التعاون والتعاونية بين المذهب والاسلوب

                                                                                                                                            التعاون والتعاونية بين المذهب والاسلوب

د. عدنان شومان

دكتوراه في الاقتصاد الزراعي وعلم الاجتماع الريفي

نشر المقال في تموز / يوليو 1961 ، العدد التاسع ، الرائد العربي

تعتبر الجمعيات التعاونية اليوم من أوسع المنظمات الاجتماعية والاقتصادية انتشاراً . فقد بلغ عددها ، بموجب احصاء عالمي أجرته منظمة العمل الدولية في عام 1958 ، ما يقرب من 891 الف جمعية تعاونية تضم 224 مليون عضواً يمثل كل منهم عائلة منتشرة في 117 دولة في مختلف القارات ، وفي ظل مختلف الانظمة الاقتصادية والاجتماعية . فهي موجودة في الدول الرأسمالية ، كدول اميركا واوروبا الغربية والدول الدائرة في فلكها ، وفي الدول الشيوعية ، كالاتحاد السوفياتي ودول اوروبا الشرقية والصين . وهي منتشرة كذلك في الدول غير المنحازة في آسيا وافريقيا . فاختلاف الانظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لم تمنع من انتشار الجمعيات التعاونية في العالم على نطاق واسع .

فما هو التعاون ؟ . وما هي الجمعيات التعاونية ؟ . وكيف تمارس نشاطها في ظل مختلف الانظمة ؟ . وهل يشكل التعاون فلسفة ومبدأ وعقيدة ونظاماً متكاملاً يرمي الى تنظيم شامل لحياة البشر ، كالرأسمالية والشيوعية والاشتراكية ، أم هي طريقة واسلوب ووسيلة وتنظيم ؟ .

تتوارد هذه الاسئلة الى الاذهان عند البحث في اصول التعاون ومعناه . ويجدر بنا الاجابة عليها قبل ان نبدأ في عرض الحركة التعاونية وانواعها وتطبيقاتها في العالم ، وذلك لاعطاء التعاون والجمعيات التعاونية مكانتها من الناحية النظرية المذهبية .

يقول الاستاذ لافرنيه : ” ان التعاون خير وسيلة لتقريب مسافة الخلف بين الدخول وتمكين الافراد من التمتع بحرياتهم العامة والخاصة ” (1) . وجاء في نشرة مكتب العمل الدولي ” ان المؤسسة التعاونية الحديثة كانت في الماضي ولا تزال وسيلة للدفاع والتحسن والتحرر ولمكافحة الاحوال التي نتجت عن تطور النظام الاقتصادي التجاري او نظام الاخذ والعطاء ” (2) . ويقول شارل جيد ” ان الجمعية التعاونية هي وسيلة لانهاء المبارزة بين البائع والمشتري ، بين المقرض والمقترض ، بين صاحب العمل وكاسب الأجر ” (3) . ويتساءل الاستاذ كولومبان : ” كيف يتسنى للضعفاء ان يساعدوا انفسهم بأنفسهم ؟ ” ، ويجيب بقوله : ” ان خير وسيلة لبلوغ هذه الغاية هي الجمعية التعاونية التي تقوم على دعامتين رئيستين هما : ساعد نفسك ، وساعدوا بعضكم بعضاً ” (4) .

جاء في احدى دراسات مكتب العمل الدولي ” ان الجمعيات التعاونية الريفية هي خير السبل لابلاغ الارشادات التقنية والنصائح الى سكان الريف ” . وأدلى الدكتور م.م.كوادى ، مدير المصالح الخارجية في جامعة القديس فرنسوا كزافييه بأنتيفونيش ، امام اللجنة الكندية للنهضة والتعمير ببيان قال فيه : ” اننا نلجأ الى الحركة التعاونية في الميدان الاقتصادي فنتخذ منها أداة ووسيلة لخدمة التربية أكثر منها وسيلة لخدمة الاقتصاد ” (5). ويعرف و.ك.كامبل التعاون بأنه شكل من أشكال التنظيم ترتبط فيه جماعة من الاشخاص ارتباطاً اختيارياً بوصفهم اناساً على أساس المساواة لتحسين احوالهم الاقتصادية ” (6) . ويقول كارل ماركس : ” ان التعاون اداة يجب استخدامها لتغيير الجماعة الرأسمالية القائمة على الكفاح بين الطبقات ، ويجب ان تنظم على أساس قومي يشمل كافة أفراد الامة ، وتستخدم كافة مواردها ” (7) . أما لينين فيعتبر التعاون الوسيلة الوحيدة التي يمكن ان تدفع بالفلاحين الى الانضمام الى الاقتصاد الجماعي (8) .

فاذا كانت المجتمعات البشرية الحديثة تتميز بتكتل جهود البشر ضمن منشآت ، سواء عن طريق تأسيس الشركات التجارية والصناعية ، او النقابات ، او الاحزاب السياسية ، او الجمعيات الخيرية والدينية والنوادي الثقافية والاجتماعية وسواها من اشكال التنظيم الجمعي ، فاننا نرى ان التعاون والجمعيات التعاونية هي احدى هذه الاشكال المختلفة .

اذا كان التنظيم الرأسمالي للشركات يهمل الناحية الاجتماعية ويؤدي الى زيادة ارباح الاقلية على حساب الاكثرية فانه يزيد من استغلال الانسان لاخيه الانسان ويكتل رؤوس الاموال في أيدي الاقلية ويقود الى الاحتكارات وسيطرة الاقلية على الاكثرية . ومن جراء هذه السيطرة والتحكم عانت الاكثرية آلاماً مبرحة عبر عصور التاريخ ونشأ عنها الاستعمار بانواعه ، والسيطرة الاقتصادية للامم المتقدمة على الامم المتخلفة. اما التنظيم التعاوني فيختلف عن ذلك لأنه يأخذ بعين الاعتبار الناحية الاجتماعية ويهدف الى سيطرة الاكثرية على وسائل الانتاج ، والحد من فكرة الجشع المادي والروح الفردية والرغبة في الاستغلال والاحتكار ، ويقود الافراد نحو الروح السمحة القائمة على الارتباط الاخوي وتبادل المساعدة والخدمات .

ولما كان التعاون والجمعية التعاونية شكلاً من أشكال التنظيم الجمعي ، تمشياً مع روح القرون الحديثة في تكتيل جهود الافراد ، فانها لا تشكل نظاماً وعقيدة ومبدأ ، بل تتبع في تكوينها وتطورها قوالب النظام الذي تعيش فيه . لهذا نرى الاسلوب التعاوني المطبق في البلدان الرأسمالية يختلف عن الاسلوب التعاوني في البلاد الشيوعية (9) .

الاسلوب التعاوني قائم بالفعل في المجتمعات الرأسمالية للحد من المساوئ الاقتصادية والاجتماعية التي تخلقها الرأسمالية . وفي هذه الحالة تكون الجمعية التعاونية اما لشراء وبيع المواد الاستهلاكية للتخفيف من حدة ارتفاع الاسعار والتخفيف من سيطرة المحتكرين ، او لتأمين المواد الضرورية للانتاج الزراعي وللحرف اليدوية وتصريف منتجاتها لتأمين سعر عادل للمنتجين ثمناً لمنتوجاتهم ، او لجمع مدخرات الافراد في سبيل تحقيق اغراض معينة كبناء المساكن والمستوصفات والمدارس وشراء وسائط النقل وغيرها من الخدمات . وفي كل هذه الاحوال تدخل المنشآت التعاونية في ميدان المنافسة مع باقي المنظمات الاقتصادية ، كالشركات والتروستات التجارية والمعامل الصناعية . لهذا يبقى تأثيرها محدوداً ضمن قطاع معين ، على حد تعبير الدكتور فوكيه . وهي لا يمكنها ان تسيطر كلياً على الحياة الاقتصادية او تعدِل من شكل النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي القائم ، أي النظام الرأسمالي (10 ) .

اما في البلاد الشيوعية ، فان التعاون والجمعيات التعاونية هي صالحة بقدر ما تخدم مخطط الاقتصاد الاشتراكي ، وتكون عادة موجهة من قبل الدولة توجيهاً كاملاً كغيرها من المنشآت ، وتسير وفق الاسس والقواعد التعاونية التي خطتها لنفسها الجمعيات التعاونية في البلدان الرأسمالية . وقد أولى لينين التعاون اهتماماً أكبر من اهتمام كارل ماركس واعتبره الوسيلة الوحيدة للوصول الى الاشتراكية ثم الى الشيوعية . لهذا تركز التنظيم التعاوني في الريف السوفياتي على اساس الكلخوزات ، وهي عبارة عن مزارع تعاونية تجمع المزارعين في وحدات زراعية مختلفة الحجم ، حيث يعملون بشكل مشترك في زراعة قطع الارض التي تمنحها الدولة الى الكلخوز ، وفقاً للمخطط الزراعي الذي ترسمه الدولة في ميدان العمل والانتاج الزراعي . كما يقوم التنظيم التعاوني في المدن على اساس الجمعيات التعاونية الاستهلاكية التي أوكل اليها امر تصريف فائض حاصلات الكلخوزات وتوزيع السلع الاستهلاكية ( 11 ) .

نستخلص مما تقدم ان التعاون والجمعيات التعاونية ما هي الا شكل من اشكال التنظيم الجمعي لفعاليات بشرية لتحقيق غايات واهداف اقتصادية في الدرجة الاولى ، واجتماعية في الدرجة الثانية ، لا تقوم على فكرة الربح بقدر ما تقوم على فكرة تقديم الخدمات اللازمة وتوزيع هذه الخدمات بشكل يتناسب مع حاجات افرادها وظروفهم ، وبالمقابل يسهم هؤلاء الافراد في تكاليف جمعيتهم بصورة تتناسب مع حجم الخدمات التي يحصلون عليها من الجمعية . ويقوم هذا التنظيم او الاسلوب على قواعد وتقاليد تعاونية تكونت على مر السنين بنتيجة تجارب عديدة ، على قاعدة  الخطأ والصواب التي مر بها رواد التعاون الاول في القرنين الثامن والتاسع عشر . وهذه القواعد تحدد الاطار العام للجمعية التعاونية وتميزها عن غيرها من التنظيمات الاقتصادية والاجتماعية الاخرى .

يتخذ التنظيم التعاوني شكل الترابط الاختياري لمجموعة من الافراد يدفعهم دوافع معينة سعياً وراء الحماية من اخطار اقتصادية واجتماعية تحدق بهم ، وفي سبيل تحقيق اهداف معينة ومأمولة يصبون اليها .

الجمعية التعاونية هي المنشأة العملية للاسلوب التعاوني . وقد إختلف الباحثون في ايجاد تعريف شامل لها ينطبق على كل اشكالها وانواعها وأقروا في النهاية بأنه من الضروري اعطاء تعريف لكل من انواع الجمعيات التعاونية على حدة . واذا رجعنا الى التعاريف المختلفة التي عرضها الباحثون في التعاون نراها تتضمن الامور التالية :

1 – الجمعية التعاونية هي جمعية اشخاص لا جمعية اموال .

2 – الجمعية التعاونية هي منشأة شعبية ينضم اليها الافراد بمحض ارادتهم واختيارهم .

3 – تعتمد الادارة في الجمعيات التعاونية على مساواة كل اعضائها في حقوق التصويت والترشيح . ولكل عضو في الجمعية صوت واحد ، مهما كان عدد الاسهم التي يملكها .

4 – الجمعية التعاونية هي منشأة اقتصادية واجتماعية في آن واحد . فهي تعمل على زيادة دخل افرادها وفق المباديء الاقتصادية القائمة ، وتعمل في الوقت نفسه على حماية افرادها وتحريرهم من سيطرة المحتكرين والمرابين والمستغلين .

5 – لا تهدف الجمعية التعاونية الى تحقيق أكبر قدر من الربح ، بقدر ما تهدف الى تقديم الخدمات وتوزيعها بشكل عادل بين الاعضاء .

6 – الجمعية التعاونية هي منشأة ديمقراطية تساعد اعضائها على ممارسة الحياة الديمقراطية داخل الجمعية ، وتعمل على تعويدهم على حل مشاكلهم بأنفسهم واستنباط الطرق والحلول المدروسة للنهوض بمستواهم .

لا شك ان التعاون والجمعيات التعاونية هي وسيلة تسهم في النهوض بالمجتمع اقتصادياً واجتماعياً . غير انها لا تكفي وحدها لتحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الاستغلال والاحتكار وبناء مجتمع تسوده المساواة ويرفرف عليه الرخاء . فقد خفف تطبيق الاسلوب التعاوني في البلدان الرأسمالية من مساوىء النظام الرأسمالي من دون احداث تغيير جذري في طبيعة هذا النظام . اما في البلدان الشيوعية فبقي الاسلوب التعاوني اداة من ادوات الدولة . فاذا اردنا ان يكون للاسلوب التعاوني اثر فعال في حياة مجتمعنا العربي ، علينا ان نكمل العمل التعاوني بمستلزمات اخرى تسير جنباً الى جنب مع المنظمات التعاونية ، فتُصان الحريات العامة والخاصة ويوجه الاقتصاد للصالح العام وفق منهج علمي سليم ، بحيث يستعمل الاسلوب التعاوني لتنظيم الانتاج وتوزيعه للقضاء على اسلوب الانتاج والتوزيع الفردي الذي يتيح للاقلية استغلال الضعفاء في المجتمع واحتكار مواردهم الوطنية . عندئذ ، وفي مثل هذا الجو ، يساعد الاسلوب التعاوني في بناء مجتمع تسوده العدالة والحرية والديمقراطية .

_________________________________________________________________________

(1) B. Lavergne : La Revolution Cooperative , Presses Universitaires de France , Paris , 1948

(2) التعاون ، أصوله ووسائله وأهدافه ، مكتب العمل الدولي ، جنيف ، 1856  ص 3

(3) شارل جيد ، من مجموعة محاضرات عن التعاون ، 1922

(4) موريس كولومبان ، الجمعية التعاونية والتربية الاساسية ، دار اليونسكو ، باريس ، 1955

(5) اللجنة الخاصة للتعمير والنهضة ، وقائع الحلسات والشهادات ، رقم 13 المؤرخ في 13 ايار 1943 ، اوتوا  كندا 1943 العالم

(6) و.ك. كامبل ، مباديء التعاون وطرقه ، ترجمة واصدار المركز الدولي للتربية الاساسية في العالم العربي ، س. الليان ، مصر 1954

(7) التعاون في روسيا السوفياتية ، مكتب العمل الدولي ، سلسلة مستندات ، ص. 3 ، التعاون ، جنيف 1925

(8) جابر جاد عبد الرحمن ، اقتصاديات التعاون ، ص. 94

(9) سنعود الى هذا البحث لاحقاً لنبين الفوارق النظرية والعملية في تطبيق الاسلوب التعاوني في ظل الانظمة السياسية والاجتماعية المختلفة

(10) Dr . G . Fauquet , The Cooperative Sector K tr. From the French by L.P. Weaver Cooperative Union LTD. Holyoake House , Hanover Street . Manchester 4. 1951 , P 12 .

(11) كانت نسبة اعمال الجمعيات التعاونية الاستهلاكية عام 1922 تعادل 10.3 % من الرقم الكلي للتجارة الداخلية في الاتحاد السوفياتي ، وكانت نسبة مخازن الدولة 14.4 % ونسبة التجارة الخاصة 75.3 % .  وفي عام 1931 استطاعت الجمعيات التعاونية الاستهلاكية ان تقضي على التجارة الخاصة وحصلت على 72.3 % من رقم التجارة الداخلية . عندئذ شعرت الدولة بخطر هذه الجمعيات وقوتها فعملت على اضعافها وتقوية المخازن الحكومية ، فألغت الجمعيات التعاونية الاستهلاكية في المدن وأحلت محلها مخازن الدولة ، واقتصر نشاط الجمعيات التعاونية الاستهلاكية على الريف فقط ، فهبطت نسبة ارقام اعمالها في عام 1940 الى 45.6 %. غير ان الدولة سمحت في سني الحرب العالمية الثانية لبعض الجمعيات الاستهلاكية باعادة فتح مخازنها في المدن لمساعدة المخازن الحكومية في التوزيع والتموين .