البتراء والأنباط

البتراء والأنباط

ترتبط البتراء ألأردنية بالأنباط الذين جعلوا منها عاصمة لهم. والأنباط قبيلة عربية بدوية كانت ترعى الماشية وتتنقل من مكان إلى آخر بحثاً عن الكلأ. وصل قسم من هذه القبيلة في ترحاله إلى البتراء التي كان يعيش فيها الآدوميون وأقاموا بينهم في مدنهم وقراهم.

ونظراً لموقع تلك المنطقة الجغرافي بين مصر وفلسطين وشبه الجزيرة العربية والعراق وسورية ما لبثت الحياة أن أمّنت لهم كسباً مادياً ورفاهية أغرت الأنباط بترك حياة البداوة والاعتماد على التجارة، وباتوا يقطعون الصحراء حاملين الذهب والفضة والحجارة الكريمة والبهارات والأخشاب الثمينة من بلاد فارس وجنوب شبه الجزيرة العربية والبخور والمر من حضرموت. واتخذ الأنباط البتراء مستقراً لهم يخزنون فيها بضائعهم ويحتمون بين جنباتها من عاديات الزمن. لكن الروم أغرتهم ثروات الأنباط فانقضوا على المدينة ونهبوا ثروتها. ولكن الأنباط سرعان ما لحقوا بالمعتدين وقضوا عليهم واستعادوا ما نهب منهم.

امتد نفوذ الأنباط في عام 90 قبل الميلاد بعد أن وقعت معركة دامية بينهم وبين الروم الى المنطقة الجنوبية من سورية (الأردن وجبل الدروز حالياً). ولم يتمكن الروم من التغلب على أنباط البتراء على الرغم من الحملات المتكررة فاتسعت هذه المملكة حتى وصلت وادي سرحان شرقاً الى نهر الأردن غرباً والبحر الأحمر جنوباً الى بلاد الشام شمالاً.

امتدّت إمبراطورية الأنباط التّجارية إلى حدود الفُرات، وصكّت النقود في مدينة دمشق، وبنِت السُّفن في موانئ البحر الأحمر. ورغم أن الأنباط كانوا قومًا غُزاة فإنهم مع مرور الأيّام صاروا دولةً مسالمةً حشدت الجيوش لضمان سلامها فوق ربوع بلادها، من عام 312 ق.م حتّى عام 106م.

في أيّام المسيحية الأولى، جاء البتراء النُّساك والرّهبان فعاشوا في كهوفها وصلّوا في ديرها؛ وشيّد فيها الصّليبيون قلعتين.

وفي البتراء قبر هارون، شقيق النّبي موسى.

تأثرت البتراء بحكم موقعها الجغرافي بالحضارة اليونانية وأصبحت تفوق العديد من مدن زمانها جمالاً. وقد حاول الرومان غزوها والقضاء على استقلالها لكن الانباط اشتروا استقلالهم بالمال. غير أنه عثر على عملة سكّت في روما ويعود تاريخها الى سنة 58 قبل الميلاد نقش على أحد وجهيها الملك الحارث ممسكاً جملاً بيده وجاثياً على إحدى ركبتيه وماداً سعف النخل مما يبين أن النفوذ الهيليني السياسي والعسكري قد زال وحل محله الوجود الروماني. ولم يلبث الرومان أن قضوا على مملكة الأنباط سنة 105 وأسموها المقاطعة العربية . وفي سنة 636 أصبحت البتراء خاضعة للحكم العربي وعاش من تبقى من سكانها على الزراعة. لكن الزلزال الذي أصابها سنة 746/748 والزلازل التي تلته أفرغتها من أهلها.

دخلت البتراء في سبات عميق استمر قروناً طويلة ودارت حولها الكثير من الأساطير. وبقيت في سباتها هذا مختفية عن الأنظار حتى عام 1812 حيث بدأ عالم سويسري اسمه بوركهارت بالتنقيب قرب المسجد القديم فوق قبر هارون وتبعه آخرون. وجاءها عام 1896 الويس موصل وكتب عنها كتاباً أسماه “Arabia Petraea” مما لفت العالم الى هذا الموقع الأثري الفريد.

من أهم آثار البتراء

السيق. لفظة السيق سريانية أو قد تكون مأخوذة من لفظة شقاقا العربية وتعني الشق أو الزقاق أو المدخل أو الدهليز. وهذه المعاني بمجموعها تصف هذا المدخل الرئيس لمدينة البتراء وهو ممر بين صخرتين يبلغ طوله ألفاً ومائتي متر وعرضه في بعض الأماكن مترين وارتفاعه من ثمانين إلى مائة متر. وعلى يسار السيق حفر الأنباط قناة تحمل مياه عيون موسى إلى وسط المدينة. ويزدان جانبا المدخل بطبقات من الصخر تتراكب وتتمازج فيه الألوان مما يضفي عليه أجواء طبيعية ساحرة ومدهشة.

الخزنة. بناء منحوت في الصخر يرتفع تسعة وثلاثين متراً وخمسين سنتمتراً وعرضه يصل إلى ثمانية وعشرين متراً. سمي هذا البناء بخزنة فرعون لاعتقاد سكان المنطقة بأن فرعون وضع كنوزه في الجرة الموجودة في الطبقة الثانية، لذا حاولوا ضربها بالعيارات النارية لكسرها وأخذ ما فيها من كنوز . وما هذا الموقع إلا هيكلاً قبراً يتكوّن من طبقتين. وواجهة الطبقة السفلى عبارة عن ستة أعمدة كورنثية ومنها نرى البوابة الرئيسة التي تحوي في كل من جانبيها غرفة صغيرة. وتتكون الطبقة العليا من ثلاث أسطوانات تفصل الواحدة عن الأخرى كوّتان منحوتتان في الصخر. وتزين شرفة هذه الطبقة رسومات الزهور والثمار والنسور.

المدرج الروماني. يتكون المدرج من 33 صفاً منحوتة في صخر رملي رمادي ويتسع لأكثر من ثلاثة آلاف متفرج.

ومقابل هذا المدرج توجد مجموعة من القبور المنحوتة في الصخر. وقد عثر في هذا الموقع على وعاء للخمر وعلى زجاجة وعلى تمثال لأحد الآلهة من الرخام وقد أصابه التلف. كما عثر على قطعة نقدية فضية للملك عبيدة الثاني (30-9 ق م ) وعلى حلقتين من الذهب للأنف وعلى صحون فخارية جميلة يعود تاريخها للقرن الأول قبل الميلاد.

وعلى مقربة من القبور بلّط الرومان الشارع الرئيس وورفعوا الأعمدة على طرفي الشارع.

قصر البنت. والبنت هي أميرة جاء ذكرها في قصة خرافية على أنها كانت تسكن ذلك القصر وتتألم من عدم وجود مياه جارية فيه ومن ثم وعدت أن تتزوج بمن يحضر المياه للقصر وتزوجت شخصاً كان طامعاً بها . والقصر كان هيكلاً بناه الأنباط في القرن الأول قبل الميلاد تكريماً للإله “دو الشرى”.

الدير. هيكل ضخم بلغت عرض واجهته 47 متراً تقريباً وارتفاعها 40 متراً تقريباً. وقد حفرت واجهته في صخر رمادي أصفر. وفيه غرفة صغيرة حفرت في الصخر سكنها النساك وعلى واجهتيه رسماً لأسدين. ويطلق على الدير لقب “قبر الأسد”.

المذبح. يقع المذبح بين خزنة فرعون والمدرج الروماني. له ساحة واسعة طولها 64 متراً وعرضها 20 مترا. وفي هذه الساحة حفر الأنباط بئراً لتنظيف المذبح. ويقع الهيكل إلى الغرب من المذبح.

تعتبر البتراء من أشهر المعالم الأثرية في الأردن. وهي مدينة محفورة في الصخور أقامها الأنباط العرب قبل أكثر من 2000 عام لتكون عاصمة لدولتهم، وظلت شاهداً على المعجزة البشرية التي تخرج المدن من بطون الجبال. يعرفها زائروها والقارئون عنها باسم “المدينة الوردية” نسبة إلى لون الصخور التي شكلت بناءها الفريد، وهي مدينة أشبه ما تكون بالقلعة.

ما تزال البتراء حتى يومنا هذا تحمل طابع البداوة، يمتطي زائرها الحصان أو الجمل ليدخل المدينة في رحلة ترسخ في الذاكرة طوال العمر. وفي وسط المدينة يشاهد الزائر مئات المعالم التي حفرها وأنشأها الإنسان، من هياكل شامخة وأضرحة ملكية باذخة إلى المدرج الكبير الذي يتسع لـ8000 متفرج والبيوت الصغيرة والكبيرة والردهات وقاعات الاحتفالات وقنوات الماء والصهاريج والحمامات، إضافة إلى صفوف الدرج المزخرفة والأسواق والبوابات المقوسة.

وفي البتراء الكثير من الأضرحة التاريخية. وفيها دير ضخم يبلغ عرضه 50 مترا وارتفاعه 45 متراً ويبلغ ارتفاع بابه 8 أمتار. وإذا وقف المرء على قمة الدير ومدَّ بصره إلى أبعد مدى يستطيع رؤية الأرض الفلسطينية وسيناء

 

 

                         صنفتها منظمة اليونيسكو  مدينة تراثية عالمية عام 1985