 ميلاً فوق سطح الارض . وهي عامل فعال في امتصاص الحرارة المنطلقة من الارض ، بعد امتصاصها ، الى الفضاء. فاذا قلت كثافة طبقة الاوزون مليمتراً واحداً ، فقد يكون ذلك كافياً لهبوط درجة الحرارة على سطح الارض هبوطاً غير قليل . وعند ذلك تتأثر حالات الضغط الجوي بتغير درجات الحرارة … وكذلك يمكن ان يحدث تقلب عظيم في الظواهر الجوية … وبهذا قد يفسر تأثير تغير قليل في اشعاع الشمس في احوال الجو على الارض ” .

علاقة الظواهر الجوية بكلف الشمس

يتكهرب الجو في أعاليه بتأثير الكلف . ولهذا تأثير وفعل . فالكلف هي بقع سوداء تظهر وتختفي من على سطح الشمس . ويختلف العدد الذي يظهر . ويكون على أكثره كل إحدى عشرة سنة . ومن هذه البقع ما هي كبيرة جداً ، تسع الارض وما عليها . وهي تتألف عادة من منطقة قاتمة اللون في وسطها بقعة سوداء كأنها تجاويف عظيمة . وقد اختلف الفلكيون في سبب ظهورها . ويرجح الكثيرون انها تتكون بسبب التغيرات الناتجة من تأثيرات الحرارة في جوف الشمس . وان هناك مواد تخرج من هذا الجوف الى السطح . وعند خروجها تبرد وتظهر مظلمة بالنسبة لوجه الشمس الباهر النور . وزيادة على ذلك ، فقد يكون فيها كهربائية شديدة تقوى معها مغناطيسية الشمس والارض . وثبت لدى العلماء ان ظهور البقع واختفائها من الحوادث النظامية في تاريخ الشمس ونتيجة لعوامل ثابتة .

درس الدكتور كوبن Koppen الظواهر الجوية وعلاقاتها بالكلف ، فتبين له من سلسلة المحطات وما جرى فيها من تجارب لدرس هذه العلاقة ، أن حرارة الشمس تكون على اشدها عندما تكون الكلف على أكثرها . وينتج عن هذه الحرارة الشديدة غيوم فأمطار وما يصحبها من عواصف . ومن العلماء من لاحظ ان ازدياد الكلف يعقبه ارتفاع في الحرارة . ومنهم من خرج من دراسة الاحوال الجوية بنتيجة تفيد ان مقدار المطر يتغير تبعاً لزيادة الكلف على سطح الشمس . فزيادة الكلف تعني ارتفاع الحرارة . وهذا يؤدي الى ازدياد كميات المياه التي تتبخر ، فأمطار غزيرة . ومن هنا يرى بعض الفلكيين العلاقة بين الكلف والامطار . ومنهم من يرى غير هذا ولا يعلق اهمية على ازدياد الحرارة . فليس لها ، في نظرهم ، من التأثير ما يؤثر في الامطار والاحوال الجوية . واذا كان هناك شيء من هذا القبيل ، فهو بسيط جداً ، لم يستطع العلم بعد إدراك مداه .

أما ما نسبه بعض الفلكيين الى الكلف من حدوث زلازل وفيضانات وخصب وامحال وامراض وازمات تجارية ، فلم يثبت علمياً . وهو لا يزال فى طور البحث والدرس . لكن ما يستوقف النظر ان يقع بالمصادفة حدوث الرخاء والاقبال في العالم في أوقات يكثر فيها ظهور الكلف على وجه الشمس . فقد تصادف ، عندما كانت الكلف على أكثرها سنة 1928 ان كان الرخاء يعم الارض . وكذلك سنة 1936 ، حين بدت بوادر الانتعاش بعد ازمة عالمية حادة ، كان عدد الكلف يقترب من نهايته العليا .

ومن عجيب المصادفات ان الازمة بلغت أشدها في عامي 1932 و 1933 عندما كان عدد الكلف على أقله ، كما جاء في كتاب آفاق العلم . وليست هذه مفارقة فريدة في بابها . بل ان الدكتور ستتسون Stetson يقول : إن البحث في التاريخ الحديث في هذه الناحية يسفر عن ان خمساً من الازمات الست العظمى التي ابتلى بها العالم في السنوات الخمسين الاخيرة وافقت في تطورها كثرة الكلف وقلتها . فهل هذه الموافقة مجرد اتفاق ، أم في جعبة العلم ما يفسر هذه الظواهر الغريبة ؟ .. وقام تشيجفسكي بدراسات مستفيضة في تحري الحوادث التي وقعت أثناء تزايد الكلف ، فوجد ارتباطاً بين أعمال العنف وانواع التدمير والقتل من جهة ، وكثرة الكلف من جهة أخرى . ففي سنة 1939 ، التي كانت الكلف فيها كثيرة وعلى أشدها نشاطاً ، أعلنت الحرب العالمية الثانية . فهل هناك من علاقة ؟ . يرى بعضهم انه من المحتمل جداً ان يكون للكلف تلأثير في ضعف الاعصاب مما أدى الى وقوع الحرب . وفوق ذلك يعزو تشيجفسكي نشاط رجال التاريخ أمثال أتيلا ونابليون وريشليو ولينين وغيرهم الى الكلف . فحيوية هؤلاء كانت على أشدها حينما كانت الكلف على أكثرها .

لا نسنطيع ، نحن ، الأخذ بهذه الاراء التي خرج بها تشيجفسكي من تحرياته ودراساته . فقد تكون صحيحة وقد لا تكون ، وقد تكون هناك علاقة وقد لا تكون . لكنها تعطي صورة عن الفكرة التي يحملها بعض العلماء والفلكيين عن الكلف وأثرها في تكييف حياة الانسان . ويظهر لنا من أقواله في هذا الشأن ، أنه لم يستطع ادراك السبب وراء هذه الحيوية الناتجة عن تزايد الكلف . فهل للكلف أثر في الانسان حتى تخضع حياته لها ؟ . وما هو هذا الاثر ؟ وكيف يكون ؟ . هذا ما لا نستطيع الاجابة عليه ، وما لم يستطع تشيجفسكي نفسه ان يبين له الجواب الشافي .

أثبت الدكتور جورج هيل Hale ان للكلف تأثيراً كالمغناطيس ويفعل فعله ، وان هذا الفعل ينتقل الى الارض فتتأثر مغناطيسياً ويحدث من ذلك اضطراب في حقل الارض المغناطيسي .

حين تكون الكلف على أكثرها تتأثر طبقات الجو العليا ويصيبها شيء من التكهرب ينتج عنه اضطراب في الجو . وقد ظهر من ابحاث كليتون H. Clayton ان تقلب الضغط الجوي يتفق وتقلب النشاط في الشمس ، الناتج عن الكلف . وأسفرت بعض البحوث العلمية ان في أعالي الجو طبقة مؤينة ، وان تأينها يرجع الى الاشعة التي فوق البنفسجي ، والى انطلاق دقائق مكهربة من الشمس عندما تكثر الكلف . ويرى بعضهم ان تأثير الكلف في الراديو دليل على انطلاق الدقائق المكهربة . ويرى سبنسر جونز ان هناك علاقة بين الكلف والاضواء القطبية . فهذه الاضواء تكثر وتكون بهية رائعة عندما تكون الكلف على أكثرها . وهذه الاضواء ، كما لا يخفى ، ليست الا تفريقات كهربائية في أعالي الجو أحدثتها دقائق مكهربة تطلقها الشمس .

أثر الجو في الاحوال النفسية للانسان

تبرز الصلة بين الاحوال النفسية والجو على أساس الدقائق المكهربة . ففي بعض الاحايين ، يشعر الانسان بأنه نشيط وعلى استعداد للعمل بحيوية وهمة ، من دون ان يكون هناك من اسباب توجب ذلك . كما انه يشعر في أحايين أخرى بأنه تعب يعتريه خمول وتراخ ، وان حيويته في تناقص ، فلا يستطيع القيام بالاعمال التي تستوجب نشاطاً وعزماً . أي ان المزاج يتغير ويتقلب . فبينما هو مزاج النشاط والهمة في أيام ، إذ هو مزاج الخمول والفتور والتراخي في ايام غيرها ، من دون ان تكون هناك عوامل توجب ذلك النشاط او الخمول .

درس بعض العلماء هذه المسألة ، وأخضعوها لتجاربهم وبحوثهم . فتبين لهم ان هنالك علاقة وثيقة بين الهواء الذي نتنفسه وبين المزاج . فالشعور بالنشاط او بالفتور يتصل إتصالاً وثيقاً بالجو وبما يحويه من دقائق مكهربة ، إذ لا يخفى ان الهواء يحتوي على دقائق مكهربة ، بعضها يحمل شحنات موجبة ، وبعضها يحمل شحنات سالبة . ولسنا بحاجة الى ان نقول ان هذه الدقائق موجودة او محمولة في الغبار وفي قطرات الماء . وقد توفق العلماء لكهربة ما حين يريدون ، كما توفقوا لصنع أجهزة يمكنهم بواسطتها ان يخرجوا من قدر معين من الهواء في معامل البحث ، الدقائق المكهربة الموجبة والدقائق المكهربة السالبة . وقد أجرى العلماء تجارب كثيرة في تأثير الدقائق بنوعيها من الشحنات ، فوجد الاستاذ دسور Dessauer ان المرضى الذين يتعرضون للدقائق التي تحمل شحنات موجبة يشعرون بالتعب والاعياء والدوار والصداع ، وأنه متى أزيلت هذه الدقائق من الهواء ، وجرى تعريضهم للدقائق السالبة شعروا بالنشاط والانشراح ، وزال ما كانوا يقاسونه من الدقائق الموجبة . ولا يقف الامر عند هذا الحد ، بل ظهر ان وجود الدقائق الموجبة يزيد من ضغط الدم ، وان وجود الثانية ، أي السالبة ، يخفف من هذا الضغط ويحدث شعوراً مليئاً بالراحة . ويقول احد العلماء ان إستنشاق مقادير من الدقائق السالبة لمدة اسابيع يؤدي الى تخفيف عوارض ضغط الدم وازالته . وقد ثبت للاستاذ دسور ان الناس المعرضين للروماتزم زادت الآمهم وتضخمت مفاصلهم وارتفعت حرارتهم قليلاً عند إستنشاق هواء تكثر فيه الدقائق الموجبة . ومن المعروف عند علماء الجو ان ” العاصفة قبل حدوثها ، يسبقها هبوط في ضغط الهواء ، فيصعد الى سطح الارض هواء كان محفوظاً بين دقائق التراب . وقد ثبت ان الهواء الذي يكون بين دقائق التراب تكثر فيه الدقائق الموجبة . ولعل وجود هذه الدقائق يزيد من الآم المصابين بالروماتزم قبل انفجار العاصفة ” .

قد يكون هذا من الاسباب التي تجعل بعض المصابين بالروماتزم يتنبأون بالتغيير في حالة الجو وبالعاصفة قبل وقوعها .

علاقة التغذية بالمزاج

يحاول العلماء الآن إخضاع حالة الجو الكهربائية إخضاعاً تاماً . وقد قطعوا في هذا شوطاً ، والامل كبير ان يتمكنوا في المستقبل القريب من ان يجروا تكييفاً في حالة الجو الكهربائية ، وذلك بزيادة الدقائق الموجبة او السالبة مما يوافق المزاج وحالة الانسان الفيسيولوجية . وظهر لبعض العلماء ان الاشعة فوق البنفسجية التي تصدر عن الجسم تتأثر بالكلف الشمسية . وهي تتغير كمية وأثراً بتغير نشاط الكلف . فازدياد الكلف يزيد من تأثير الاشعة وفعلها . ولا يخفى ما لهذا النوع من الاشعة من أثر على النبات ، وفي توليد الفيتامينات التي تلعب دوراً خطيراً في حياة الانسان ونشاطه وحيويته ، وحتى اتجاهات تفكيره . ولم يستطع العلماء بعد إدراك تأثير الاشعة على المحاصيل بشكل تفصيلي واسع . ولكن الامل كبير في كشف نواح جديدة قد تساعد في معرفة القيمة الغذائية والصحية في المحاصيل التي نزرعها وكيف انها تختلف باختلاف العوامل الطبيعية. ويرى الاطباء الآن ان هناك صلة ما بين الفيتامينات والمزاج والسلوك الفيسيولوجي ، وهم يأملون ان يكشف العلم في الاعوام المقبلة عن ان الغدد الصم تتأثر هي ايضاً بالفيتامينات التي نتناولها في غذائنا ، كما تتأثر بالاشعة التي تصيب الجسم . ولا يخفى ما للغدد الصم من تأثير في الانسان . فهي تسيطر على جرم الجسم ، كما تيسطر على الطبائع والنفسيات من حيث النشاط او التراخي . وهي المكونة لشخصيتنا والمكيفة لها . ومن هنا يتجلى ان العلم سائر في طريق الكشف عن نفسية الانسان وتفهم شخصيته والسيطرة عليها . والعلماء يوالون درسها وعلاقاتها بالاحوال الجوية الناتجة عن الشمس وكلفها .