التعاون الاقتصادي الآسيوي الافريقي

التعاون الاقتصادي الآسيوي الافريقي

الياس غنطوس: عضو المكتب الدائم لاتحاد غرف التجارة والصناعة والزراعة في البلاد العربية .

نشر المقال في شباط / فبراير 1962 ، العدد السادس عشر ، الرائد العربي

من ابرز مظاهر السنوات العشرين الاخيرة ان معظم دول افريقيا وآسيا حصلت على استقلالها خلال هذه الفترة نتيجة لحركات تحررية وطنية قامت ضد الاستعمار والاوضاع التي نجمت عنه. وبالرغم من تفاوت الدول الافروسيوية في المساحة وعدد السكان والثروات الطبيعية ، فان المشاكل والقضايا التي تواجهها منذ الاستقلال متشابهة ومتقاربة الى حد بعيد . فانتهاء الاستعمار في اي منها يوجب ايجاد نظام سياسي جديد يرتكز على الكفاءة والاخلاص واعادة تنظيم الاقتصاد الوطني بشكل يتناسب مع الاوضاع والظروف الجديدة ، كما يوجب تحرير هذا الاقتصاد من اقتصاد الدولة المستعمرة على اعتبار ان الاستقلال الحقيقي يشمل السياسة والاقتصاد سواء بسواء .

كانت الدول الافروسيوية تميل في بادىء الامر نحو الاكتفاء الذاتي من الناحية الاقتصادية ، الا انها تنبهت الى ان تقدمها وازدهارها ودوام استقلالها وارتفاع مستوياتها المادية والاجتماعية والثقافية رهن بتقدمها الاقتصادي، وبالتالي لن تستطيع تحقيق هذا التقدم على وجهه الاكمل الا بالتعاون والتكتل على غرار ما يجري في اوروبا اليوم . فاذا كان باستطاعة الدول الاستعمارية ان تتساند وتتكتل مع بعضها البعض وتتوسع في المجال الاقتصادي ، فلما لا تحذو الدول الافرسيوية حذوها ، وهي الاحق بمثل هذا التعاون لتطوير مشاريعها وتنميتها على اساس المنفعة المتبادلة والخير العام ؟ .

لا شك في ان مؤتمر باندونغ التاريخي في سنة 1955 وضع الاسس التي يرتكز عليها التعاون الافروسيوي الآن . فبمعالجته للمشكلات ذات الاهمية المشتركة بين بلدان آسيا وأفريقيا ، وبحثه عن السبل والوسائل التي تستطيع بها شعوب هذه البلدان من تحقيق أكمل التعاون في حقول الاقتصاد والسياسة والثقافة ، يضع الاسس المطلوبة لاقامة تعاون صادق وواعد . وكان مؤتمر غرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية الذي انعقد في القاهرة بين 23 و 28 تشرين الثاني / اكتوبر 1957 اول من اقترح دعوة مجموعة الدول الافريقية والآسيوية الى عقد مؤتمر اقتصادي . وقد دعيت بالفعل الهيئات والمؤسسات الاقتصادية الخاصة في هذه الدول الى عقد مؤتمرها الاول في القاهرة في شهر كانون الاول / ديسمبر 1958 ، وانبثقت عنه ” الهيئة الافروسيوية للتعاون الاقتصادي ” كمنظمة على مستوى أهلي ( مع العلم ان لا فرق بين المستوى الاهلي والحكومي في البلدان الاشتراكية كالصين الشعبية مثلاً ) تهدف الى تحقيق أوفر قسط من التعاون بين البلدان الافروسيوية في المجال الاقتصادي ، والى تنمية اواصر التعاون الاقتصادي بين هذه الهيئات .

سجل انعقاد المؤتمر الثالث للهيئة الافروسيوية الاقتصادي في نيودلهي بين العاشر والخامس عشر من كانون الاول / ديسمبر 1961 بدء مرحلة انطلاق التعاون الاقتصادي بين دول آسيا وافريقيا ، بعد ان كانت أعمال المؤتمرين الاول والثاني مقتصرة على تحديد أهداف ومجال نشاط هذه المنظمة واعتماد ميثاقها . وحضر المؤتمر مندوبون ومراقبون عن ثلاثين دولة يمثلون مختلف النواحي الاقتصادية في كل بلد من بلدانهم ، ولديهم الكثير من المعلومات لتبادلها وتعريف بعضهم البعض الى المنتجات الوطنية . فكان الاجتماع أشبه باجتماع عام لوفود تجارية من معظم مناطق آسيا وأفريقيا ، يفسح في المجال لأي وفد من الوفود ان يحصل في خلال بضعة ايام على المعلومات نفسها التي ربما احتاج للحصول عليها ان يزور بلدان الوفود ، فيقتصد بذلك كثيراً من الوقت والتكاليف .

من أهم المواضيع التي شكلت مدار البحث في المؤتمر ، تأثير التكتلات التجارية في الخارج على التبادل التجاري والتنمية الاقتصادية في المنطقة الافروسيوية . وقبل ان نتناول هذا الموضوع ، يجدر بنا ان نعطي القاريء لمحة عابرة عن اقتصاديات الدول الافريقية والآسيوية ، مشيرين الى مجالات التعاون في ما بينها .

تشكل البلدان الافروسيوية حوالى 40 بالمئة من مساحة الكرة الارضية ، ويبلغ عدد سكانها ثلثي الجنس البشري او أقل من ذلك بقليل . وتتميز هذه البلدان بتخلف اقتصاداتها واضطراباتها وهبوط مستوى معيشة شعوبها وانتشار البطالة فيها وتضاؤل تقافتها ، على الرغم من امتلاك اكثرها خيرات معدنية وزراعية وافرة . ويعود كل هذا التخلف الى وضعها السابق تحت الاستعمارالذي طال وجوده في الكثير منها . ويعود ايضاً بعض هذا التخلف الى عدم تنبه هذه البلدان ، الا مؤخراً ، الى أهمية العلم الحديث والتكنولوجيا العصرية . من هنا نرى كيف ان الدول الافروسيوية تمر الآن بمرحلة دقيقة في تطورها نحو التقدم والعمران . ولا سبيل لها الا باستثمار ثرواتها الطبيعية وزيادة الانتاج بنسب كبيرة من خلال وضع مخططات للتنمية مدروسة على اساس علمي سليم وطموح .

وضعت معظم دول آسيا وأفريقيا خططها للتنمية او هي في طريقها الى ذلك . الا انها لا تستطيع الشروع بتحقيق هذه المخططات ما دامت تفتقر الى عصبي الانماء الاقتصادي وهما : رأس المال والمهارات الفنية . فمن ناحية رأس المال لا بد لها من بعض الاعتماد على مساعدة الدول الغنية والاكثر نمواً عن طريق العون المالي والاستثماري في المشاريع الوطنية الانمائية ، قبل ان يصبح اقتصادها قادراً على النمو التلقائي . كثيراً ما تجد الدول الافروسيوية بعض الصعوبات في الحصول على مثل هذا العون من دون ان تقيد نفسها بمصالح الدول المانحة او الدائنة . غير ان بعض الدول الافروسيوية لديه مصادر اخرى للتمويل ، خاصة تلك التي تنتج عدداً لا بأس به من المنتجات الزراعية التي لديها مواد اولية تحتاج اليها الصناعات المتقدمة . انما يبقى نصيبها  في كل حال ، من مجموع التجارة الدولية دون الخمس ، وهي نسبة ضئيلة جداً اذا ما أخذنا بالاعتبار مساحة المنطقة الافروسيوية وعدد سكانها . كما ان المواد الاولية التي تنتجها  والتي تشكل نسبة كبيرة من مجموع صادراتها ، تتعرض بطبيعتها الى تقلبات شديدة في الاسعار ، مسببة بذلك الكثير من التقلبات في الايرادات والكثير من الصعوبات الاضافية في موازين مدفوعاتها .

اما المهارات الفنية فهي ضئيلة وتحتاج الى تطوير وانماء . والصناعة الحديثة تتطلب ، بالاضافة الى المهارات الفنية والخبرة العلمية ، القيام بابحاث متواصلة تتطلب أموالاً كثيرة ، قد لا  تكون الدول الافروسيوية قادرة على تأمينها ، باعتبار ان لديها مشاكل داخلية اكثر الحاحاً تحتاج الى حلول سريعة والى أموال طائلة .

نستطيع ان نستخلص مما تقدم أمرين اثنين : اولاً ، ان هناك ما يسمى ” ثغرة تكنولوجية ” او ما يعبر عنه بالانكليزية technological gap بين الدول النامية اقتصادياً والدول الاقل نمواً . ثانياً ان دول آسيا وافريقيا لا تكمل بعضها بعضاً اقتصادياً ، ويجب عليها ان تعتمد على الدول المتقدمة في سد حاجاتها الاقتصادية . أين ، والحال هذه ، يكمن مجال التعاون الاقتصادي الافروسيوي ؟ .

يمكن تحقيق هذا التعاون الاقتصادي عن طريق التجارة . العون المالي والفني لا بد منهما لاستثمار الموارد الطبيعية استثماراً كاملاً ً. إلا ان الجهود في هذا السبيل تتعرقل ما لم توجد الاسواق المطلوبة لاستيعاب المنتجات باسعار ثابتة نوعاً ما . وان انتعاش التجارة بين البلدان الافريقية والاسيوية وبينها وبين البلدان الاخرى ضروري لتحقيق امكانيات الانماء الاقتصادي . وهذا التعاون التجاري من شأنه ان يعوض عن الثغرة التكنولوجية وان يخلق ، بالتالي ، نوعاً من من التوازن في الاقتصاد العالمي ، وان يعطي الدول المستقلة حديثاً فرصة ممتازة لدعم استقلالها الاقتصادي ولتطورها السريع . فليس بمستغرب ، اذن ، ان نرى الول الافروسيوية تنادي بضرورة تنمية التبادل التجاري في ما بينها من اجل الوقوف بوجه التكتلات الاقتصادية في الخارج ، لا سيما السوق الاوروبية المشتركة . فقيام هذه السوق الاوروبية المشتركة قد شجع العديد من الدول على التكتل واتباع سياسة المعاملة التفضيلية في ما بينها . من هنا نرى اليوم وجود تكتلات عديدة بينها منطقة التجارة الحرة في اوروبا ومنطقة التجارة الحرة في اميركا اللاتينية والسوق المشتركة في اميركا الوسطى ، كما ان هنالك اتفاقيات تجارية عديدة بين دول اخرى لاقامة ما يمكن ان نسميه هيئات اقتصادية مقصورة على دول اعضاء متمتعة بمعاملة تفضيلية في تبادلها التجاري ، نذكر منها الدول العربية ودول جنوبي شرقي آسيا وبعض الدول الافريقية ، وأخيراً مجموعة الدول الافروسيوية . فما هي الاسباب التي دعت الى مثل هذه التكتلات ؟ .

من المعروف ان السوق الاوروبية المشتركة تشكل عائقاً كبيراً في سبيل نمو التجارة الدولية ، ذلك ان اتفاقية روما ، التي بموجبها أنشئت السوق الاوروبية المشتركة ، تدعو الى جعل التبادل التجاري على أساس إقليمي ، وتنفر من التبادل المتعدد الاطراف . وترتكز هذه السوق على الأسس التالية :

1 – الغاء التعريفات الجمركية ونظام الحصص بين الدول الاعضاء .

2 – توحيد التعريفات الجمركية للدول الاعضاء تدريجياً بالنسبة للواردات من العالم الخارجي .

3 – إعطاء مستعمرات البلدان الاعضاء الحاضرة او السابقة المعاملة التفضيلية نفسها من حيث الاستثمار والتجارة .

وتمثل اتفاقية روما ، بحكم تفاصيلها ، تحدياً لاقتصاديات الدول الافروسيوية التي لا تنضم الى السوق الاوروبية المشتركة ، والتي تشكل الأغلبية الساحقة ، لأن هذه الدول تنتج وتصدر مواد اولية وغذائية يمكن لدول السوق الاوروبية ان تستوردها من الدول التابعة لها في افريقيا وآسيا معفاة من التعرفات الجمركية . وتضطر ، في هذه الحالة ، الدول الافروسيوية الى تخفيض صادراتها او الى بيعها بأسعار منخفضة كي تتمكن من تصريفها ازاء مزاحمة السلع المماثلة المعفاة من التعريفات الجمركية . وزيادة على ذلك ، فان إنشاء بنك اوروبي للاستثمار وصندوق اوروبي للانماء الاجتماعي وصندوق آخر لانماء الدول التابعة للدول الاعضاء ، يهدف الى خلق ” اوروبا جديدة ” مترامية الاطراف ، مما يوسع الشقة بين بلدان السوق الاوروبية من جهة ، وباقي البلدان من جهة ثانية . كما ان حصر منافع صندوق الانماء في عدد قليل نسبياً من الدول الافريقية لا يمكن الا ان يعتبر تمييزاً اضحاً ضد الدول الافريقية والاسيوية الاخرى .

ليس هناك ما يشير الى ان مواجهة اخطار التكتلات الاقتصادية سيكون امراً سهلاً على الدول الافروسيوية . فثروات هذه الدول ودرجات نموها متفاوتة ، حتى ان البعض يعتقد ان قيام سوق افروسيوية مشتركة يكاد يكون ضرباً من الخيال . ثم ان قيام تكتلات اقتصادية منفصلة في افريقيا وآسيا يقود الى استبعاد انشاء سوق مشتركة واحدة في المستقبل ، إلا اذا جمعت هذه التكتلات في اتحاد واحد كبير يكون بمثابة مركز لتسهيل المعلومات التجارية والاقتصادية . وبذلك يمكن ان يفسح في المجال امام العوامل الاقتصادية ان تأخذ مجراها وتلعب دورها .

المهم ان المؤتمر الثالث للهيئة الافروسيوية للتعاون الاقتصادي قد تفهم هذه الامور بروح ملؤها التعاون والاخلاص والثقة . وقد اقترح المؤتمر ان يقوم السكرتير العام للمؤتمر بدرس اقتراح سياسات خاصة وتدابير من شأنها ان تزيد من تبادل بعض السلع في المنطقة من خلال التركيب الاقتصادي الحالي . وكلف ايضاً السكرتير العام بتقديم اقتراح تدابير من شأنها زيادة التبادل التجاري بواسطة تنظيم اقليمي للمعاملة التفضيلية في ما يتعلق بالتعريفات الجمركية مما يؤدي الى قيام ما يشبه السوق المشتركة لبعض السلع المتبادلة بين البلدان المتجاورة اولاً ، وبين جميع بلدان المنطقة ، في المستقبل القريب . ومن هنا نستطيع القول بان الدول الافروسيوية قد اعترفت بضرورة تنمية مواردها على أساس جماعي او اقليمي لأن هذا العمل ، اذا ما تحقق ، سيكون له اثره الفاعل والمجدي .