البترول في الجنوب العربي

البترول في الجنوب العربي

 يحي المصري

نشر المقال في ايلول / سبتمبر 1961 ، العدد الحادي عشر ، الرائد العربي

تقع منطقة الجنوب العربي ، كما هو معلوم ، جنوب الجزيرة العربية . يحدها من الشمال المملكة المتوكلية والمملكة العربية السعودية ، ومن الجنوب بحر العرب ، ومن الغرب البحر الاحمر ، ومن الشرق عمان . وتنقسم هذه المنطقة الى ثلاثة أقسام هي : عدن والامارات الشرقية (حضرموت) والامارات الغربية . ويبلغ سكان هذه الاراضي ما يقرب من مليون وربع مليون نسمة .

يحكم الانكليز مستعمرة عدن حكماً مباشراً . اما الامارات الشرقية والتي تتكون من 30 وحدة سياسية فانها كلها تقع تحت الحماية البريطانية طبقاً لنصوص المعاهدات البريطانية التي فرضها الاستعمار على شيوخ هذه المناطق وامرائها منذ سنة 1888 .

منطقة حضرموت

تنقسم منطقة حضرموت ، وهي المنطقة التي تم اكتشاف البترول فيها ، الى اربع سلطنات هي : سلطنة حضرموت الساحل ( السلطنة القعيطية ) وعاصمتها ” المكلا ” وهي أكبر سلطنة من حيث المساحة وعدد السكان والمورد ، وسلطنة حضرموت الداخل ( السلطنة الكثيرية ) وهي أكثر سلطنات حضرموت احتشاداً بالرجال ذوي الفكر والرأي وعاصمتها ” سيون ” ، والسلطنة الثالثة هي سلطنة المهرة وتقع الى الشرق من حضرموت ، تحدها شرقاً عمان وتتبعها جزيرة سقطرة والمهرة ، وأغلب سكانها من البدو . من مدنها قشن وسيحوت . اما السلطنة الرابعة فهي السلطنة الوحيدية ، نسبة الى العائلة االحاكمة ، عائلة آل عبد الواحد ، وعاصمتها ” عزان ” وتقع غربي حضرموت على ساحل بحر العرب .

المناطق التي جرى فيها التنقيب

شوهدت فرق التنقيب عن البترول في منطقة حضرموت منذ سنة 1946 تبحث في جهات عديدة.  غير انه لن تكن هنالك معلومات دقيقة عن هذا الموضوع نظراً للسرية التامة التي فرضتها القوات المستعمرة حول تسرب اية انباء تتعلق بهذا التنقيب . إلا أن الاهالي الذين يقيمون في مناطق التنقيب كانوا يشاهدون المعدات والالآت المستعملة في اعمال التنقيب وهي تعمل ، كما كانوا يشاهدونها اثناء تنقلاتها من مكان الى مكان آخر . وقد وضح من تصريحات بعض المسؤولين البريطانيين ومن بعض تصرفاتهم ان هناك كميات كافية ومغرية من البترول في هذه المناطق تقتضي الاسراع بالتنقيب .

جرى البحث عن النفط في مناطق مختلفة من الجنوب العربي، مثل حضرموت . غير ان المعلومات الاولية افادت عن وجود النفط في المناطق الخمسة التالية :

1 – منطقة ثمود ، وهي منطقة متنازع عليها بين سلطنتي الكثيري والقعيطي .

2 – منطقة حبروت .

3 – منطقة زمخ ( قعيطية وتبعد مئة كيلومتر عن العبر ) .

4 – منطقة منوخ بين العبر وثمود .

5 – منطقة حجر ( قعيطية ) .

معظم هذه المناطق بعيدة عن العمران . وتؤكد الشائعات ان هناك مناطق اخرى يوجد فيها النفط كمنطقة شبوة التي طالما ظلت محل نزاع بين البريطانيين وبين حكومة اليمن .

إتفاقيتا البترول كما إقترحهما حاكم عدن

قدم حاكم عدن خلال سنة 1955 مشروعي اتفاقيتين خاصتين بالبترول . الاتفاقية الأولى بين السلاطين مجتمعين كطرف آخر ، والاتفاقية الثانية بين السلاطين والمشايخ .

أ – تنص اهم بنود الاتفاقية الاولى على ما يلي :

ان يفوض السلاطين والمشايخ حاكم عدن للتباحث مع اية شركة من شركات البترول التي يرى التباحث معها لغرض التنقيب عن البترول في أي جزء من اية سلطنة من سلطنات الجنوب ومشيخاتها في سبيل استخراج البترول ومشتقاته ، واعطائها امتيازاً بذلك ، على اساس ان توزع الارباح مناصفة بين الشركة ومجموعة المناطق .

تتكون لجنة برئاسة حاكم عدن وعضوية سلطان من المنطقة التي يوجد فيها البترول وسلطان آخر من المنطقة الشرقية ، وثالث من المنطقة الغربية . وهؤلاء يقومون بدورهم باختيار اثنين من كل من المنطقتين لعضوية اللجنة التي تشرف بدورها على كل ما يتعلق بالبترول .

ب – اما الاتفاقية الثانية فنصت أهم بنودها على ما يلي :

كل ما يستخرج من البترول في اية منطقة يكون ملكاً لكل المناطق وليس للمنطقة التي وجد فيها البترول وحدها . وتوزع الارباح ، البالغة 50 بالمئة ، على مجموعة المناطق وفقاً لما يلي :

– 10 بالمئة لحاكم عدن لتغطية مصاريف جيش الاحتلال والادارة السياسية .

– 15 الف جينه او 5 بالمئة من الارباح تعطى للسلطان الذي يستخرج النفط من منطقته .

– تحسم ، بعد ، كل المصاريف التي دفعها الحاكم العام خلال مباحثاته واتفاقه مع الشركة التي يقع عليها الخيار ، وكذلك  كل المصاريف التي يحتاج اليها الحاكم العام أثناء مدة الامتياز في ما يتعلق بقيامه بمهمته كمفوض من قبل السلاطين ومشرف على حماية المشروع . والمتبقي بعد ذلك تشرف اللجنة المشار اليها في مشروع الاتفاقية الاولى على صرفه على المشاريع الانتاجية وتقدم المنطقة وتطورها في مختلف المجالات .

الاتفاقية بين السلطنتين القعيطية والكثيرية

تم الاتفاق في 9/9/1959 الاتفاق بين وفدي السلطنتين القعيطية والكثيرية على استغلال البترول في المنطقة الصحراوية الشمالية بحضرموت ، وصدر بيان مشترك ( نصه في الملحق ادناه ) يؤكد تعاون السلطنتين واتفاقهما التام على توزيع عائدات النفط بينهما ، وفي الوقوف كطرف واحد امام الشركة المستغلة ( شركة امتياز البترول المحدودة ) . وقامت الحكومتان بتشكيل لجنة من كبار المثقفين في السلطنتين لاعداد مشروع اتفاقية جديدة مع الشركة صاحبة الامتياز ، على ضوء دراسة اللجنة للاتفاقيات المعقودة بين الشركات المختلفة والبلدان المنتجة للبترول . غير ان ممثل الشركة أبلغ عدم قبولها بادخال اية تعديلات على مشروعها الذي سبق لها ان قدمته . وبذلك رفض كل من الطرفين مشروع الطرف الآخر كلية . ولم تجد السلطنتان بداً من ان تلجأ الى فتح الباب امام الشركات العالمية ليتقدم من يشاء بعروضه للحصول على امتياز التنقيب في المنطقة ، وأصدرتا على الفور الاعلان التالي : ” تفتح الحكومتان القعيطية والكثيرية في حضرموت ، منطقة ثمود ، ومساحتها نحو خمسة الآف ميل مربع لامتياز او امتيازات البترول . وان شركات البترول مدعوة لتقديم عطاءاتها او طلباتها الى الحكومتين القعيطية والكثيرية بواسطة وزير السلطنة القعيطية المكلا ، او سكرتير الكثيرية سيون حضرموت ، طريق عدن ” .

المشروع الذي تقدمت به الشركة

تمثل الشركة المتفاوضة خمس شركات انكليزية وفرنسية وهولندية . غير ان الشركة الانكليزية لها أكثر من نصف الأسهم . والمشروع الذي تقدمت به هذه الشركة يتضمن ما يلي :

1 – حددت الشركة في مشروعها حصة السلطنتين ب 50 بالمئة . وكانت اللجنة المشتركة من السلطنتين قد طلبت ان تكون حصتهما 62.5 بالمئة .

2 – لا يلزم المشروع الشركة باستخراج البترول في مدة معينة ، انما ينص على ان تدفع الشركة للسلطنتين مبلغ اربعين الف جينه سنوياً كايجار للاراضي المتفق على التنقيب فيها . وهذا يعني ان الشركة حرة في تحديد الزمن الذي تستخرج فيه البترول .

3 – يتيح المشروع للشركة الحق بأن تتخلى عن بعض الاراضي التي حددت للتنقيب ، ولا يلزمها بالتخلي عنها في مدة معينة .

4 – ينص المشروع على ان تحضر الشركة آلات للتنقيب يمكنها ان تصل الى عمق خمسة الآف قدم ، ولكنه لا ينص على ضرورة التنقيب فعلاً في هذا العمق ، بل ان المشروع لا يلزم الشركة بالحفر والتنقيب اطلاقاً .

مصافي البترول في عدن

أقيمت في عدن الصغرى ، التي تبعد 25 ميلاً عن مدينة عدن ، مصاف للبترول في عام 1952 . وقد بلغت كلفة هذه المصافي ما يقرب من خمسين مليون جينه استرليني ، وبدأت هذه المصافي انتاجها سنة 1954 . وهي تحتوي على وحدتي تكرير ، تكرر واحدة منها 60 الف برميل يومياً وتكرر الاثنتان معا مئة الف برميل يومياً ، أي ان هذه المصافي تكرر حوالى 36 مليون برميل في السنة . ويحتمل زيادة هذا الرقم عندما يزداد استخراج البترول من مناطق الجنوب العربي . ويلاحظ ان هذا الميناء الجديد يستطيع ان يستقبل ناقلات بترول ضخمة . اما البترول الذي يستخرج من حضرموت ، فان السلطات هناك تعد ميناء الفيضة لتصديره .

الأثر الواضح لتلك الاكتشافات

ستكون ولا شك لهذه الاكتشافات النفطية ، التي لم تضح كمياتها بعد ، آثار واضحة بالنسبة لكل من السكان والاستعمار . فمن المعروف ان أغلب سكان هذه الاراضي كانوا يعيشون في مستوى معيشي منخفض ، حيث ان السلطات المحتلة لم تبد أي إهتمام يذكر في رفع مستوى معيشة الناس ولا في تشجيعهم ومساعدتهم في الانخراط في مشاريع صغيرة او كبيرة تحسن من مستواهم الحياتي ، بل ، على العكس من ذلك ، تركت المنطقة نهباً لعوامل الفناء من حروب قبلية وجهل وفقر ومجاعات وأوبئة ، الأمر الذي دعا الكثيرين من السكان الى مغادرة أراضيهم بحثاً عن الرزق .

اما اليوم ، فقد تغير الوضع وأصبح اكتشاف النفط في هذه المناطق ينبئ بمستقبل زاهر ، يرفع من مستوى معيشة السكان . وقد بدأنا نلاحظ ان اعداداً لا بأس بها من المواطنين ينخرطون في عمليات التنقيب الجارية ويعملون في مصافي النفط في عدن الصغرى .

أما بالنسبة للمستعمر ، فان اكتشاف البترول في هذه المناطق سيشجعه ، بحضوره المدني والعسكري ، من التمسك بالبقاء في هذه البلدان والانتفاع بنصيب الاسد من عوائد النفط . لذلك فان الاحرار العرب في هذه البلاد مدعون الى وضع مخطط نضالي للتحرر والامساك بزمام امورهم بأنفسهم والاستفادة الى ابعد الحدود من ثروتهم النفطية الجديدة .

ملحق

                                    بيان مشترك صادر عن الوفدين القعيطي والكثيري

إن الدولتين القعيطية والكثيرية رغبة منها في استغلال ما يمكن ان يوجد من ثروة معدنية في المنطقة الصحراوية الشمالية بحضرموت وحرصاً منها على توفير الرخاء للحضارم كافة ، فقد بذلتا كل جهد في الاتفاق بينهما ، وبعد ان أجريتا محادثاتهما المتكررة في جو مشبع بالاخاء وحسن النية ، وصلتا الى اتفاق بينهما على أسس إقتنع بها الطرفان ووقعت الاتفاقية الآتية نصها  وذلك في صباح امس الموافق 5 ربيع الاول 1379 الموافق 9/9/1959 .

                        جان خان                                                         امين عبد الماجد

                 وزير السلطنة القعيطية                                         سكرتير الدولة الكثيرية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، وبعد فانه

1 – بما ان شركة امتياز البترول المحدودة ( تعرف في ما يلي بالشركة ) ترغب في الحصول على رخصة للتنقيب عن الزيوت المعدنية في منطقة الصحراء الشمالية المتنازع عليها بين الدولتين القعيطية والكثيرية الموضحة في الخريطة التي سترفق بالاتفاقية المزمع ابرامها بين الدولتين القعيطية والكثيرية من جهة والشركة من جهة اخرى ( وتعرف هذه المنطقة فيما يلي بالمنطقة المذكورة )

2 – وبما ان حكومتي صاحبي العظمة سلطان الدولة القعيطية وسلطان دولة الكثيرية ترغبان في التعاون للتصرف في الشؤون الناتجة عن طلب الشركة المشار اليه في الفقرة الاولى من هذه الاتفاقية .

3 – وبما ان هذا التعاون بين الدولتين المذكورتين في هذه المنطقة لغرض التنقيب عن الزيوت المعدنية لا يؤثر بحال من الاحوال على حقيقة ملكية كل من الدولتين في هذه المنطقة .

4 – فقد تم الاتفاق الآن بين الدوليتن القعيطية والكثيرية على :

اولاً : ان جميع المبالغ التي تدفعها الشركة للدولتين المذكورتين مقابل الرخص والايجارات والعوايد الجليلة والارباح الناتجة عن عمليات الشركة في المنطقة المذكورة ستقتسم بنسبة الثلثين للدولة القعيطية والثلث للدولة الكثيرية .

ثانيا ، وفي أي سنة تبلغ فيها هذه المبالغ خمسماية الف جينه او أكثر ، فللدولة الكثيرية اذا رغبت ان تدفع للدولة القعيطية مبلغاً قدره خمسة وعشرين الف جينه سنوياً مقابل ذلك لا تفرض الدولة القعيطية اية رسوم على البضائع الواردة عن طريق موانيء الدولة القعيطية الرئيسية المرسلة للدولة الكثيرية عبر الدولة القعيطية او الواردة اليها رأساً الى المناطق الكثيرية ما عدا ما اقتضاه نظام الترانزيت من خدمات . ان هذا الاعفاء لا يسري على الواردات الكثيرية الى الدولة القعيطية او على البضائع المرسلة من الدولة الكثيرية الى او عبر الدولة القعيطية الى خارج الدولة  الكثيرية ، كما ان الدولة الكثيرية لن تفرض اية رسوم على البضائع القعيطية المارة عبر الدولة الكثيرية الى مناطق الدولة القعيطية .

ثالثاً ، تقام هيئة مشتركة تعرف بهيئة شؤون الزيت وشؤون المنطقة المشار اليها في الفقرة الاولى من هذه الاتفاقية وتتألف من عضو يعينه السلطان القعيطي وعضو يعينه السلطان الكثيري ويتم تعيين هذين العضوين كل في مجلس دولته . اما تحديد اختصاصهما فيتم من قبل السلطانين المذكورين في مجلس دولة مشترك للدولتين القعيطية والكثيرية .

وللدولتان عندما تريان ذلك مناسباً ان تقررا من الخطوات ما يكفل قيام هذه الهيئة بما عهد ويعهد اليها من واجبات تجاه الشركة وفي المنطقة المذكورة .

            عظمة السلطان الكثيري                                                عن عظمة السلطان القعيطي

            حسين بن علي الكثيري                                                                جان  خان

تاريخ 5 ربيع الاول 1379 الموافق 9/9/1959 م.