التنسيق الصناعي بين البلاد العربية

التنسيق الصناعي بين البلاد العربية

عبد الامير قاسم كبه

نشر المقال في تموز / يوليو 1961 ، العدد التاسع ، الرائد العربي

من بين القرارات التي اتخذها المجلس الاقتصادي العربي في دورته الاخيرة التي انعقدت في القاهرة قرار على درجة عالية من الاهمية لأنه بمنزلة حجر الزاوية في بناء الوحدة الاقتصادية الشاملة ، كما انه ركن اساسي لاقامة السوق العربية المشتركة ، التي كثر الحديث عنها مؤخراً ، ذلك هو القرار المتضمن توصية الحكومات الاعضاء باتخاذ اجراءات معينة تمهيداً لتنسيق الصناعة في البلاد العربية .

يتألف قرار المجلس الاقتصادي العربي فيما يخص التنسيق الصناعي ، وهو الثمرة الاولى التي تمخض عنها المجلس الموقت للوحدة الاقتصادية ، من شقين: فالشق الاول يدعو البلاد العربية الى احصاء الصناعات القائمة حالياً والقدرة الانتاجية لكل منها وانتاجها الفعلي وبيان الخامات المستعملة في الانتاج ومدى توفرها محلياً ، مع بيان مدى حاجة الاستهلاك المحلي لتلك المنتجات وكيفية التصرف بفائض الانتاج ، اذا كان هناك من فائض، وكذلك بيان المعلومات نفسها فيما يتعلق بالمشاريع الصناعية المنتظر تنفيذها في القريب العاجل . اما الشق الثاني ، فيوصي بعقد مؤتمر على مستوى وزاري تتمثل فيه البلدان العربية الاعضاء لغرض وضع نظام للتنسيق الصناعي في ما بينها ، على ان يمهد لذلك المؤتمر بدراسات فنية تقوم بها لجنة من كبار الخبراء المختصين في كل بلد عضو في المجلس . ولو تصفحنا توصيات مؤتمر غرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية لوجدنا ان هذا المؤتمر سبق ان أوصى في الدورة التي قبل الاخيرة بالاهتمام السريع بموضوع التنسيق الصناعي لئلا يكون تكرار الصناعات مصدر شكوى وسبباً في عرقلة التقارب الاقتصادي العربي .

اذن ، فرجال السياسة ، ممثلين في المجلس الاقتصادي العربي ورجال الصناعة والتجارة والزراعة ممثلين في مؤتمر الغرف ، متفقون على ضرورة الاخذ بمبدأ التنسيق الصناعي على نطاق عربي . على ان مهمة التنسيق صعبة ومعقدة وتحتاج الى أنماط من الكفايات الاقتصادية والفنية تضاهي ما يحتاج اليه التخطيط الاقتصادي في بلد حديث العهد بالتخطيط . ولا نرى ان في الامكان اداء تلك المهمة عن طريق لجان مرتجلة تجتمع مرة او مرتين في الاسبوع خارج اوقات الدوام . إنها تحتاج الى نخبة ممتازة من اقتصاديين وفنيين متمرسين يتفرغون لتلك المهمة الجبارة ، مهمة وضع مخطط لتنسيق الصناعة في البلاد العربية ، ولا بأس بالاستعانة بالخبرة الاجنبية عند ارتياد المراحل الاولى من هذا الطريق الوعر . ومن العسير ان يحيط الكاتب ضمن اطار مقال في مجلة بجميع جوانب هذا الموضوع وملابساته ، لكننا سنحاول هنا طرح بعض الاراء لفتح باب النقاش واستحثاث اخواننا الاقتصاديين على الاسهام في هذه الدراسة المفيدة . وسنتناول في بحثنا فوائد التنسيق والشروط الواجب توفرها لضمان نجاحه والأسس التي يجب ان يبتنى عليها توزيع الصناعات بين شتى الاقطار العربية والقطاعات التي لا يجوز ان تتحكم فيها سياسة التنسيق العربية ، واخيراً كيف ومتى ينبغي الشروع في التنسيق ليعطي أفضل النتائج .

فوائد التنسيق

التنسيق هو تنفيذ لمبدأ التخصص الاقليمي في الانتاج territorial specialization  . وكل مزية يقترن بها هذا التخصص يمكن تحقيقها عن طريق التنسيق . فالبلاد العربية ، برغم أوجه الشبه الكثيرة في اقتصادياتها ، تختلف اختلافاً كافياً من حيث الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي وطبيعة المناخ والمهارات الصناعية المتوارثة واطوار المعيشة ، بحيث يتسنى تطبيق نظرية الكلفة المقارنة comparative cost  بين اجزائها . فلا بد ان هناك ظروفاً انتاجية خاصة في العراق مثلاً ، تحابي انتاج سلعة ما بكلفة وحدوية تقل عن كلفتها الوحدوية في مصر او اليمن او لبنان . كما ان في سوريا امكانيات انتاجية خاصة لصنع سلعة اخرى بكلف أقل . فاذا ما تخصص العراق في صنع ما تؤهله ظروفه وامكانياته لصنعه بكلفة رخيصة ، وتوفرت سوريا على صنع سلعها الخاصة ، وتبادل البلدان الشقيقان انتاجهما ، فلا بد ان تؤدي هذه العملية الى وفر في عوامل الانتاج لكلا طرفي التبادل . وما يقال عن العراق وسوريا يمكن ان يقال عن الكويت واليمن والمغرب وغيرها من البلاد العربية .

فلنذكر على سبيل المثال امكانية حصر الصناعات البتروكمياوية في العراق للاستفادة من الغاز المنبعث من حقول الرميلة وكركوك ، والنسوجات الحريرية في سوريا ، وصناعة التجميع في لبنان اقتصاداً في كلفة نقل الاجزاء المراد تجميعها واحتمال تصدير فائض الانتاج الى اسواق حوض البحر الابيض المتوسط باجور شحن منخفضة ، وصناعة الحديد والسكر مصر ، وهكذا …

المزية الثانية لتخصيص كل اقليم من الاقاليم العربية بالصناعات التي تلائم ظروفه هي امكانية توسيع سوق الاستهلاك للمنتجات المحلية ، إذ من المعلوم انه كلما توسع نطاق الاستهلاك ومن ثم الانتاج ، ضمن حدود معينة ، كلما انخفضت اكلاف الوحدة المصنعة . واهم الوفور التي يمكن تحقيقها بواسطة هذه الطرق ، أي توسيع نطاق عمليات الانتاج ، هي :

            1 – امكانية استخدام اجهزة مكانيكية حديثة على غرار ما هو مستعمل في البلاد المتقدمة صناعياً بدلاً من اللجوء الى الالآت اليدوية والمعدات البدائية التي تضطر المعامل الصغيرة الى استخدامها لضيق نطاق الانتاج .  فادخال الالة في صناعاتنا العربية يقلل من كلفة الانتاج ويحسن نوعيته .

            2 – امكانية عقد صفقات كبيرة عند شراء المواد الخام وبذلك يحصل المنتج على اسعار جد مخفضة تتيح له امكانية خفض كلفة انتاجه وبالتالي مزاحمة السلع الاجنبية المماثلة .

            3 – إن معملاً كبيراً يغذي سوقاً عربية واسعة يستطيع ان يستخدم كفايات ادارية وفنية ممتازة ، لأن النفقات الادارية توزع على عدد اكبر من الوحدات .

            4 – إن سعة الانتاج تؤدي كذلك الى وفر في اجور الشحن والاكلاف الاخرى المطلوبة لايصال البضاعة من المنتج الى المستهلك النهائي .

            5 – ان توسيع نطاق الانتاج واستخدام كفاءات ادارية ممتازة يهيء امكانيات لتمويل عمليات الانتاج وتوسيعها عن طريق الاستقراض من المصارف بفوائد منخفضة نسبياً . وهذه مزية قد لا تتوفر للمشاريع الصغيرة التي تضطر احياناً كثيرة في فترات قد تقصر او تطول الى تمويل اعمالها باللجوء الى المرابين ودفع فوائد عالية جداً تستنزف اكثر ارباحها .

من مزايا  التخصص والتنسيق الصناعي  تهيئة امكانيات جديدة لتصدير المنتجات العربية المنخفضة الكلفة نسبياً ( بسبب التنسيق ) الى الاسواق العالمية ، وبذلك تتمكن البلدان العربية ان تحقق ما يلي :

            1 – مزاحمة اسرائيل في أسواق أفريقيا وشرقي آسيا وذلك بتقديم سلع ارخص ثمناً وأجود نوعية (كالاسمنت ومنتجات صناعية متعددة بينها السيارات والثلاجات الخ..) .

            2 – تنويع الصادرات العربية لتفادي الازمات والتقلبات الاقتصادية في حال الاعتماد على نوع واحد في صادراتها . فاعتماد العراق على الشعير والتمور والنفط واعتماد مصر والسودان على القطن واعتماد لبنان على الفاكهة ، يجعلها معرضة لكوارث اقتصادية لا سيطرة لها عليها في حال انخفاض اسعار هذه المنتجات وشحة الامطار او غير ذلك من اسباب .

            3 – ان زيادة الصادرات العربية يكسب اقتصاد البلدان العربية مرونة وتوفر لها مزيداً من العملات الاجنبية ، بحيث تؤلف هذه العوامل الايجابية ضمانة ضد مصاعب انخفاض او تقلب ميزان المدفوعات .

            4 – نتيجة لثبات ميزان المدفوعات او تعزيزه وتقويته سوف تستطيع البلدان العربية استيراد ما تحتاج اليه من الآلات والمعدات والسلع الاخرى التي هي بأمس الحاجة اليها في مراحل تطورها الاقتصادي والاجتماعي الراهن .

ومن فوائد التنسيق الصناعي انه الخطوة الاولى نحو تحقيق السوق العربية المشتركة التي يسعى كل مخلص الى نشوئها بأقصى سرعة ممكنة لمجابهة اخطار التكتلات الاقتصادية في شتى انحاء العالم .

شروط نجاح عملية التنسيق

يعتمد نجاح عملية التنسيق على ما يسبقها او يرافقها من شروط كثيرة تؤلف بمجموعها البيئة الاقتصادية الصالحة للتنسيق والنجاح . فليس من الواقعية في شيء ان نتحدث عن تنسيق الصناعة بين بلدين لا تربطهما طرق مواصلات سهلة ، كما ليس من الممكن عملياً تنسيق اقتصاديات قطرين تفصل بينهما قيود مالية وحواجز جمركية وادارية وفنية وما الى ذلك . إن أهم العناصر التي تدخل في تركيب البيئة الصالحة للتنسيق هي ، في نظري ، ما يلي :

            1 – توفر احصاءات صناعية دقيقة يمكن ان تتخذ اساساً لدراسات اقتصادية وفنية مفصلة يتقرر على ضوئها اتجاهات التنسيق وأشكاله العملية . فمن المهم ، قبل كل شيء ، اجراء احصاء شامل ودقيق للصناعات القائمة فعلاً في كل بلد عربي وتصنيفها الى اصناف واضحة الملامح كصناعات المواد الغذائية والمنسوجات والسكاكر الخ .. ثم تجمع الاحصاءات الاساسية المتعلقة بالطاقة الانتاجية لكل مشروع وجودة انتاجه وعدد العمال فيه وقيمة رأس المال الثابت ( الآلات والمعدات والابنية وسواها ) وقيمة المواد الخام  المستعملة ، مخزنة أكانت ام تحت الطلب المثبة ، ومجموع الاجور المدفوعة في فترة معينة وقيمة الانتاج لتلك الفترة والقيمة المضافة ، أي الفرق بين قيمة الخامات الصناعية الداخلة في الانتاج والمنتج النهائي ، ونسبة عدد العمال الى المكائن ، أي احتساب درجة المكننة في المشروع ، وغير ذلك من الاحصاءات الضرورية التي تلقي ضوءاً واضحاً على وضع تلك الصناعة . ثم تحسب حاجة السوق المحلية الى هذا الصنف المنتج وما تستوعبه منها ، اضافة الى الكميات المستوردة خلال السنوات الخمس الاخيرة ، مثلاً ، ثم رسم خط بياني يوضح اتجاه الاستهلاك نسبة لتلك المادة او الصنف خلال السنوات الخمس ذاتها . وبناء على هذه الاحصاءات يكلف الاخصائيون بوضع مؤشر دقيق او شبه دقيق لما يعتقدون ان الاسواق قادرة على استيعاب المنتج ومدى زيادته .

من المؤسف ان الاحصاءات الصناعية لا تزال في طورها البدائي في العراق ، بينما المفروض ان يحتل الاحصاء مركز الصدارة في البلد المتطور. فبدونه لا يمكن تخطيط التطور الاقتصادي تخطيطاً نيراً . فقد ظهر اول احصاء صناعي في العراق سنة 1954 ، وكان باشراف الخبير الاحصائي البريطاني الدكتور فنلون الذي استقدمته وزارة الاقتصاد للقيام بهذا الاحصاء . ثم مرت فترة ركود احصائي رافقتها فترة توسع صناعي بحيث باتت الحاجة ملحة الى اعادة النظر في هذا المضمار واعتماد الاحصاء الشهري الذي تقوم به عادة الدائرة الرئيسة للاحصاء . كما ان اتحاد الصناعات شعر بأن المهمة باتت ملقاة على كاهله فقرر اخذ المبادرة . وقد لا يمضي وقت طويل حتى تكتمل لدى الاتحاد مجموعة احصائية فريدة تسد الفراغ الاحصائي القائم حالياً .

            2 – تخفيض الرسوم الجمركية بين البلدان العربية بصورة تدريجية الى ان تزول تماماً . وهذا التخفيض يجب ان يتناول ، بصورة خاصة ، السلع الداخلة ضمن اطار عملية التنسيق . وينبغي ، من جهة اخرى ، توفير حماية جمركية على مدى العالم العربي للصناعة المنسقة ، وذلك بزيادة الرسوم الجمركية على السلع المستوردة المماثلة للانتاج العربي . ولتسهيل توزيع الانتاج المنسق على البلدان المشمولة بالتنسيق لا بد من توحيد التعرفة الجمركية بالنسبة للبلدان الاجنبية . فاذا كان ثمة تفاوت في رسم الوارد الجمركي بين قطر عربي وآخر ، فقد يعمد البلد الذي يتمتع بتعرفة جمركية مخفضة الى استيراد السلعة من الخارج ، بينما يضطر البلد الذي فرض رسماً عالياً على هذه السلعة او السلعة المماثلة الى حصر استهلاكه بالانتاج العربي . واذا كان الفرق بين تعرفة هذين البلدين اكبر من كلفة شحن السلعة المذكورة من البلد ذي التعرفة المنخفضة الى البلد ذي التعرفة العالية ، فقد يلجأ التجار في البلد الاخير الى استيراد السلعة المطلوبة من البلد العربي ذي التعرفة المنخفضة . فلو فرضنا ان هيئة التنسيق حصرت صنع البرادات الكهربائية بالعراق لجفاف مناخه، ولغرض توفير الحماية الجمركية لهذه البرادات أوصت الهيئة بفرض رسم جمركي بنسبة 50 بالمئة من القيمة المصرحة مع اعفاء البرادات العراقية من الرسم الجمركي في البلاد العربية ، فاذا استجابت الجمهورية العربية المتحدة لهذه التوصية ولم يستجب الاردن وفرض رسماً بنسبة 10 بالمئة فقط ، فقد يلجأ التاجر السوري او العراقي الى استيراد البرادات من الاردن لأن الرسم الجمركي مضافاً اليه اجور الشحن الى دمشق او بغداد هو اقل من الرسم الجمركي المستوفى في سوريا  او في العراق .

            3 – غني عن البيان ان ما قيل عن الحواجز الجمركية يمكن ان يقال بصورة أشد عن الحواجز الادارية من قبيل التحديد الكمي للاستيراد . فاذا حصرنا انتاج سلعة ما ببلد ثم منعنا استيراد تلك السلعة من قبل البلاد العربية الاخرى وقيدناه كمياً لم تبق للتنسيق قيمة لأن استهلاك السلعة المنسقة سيقصر على البلد المنتج او يتعداه بمقياس صغير الى البلاد العربية الاخرى .

            4 – من الظروف الاساسية في انجاح عملية التنسيق إخضاع الانتاج المنسق الى نظام موحد للمقاييس والمواصفات . فاذا اردنا فرض نوعية رديئة من الانتاج على مستهلكي البلد المنتج فتلك بلية . اما اذا حاولنا فرض نوعية رديئة على مستهلكي البلاد العربية الاخرى فالبلية أعظم لأنها تهدد عندئذ نظام التنسيق من أساسه . فلا بد اذن من الاتفاق على نوعية معينة من الانتاج الذي سيغذي الاسواق العربية بأجمعها .

            5 – لا بد لنجاح تجربة التنسيق من مواصلات سهلة ذات أكلاف منخفضة بين البلدان العربية والا فقد يضطر المستهلك الى شراء المصنوعات العربية باسعار باهظة تؤلف اجور الشحن نسبة كبيرة فيها .

لا شك ان هيئة التنسيق ستجد عوامل كثيرة اخرى ينبغي ان تهيأ لضمان تطور عملية التنسيق في الاتجاه السليم .

الأسس التي يجب ان يبنى عليها التنسيق

موضوع الاتفاق على القواعد والاسس التي ينبغي ان يسترشد بها المنسقون في توزيع الانتاج بين البلدان العربية موضوع شائك . فهل توزع الصناعات بالتساوي بين شتى الاقطار العربية ؟ . وما معنى هذا التساوي هنا ؟ أهو تساوي الرساميل المطلوبة لاقامة المشاريع المنسقة ، كأن يسمح لكل قطر عربي باحتكار صناعة رأسمالها مليون دينار مثلاً ؟ أم هو التساوي في قيمة الانتاج الاجمالية او عدد العمال او قيمة الالآت والاجهزة ؟. من الواضح ان توزيع امكانيات الانتاج بصورة متساوية في  فرض تحديد مفهوم التساوي ، اقتراح غير عملي لأن هناك عوامل كثيرة لا يمكن اغفالها . فعدد السكان والثروة الوطنية ودرجة التصنيع التي بلغها كل بلد عربي وقيام المصنوعات المستوردة وما الى ذلك من العوامل يجب ان تتحكم في القرارات او التوصيات التي تصدرها هيئة التنسيق .

واذا بدأنا عملية التنسيق اليوم فماذا يعني ذلك ؟ . أيعني اننا نغلق ابواب المعامل القائمة في البلدان العربية اذا كانت تلك المعامل غير منسجمة مع مخطط التنسيق ؟ . طبعاً لا . فأول مبدأ ، اذن ، ينبغي اقراره هو ان التنسيق لا يشمل ما مضى بل يجب ان يتناول ما هو آت . فالصناعات القائمة فعلاً يجب ان تستثنى من حكم التخطيط الصناعي الجديد . وليس هذا فقط ، بل لا بد من استمرار الحكومات المعنية في بسط حمايتها على تلك الصناعات وان تتحاشى الدخول في اية التزامات جماعية تستهدف حرمان هذه الصناعات من العضد الحكومي ، لئلا تواجه الموت التدريجي. فضمور هذه المشاريع او موتها خسارة فادحة وتبديد لا مبرر له للثروة الوطنية.

كيف ومن اين نشرع بالتنسيق؟

ليس سهلاً اعطاء جواب قاطع ، لأن الاجابة تعتمد الى حد بعيد على نتائج الدراسة الفنية والاقتصادية التي ستجريها هيئة التنسيق التي افترضنا وجودها .لكن لا ضرر في ان نتعجل الامور فنرسم منذ الآن ، ولو بصورة تقريبية ، الاتجاه الذي يبدو ملائماً للتنسيق .

في رأي ان نبدأ اولاً في صناعة التجميع لأنها غير موجودة في اكثر الاقطار العربية ولأن طريق انشائها سهل ممهد وربحها مضمون في حدود الكفايات الادارية المتيسرة لدينا حالياً . هذا فضلاً عن امكانية ترويض هذه الصناعة تدريجياً وتحويلها الى صناعة أصيلة عن طريق صنع الاجزاء المطلوبة شيئاً فشيئاً ، كلما تطورت الامكانات الصناعية وتوفرت المهارات الفنية . فلنفترض اننا بدأنا بتجميع الثلاجات . لا شك اننا سنضطر في المراحل الاولى ان نستورد اكثر الاجزاء كالصفائح المكبوسة في مكابس ضخمة لا نملكها ، والمحركات والاجهزة الكهربائية الاخرى ، بحيث تقتصر مهمتنا على تركيب تلك الاجزاء بصورة فنية . لكننا سنجد بعد فترة قصيرة ان في الامكان طلاء الصفائح الفولاذية محلياً ، لا سيما وان منتجي المراوح الكهربائية والمدافىء يحتاجون هم ايضاً الى طلاء مراوحهم ومدافئهم . وهكذا تنشأ الحاجة الى استيراد فرن اتوماتيكي للطلاء . وقد لا تمضي فترة طويلة حتى يشعر شخص ذو حس تجاري مرهف ان في الامكان صنع المحركات الكهربائية محلياً لسد حاجة مصانع الثلاجات والمبردات والمكيفات الهوائية والاجهزة الميكانيكية وسواها . ثم تستمر الصناعة في تطورها خطوة اثر خطوة حتى تتحول من صناعة تجميع الى مجموعة صناعات أصيلة يكمل بعضها بعضاً .

إن صناعات التجميع تحتاج الى سوق واسعة . ولا شك ان السوق العربية المشتركة كفيلة بنجاحها . وهناك عشرات السلع التي يستنزف استيرادها ملايين الدنانير سنوياً مما يمكن تجميعه محلياً وبذلك نوفر مبالغ طائلة، اضافة الى تشغيل الالوف من العمال العرب . لنذكر على سبيل المثال السلع التالية : السيارات والطائرات والتركتورات والمضخات الزراعية والمبردات والمكيفات الهوائية والمدافئ والمراوح الكهربائية والافران والغسالات الكهربائية والدبابات وغيرها من العدد الحربية الخ ..

بعد الاتفاق على الخطوات التنسيقية اللازمة لاقامة صناعة تجميع ضخمة في البلاد العربية يمكننا ان نتقدم خطوة اخرى باقتسام صناعة السلع المشمولة ببراءات اختراع او بأسماء تجارية دولية على اساس التوصل الى ترتيبات مع منتجيها الاصليين لقاء جعالة تدفع لهم . مثال ذلك شفرات الحلاقة فاسيت واقلام باركر وصابون لوكس ومئات اخرى من البضائع التي يمكن تصنيعها في اكثر من بلد عربي . بعدها نبدأ بتنسيق الصناعات الكبيرة كالمنسوجات والحديد والاسمنت وما شابهها .

ليس من الضروري تنفيذ برامج التنسيق خطوة خطوة ، بل في الامكان وضع مخطط شامل للتنسيق يطبق دفعة واحدة . المهم هو الاسراع في العمل قبل ان تقطع عمليات التصنيع العشوائية في البلاد العربية اشواطاً بعيدة يصعب معها ممارسة التنسيق الصناعي على نطاق واسع .