التخطيط الاقتصادي المناسب للبلاد العربية

التخطيط الاقتصادي المناسب للبلاد العربية

د. فكتور شرايحة

نشر المقال في ايلول / سبتمبر 1962 ، العدد الثالث والعشرون ، الرائد العربي

واقعنا وتطور الفكر الاقتصادي

منذ ان بدأ الانسان يدخر من نتائج عمله ، بدأت معه المشكلة الاقتصادية واخذت تتطور بتطور نمو الادخار والاستثمار وتوزيع المنافع بين الناس . وارتبط بهذين العاملين علم الاقتصاد وتطور المجتمعات الانسانية . ومن هذا المنطلق ، وسعياً وراء تفسير الحقائق الكونية والاجتماعية ، اشترك علم الفلسفة وعلم الاجتماع في وضع الحلول النظرية المناسبة لسلوك الانسان في علاقاته الاجتماعية .

تناول الساسة هذه الفلسفات الاجتماعية ، محاولين تطبيقها لخدمة الانسان ورفاهه ، وأصبحت تسود المجتمع الانساني اليوم انظمة اقتصادية واجتماعية متعددة ، مختلفة في جوهرها وعلاقاتها الاجتماعية ، نتيجة للتطورات السياسية والاقتصادية التي مر بها العالم بأسره . وبما ان التطور الاقتصادي العالمي لم يكن متوازياً في كل بقاع الارض ، بقيت بلدان عديدة في مراحل متخلفة ، وبرز من ناحية اخرى النظام الرأسمالي في دول غربي اوروبا والولايات المتحدة الاميركية . وفي مطلع القرن العشرين احتل النظام الاشتراكي الذي يدين بالمذهبية الشيوعية مركز الصدارة في روسيا السوفياتية والصين الشعبية ودول شرقي اوروبا .

ولما كان لزاماً علينا نحن العرب ان نشق طريق التقدم الاقتصادي ونسير نحو النمو والازدهار ، أصبح من الضروري ان نختار السبيل المناسب لتطوير فاعلياتنا الاقتصادية ، معتمدين في ذلك على دراسة مراحل التطور الاقتصادي التي يجتازها كل بلد عربي . ونرى ان نشير هنا الى انه بالرغم من وجود الاختلافات في وجهات النظر ، نرى انه يمكن الاستفادة من كافة النظم الاقتصادية باختيار ما يلائم منها في مراحل تطورنا الاقتصادي والاجتماعي . وأرى ان أقر هنا بانني من الذين يؤمنون بمراحل التطور الاقتصادي وبالفلسفة التي تؤمن بوجود هذه التطورات . كما انني اعتقد ان اكثر ما كتب في علم الفلسفة الاجتماعية ادى خدمة تقدمية في مختلف العصور والازمنة . وتدل دراسة تاريخ التطور الاقتصادي على ان نظام الرق خير من نظام العبودية ، ونظام الاقطاع ارقى من نظام الرق ، والنظام الرأسمالي خير ما توصل اليه الانسان في منتصف القرن التاسع عشر . وفي هذه الحقبة من الزمن خطا النظام الرأسمالي خطوة جبارة في تطوير المجتمعات وتقدمها . وقد اتصف هذا النظام في هذه الفترة من الزمن بنظام الحرية الاقتصادية وحرية المزاحمة وحرية الفكر . الا ان هذا النظام اخذ يبتعد عن جذور فلسفته الاساسية ويستبدل الحرية الاقتصادية بالتقييد الاقتصادي ونظام المزاحمة بنظام الاحتكارات المتزاحمة .

يجدر بنا ان نذكر هنا ان النظام المبدع لم يحرز تقدماً في العالم بأسره ، بل بقي محصوراً في مناطق قليلة من العالم ، واستغل في سبيل تقدمه مجمل الدول الاسيوية والافريقية وبلدان شرقي اوروبا ودول البلقان ودول اميركا اللاتينية التي لا تزال في عداد البلدان المتخلفة . ويشهد على ذلك ما كتبه المعلم الكلاسيكي ريكاردو حول وجوب استيراد المواد الغذائية من بلدان الشرق ومن استراليا باسعار رخيصة كي تنخفض تكاليف المعيشة في الغرب ، وبالتالي اجور الطبقة العاملة الغربية . وهذا بدوره يؤدي الى انخفاض تكاليف الانتاج . واشار الى وجوب بيع المواد المصنوعة في البلدان الغربية الى دول الشرق باسعار مرتفعة ، كي تسطيع الدول الصناعية امتصاص الفائض الانتاجي من الدول المتخلفة اقتصادياً . وبعد مضي مئة وخمسين سنة تقريباً على وجود التركيب الاجتماعي غير المتوازي وغير المتكافيء ، انطلق الشعور القومي معلناً ضرورة اختيار السبيل المناسب الذي يمكن بواسطته نحن العرب ان نشق الطريق امامنا لايجاد الطرق التي تتفق ومراحل تطورنا لندع عجلة التقدم تسير بنا الى مراتب التصنيع العليا .

يستحسن بنا ان نستعرض الآن تطور النظرية الاقتصادية منذ عهد آدم سمث حتى يومنا هذا ، محاولين نبذ ما هو غير منطبق على مراحل تطورنا وآخذين من النبع ما يشفي غليلنا .

كان آدم سمث ( 1723 – 1790 ) اول من وضع خطوط النظرية العامة لطبيعة التقدم الاقتصادي والاسباب الخاصة التي من شأنها ان تطور النظام الرأسمالي . إلا ان آدم سمث لم يستطع ان يميز بين ما يمكن ان يكون نافعاً في كل زمان ومكان وبين الميزات الحسنة للنظام الرأسمالي . وبهذا الاتجاه ، علم معلمنا سمث ” الحرية الاقتصادية ” بانها حرية المزاحمة وحرية التجارة . واصبح بالتالي مدير الاعمال واليد الخفية هما المنظمان للقطاع العام والخاص . وتمشياً مع مبدأ آدم سمث أصبحت نظرية مدير الاعمال تحتل مركز الصدارة في نظرية شمبيتر للتقدم الاقتصادي . ومع ذلك ، وبالرغم من عدم جدوى نظرية الحرية الاقتصادية في البلدان المتخلفة ونبذ الدولة كعامل مساعد في تطوير اقتصاد البلدان المتخلة والتي نحن العرب في عدادها ، أرى انه من الخطأ ان نهمل ما كتبه آدم سمث في ” ثروات الامم ” Wealth of Nations  ونعتبره غير مجد او نافع للظروف التي تجتازها الدول العربية المتخلفة ، وذلك لان تلك الموسوعة تؤكد ، مع جملة المباديء الاقتصادية الاخرى ، ان ازدياد ثروات الامم يعتمد على :

1 – انتاجية العامل المقرونة بتقدم التقنية وتوزيع العمل .

2 – تكوين راس المال يعتمد على التقتير parsimony .

وعلى هذين المبدأين بنيت النظرية الاقتصادية الحديثة الهادفة الى تقدم البلدان المتخلفة اقتصادياً . واخذ البرفسير نورسكي بهذا المبدأ عندما تطرق لمشكلة تكوين راس المال في البلدان المتخلفة في محاضرته التي القاها في البنك الاهلي المصري سنة 1952 ووضعها مؤخراً في كتابه “مشاكل تكوين رأس المال في البلدان المتخلفة ” الصادر باللغة الانكليزية . ثم هناك الكاتب ج. ب . ساي الذي أيد آراء آدم سمث حول الحرية الاقتصادية واشتهرت نظريته بما صار يسمى  قانون السوق Law of Market الذي بين فيها ان العرض يخلق الطلب . وكان ساي يعتقد ايضاً ان سعر الفائدة هو القوة المنظمة بين الادخار والاستثمار . لذلك اتفق مع سمث على عدم تدخل الحكومات في المرافق الاقتصادية ، كما اعتقد ان الاستثمار يرفع من كمية الصرف على المنتجات ويزيد انواعها وكمياتها . وعليه ، يقبل الناس على الاستهلاك . فعملية انتاج البضائع تخلق قوة شرائية كافية لشراء الكميات المنتجة . لذلك يكون الطلب ، في رأيه ، على البضائع مساوياً للكمية المعروضة . وبما ان هذا التفسير ينفي تناقض المصروف على الاستهلاك ، فانه في الوقت نفسه ينفي الكساد والتقلص الاقتصادي . وفي ما بين 1766 – 1883 برزت نظرية روبرت مالتوس التي جاءت مؤيدة لنظريات آدم سمث من ناحية اهتمامها بحجم الانتاج والاسباب الاساسية الداعية لتقدم الثروة . لكن مالتوس اختلف  من ناحية اخرى ، مع سمث ، عندما برهن ان تقدم الامكانات التقنية الاقتصادية تسير بخطى غير منتظمة ، وان تكوين الادخار الذي يعتمد عليه التقدم الاقتصادي قد فسح في المجال امام هذا الادخار ان يتقدم ويزداد بسرعة ، مما يؤدي حتماً الى تقلص الطلب الفعال على المواد الاستهلاكية . فالادخاربحد ذاته ، واذا اصبح هدفاً ، لا يفعّل الاقتصاد ، بل يقلصه . وهذا يتنافى كلياً مع قانون ساي للسوق . وهذه النظرية الثاقبة التي اوضحها مالتوس في كتابه ” مباديء الاقتصاد السياسي ” أصبحت من اشهر المباديء الاقتصادية في عصرنا الحاضر بجهود اللورد كينز Keynes الذي جاء ليعلن بعد مئة وخمسين سنة نهاية مبدأ الحرية الاقتصادية Laissez Faire على اثر الازمة الاقتصادية الخانقة التي هزت سنة  1929 جذور النظام الرأسمالي .

ألف كينز كتابه الشهير ” النظرية العامة في العمالة والفائدة والنقد ” سنة 1936 وانتقد فيه نظرية ساي وحطمها . وقال ان تناقص الانتاج لا يمكن ان يوازي تقلص القوة الشرائية في المدى القصير . كما فسر كينز اسباب البطالة وآثارها وتضاؤل الانتاج على ضوء عدم كفاية الاستثمار والصرف ، نتيجة لنقص الكفاءة الجدية لرأس المال . لذلك اقترح كينز رفع الصرف العام كأحد الحلول لمعالجة الركود . ويتحتم ، في هذه الحالة ، على الدولة ان تقترض او ان تزيد كمية اصدار النقد لتزيد من صرفها العام ، وان تغير نسبة الضرائب لتعوض النقص في الصرف الخاص . وحدد ، بهذا الخصوص ، واجبات الدولة كما يلي : ” ان أهم ما يجب ان تمارسه الدولة ليس الفاعليات التي يقوم الافراد بادارتها عادة ، بل الاعمال التي تقع خارج حدود الفرد وطاقته. وعليها ان تتخذ القرارات التي لن يتخذها احد اذا لم تتخذها الدولة ” . وكان كينز يهدف من وراء ذلك زيادة الطلب الفعال كي يتم التوازن الاقتصادي . ومن هذا المنطلق تفانت الكلاسيكية الحديثة في عبقريتها لايجاد نقطة التوازن في النظام الرأسمالي لتجنب الازمات الاقتصادية وتفادي الحروب بالتالي . الا ان هذا التفاني ادى الى نتيجة عكسية ، إذ ان نظرية كينز في الانفاق العام استغلتها المانيا النازية ، والى حد ما الدول الغربية الاخرى الداخلة في الصراع لتمويل الحرب العالمية الثانية . ونحن نرى ان نبين هنا النظريات الفرضية التي بنيت عليها نظرية الانفاق العام ومدى امكانية تطبيقها في البلدان المتخلفة اقتصادياً .

يعتمد نجاح ” النظرية العامة ” على الفرضيات التالية :

1 – وجود سعة فائضة في القوى الانتاجية .

2 – وجود طبقة عاملة فنية تتقاضى اجوراً نقدية .

3 – وجود سوق مالية منظمة .

لذلك اذا قارنا هذه الفرضيات التي بني عليها  كينز” النظرية العامة ” نجد انها ليست ” نظرية عامة ” ، بل انها ” نظرية خاصة ” ، وخاصة فقط بالبلدان المتقدمة اقتصادياً ، وذلك لانعدام وجود الفرضيات الثلاثة الانفة الذكر في اي بلد من البلدان المتخلفة ، والتي في عدادها الدول العربية . وبالرغم من ذلك ، يمكن لهذه البلدان المتخلفة ان تستفيد من ” النظرية العامة ” ضمن حدود النظام المالي السائد والقدرة الانتاجية التي توصل اليها مجتمعنا العربي في سبيل القضاء على البطالة المفنعة في الريف واقامة البنى الاساسية كانشاء الطرق والمرافق العامة الاخرى ، كبناء السدود والاقنية ، كي يعبرهذا المجتمع من وضعه المتخلف اقتصادياً الى بناء القاعدة الاقتصادية الصلبة فتتطور ثرواتنا ومواردنا الفعالة والكامنة .

هل يتجاوب الواقع العربي مع الاشتراكية الماركسية ؟ .

بعد هذا العرض الموجز عن تطور الفكر الاقتصادي ، لا بد وان نتساءل عن موقع النظرية الماركسية الاشتراكية بين هذه النظريات ، تاركين خلفها مذهبيتها . ومما لا شك فيه ان النظرية الماركسية الاشتراكية قد زودت نظرية التقدم الاقتصادي في ثلاث نواح  : 1 – التفسير العلمي للتاريخ ؛ 2 – الربح كحافز رئيس للتقدم الرأسمالي ؛ 3 – وبالتالي الاقتراح الذي تقدم به كارل ماركس لايجاد خطة منظمة للتقدم الاقتصادي . وعلى هذه الاعمدة الثلاثة يرتكز تحليل ماركس للنظام الرأسمالي على تشاؤم مالتوس ، فأخذ الكثير من ركاردو في تفسيره لمبدأ القيمة والقيمة الفائضة .

قسم ماركس العملية الانتاجية الى قسمين متوازيين متفاعلين مع القوى المنتجة :

1 – قسم الالآت التي تصنع الالآت .

2 – قسم الالآت التي تصنع المواد الاستهلاكية .

يعتقد ماركس ، كسلفه مالتوس ، بان قلة الطلب على المواد الاستهلاكية التي ينتجها القسم الثاني من الدورة الانتاجية يؤدي الى قلة الطلب على الالآت المنتجة في القسم الاول ، وهذا بدوره يؤدي الى تقلص الانتاج الذي يكون نتيجة ما دعاه ماركس بجيش العمالة العاطلة . ومن هنا يستنتج ماركس ان الازمة في النظام الرأسمالي تحدث نتيجة لقلة الاستهلاك وزيادة في الاستثمار. وفي الحقيقة ان مقولة قلة الاستهلاك او مقولة زيادة الانتاج متشابهتان في جوهرهما ، إذ ان زيادة الاستثمار بشكل لا يتفق والقوة الشرائية ، ما هو الا عجز في الاستهلاك. وما العجز في الاستهلاك الا نتيجة لزيادة الاستثمار . والحقيقة ان المقولتين متشابهتان في الاصل .

يعزو ماركس هذا التنافر بين قسمي الانتاج والقوى المنتجة في الدورة الانتاجية لعدم التوافق المصلحي بين من يملكون ادوات الانتاج في الدورة الانتاجية والقوى المنتجة التي هي الطبقة العاملة . فمالكو القوى الانتاجية يميلون الى تخفيض الاجور ليستطيعوا الحصول على ربح وافر وهذا ما قد تقاومه طبقة عاملة منظمة . واذا استطاعت الطبقة المالكة تخفيض الاجور ، هي ايضاً تقع في تناقض لأن ذلك يؤدي الى هبوط القدرة الشرائية . وهذا النقص في القدرة الشرائية يفقد التوازن بين قسمي الانتاج ، فتحل الازمة الاقتصادية . ومن ناحية اخرى يرى ماركس ان مالكي ادوات الانتاج لا يستطيعون اعطاء اجور عالية لأن ذلك يخفض من مجموع الربح الذي يعتمد عليه تطور النظام الرأسمالي . ونتيجة لهذه التناقضات يرى ماركس ان الحل يكمن في تمليك الدولة للقوى الانتاجية كي تستطيع هذه الدولة حل التناقضات بما يدعى ” بقانون التوافق الضروري ” . وهذا يعني ان يتعادل العرض مع الطلب بين قسمي الانتاج فتحصل الطبقة العاملة على اجور ، أي قوة شرائية ، تتكافأ والمنتج من السلع الاستهلاكية واقتطاع ” فائض تخطيطي اجتماعي ” لزيادة قوة القوى الانتاجية . وهذا الفائض التخطيطي يشبه ” الربح الرأسمالي ”  ، من وجهة نظرية التقدم الاقتصادي .

مكان الواقع العربي من النظم الاقتصادية

بعد ان بينا الخطوط العريضة للنظرية العلمية نرى ان نبين ايضاً موقعها بالنسبة للبلدان العربية المتخلفة والبلدان الاخرى ذات التخلف الاقتصادي . إن مجمل البلدان المتخلفة لا تملك حتى الآن القسم الاول من العملية الانتاجية ، أي الالآت التي تصنع الالآت . والكثير من هذه الدول لما يتمم بعد بناء القسم الثاني من العملية الانتاجية . وبناء هذا القسم ، اي القسم الثاني من الدورة الانتاجية  يعتمد على استيراد الالآت والمصانع من البلدان التي بلغت مرحلة التصنيع العليا . لذلك ، كلما تقدمت البلدان المتخلفة ، كلما دفعت بدورها عجلة التقدم في البلدان الصناعية المتقدمة . ومن هنا نرى ان على الدول المتخلفة الطامحة بالنمو ، ومن ضمنها الدول العربية ، ان تتعاون مع الدول المتقدمة على اساس المنافع المتبادلة ، وليس على أساس السيطرة والخنوع . ونرى ان نشير هنا الى ان بعض البلدان المتقدمة تخاف عواقب تقدم البلدان المتخلفة . هي تسعى دوماً لابقاء المراحل الاقتصادية متفاوتة بشكل لا يمكن للبلدان المتخلفة ان تزاحمها في ميدان التجارة العالمية. وهذه السياسة الاقتصادية الرأسمالية لم تستطع الاستمرار خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها . ويشهد على ذلك قيام الصناعات الغذائية وصناعة النسيج في الهند ومصر وفي بعض الدول الافريقية . وكان السبب الرئيس لقيام هذه الصناعات خلال الحرب العالمية الثانية وجود جيوش الحلفاء في هذه المنطقة التي كانت تحتاج آنذاك الى الغذاء والكساء . وبعد الحرب العالمية الثانية اشتد الشعور القومي في البلدان الاسيوية والافريقية ودول اميركا اللاتينية، وأخذت هذا البلدان تنهج سياسة جديدة في نمو اقتصادها وحماية صناعاتها ومنتجاتها من عمالقة الصناعة المتقدمين .

نستنتج مما تقدم ان مرحلتنا الاقتصادية تختلف جذرياً عن الاسس النظرية التي وضعت لنظام اقتصادي متطور. وما دمنا نؤمن بالتطور ، فلا بد ان نحدد بشكل تقريبي المرحلة الاقتصادية التي يجتازها العالم العربي ونبني على اساسها خطوط نمونا الاقتصادي . وأقول هنا ان علينا ان نحدد المراحل الاقتصادية بشكل التقريب لأنه لا يمكن فصل المراحل الاقثصادية بين البلدان العربي بحد السيف ، وهذا يقطع الطريق على الذين يعتقدون بان التفاوت الاقتصادي بين البلدان العربية يقف دون وحدتها . وارى ان ابين هنا ان التوقف  عن الدعوة لوحدة العالم العربي اليوم بحجة التفاوت الراهن في مراحل النمو الاقتصادي كلام مردود . ولكن اذا استمر هذا التفاوت وتباينت المناهج والسياسات الاقتصادية التي تضعها الدول العربية اليوم ، فان ذلك سيؤدي حتماً الى زيادة حدة التناقض السياسي والاجتماعي والاقتصادي بين اجزاء الوطن العربي ، الأمر الذي يجعل وحدة الدول العربية عملاً صعباً بالنسبة للاجيال الصاعدة .

ما دامت مرحلتنا الاقتصادية في البلدان العربية غير وافية النمو ، فان تخطيطا سيختلف جذرياً عن الاسس النظرية التي وضعت لنظام اقتصادي متطور . وقد بينا ذلك بالنسبة لنظرية دكتور كينز ” النظرية العامة للعمالة والنقد والفائدة ” آخذين منها ما يمكن ان يتفق ومراحل تطورنا ، وسنحاول ان نبين هنا ايضاً ان ” النظرية العلمية ” لا تنطبق كلياً على البلدان المتخلفة ، والتي في عدادها الدول العربية ، وذلك بسبب عدم وجود البنيان الاقتصادي المتكامل . وقى رأينا فيما تقدم ان النظرية الماركسية ترى ان تنقل العلاقة الاجتماعية الرأسمالية القائمة بين القوى المنتجة من جهة وملاكي قوى الانتاج من جهة اخرى ، الى علاقة بين القوى المنتجة والدولة التي ستكون مالكة لقوى الانتاج ، وذلك لحل التناقض القائم في هذه العلاقة . ونحن في البلدان العربية  كما سبق ان بينا ، لا نملك هذه العلاقة ، او هي في ادنى مراحل تطورها . لذلك فان امكانية تطبيقها في هذه البلدان غير مستمدة من واقعنا العربي .

قد يتسآل آخرون كيف ان الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية اللذين يدينان بالشيوعية  استطاعتا تبني النظام الاشتراكي وهما لم يصلا بعد الى مراحل التطور العليا . ويأتي الجواب على ذلك ، انه بالرغم من ان هاتين الدولتين الكبيرتين قد تبنتا النظرية العلمية ، الا انهما لم يستطيعا تخطي القوانين التاريخية والاقتصادية التي تتحكم بالعلاقات الاجتماعية القائمة في كل مرحلة من مراحل تطورهما . فالدراسة التاريخية لتاريخ التطور الاقتصادي في روسيا السوفياتية لغاية سنة 1917 ، وفي الصين الشعبية لغاية سنة 1947 تدل على ان العلاقة الانتاجية الاجتماعية في كل من البلدين اثناء قيام الثورة ، لم تكن علاقة رأسمالية . لقد كان تطور العلاقة الرأسمالية في ادنى مراحله ، لذلك لم تكن الثورة في كل من البلدين موجهة الى العلاقة الرأسمالية الاجتماعية غير المتكاملة النمو ، او الى الفئة القليلة من الناس الذين اسهموا الى حد ما في تطوير الصناعة الوطنية الحديثة النمو . لقد كانت الثورة في كل من هاتين الدولتين موجهة ضد الطبقة الاقطاعية التي كانت تملك الاراضي الزراعية الواسعة ، والتي لم يعد بامكانها ان تستغل قوى الطبيعة الجبارة بشكل يضمن الرفاه والعيش الرغيد للملايين من الناس . كما ان الامكانيات الفنية في كلا الدولتين لم تكن متطورة الى حد يمكّنها من الحصول على فائض انتاجي تعتمد عليه في سبيل تقدمها . كما ان التقنية لم تكن متطورة في كلا الدولتين . تبعاً لذلك ، وبالرغم من وجود نظام وجهازحكومي يؤمن بالنظرية الماركسية ، لم تستطع اي من الدولتين تخطي القوانين التاريخية الاقتصادية التي تتحكم بمرحلة التطور التي كانت تجتازها آنذاك . وعندما حاولت روسيا السوفياتية تخطي هذه القوانين ، جاء رد الفعل عكسياً على مجمل الشعب السوفياتي ، فعم البلاد انهيار التنظيم المالي ، ومات العدد العديد من المواشي وتأخرت الزراعة والصناعة والتجارة وخرج النظام الاقتصادي عن دائرته . وعليه ، تعلمت الدول الاشتراكية الاخرى التي ظهرت نتيجة للحرب العالمية الثانية ، أصول تطوير اقتصادياتها، مكتسبة من خطأ وصواب التجربة السوفياتية بشكل يتفق ومراحل تطويرها .

تعتمد النظرة العلمية الاشتراكية على قانون التوافق الضروري بين القوى المنتجة وادوات الانتاج في نظام متكامل النمو ، كما سبق ان بينا ، بينما نحن اليوم في البلدان العربية نختلف اختلافاً جذرياً ، في مراحل تطورنا، عما كان عليه الاتحاد السوفياتي سنة 1917 والصين الشعبية في عام 1947 . كما ان الظروف السياسية والاجتماعية التي تجتازها البلدان العربية اليوم تختلف جذرياً عن الحقبة الواقعة ما بين سنة 1917 وسنة 1947 ، بسبب تغير الظروف المحلية والعالمية . فعلى الصعيد العالمي ، ينقسم العالم الى معسكرين رئيسين متطاحنين ، كل يسعى لسيادة نظامه على وجه الكرة الارضية . ونتيجة لهذا الصراع القائم تحرر العدد العديد من الدول المستعمرة سابقاً وبدأت تأخذ بسياسة حيادية مبنسية على منفعتها الخاصة . وعلى الصعيد المحلي قامت في الوطن العربي  انقلابات عسكرية تسندها الطبقات الوسطى . وكان من نتائجها تحطيم العلاقة الاقتصادية الاقطاعية ، ورافق تحطيم هذه العلاقة تبلور الوعي القومي واستقلال اجزاء كبرى من الوطن كانت ترزح تحت نير الاجنبي ونفوذ الدول الغربية . الا ان هذه التغيرات المفاجئة لم تستطع ، حتى الآن ، ان تبني علاقة اجتماعية جديدة على اسس مدروسة ومستقاة من مراحل تطورنا الاقتصادي والاجتماعي . فظاهرة التنافر القائم بين الفئات الحاكمة في البلدان العربية التي تختلف في نظرتها لوسيلة الحكم ونوعيته وسن القوانين الاجتماعية والاقتصادية التي قد تنطبق في بلد ولا تنطبق في الآخر ، هذه الظاهرة الجديدة التي برزت في بعض اجزاء الوطن العربي ، أدخلت الرعب في نفوس الطبقة المالكة لرؤوس الاموال ، فأخذت هذه الطبقة تهرّب ما امكن من اموالها الى الخارج . ومن ناحية اخرى انعدمت الشقة بين طبقة العمال والفلاحين من جهة ، وبين الذين يمتلكون رؤوس الاموال . فاصبح التناقض في البلدان العربية مركباً على فوضى اجتماعية وتقطعت اواصر كافة علاقاتها الاجتماعية والاقتصادية .

من هنا نرى ان قانون التوافق الضروري لتنمية اقتصاديات الوطن العربي يختلف جذرياً عنه في البلدان الاشتراكية ، وفي البلدان الرأسمالية ايضاً . وعليه ، فان قانون التوافق الضروري الذي نحن بامس الحاجة اليه في الوطن العربي يعتمد على انسجام هذه القوى المتنافرة في وحدة عربية هدفها ارجاع الثقة بين القوى الخيرة التي تسعى الى بناء مجتمعنا ، متعاونة مع الدول المتقدمة اقتصادياً لرفع مستوى قواتنا الانتاجية ، متفاهمة مع القوى المنتجة . ان هذه المرحلة من مراحل بناء الوطن العربي ، تحتاج الى الكثير من التضحيات في المنافع المادية التي يعود نفعها على مختلف الفئات المرتبطة بقانون التوافق الضروري الذي تحتمه علينا مراحل تطورنا التاريخي . وعليه ، فان استكمال الانسجام بين الفئات المتنافرة ، والتي لا تزال تربط بينها بعض المصالح الاقتصادية والاجتماعية بالرغم من الاختلافات القائمة ، يجب ان تتفق في مرحلة معينة لتحقيق هدف محدد ، هي الاساس الذي يمكن ان نبني عليه تخطيطنا الاقتصادي والاجتماعي . وبدون هذا الاتفاق يصعب على الوطن العربي ان يجتاز مراحل تطوره واستكمالها بسرعة .