البنكنوت المصري

البنكنوت المصري

ما هي العوامل التي أدت الى سحبه من الأسواق الخارجية ؟

يحي المصري

نشر المقال في نيسان / ابريل 1962 ، العدد الثامن عشر ، الرائد العربي

هدفت السياسة النقدية في السنوات الاخيرة الى العمل على رفع اسعار البنكنوت المصري في الخارج ، خاصة بعد انخفاض اسعاره الى درجة كبيرة عقب العدوان الثلاثي . ولما كان سعر البنكنوت المصري يتحدد في الخارج على اساس تقابل العرض بالطلب عليه ، فكان من الطبيعي ان تعمل هذه السياسة على الحد من عرض الجنيه المصري في الخارج . ومن المعروف ان عرض البنكنوت ( النقد المصري ) في الاسواق الخارجية يأتي نتيجة خروجه صحبة المغادرين للجمهورية من المقيمين في حدود عشرين جنيهاً مصرياً للفرد الواحد ، وقد كان مسمحاً بذلك حتى أوائل تموز / يوليو من عام 1960 ، ومن السياح الاجانب وغير المقيمين في حدود ما يكون وارداً معهم من البنكنوت المصري ، وقد كان مسموحاً بذلك حتى اواخر شهر آب / اغسطس من العام الفائت . اما الطلب على البنكنوت المصري في الخارج فيمثل مشتريات القادمين الى الجمهورية العربية المتحدة من رعاياها اومن السياح وغير المقيمين الذين يحتاجون اليه للانفاق منه حتى يصل اليهم التحويل النقدي عن طريق المصارف المعتمدة . ويمثل ايضاً مشتريات غير المقيمين من البنكنوت المصري المعروض في الخارج لاستخدامه في سداد بعض انواع من السلع المصدرة . كما انه مسموحاً استيراد اوراق البنكنوت المصري عن طريق المصارف المعتمدة في الجمهورية العربية المتحدة بعد الحصول على موافقة الادارة العامة للنقد بشرط ان يرسل داخل ظرف مسجل باسم البنك المركزي المصري . لذلك كان على مخططي السياسة التي تهدف الى رفع سعر الجنية البنكنوت في الخارج ان يأخذوا في اعتبارهم العوامل التي تؤثر في الطلب على البنكنوت المصري والعوامل التي تؤثر في عرضه ، وذلك في حالة اتخاذ اي قرار بهذا الشأن .

منذ صدور قانون الرقابة على النقد في مصر عام 1947 والى ما قبل العدوان الثلاثي عام 1956، كانت التعليمات السائدة تبيح للمسافرين الى خارج مصر والقادمين اليها اخراج او ادخال اوراق البنكنوت المصري في صحبتهم ، بما لا يتجاوز عشرين جنيهاً مصرياً . وكان المسموح للمصارف في الخارج ارسال البنكنوت المصري المشترى من المغادرين للاراضي المصرية للاستبدال قيمته بالعملات الاجنبية . وعلى أثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 جرى تهريب كميات كبيرة من البنكنوت المصري الى الخارج ، فترتب على ذلك زيادة المعروض من اوراق البنكنوت المصري في الخارج زيادة كبيرة مما أدى الى هبوط سعر الجنيه المصري في الاسواق الخارجية .

كان من الضروري مواجهة هذا الهبوط الكبير في اسعار البنكنوت المصري . لذلك صدر في اول آب / اغسطس من عام 1958 قرار وزاري يسمح للقادمين الى مصر من السياح الاجانب وغير المقيمين ان يحمل كل منهم نقداً مصرياً بالغاً قيمته ما بلغت . غير انه لم يسمح لرعايا الجمهورية العربية المتحدة بذلك ، إذ ظل مسموحاً لكل منهم ان يحمل عند قدومه الى ارض الوطن مبلغاً لا يتجاوز عشرين جنيها مصرياً من اوراق النقد المصري . وقد اجاز القرار للمسافرين المقيمين في مصر ان يحمل كل منهم عند مغادرته مبلغاً لا تزيد قيمته في مجموعه على عشرين جنيهاً مصرياً من اوراق النقد المصري والاجنبي وشيكات السياحة . اما بالنسبة للمسافرين من السائحين الاجانب وغير المقيمين فقد اجاز القرار ان يحمل كل منهم عند مغادرته لاراضي الجمهورية كل او بعض اوراق النقد الذي كان في حوزته عند دخوله ، والذي يكون قد بينها في الاقرار الذي قدمه للسلطات الجمركية عند قدومه . واجاز هذا القرار ايضاً سداد كل او بعض قيمة الصادرات المصرية باوراق البنكنوت المصري ، طبقاً للنعليمات الصادرة من الادارة العامة للنقد ، على ان يتم استيراد النقد المصري عن طريق المصارف المرخص لها . وقد كان مسموحاً بذلك بالنسبة لبعض انواع من السلع كالكتب والمجلات المصرية . وفي اوائل تموز / يوليو 1960 صدر قرار آخر بشأن البنكنوت المصري يقضي بالسماح بادخال كمية من اوراق النقد المصري صحبة القادمين الى اراضي الجمهورية العربية المتحدة من رعاياها ومن السياح الاجانب وغير المقيمين . وهذا القرار نفسه منع اخراج اي مبالغ من اوراق النقد المصري صحبة المغادرين من رعايا الجمهورية العربية المتحدة . اما بالنسبة لغير المقيمين والسياح الاجانب فقد ظل مسموحاً لكل منهم ان يحمل معه عند مغادرته لارضي الجمهورية كل او بعض النقد المصري الذي كان يحمله او يحوزه عند دخوله البلاد ، والذي يكون قد بينه في الاقرار الذي قدمه للسلطات الجمركية عند قدومه .

كان من المفروض ان تؤدي هذه القرارات الى خفض المعروض من البنكنوت المصري في الاسواق الخارجية مع زيادة الطلب عليه ، بعد ان أصبح مسموحاً بدخول اي كمية منه صحبة القادمين الى الجمهورية من رعاياها ومن السياح وغير المقيمين . كما كان من المنتظر ان تؤدي هذه القرارات الى رفع سعر البنكنوت المصري في الخارج . غير ان شيئاً من ذلك لم يتحقق ، إذ ان هذا السعر ظل في هبوطه القديم ، حتى بعد صدور هذه القرارات بفترة طويلة . لذلك صدر في اواخر شهر آب / اغسطس من العام الماضي قرار وزاري يعدل بعض الاحكام الواردة في القرار الصادر في اوائل تموز / يوليو سنة 1960 . وينص القرار الجديد على ان يظل من حق القادمين الى الجمهورية العربية المتحدة من رعاياها ومن الاجانب ان يحمل كل منهم نقداً اجنبياً ونقداً مصرياً مهما بلغت قيمته ، كما يظل من حق المسافرين من المقيمين في الجمهورية ان يحمل كل منهم لدى مغادرته اراضي البلاد بنكنوتاً اجنبياً واوراق نقد اجنبي او شكات سياحية بما لا يزيد مجموعه عما يعادل عشرين جنيها مصرياً ، ولا يجوز لهم حمل اوراق نقد مصري . اما بالنسبة للسياح الاجانب ولغير المقيمين ، فيجوز ان يحمل كل منهم معه عند المغادرة كل او بعض اوراق النقد الاجنبي او الحوالات او الشيكات المصرفية وخطابات الاعتماد او الشيكات السياحية التي كان يحملها معه عند دخوله والتي بينها في الاقرار الذي قدمه للسلطات الجمركية عند قدومه ، على الا يسمح لهم بحمل اوراق نقد مصري باي كمية عند مغادرتهم البلاد . وهذا هو التعديل الذي أدخله القرار .

لعل هذا القرار قد صدر لمنع استمرار عرض البنكنوت المصري المهرب في الاسواق الداخلية ، ولمقاومة الوسائل التي تؤدي الى ذلك ، ومن أهمها ان غير المقيم او السائح عند دخوله اراضي الجمهورية يثبت ما بصحبته من بنكنوت مصري في الاقرار الذي يقدمه للسلطات الجمركية . وكان يسمح له ، طبقاً للقرار السابق ، بالخروج وفي صحبته مبالغ في حدود المبالغ التي دخل بها  فيلجأ في هذه الحالة الى احد أمرين : اما ان يثبت مبالغ تفوق ما في حوزته عند الدخول ، واما ان يصرح ما احضره معه فعلاً من نقد مصري ويهرب كمية عند خروجه لحساب شخص آخر تعادل ما يكون قد ادخله معه وصرفه . لذلك أدخل التعديل هذا على القرار الوزاري السابق الصادر في اوائل تموز / يولية 1960 . وحوى هذا التعديل ان على السائح ان يدخل البلاد اما بنقد اجنبي فقط او بالنقد الذي سيستخدمه من البنكنوت المصري ، لأنه لن يسمح له عند مغادرته البلاد ان يحمل معه اي بنكنوت مصري اطلاقاً .

كان من الغريب حقاً ان تصدر هذه القرارات التي تمنع خروج البنكنوت المصري وان تبيح في الوقت نفسه ادخاله باي كمية ، ومع ذلك يظل الانخفاض في السعر مستمراً ، بل ويهبط السعر اكثر بعد صدورها . وهذا يؤكد ان هناك عوامل اخرى ، غير العرض والطلب ، تؤدي الى هذه النتيجة . ولعله من اول هذه العوامل ضغط المتعاملين في الاسواق الخارجية ، وجلهم من اليهود، على اسعار البنكنوت المصري . فكلما مال الطلب الى الزيادة بسبب كثرة الراغبين في الشراء ، أوقفوا التعامل فترة حتى ينصرف طالبوا البنكنوت المصري الى وسيلة اخرى يسددون بها التزاماتهم ، ومن ثم يعرضون ما لديهم باسعار منخفضة ، مضحين بمكاسبهم في سبيل الاساءة الى سمعة الاقتصاد المصري . كما ان من هذه العوامل ايضاً استمرار عرض البنكنوت المصري المهرب في الاسواق الخارجية . ويلاحظ ان هناك كميات كبيرة من البنكنوت المصري كان يتم تهريبها كل عام للخارج سداداً لقيمة المخدرات التي يبيعها المهربون .ويما يلي نذكر بعض اسعار الشراء التي أعلنت للجنيه المصري في الاسواق النقدية في الخارج خلال عام 1960 وخلال الاشهور المختلفة من عام 1961 :

سوق بيروت                                                  سوق فيينا                                    سوق بروكسيل

التاريخ       السعر بالقرش                       التاريخ        السعر بالشلن                 التاريخ      السعر بالفرنك

                    اللبناني                                     النمساوي                                   البلجيكي

1/7/60           730                       1/7/60           51.75     6/7/60                  100

7/1/61          620                      14/1/61        50.00      4/1/61                     95

4/2/61         600                      4/2/61        49.15                  15/2/61         95

16/3/61       596                     18/3/61        49.90                 15/3/61         97

7/4/61         587                      8/4/61         49.45                 5/4/61           95

18/5/61       613                     12/5/61        52.00                 3/5/61           96

1/6/61         597                     16/6/61        50.70                 7/6 61           95

6/7/61         590                     7/7/61          50.00                 5/7/61           93

4/8/61         564                     4/8/61         48.40                  2/8/61           92

14/9/61       510                     8/9/61         44.10                  6/9/61           83

6/10/61       560                     6/10/61       47.75                  11/10/61       83

7/11/61       498                     10/11/61     44.58                  8/11/61         82

8/12/61       490                     15/12/61     43.75                  6/12/61         78

كان من الضروري ، والحالة هذه ، صدور قرار حاسم يؤدي الى منع التلاعب باسعار الجنيه المصري البنكنوت ، والى منع تهريب البنكنوت من جهة اخرى ، خصوصاً وان تهريب البنكنوت المصري ينطوي في حقيقته على التزام البلاد امام حاملي اوراق النقد المصري بالدفع مقابل تقديم خدمات او بضائع مما تحدده السلطات النقدية  كما ان دخول البنكنوت المصري المهرب صحبة السياح الاجانب يفوت على البلاد حصيلة من العملات الاجنبية كان يمكن للسلطات استخدامها في شراء العديد من المواد والمعدات الضرورية التي تحتاج اليها الجمهورية العربية المتحدة في تنفيذ مشروعات خطة التنمية الاقتصادية الهادفة الى مضاعفة الدخل الوطني في خلال عشر سنوات .

إقتضت السياسة الاقتصادية التي يتبناها ساسة الجمهورية العربية المتحدة اصدار هذا القرار ضمن عدد من القرارات النقدية الاخرى . فقد صدرت اربعة قرارات نقدية في 31 / كانون الاول / ديسمبر الماضي ، حدد القراران الاولان نسبة العلاوة التي تفرض على المدفوعات او تمنح على التحصيلات بالعملات الحرة ، حيث وحدت هذه النسبة واصبحت 2 بالمئة من القيمة الاصلية للواردات و 20 بالمئة اخرى من المبالغ المستوردة من قيمة الصادرات ، وذلك بالعملات المختلفة بما فيها الجنيه المصري ، لا بالعملات الاجنبية الحرة فقط كما كان الحال سابقاً ، وبذلك يتوحد سعر بيع السلع العربية في سائر الاسواق الاجنبية . وتعلق القرار الثالث ببعض المدفوعات والمتحصلات ذات الصفة الدولية ، كالمدفوعات والمتحصلات الخاصة بالملاحة والطيران وقناة السويس والقروض الدولية وايرادات البريد والتلغراف ، حبث وحد هذا القرار اسعار الصرف التي تتم بها هذه المدفوعات او المتحصلات على اساس سعر الصرف الرسمي للجنيه المصري المبلغ لصندوق النقد الولي بدون اي علاوة . ولعلنا نعود الى موضوع تفصيلي آخر ، حيث انها وحدت القواعد والنظم الخاصة بالسياسة النقدية وباسعار صرف الجنيه المصري في الخارج . ويحتاج بحثها الى تبيان تلك النظم التي كانت متبعة من قبل كحسابات التصدير وحسابات حق الاستيراد وتطور نسبة العلاوة التي تفرض على المدفوعات او تمنح على المتحصلات بالعملات الحرة واسباب هذا التطور .

اما القرار الرابع ، وهو الذي يهمنا هنا ، فهو خاص بالبنكنوت المصري الموجود الآن في الخارج . فقد نص هذا القرار على منع دخول البنكنوت المصري الى البلاد او خروجه منها ، تفادياً للتقلبات التي يمكن ان تحدث ي قيمته نتيجة لتوافر الموجود منه في الاسواق الخارجية . غير انه رغبة في التيسير على حائزيه الموجودين في الخارج حالياً ، فقد تقرر السماح لهم باستيراده عن طريق المصارف المعتمدة او عن طريق سفارات الجمهورية العربية المتحدة في الخارج . غير ان القرار منح لذلك أجلاً ينتهي في اول شباط / فبراير الحالي ،وفقاُ للشروط التي تحددها الادارة العامة للنقد . وبالفعل ، أصدرت الادارة العامة للنقد تعليماتها الى المصارف المعتمدة لتنفيذ القرار . وبموجب هذه التعليمات ، فقد سمح باستيراد اوراق البنكنوت المصري حتى اول شباط / فبراير عن طريق المصارف المعتمدة ضمن الشروط التالية :

اولاُ ، يخضع استيراد البنكنوت المصري للتعليمات الخاصة بارساله داخل مظروف مسجل الى البنك المركزي المصري وبايداعه في حساب غير مقيم لاستعماله في الاغراض التي توافق عليها الادارة ، على ان تصل هذه الاوراق في ميعاد أقصاه اول شباط / فبراير الماضي .

ثانياً ، يودع ما يستورد من اوراق البنكنوت المصري لحساب غير المقيمين في حساب غير مقيم – بنكنوت ويستخدم في احد الوجهين التاليين :

أ – في الانفاق المحلي فقط ، كالسياحة والعلاج ، على ان يفتح بقيمته حساب غير مقيم بالعملة المصرية .

ب – في الانفاق محلياً او في تسديد قيمة صادرات ، على ان يفتح بقيمته حساب غير مقيم مقوم بالدولارات الاميركية على أساس متوسط سعر الجنيه البنكنوت في الاسواق الخارجية في هذا التاريخ ، أي 1.65 دولار اميركي لكل جنيه مصري .

اما بالنسبة لرعايا الجمهورية العربية المتحدة الموجودين في الخارج وقت صدور هذا القرار ، فانه من الطبيعي ان يقتصر الامر بالنسبة لهم على استيراد البنكنوت المصري الموجود في حوزتهم لاستخدامه محلياً من دون ان يكون لهم الحق في استخدامه في فتح حسابات غير مقيمة او في قيمة صادرات .

إقتضت السياسة التي تتبعها الجمهورية العربية المتحدة ان تواجه في السنوات الاخيرة ظروفاً اقتصادية خاصة وان تعمل على مواجهة كل هذه الظروف تباعاً بقرارات نقدية متتالية لتيسير عمليات الاستيراد والتصدير من ناحية ، ولتوفير الامكانات النقدية اللازمة لتنفيذ الخطة الشاملة للتنمية من ناحية اخرى . ولعل القرارات النقدية الاخيرة قد جمعت ونسقت بين القرارات النقدية التي صدرت في فترات سابقة لكي تحقق النجاح للاهداف التي تسعى اليها في مجال الاقتصاد الخارجي ، ومما ينعكس منه على اقتصاديات الجمهورية العربية المتحدة . وقد بينت القرارات ان البنكنوت المصري كان يستغل في كثير من الاحيان في تهريب الاموال ، كما انه اوجد المجال لتجار العملة والمضاربين التلاعب به في الخارج ، بحيث تقلبت اسعاره هبوطاً وصعوداً وفقاً لاهوائهم ومصالحهم ومن دون ان يكون لقيمته الحقيقية اي وزن في تقدير اسعاره في الاسواق الخارجية . ومن اجل ذلك، ورغبة في وقف عمليات التهريب نهائياً ، ونظراً الى ان التعامل بالبنكنوت المصري في الخارج لا يحقق اي مصلحة للبلد ، فقد تقرر الغاء التعامل به بالشكل الموضح في القرار .