الاقتصاد العربي ومشاكل مرحلة الانتقال

الاقتصاد العربي ومشاكل مرحلة الانتقال

 ندوة الرائد : بين الرأسمالية والاشتراكية في الجمهورية العربية المتحدة

نشرت وقائع هذه ” الندوة ” في تموز/ يوليو 1962 ، العدد الحادي والعشرون ، الرائد العربي

عقدت ندوة الرائد العربي لهذا الشهر في دار مجلة الاهرام الاقتصادي في القاهرة واشترك فيها السادة :

1 – الدكتور حسين خلاف ، رئيس مجلس ادارة المؤسسة العامة للبنوك .

2 – الدكتور محمود الشافعي ، وكيل وزارة الاقتصاد والمدير الفني لمكتب السيد نائب رئيس الجمهورية للانتاج .

3 – الدكتور رفعت المحجوب ، الاستاذ المساعد للاقتصاد في جامعة القاهرة .

4 – الدكتور محمد لبيب شقير ، الاستاذ المساعد للاقتصاد في جامعة القاهرة .

والدكتوران محجوب وشقير على صلة وثيقة من التعاون مع المسؤولين في حقل التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الجمهورية العربية المتحدة .

مثل مجلة الرائد العربي في هذه الندوة وهيأ لها الزميل ميشيل خوري .

ميشيل خوري : اريد ان أبدأ بالترحيب بالسادة اعضاء الندوة لتلبيتهم دعوتنا للاشتراك في هذا النقاش حول “الاقتصاد العربي ومشاكل مرحلة الانتقال ” ، ذلك ان في مثل هذا النقاش ما يقوي علاقات ” القربى ” الفكرية بين المهتمين بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية في اقطار الوطن .

إن لي في صدد موضوع الندوة ملاحظتين احب ان ابديهما . الاولى ، ان اختيار موضوع الندوة كان نتيجة اعتقادنا بأهمية التجربة الاشتراكية الرائدة الجارية الآن في الجمهورية العربية المتحدة  ولاعتقادنا ايضاً ان هذه التجربة انما هي ملك لنا بقدر ما هي ملك الشعب العربي في الجمهورية العربية المتحدة .

الملاحظة الثانية تتعلق بالاسئلة التي وضعناها لهذه الندوة . فهي تتصف بصفة العموم . وانا احب ان اذكر هنا ان ” صفة العموم ” هذه ، لم تأت صدفة ، بل كانت مقصودة في وضعنا للاسئلة ، لأنها تمكننا من الاحاطة ، قدر المستطاع ، بكل جوانب الصورة موضوع البحث .

وفي النهاية ، أحب ان أوجه شكر اسرة تحرير الرائد العربي الى الاستاذ فؤاد ابراهيم ، رئيس مجلس ادارة الاهرام الاقتصادي والى ادارة مجلة الاهرام على التسهيلات التي قدمت لهذه الندوة. كما احب ان اشكر الزملاء من اسرة تحرير الاهرام الذين قاموا بمراقية تسجيل هذه الندوة والى جميع الزملاء الآخرين الذين أسهموا في تسهيل عقد الندوة . وانا اترك الآن المجال لاستاذنا الدكتور حسين خلاف ليتولى ادارة الندوة .

د. حسين خلاف : من الطبيعي ان نرحب بهذه الندوة التي نظمتها مجلة الرائد العربي والتي تفضلت جريدة الاهرام بمنح جميع التسهيلات اللازمة لها . وفي الواقع أعتقد ، اخواني وانا ، اذا كنا قد قبلنا هذه الدعوة الكريمة فذلك لأننا ، في الجمهورية العربية المتحدة ، نقوم بتجربة اشتراكية مهمة ، هذه التجربة التي يسرنا ان نعرف رأي الغير فيها ، خاصة اذا كان هذا الغير هم اصدقاء لنا . والواقع ان هذه التجربة ترحب بكل نقد بناء وكل تقييم مفيد ، ذلك ان العملية لا تجري في الخفاء ، وانما تجري جهاراً ، وتجري لبناء امة . ونقصد بالامة هنا الشعب العربي كله  اينما وجد . لذلك نرحب بكل نقد بناء . هذا الكلام يأتي كما لو كانت هذه التجربة هي تجربة الشعب العربي في الجمهورية العربية المتحدة وحده ، بينما الواقع ان هذا غير صحيح لأن هذه التجربة انما تخص الشعب العربي بأكمله .

من أجل ذلك كله يهمنا ان نلبي دعوة مجلة الرائد العربي الى مناقشة المسائل التي تثيرها في ندوتها هذه . والمسائل التي تثيرها مجلة الرائد العربي هي مسائل ذات صفة العموم ، كما يقول الاخ ميشيل خوري . ومن الطبيعي ان اي اجابة عليها من قبل السادة الحاضرين تتم بصفتهم الشخصية ، باعتبارهم مشتغلين بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية . وهم في اجابتهم للدعوة  يتمتعون بالحرية اللازمة . وكل ما في الامر ان هذه الاجابة ليس لها اي صفة رسمية . اما المسائل المثارة فتتعلق ” بمرحلة الانتقال ” التي تمر بها الجمهورية العربية المتحدة ، من حيث خصائص هذه المرحلة او من حيث المشاكل الاساسية التي قد تكون ثارت خلال ذلك .

السؤال الاول هو التالي :

يجتاز المجتمع العربي الآن في الجمهورية العربية المتحدة ما يمكن ان يسمى ” بمرحلة انتقال ” من وضع اقتصادي اجتماعي قديم ، كانت له معطياته وخصائصه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، الى وضع آخر اشتراكي الطابع بدأت ملامحه الاساسية تتضح اخيراً ، خاصة بعد صدور قرارات يولية الاشتراكية . سؤالي :

أ – ما هي في رأيكم الخصائص المميزة لمرحلة الانتقال الى الاشتراكية في الجمهورية العربية المتحدة ؟ .

ب – ما هي القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج عن عملية التحول هذه ، والتي تعتبرونها ذات أهمية وخطورة ؟ .

ج – ما هي في رأيكم التحولات الاساسية في التركيب المؤسسي الاجتماعي – الاقتصادي التي يجب ان تتم في مرحلة الانتقال نحو الاشتراكية .

تتعلق النقطة الاول بالخصائص . ومن الطبيعي ان هذه الخصائص يمكن ان تكون متعددة الجوانب ، من عقائدية او فكرية او اجتماعية او اقتصادية او سياسية . غير انني اعتقد انه بالامكان ان نهمل بعض هذه الخصائص اساساٍ لكي نناقش غيرها بشيء من التفصيل .

د. رفعت المحجوب : من المؤكد ان النظام الاجتماعي والاقتصادي في الجمهورية العربية المتحدة يمر الآن في مرحلة انتقال ، من مجتمع غير اشتراكي الى مجتمع اشتراكي ، من مجتمع متخلف الى مجتمع نام . ومن المؤكد ان ملامح الاشتراكية في الجمهورية العربية المتحدة قد بدأت تبرز الآن ، كما بدأت تتكون مقومات النظام الاشتراكي . ومن الطبيعي ان تبرز هذه المقومات والملامح اكثر وضوحاً في السنوات القادمة . والحقيقة انه عندما نتكلم عن ملامح المرحلة الاتقالية التي نحياها الآن ، والتي نسجل فيها هذا الانتقال من المجتمع غير الاشتراكي الى المجتمع الاشتراكي ، ومن المجتمع المتخلف الى المجتمع النامي ، يجب ان نأخذ في حسابنا اعتبار عامل الزمن ، أي انه ليس من السهل تصور الانتقال من النقيض الى النقيض بين ليلة وضحاها . ومن المؤكد ان العملية تستهلك زمناً ، انما بقدرما نسرع في احداث التطور ، بقدر ما نستطيع ان نقيس نجاحنا في اقامة المجتمع الجديد .

أستطيع ان ألخص الخصائص المميزة للمرحلة الانتقالية في اربع خصائص اساسية :

الخاصة الاولى ، اننا نعيد تكوين المجتمع على أسس جديدة من الناحية الاجتماعية .

الخاصة الثانية ، اننا نعيد تركيب القطاعات الاقتصادية .

الخاصة الثالثة ، اننا نعيد صياغة الاسلوب الاقتصادي الذي سنعتمد عليه .

الخاصة الرابعة ، اننا نعيد تشكيل العلاقة بين العمل ورأس المال .

1 – في ما يتعلق بالخاصة الاولى ، أي اعادة تكوين المجتمع على أسس جديدة ، فمن الواضح ان الاتجاه هو تقريب التفاوت القائم  بين الطبقات ، وذلك باقامة طبقة جديدة من صغار الملاكين ، عن طريق تحويل الاجراء الزراعيين الى ملاكين . وهذا الاتجاه هو الذي نسميه ” تمليك الذين لا يملكون ” . وفي الوقت نفسه ، نضع حدوداً عليا للملكيات ، خاصة في الملكية الزراعية ، كما نضع حدوداً للملكيات غير الزراعية ، كالملكية الصناعية والملكية التجارية ،  وان كانت طريقة التحديد التي اتبعت في الزراعة تخالف الطريقة التي اتبعت في الصناعة والتجارة . والمجال لا بسمح الآن للدخول في تبيان الخلاف بين الطريقتين ، على الأقل بالنسبة للسؤال الأول .

2 – اما الخاصة الثانية المتعلقة باعادة تكوين القطاعات الاقتصادية فتتلخص كما أتصور في ثلاث نقاط رئيسة. الاولى ، اعادة تكوين القطاعات على اساس نسب جديدة وذلك عن طريق زيادة نسبة القطاع العام الى القطاع الخاص . والثانية ، اعادة تنظيم القطاع العام بعد اتساع نطاقه وبعد تطور دوره ، إذ أصبح مسؤولاً بصفة اساسية عن تحقيق التنمية الاقتصادية وعن تحقيق العدالة الاجتماعية . ومن غير المتصور ان يظل القطاع العام الذي كان قائماً قبل التطور الاشتراكي في يوليو / تموز 1961 على نطاق ضيق ، متبعاً نفس الاسلوب ورامياً الى نفس الاهداف التي كانت سائدة قبلاً . ذلك ان القطاع العام ، قبل يوليو 1961 ، كان قطاعاً تكميلياً للقطاع الخاص الذي كان قائماً آنذاك . وبهذه الصفة لم يكن مسؤولاً بصفة اساسية عن احداث التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية . ولما اتسع القطاع العام ، لم تعد المسألة مسألة اتساع نطاقه فحسب ، بل أصبحت ايضاً مسألة تغيير في هدف ومسؤولية وطبيعة وهيكلية . وبذلك لم يعد من المتصور ، مثلاً ، ان يحرص القطاع العام على تحقيق الارباح وعلى استغلال العمال ، كما هو الشأن في النظام الرأسمالي . فقد اتضح ، مثلاً ، ان كثيراً من شركات القطاع العام عندنا قد اعادت النظر بأثمان منتجاتها ، بأن خفضت هذه الاثمان . كما ان القطاع العام عندنا قد أعاد النظر في علاقاته بالعمال . وسنعود الى تفصيل هذا الموضوع فيما بعد . النقطة الثالثة المتعلقة بموضوع اعادة تكوين القطاعات الاقتصادية ، فانها تفترض اعادة تنظيم القطاع الخاص على اساس اقامة التنسيق بينه وبين القطاع العام . وطبيعي ان نرى ، في هذا المجال ، ان دور القطاع الخاص في الصناعة قد تغير ، فلم يعد هو القطاع القائد وانما اصبح بجواره قطاع مهم آخر . ولا يعني هذا ان القطاع الخاص قد ضمر ضموراً كبيراً ، انما معناه ان القطاع الخاص لم يعد وحده القطاع الاساس بعد ان اصبح لدينا قطاعان اساسيان، هما القطاع الخاص والقطاع العام . هذه هي في الواقع الخصائص الاساسية المميزة في نظامنا . فلا نحن نعطي للقطاع الخاص الاهمية التي تعطيها له النظم الرأسمالية بحيث يصبح قطاعاً تكميلياً ، او بحيث يصبح ، كما هو الحال في النظم الشيوعية ، القطاع الوحيد ، وانما نحن نقيم كل من القطاعين على اساس من التعاون والتناسق . وكان هذا الموقف ، بعد ان تطورت نسبة القطاع العام وتطوره ، داعياً ، في الحقيقة ، الى اعادة النظر في موقف ووظيفة القطاع الخاص في الاقتصاد القومي .

حدث تطور خطير في دور القطاع الخاص عندنا إذ أصبح جزءاً من خطة ، بمعنى ان القطاع الخاص لم يصبح خارج الخطة ، كما هو الحال في البلدان الرأسمالية التي تلجأ الى التخطيط الجزئي ، بل أصبح هذا القطاع جزءاً مهماً من الخطة . وفي سبيل تبيان موقف القطاع الخاص ، اود ان أنبه الى ان اشتراك القطاع الخاص في التنمية ما زال حراً .  غير انه اذا شاء ان يشارك ي مجالات القطاع العام فلا بد له من ان يشارك على ضوء القوانين والقرارات القائمة وعلى ضوء الخطة . بمعنى انه اذا اراد ان يدخل في الخطة فله حرية الدخول ، انما عليه ان يتقيد بالاطار الذي حددته الخطة .

3 – تأتي الخاصة الثالثة المتعلقة باعادة النظر في الاسلوب الاقتصادي الذي كان متبعاً في نظامنا السابق ، وقد كان هذا الاسلوب هو ما يطلق عليه عادة اسلوب السوق . فبموجب هذا الاسلوب ، تترك الامور للسوق فتتوزع عوامل الانتاج بين فروع الانتاج المختلفة على اساس حاجة السوق التي ، بدورها ، تحدد على ضوء الاثمان والارباح . إنه اسلوب جد خطير، خصوصاً عندما تشتد الرغبة في انماء وتطويرالانتاج بينما نجد ان امكانات البلاد تضيع وتتشتت في وقت نحن احوج ما نكون فيه لهذه الامكانيات . لذلك تقرر الاخذ باسلوب التخطيط . وهنا اود ان انبه الى ان قرار الاخذ باسلوب التخطيط ما كان له ان ينجح او ان يحقق الاغراض المرجوة منه لو لم نلجأ الى التوسع الذي لجأنا اليه في القطاع العام في يوليو / تموز 1961 . فانتشار القطاع العام كان ضرورياً لنجاح الاسلوب الجديد الذي اتخذناه وهو اسلوب التخطيط .

4 – هنا تأتي الخاصة الرابعة المتعلقة بالتطور الذي طرأت على علاقات العمل برأس المال .

إن النظام الرأسمالي يقوم ، كما نعلم ، على علاقة تبعية العمل لرأس المال ، على اساس عقد العمل . اما وقد اصبح الجزء الكبير من رؤوس الاموال في التجارة والصناعة مملوكاً من الدولة  فلا شك انه كان من الضروري ان نغير طبيعة العلاقات القائمة بين العمل ورأس المال على اساس ان العمل وراس المال عنصران متكافئان من عناصر الانتاج ، يتعاونان معاً ، لا بغرض ان يستغل احدهما الآخر ، وانما بغرض انجاح الخطة الاقتصادية في رفع مستوى الشعب وفي رفع مستوى الانتاج . لذلك اعيد النظر ، كما نعلم ، في موقف ” العمل ” بأن سمح له بأن يشترك في الادارة وسمح له ان يشترك في الارباح بواقع 25 بالمئة .

حدث تطور مماثل في القطاع الزراعي . فعندما حولنا الاجراء الى ملاك فاننا حققنا اندماجاً في العلاقات القانونية والاقتصادية والاجتماعية بين جزء كبير من العمل ورأس المال في الزراعة .

هذه هي في الحقيقة الملامح التي أشهدها في فترة التغيير . واننا نشهد تغيير هذه الملامح وهي تنتقل بالمجتمع من وضع غير اشتراكي الى مجتمع اشتراكي . وبديهي ان لا تكتمل كل هذه الملامح دفعة واحدة ، كما انه لا يمكن لمقومات النظام الاشتراكي ان تقوم دفعة واحدة . بل ان التطور الذي يحدث في هذه العلاقات الاربع التي ذكرتها هو ما سيضمن لنا الانتقال الهاديء والناجح من المجتمع غير الاشتراكي الى المجتمع الاشتراكي .

د.محمد لبيب شقير: أود ان اضيف تفصيلاً بسيطاً في نقطة خاصة تتعلق بالملكية في فكرنا ونظامنا الاشتراكي.  إن نظامنا الاشتراكي ليس ضد الملكية الفردية في حد ذاتها ، لكنه ضد الملكية الفردية في شكل خاص من اشكالها ، هو الشكل المستغل المحتكر الذي يعمل على اعاقة نمو المجتمع وتطوره . لذلك لا بد في نظامنا الاشتراكي من وضع فواصل بين ما يسمح به للملكية الخاصة ، وما يوجب تدخل الدولة لكي تضع هذه الملكية في نطاق الملكية العامة . فالملكية الخاصة معترف بها في نظامنا الاشتراكي . ففي قطاع الزراعة ، لا تتولى الدولة الزراعة بنفسها  وانما عندما اتجهت الى الاصلاح الزراعي اختارت منذ البداية سلوكاً خاصاً في الاصلاح الزراعي وهو ان تحدد ملكية كبار الملاك وان تنزع منهم ، مقابل تعويض عادل ، ما يفيض عن الحد المحدد وان توزعه على المعدمين من الفلاحين والعمال الزراعيين . وكذلك ليست الدولة ضد الملكية الخاصة في قطاع التجارة ، إن في تجارة التجزئة او في قطاع تجارة الجملة ببعض صورها ، طالما لم يكن قيام الملكية الخاصة في هذا القطاع من شأنه ان يؤدي الى استغلال او احتكار . والدولة ايضاً ليست ضد الملكية الخاصة في شكلها التعاوني ، لأن الجمعيات التعاونية التي نعمل على اقامتها هي ، في النهاية ، ليست سوى تنظيم خاص من تنظيمات الملكية الخاصة . والدولة ايضاً ليست ضد الملكية الخاصة للدخل الذي يحصل عليه الانسان من عمله . فهي تترك له دخله يتصرف به كما يشاء .

ما هو ، اذاً ، النطاق الذي وضعته الدولة للقطاع العام ؟ .دخلت الدولة في القطاع العام عندما كان يوجد احتكار، وكان يخشى ان يؤدي استمرار هذا الاحتكار الى استمرار علاقات السيطرة القديمة التي أفقدت الشعب حريته ورفاهيته . فكان لا بد ان تتدخل الدولة للقضاء على هذا الاحتكار بتملك القطاعات المحتكرة . وتدخلت ايضاً عندما كان القطاع الخاص يتخذ من الملكية الخاصة وسيلة للركود لا للنمو . فقد كانت ملكيات كبيرة ورؤوس اموال ضخمة لا تتجه للاستثمار في فروع معينة لاكثر من سبب غير مبرر بينما كان عليها ان تتجه صوبها وان تنميها من اجل تنمية الاقتصاد بشكله العام . لذلك تدخلت الدولة في هذه الفروع واخصها في بعض الصناعات وأنشأتها بنفسها .

اذاً ، نحن لسنا ضد الملكية الخاصة ، انما نحن نريد ان ننقي هذه الملكية من شوائبها وعيوبها لتصبح اداة تطوير ونمو ، لا اداة احتكار واستغلال .

هذه في رأي سمة رئيسة من سمات اشتراكيتنا .

د. حسين خلاف : أعتقد انه من الممكن ان يضاف الى ما تفضل به الدكتور رفعت والدكتور شقير انه عندنا ، الى جانب فكرتنا عن الملكية الخاصة ، فكرة اخرى عن ملكية الشعب لجزء مهم من وسائل الانتاج ، لأننا نرى انه لا يمكن ان يتملك الناس جميعاً ملكية خاصة في المزرعة او في الصناعة ، من باب اولي . لذلك أخذنا بشكل جديد للملكية التي هي ملكية الشعب للمشروعات المؤممة ، وهو ما نجده في قطاع التأمين والبنوك وبعض الصناعات ، وعلى ان نوجد ملكية الشعب هذه الى جانب الملكية الفردية . اما الملكية الفردية في حد ذاتها ، فنحن نقر بها ، لكننا نحاول ان نطورها بحيث تصبح في صالح المجتمع كله الى جانب كونها في صالح المالك نفسه ، خاصة واننا نحاول ان نوجد نوعاً من الادارة المشتركة في المشروعات الزراعية الفردية . فالمعروف ان المالك الفردي الصغير لا يستطيع ان يدير مزرعته على النحو الواجب او المطلوب والكفاية العالية . وهذه الادارة القليلة الكفاية ، اذا أمكن القول ، تصيب المالك نفسه كما تصيب المجتمع بخسائر كبيرة . لذلك نسعى لنشر الجمعيات التعاونية ، لا لمجرد تعاون المزارعين فيما بينهم ، ذلك التعاون التقليدي الذي كان موجوداً قبلاً ، انما لكي نوجد شكلاً جديداً من اشكال ادارة المزرعة ، بحيث ان هذه الادارة لا تكون خاضعة للسلطان الحكومي على الاطلاق ، لكنها تكون خاضعة لنوع من المشاركة بين الزراع انفسهم ، راجين ان بؤدي هذا كله الى رفع مستوى الكفاية الادارية في المزرعة وبالتالي رفع كفايتها الانتاجية . اما في ما يتعلق بالتعاون الذي نعمل على تحقيقه بين العمل ورأس المال في المشروعات الصناعية ، فنحن لا نبغي تعاوناً تقليدياً على نحو ما نشهده في بعض البلدان الرأسمالية . مثلاً ، معروف ان بعض البلدان الرأسمالية تتقبل فكرة مشاطرة العمال للارباح ، كما تتقبل فكرة اشراك العمال في الادارة نفسها . وقد يقال فيما نفعله اننا لا نتخطى تلك المرحلة التي تأخذ بها البلدان الرأسمالية . فواقع الأمر ان هنالك فارقاً بين وضعنا ووضع تلك البلدان . فرغم التعاون القائم بين العمل ورأس المال في بعض النظم الرأسمالية ، فانه يوجد تمييز تام بين العمل من ناحية ورأس المال من ناحية اخرى . هنالك تفريق : فالعامل عامل واصحاب رأس المال هم أصحاب رأس المال ، حتى ولو تعاون الفريقان فيما بينهم على الشكل الذي أشرت اليه . ونحن هنا لا نعتقد ان هناك طبقة عاملة تقف موقفاً منفصلاً متميزاً عن رأس المال طالما ان رأس المال مملوك من الدولة في المشروعات المؤممة ، وطالما ان رأس المال أصبح لا يستطيع السيطرة على مقاديرالبلاد الاقتصادية ، حتى في المشروعات غير المؤممة .

واقع الأمر اننا نعمل لكي يكون للعمال دورهم الكبير ، وعلى ان تصبح العلاقة بين العمل ورأس المال على غير الصورة التقليدية التي نراها في البلدان الرأسمالية ، حتى نتطوروفق النمط الذي أشرت اليه .

د. محمود الشافعي : لي مجرد توضيح فقط . نحن في الواقع لسنا في مرحلة انتقالية . لقد قامت الثورة في سنة 1952 ، وقد قامت لتحقيق اهداف معينة في المجتمع . ونحن في مسيرتنا منذ عام 1952 نمر بمراحل ، واحدة بعد اخرى . وقد تأخذ المرحلة الواحد سنة او أكثر ، انما المهم اننا لسنا في مرحلة انتقال لها بداية ولها نهاية . فنحن نرى ان غرضنا من الثورة هو ان نتطور ، وان نحقق في تطورنا التحول من وضع اقطاعي ، يشاركه فيه احتكار رأس المال ، الى وضع تسود فيه المنفعة الاقتصادبة جميع افراد المجتمع . وقد سرنا متطورين نحو تحقيق اهداف هذا المجتمع الجديد. وانا لا اريد ان أسمي تطورنا هذا مرحلة انتقالية لسبب رئيس هو اننا نحقق في كل يوم جزءاً من أهدافنا ونخطو خطوة باتجاه تلك الاهداف . ثم اننا في تطورنا تخلصنا من الاقطاع الزراعي وحاولنا التخلص من الاحتكارات الرأسمالية ، وتوصلنا الى مرحلة من مراحل الاشتراكية ” الجديدة”. إن هذه المرحلة تتميز بخصائص عديدة ، أشار اليها الاخوان المشتركون في الندوة .

نحن قد وضعنا أهدافاً محددة وبرامج واضحة لتحقيق تلك الاهداف ، كما ان لنا اسلوباً في تحقيق تلك الاهداف ، وتنظيمات نطبق من خلالها الاجراءات التشريعية التي نصدرها لتحقيق أهدافنا . ثم اننا نحاول بناء مجتمع جديد. ونحن في هذه المحاولة نبدأ من أساس معين ، اقطاعي ورأسمالي وطبقي . فماذا فعلت الثورة ؟ .

إنطلقت الثورة من رغبة شعبية عامة لتحقيق رخاء اقتصادي وعدالة اجتماعية لمجموع افراد الشعب بمختلف فئاته ، وليس طبقاته ، ذلك ان من اهدافنا ازالة الفوارق الطبقية الموجودة حتى نصل الى مجتمع جديد يزول فيه ما كان ، في تلك المجتمعات ، من فوارق . فنظرتنا الاشتراكية التي يتحول مجتمعنا على اسسها تدريجياً في تطور. هي ليست مبنية على تغليب طبقة العمال على طبقة اصحاب رؤوس الاموال ، كبعض الاشتراكيات الاخرى . انما هي ، كما يقول استاذنا الدكتور خلاف ، مبنية على الايمان بمجتمع لا بد ان يسود فيه التعاون بين كل الفئات وبين اصحاب المصالح المختلفة ، بما لا يتعارض مع المصلحة العامة من تحقيق الاشتراكية لهذا المجتمع . ثم ان اشتراكيتنا لا تقول بتحريم الملكية الخاصة . فالملكية الخصة محترمة ولها وظيفتها الاجتماعية والدولة تصونها وتحميها وترعاها ، بل وتعمل على زيادتها ، وانما بشروط. والذي اريد ان اقوله في النهاية ، وللمرة الثانية ، ان مزايا ثورتنا انها تتم في تدرج مستمر يوماً بعد يوم . وهذا التدرج تحكمه خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية . وهي خطة عشرية هدفها مضاعفة الدخل القومي ، لها مرحلة خمسية مقسمة الى مراحل سنوية ، وهذه بدورها مقسمة الى مراحل فصلية .

نحن نتابع تطورنا يوماً بعد آخر ، سنة بعد أخرى ، نقيس الى اي حد حققنا من أهدافنا بالنسبة لما لدنا من موارد، ثم نجعل من اهداف الفترة الاولى موارد معنوية ومادية لتحقيق أهداف المرحلة التي تليها .

د . رفعت المحجوب : يستحق التوضيح الذي أثاره الدكتور الشافعي بعض المناقشة . وفي ما اعتقد ان الحديث عن مرحلة الانتقال لا يعدو الخلاف بشأنها ان يكون خلافاً ظاهرياً . لذلك قد يحسن منذ البداية ان نعرف ماذا نقصد بمرحلة الانتقال يما يخص الوضع في الجمهورية العربية المتحدة .

اولاً ، حتى نحدد ، يجب ان نستبعد احد الاوجه التي يمكن ان يظن انها المقصودة . نحن لا نقصد اطلاقاً بمرحلة الانتقال تلك التي ستنقلنا من الوضع الراهن الى نظام اقتصادي اجتماعي مخالف . انما نقصد بمرحلة الانتقال تلك المرحلة التي تنقلنا من الوضع السابق للثورة الى النظام الذي نسميه بالاشتراكية العربية .

ثانياً ، توضيحاً لفكرة مرحلة الانتقال نقول ان كل مقومات ونتائج الاشتراكية العربية لم تكتمل بعد ، إذ ليس من المتصور ان تكتمل في سنوات قليلة . وعليه ، ما زلنا ، في حدود هذا المعنى ، في مرحلة انتقال من النظام القديم الى النظام الذي نسميه بالاشتراكية العربية . فكل اهداف ذلك النظام ، كما قلت ، لم تكتمل بعد لأنها تتمثل اساساً في رفع مستوى الطبقات الفقيرة وفي تحقيق التنمية الاقتصادية . ونحن لا نزال حتى الآن نقطع السبيل نحو هذين الهدفين .

 

في حدود هذا المعنى ، يمكن ان نقول اننا نجتاز مرحلة انتقال . واعتقد انه يمكن ان نتفق على هذا القدركي يصبح الخلاف خلافاً شكلياً.

د. محمد لبيب شقير : اود ان اتقدم بتوضيح مستخلص من كلام الزملاء يتعلق بالنقطة الخاصة بمرحلة الانتقال التي أثارها الزملاء .

الاشتراكية التي نريدها ، من حيث أهدافها ، واضحة ومحددة . لكننا من حيث التنفيذ والتطبيق ، لكي نصل الى هذه الاهداف ، قد تتطور وتتبع اسلوباً يضيف شيئاً او يحذف شيئاً من اسلوب او خطوات نكون قد اتخذناها من قبل . وأود ان أشير الى نقطة اخرى مهمة تميز اشتراكيتنا التي نريد ان نصل اليها كاملة . هذه النقطة تتعلق بالجانب العقيدي . فمن الملاحظ من تاريخ الاشتراكيات ، ان بعض هذه الاشتراكيات تنكر انكاراً تاماً الجانب الروحي . اما اشتراكيتنا نحن فهي مبنية على الجانب الروحي ومرتبطة به ارتباطاً وثيقاً ، بمعنى اننا نعتقد ان العدالة الاجتماعية التي نبغيها والتنمية الاقتصادية التي نريدها لرفع مستوى معيشة الشعب مرتبطان ارتباطاً كاملاً بالقيم الروحية التي سادة في هذه المنطقة ، سواء كانت هذه القيم مستقاة من الاسلام او من المسيحية . فهي القيم التي ورثناها ، وهي تأبى تماماً سيطرة الانسان على الانسان وتأبى استغلال الفرد للفرد ، وتأبى ان يعيش الانسان بمستوى معيشي منخفض .

هذا يدفعنا الى اثارة سؤال آخر . فقد يقول البعض انه في ظل حكم هذه القيم الروحية وجد تفاوت اجتماعي واقتصادي ونظام طبقي . ويجب ان نشير هنا الى ان ما حصل في الواقع وفي بعض الظروف التاريخية نراه نحن مخالفاً مخالفة تامة للتفسير الصحيح للقيم الروحية التي سادت في المنطقة . فليس معنى سيطرة فئة معينة على نسبة كبيرة من الثروة في فترة معينة من فترات تطور المجتمع الاسلامي ، مثلاً ، اوفي فترة معينة من فترات سيادة المباديء المسيحية ، ان هذا الوضع الذي قام هو الذي تحتمه المباديء المسيحية او المباديء الاسلامية . لذلك أود ان أشير ، بايجاز ، الى ا ن اشتراكيتنا تتفق كل الاتفاق مع القيم الروحية التي نشأت وترعرت في المنطقة والتي كان أقوى تعبير عنها : المسيحية والاسلام .

د. حسين خلاف : أرجو ان أضيف ، اننا نحن متفقون على ان اشتراكيتنا ، وإن جاءت متأثرة تماماً بالجو الروحي والفكري والعقائدي الذي يسود المنطقة، ذلك التأثير الذي يكفل لها الحياة والاستقرار ، إلا انني أعتقد بان هذه الاشتراكية تسعى الى ان تأتي بقيم جديدة . وليس من الواجب ان تأتي مضادة للقيم القديمة ، لكنها تأتي بقيم جديدة تلائم ما نريده من جديد . كما انها ترسم لنا أهدافاً جديدة وتنظيماً جديداً للعلاقات بين مختلف الافراد والفئات في الامة ، كما اننا نسعى لان نحقق تلك الاهداف بوسائل جديدة . هناك ، اذاً ، نوع من الجدة نلحظه ، سواء بالنسبة للقيم او بالنسبة للاهداف او بالنسبة للتنظيم او بالنسبة للوسائل . هذه الجدة هي التي تجعل من اشتراكيتنا مرحلة جديدة في حد ذاتها ، وليست مجرد تطور لنظام قديم .

نحن ندعي اننا نعيش في عهد اشتراكي . هذا العهد يخالف ، من حيث مثله ومن حيث قيمه ومن حيث وسائله في العمل ومن حيث التنظيم الخ.. ، يخالف ذلك المجتمع الذي كان سائداً من قبل . وهذه الجدة هي التي تضفي على هذا النظام الجديد اصالته .

أخشى ان تكون النقطة الاولى من السؤال قد أخذت منا وقتاً كبيراً . وارى الآن ان نتقل الى الجزء الثاني من السؤال المتعلق بالمشاكل التي تواجهنا . غير ان الذي أخشاه ان يقودنا بحث “المشاكل ” الى بحث المشاكل التقليدية التي تمر بها الشعوب السائرة في فترة النمو .

ميشيل خوري : ما يهنا من هذه الاسئلة هو اثارة المشاكل ” الخاصة ” التي تواجهها عملية البناء الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة بالذات ، ويمكن الاشارة بشكل عابر الى المشاكل التقليدية في سياق المناقشة .

د. حسين خلاف : إن المشاكل التي تواجهنا هي نفسها التي تواجه البلدان الساعية الى النمو والتي لا تقنع بمجرد التنمية وانما تريدها تنمية اشتراكية . كل ما يتعلق بمشاكل التمويل والفنيين وميزان المدفوعات ، والى حد ما الاثمان ، والعلاقات المالية والنقدية والمصرفية وسواها من مشاكل نجدها متشابهة ، ونحن نجد لذة في مواجهة هذه المشاكل لأنها تشبه المشاكل التي قرأنا عنها في الكتب اثناء الدراسة . ونجد لذة اكبر عندما نجد حلولاً لهذه المشاكل التي تعترض اليوم سيرنا . وأؤكد انه ليس ادعى الى نجاح الامم من احساسها بصعوبة المشاكل عندما تتمكن هذه الامم من التغلب عليها وعندما تتمكن من تحقيق برامجها كاملة . أقول هذا الكلام ليس عن طريق الانشاء وانما هذه هي حياتنا اليومية . وأؤكد انها حياة فيها الكثير من الاشياء المثيرة التي تخرجنا من النومة الطويلة الني كنا فيها في اطار الركود الرأسمالي . وها نحن الآن نخرج الى اطار النشاط الاشتراكي بكل ما فيه من طاقات مادية وروحية وعقائدية وهذا يؤدي لذة بسبب ما يتحقق من نتائج .

د. محمود الشافعي : ما اريد ان أقوله ان اي دولة ، ومنها الجمهورية العربية المتحدة ، اذا لم تكن لها أهداف لا تظهر لها مشاكل . فعندما تكون هناك اهداف محددة ومقررة تظهر الصعوبات والمشاكل والعقبات ، او قد لا تظهر . وعلى قدر حجم الاهداف تكون ايضاً احجام المشاكل . وبقدر ما استطيع ان ارى وان أتلمس ، فقد انتقلت الجمهورية العربية المتحدة من وضع لم يكن يزيد فيه معدل نمو الدخل القومي كثيراً عن معدلات نمو السكان ، ولم يكن توزيع هذا الدخل ليسمح لاغلبية السكان العيش على مستوى معيشة انسانية . ولم يكن هنالك ايضاً نمو وتنمية في الاتجاهات التي تسمح بها الموارد والطبيعية والمالية المتوفرة والتي كان من الممكن ، لو احسن توزيعها ، ان تستخدم استخداماً آخر . ثم اتجهت البلاد التي تكوين اهداف لها لبناء مجتمع جديد ، ورسم هذا المجتمع الجديد سبيل تنمية موارده وتوزيع ناتج ما يحقق من تلك الموارد بين مختلف جهات وفئات المجتمع، ليس فقط بين الفئات المشتغلة بالانتاج ، بل ايضاً بين الفئات التي كانت محرومة منه ، وبين الاستهلاك والادخار فالاستثمار.

أقر مجتمعنا مبدأ التوجيه العام . وهذا المبدأ لا يشمل فقط الموارد التي توضع تحت يد الحكومة ، بل ايضاً الموارد الاخرى لمن كانت واين كانت ملكيتها ، وبالتالي تعبئة تلك الموارد وتجنيدها لتحقيق المزيد من الناتج القومي والمزيد من التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، هذه التنمية التي رسمت فيها زيادة الدخل القومي بمعدلات تفوق كثيراً معدلات زيادة السكان ، ورسمت فيها ايضاً بعض انواع من الضرائب والمشروعات الانشائية في جميع القطاعات تشمل الزراعة والصناعة والنقل والمواصلات والطاقة الكهربائية والبترولية . ورسمت لها كذلك صورة لتطوير التعليم والتأهيل والتدريب الفني والتخصصي على المستويات المختلفة ، والى تقديم خدمات الرعاية الصحية ، كل ذلك من اجل توجيه المجتمع نحو عملية تثقيف وتوعية شاملة ، ليس في المباديء والاهداف فقط وانما ايضاً في الاساليب .

إن لنا أهدافاً محددة ، ولدينا موارد محدودة ، وبقدر ما ننظم هذه الموارد ، سواء أكانت موارد بشرية او مالية او مادية او معنوية ، ونحسن استغلالها فترة بعد اخرى ، وننسق فيما بينها ونزيل اسباب التعارض ونرفع وتيرة التكامل ، بقدر ما نقترب من تحقيق هذه الاهداف . ولكي نفعل كل هذا لا بد لنا من التخطيط الشامل . وفي مثل هذا الوضع والاسلوب لا بد وان تظهر بعض المشاكل والعقبات . والمجتمع الواعي هو الذي يدرك ويعي وجود المشاكل ويقدم على حلها . وما دامت لدينا أهداف نرجو ان تكون لدينا مشاكل وعقبات نقف لها بالمرصاد ونقدم على حلها . والواقع ان مشاكل التنمية في نظرنا أهون حلاً من مشاكل التخلف والتبعية والاستغلال والطبقية . وانا لا أخاف من القول ان هناك صعوبات ومشاكل ، وهذه الصعوبات والمشاكل انما هي من صلب عملية البناء والتطور . وقد تكون هذه المشاكل انسانية او ناتجة عن التعارض في استخدام الموارد او لها خلفيات فكرية ، كأن لا يكون هناك تفهم للترابط الزمني بين الاهداف الموضوعة والى ما قد ينشأ مع الزمن من مشاكل اخرى .

أنا سعيد ان أقول ان عندنا مشاكل ونواجه بعض الصعاب ، واننا لا نام عليها ، بل نحاول استجلاء اسبابها ودوافعها ونسعى الى حلها .

د. حسين خلاف : السؤال الثاني هو التالي :

قد تكون الظاهرة الابرز في عملية التحول الجارية حالياً في المجتمع العربي في الجمهورية العربية المتحدة هي سرعة توسع الدولة في ملكية الفعاليات الاقتصادية وادارتها ، وبالتالي تحمل الجهاز الحكومي مسؤولية محددة هي تحقيق التحول السريع الى الاشتراكية . وفي هذه المرحلة لا بد وان تبرز مجموعة كبيرة من المشاكل الجديدة . فهل من الممكن ان نستجلي هنا بعض هذه المشاكل بحيث نصور :

أ – كيفية ظهور المشكلة .

ب – كيفية مواجهة المشكلة وحلها .

ج – مدى أهمية هذه المشكلة .

والمشاكل التي يثيرها السؤال اربع هي :

1 – مشكلة الفنيين والمعايير الفنية .

2 – الجهاز الاداري والكفاءة الانتاجية .

3 – الشكل التنظيمي للقطاع العام .

4 – مسألة الاسعار والاجور

ولنبدأ بطرح السؤال المتعلق بالفنيين .

ما هي مشكلة الفنيين والمعايير الفنية في ضوء مرحلة الانتقال :

1 – الى أي حد يتفهم الفنيون في الجهاز الاداري الابعاد المختلفة لعملية التحول ؟ . أي الى اي حد يعي هؤلاء ان عملية التحول ليست مجرد عملية رقمية .

2 – الى أي حد يجري تطوير المعايير الفنية التي كانت مستخدمة في النظام القديم لكي ندخل في حسابها الابعاد الجديدة لعملية التحول نحو الاشتراكية ؟ .

3 – ما الذي تقوم به الدولة ، وما هو الشيء الذي يجب ان تقوم به لخلق جيل جديد من  “الخيراء العقائديين” الذين يعون طبيعة المرحلة ويستخدمون خبراتهم الفنية كمجرد اداة لتحديد وتنفيذ اهداف ليست بالضرورة ، محددة فنياً .

هل هناك مشكلة خبراء بهذا المعنى ؟

نلاحظ ان السؤال الذي يوجهه لنا الاخ ميشيل خوري لا يتعلق بمجرد ندرة الفنيين باعتبارهم فنيين ليس الا ، وانما هو يثير ملاحظة طريفة وهي مسألة ” الخبراء العقائديين ” . هنا يمكن ان نفهم ان لكلمة ” فنيين ” معان مختلفة . فهل القصود الفنيون في القطاع الحكومي او القطاع العام او القطاع الخاص ؟ . ثم ان الفنيين يختلفون في فئاتهم . فمنهم الممسكين بالقيادة ، ثم الفنيين بالمعنى الضيق ، كالمهندسين وسواهم ، وهؤلاء يختلون ايضاً ، وهناك فنيو الادارة ، والى ما ذلك . والواقع ان السؤال عن مدى تفهم الخبراء للابعاد الحقيقية لعملية التنمية هو سؤال مهم الى حد كبير .

د. محمد لبيب شقير : يثير السؤال المتعلق بالفنيين ، على ما أتصور ، كل عملية التنمية . فعملية التنمية ، في حد ذاتها ، هي عبارة عن حصر المتوفر بين ايدينا ، ثم اختيار اولويات معينة ، كأن نبدأ بهذا ونؤخر ذاك ، او نعطي لذلك الغرض قدراً ونعطي الغرض الآخر قدراً آخر . ويترتب على هذه العملية وجود ترتيب زمني يفسر لماذا أبدأ من هنا ولماذا انتهي هناك ، ويوضح معنى التماسك الزمني في المشروعات المختلفة . ثم بالاضافة الى كل ذلك ، يجب ان تكون هناك كفايات انسانية وبشرية معينة موجودة ومتوفرة . كل هذا ينتهي في الاخير الى ما نسمبه بعملية التخطيط . فأول عملية نستطيع ان نشير اليها في مجال الخبرة الفنية هي عملية التخطيط ، وبعد ذلك يأتي دور التنفيذ . فبعد ان توضع الخطة لا بد من التنفيذ . وتنفيذ الخطة يحتاج ، هو الآخر ، الى وجود فنيين قادرين على تنفيذ ما أتت به الخطة . ولكي ينجح هذا السيناريو ، سواء التخطيط او التنفيذ ، لا بد ان تقترن العملية برمتها ، بايماننا باهمية التخطيط كاسلوب لتطوير الحالة الاقتصادية . فمن ينفد ، كي يجيد التنفيذ ، عليه ان يؤمن بجدوى ما ينفذ .

اذا كنت قد فهمت السؤال فهماً جيداً ، فالمقصود منه تبيان الى اي حد يفهم الفنيون ان الهدف ليس مجرد زيادة الانتاج ، مثلاً ، لأن زيادة الانتاج يقتضي ان يرتبط بوجود كفايات انسانية معينة وتعديل العلاقات البشرية الموجودة في المجتمع . وانا أعتقد ، كما قال استاذنا الدكتور خلاف ، ان هذه مشكلة تواجهها كل الدول التي تأخذ بالتنمية الاقتصادية والتي تريد تطوير حياتها على أسس اشتراكية .

كيف اقدمنا نحن على حل هذه المشكلة ؟ . هذا هو السؤال المهم الذي يجب ان نضعه امامنا .

أول ما ادركناه ان عملية التحول ليست مجرد توزيع او مجرد زيادة للانتاج فحسب ، انما هي تقتضي تحولاً في العقليات . لذلك أخذنا بالاشتراكية التي يؤمن بها الشعب ويدين بها كمبدأ عام . وقمنا بعملية توعية عامة لتبصير الشعب بالعقبات التي يصادفها والتي سوف يصادفها والمجهود الذي عليه ان يقوم به في مجال التغلب على هذه الصعاب . ومن ناحية اخرى ، أي في مجال الفنيين ، وضعنا برنامجاً واسعاً الغرض منه تكوين الفنيين . وقد اوجدنا لهذا الغرض معاهد للتخطيط ، ومعاهد للادارة لتبيان كيفية ادارة المشروعات في ظل النظام الاشتراكي. ثم ان هيكل التعليم في جامعاتنا او في معاهدنا وضع على اساس ان يخدم هذه الخطة ، بحيث لا يمكن ان تصطدم الخطة في المستقبل بالقصور في عدد الفنيين اللازمين لتنفيذها في مجالاتها المختلفة .

نأتي للخبراء العقائديين . وأود ان اوضح بصددها نقطتين :

الاولى ، ان الشعب في الجمهورية العربية المتحدة يؤمن ايماناً راسخاً بالاشتراكية . فمن هذه الناحية فان الاشتراكية قد أصبحت عقيدة شعبية . السؤال اذاً : كيف نخلق المؤمنين بالاسلوب الذي يجب ان يطبق لنجاح هذه الاشتراكية . هذا هو السؤال . فما هو الاسلوب اللازم لنجاح هذه الاشتراكية .

اعتقد اننا في نظامنا التعليمي ندرس الاساليب التي بمقتضاها يمكن ان نصل بالنظام الاشتراكي الى أعلى درجة ممكنة من الكفاية . فهل حللنا كل المشكلة ؟ . فكما قال استاذنا الدكتور حسين خلاف لا بد لكل تطور من مواجهة بعض الصعوبات . ويكفي ان نقرأ اي كتاب عن تاريخ النمو الاقتصادي ، إن في انكلترا او في الولايات المتحدة الاميركية او في روسيا او في اي بلد آخر في العالم ، لكي نجد ، رغم الاختلاف في الفترة التاريخية التي نما فيها كل اقتصاد ، وبرغم اختلاف النظم الاقتصادية التي نعيش فيها ، فانها كلها قد واجهت بعض الصعوبات في عملية التنمية الاقتصادية وفي عملية النهوض والتقدم الاقتصادي . والمعيار الدقيق على نجاح او عدم نجاح  نظام ما هو في السؤال التالي : الى أي حد يحاول هذا النظام ان يحل المشكلات الموجودة والى أي حد ينجح في حلها  والى أي حد يصر في الوصول الى النجاح الذي يتوخاه او الذي يتلاءم مع هدفه .

أعتقد ، من هذه الناحية ، ان مشكلة الفنيين عندنا تدرس الآن دراسة كافية ، واننا نخطط للنجاح ونصر على تنفيذ خططنا في هذا الصدد.

د . رفعت المحجوب : أريد ان أتكلم بموضوع ” الخبراء العقائديين ” ليقيني ان الاشتراكية لا يمكن ان تجد سبيلها على أيدي غير الاشتراكيين . لذلك يصبح من الضروري ان نكوّن جيلاً من الخبراء الذين يؤمنون بالاشتراكية . وقد يطرح السؤال : ما العلاقة بين الخبرة وبين الاشتراكية ؟

أود ان انبه الى ان الفن القانوني والفن الاداري ليسا مجرد قواعد مجردة منفصلة عن المشاكل التي يعيشها المجتمع وعن الاهداف التي يسعى اليها . هي ليست مجرد قواعد فنية صرفة ، لكنها في الحقيقة تتوقف ، الى حد بعيد ، على نوع المشاكل التي يصادفها المجتمع ، وعلى نوع الاهداف التي يسعى الى تحقيقها . أي بمعنى ان الفن القانوني والفن الاداري والفن الانشائي يمكن يختلف من مجتمع الى آخر ، تبعاً للنزعة الفكرية التي تسيطر على هذا المجتمع . من هنا أقول ان على الخبراء الاشتراكيين ان يختاروا فناً ادارياً وفناً قانونياً يتفق مع الاشتراكية ولا يتناقض معها. وعلى الجانب الآخر يختار الخبراء الرأسماليون فناً ادارياً وانتاجياً يلاءم مجتمعهم . لذلك ، من الضروري ان نكوّن جيلاً من الخبراء الذين يؤمنون بالاشتراكية . وسأعطي مثلاً مهماً في هذا المجال ينبه الى ان قواعد الفن الانتاجي ليست قواعد مجردة . لنفرض ، مثلاً ، اننا مجتمع يشكو من زيادة السكان ويشكو ، في الوقت نفسه ، من انخفاض مستوى المعيشة . فسيكون من البديهي ، والحالة هذه ، ان نختار الفن الانتاجي الذي يضمن تشغيل العمال ورفع مستواهم . وانا لا استطيع ان أتصور ان اي شخص لا يؤمن بالاشتراكية وبتطوير المجتمع تطويراً اشتراكياً يستطيع ان يتوصل الى قواعد فنية او قانونية او ادارية تقوم اساساً على معالجة مشاكل المجتمع في هذا الصدد . وانا أعتقد اننا قد بدأنا فعلاً في الجمهورية العربية المتحدة نعطي للخبراء الفنيين ثقافة اشتراكية حتى نكوّن الجيل الذي ستقوم عليه الاشتراكية في بلادنا .

د. محمود الشافعي : أود ان أضيف الى ما قاله الاخوان ان مراحل البناء الاشتراكي في الجمهورية العربية المتحدة هي كمراحل البناء في اي دولة اخرى ونظام آخر ، حيث لا بد لها من قيادة فكرية ولا بد لها من مشاركة الرأي الشعبي ، سواء ترتب على هذه لمشاركة قيام الحكومة بالعمل الايجابي بناء على رغبة الشعب او قيام الشعب عن طريق الاشتراك الفعال بتحقيق اهدافه بنفسه ، بتوجيه الدولة ودفعها للعمل نيابة عنه وتمثيلاً له .

يخيل لي ان السؤال ينصب على تكوين تلك القيادة الفكرية . فهل تعي الدولة اهمية القيادة الفكرية التي تنمي الفكر الاشتراكي في هذا المجتمع ، وهل تقوم بعمل فعال في سبيل تواجدها ؟ .

وأحب أن أطمئن الاخ الاستاذ ميشيل من هذه الناحية . فنحن دولة اتخذت من التخطيط الشامل اسلوباً للتنظيم والعمل . وفي مجال التخطيط الشامل كان تخطيط القوى العاملة اساساً مهماً من أسسه . فقد شملت عملية التخطيط الشامل فيما شملت تخطيط القوى البشرية بتخصصاتها المختلفة وتنسيق اجهزة التوعية والاعلام والثقافة والاجهزة التعليمية واجهزة التدريب والتأهيل المختلفة . وسنضمن ، مع مرور الزمن ، توافر مختلف التخصصات والمهارات اللازمة لتنفيذ اهدافنا الانتاجية والاشتراكية . أما بالنسبة للاشارة الى وجود القيادة الفكرية وأهميتها ، فالواقع ان هذه القيادة الفكرية موجودة ويزداد تواجدها باستمرار . وعلينا ان نلاحظ ، في الوقت نفسه ، ان الاشتراكية العربية في الجمهورية العربية المتحدة ليست شيئاً موحى بها من أعلى ، ذلك ان هناك رغبة شعبية بقيامها . وهذه الرغبة الشعبية تتحول بالتخطيط الشامل والتنسيق المستمر الى أساليب عمل والى تنظيمات وتشريعات ونتائج تتحقق فترة بعد اخرى . وفي هذا المجال نحتاج الى عمليات توعية .

إن شعبا في الجمهورية العربية المتحدة قد بلغ من الوعي ان لا يقبل اساليب الاقطاع والاحتكار والاستغلال ويرتضي ، في ما يرتضي ، بالمشاركة الفعالة ، سواء في الادارة او في العمل المنتج او في العمل الاجتماعي . ثم ان المجتمع هذا يقيم تنظيمات ، وهي بدورها تقوم بعمليات توعية . وما اريد ان أضيفه ان دور القيادة الفكرية ، على أهميتها ، لا يقل عن دور الوعي الكامل على المستويات الشعبية والمشاركة الشعبية الواسعة والشاملة ، على جميع مستويات العمل من اجل تحقيق الكفاية والعدل . وبودي ان اقول ايضاَ اننا في مراحل التطور البنيوية . فنحن لا ننظم اجهزتنا الانتاجية والتسويقية فقط ، بل نقوم بعملية اكبر واكثر خطورة من كل هذا . نحن نحاول ان نربط مرحلياً بين التنظيمات التي نقيمها والتنظيمات السياسية ، وذلك في سبيل التحول الى ديمقراطية اشتراكية تتوفر فيها القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية لجميع افراد المجتمع . وفي مراحل التطور هذه ، نحن لا نهمل عملية التوعية ، بل نسير يها وندفعها ونعززها . وكذلك نسير بعملية تكوين القيادات الفكرية المتناسبة مع اشتراكيتنا . وهذه القيادة يجب ان تشمل كافة المستويات الشعبية وتنبع من التنظيمات الشعبية المختلفة ومن المؤسسات التعاونية والتثقيفية ، وعلى الاخص في جامعات الجمهورية .

د. حسين خلاف : احب ان أضيف الى كلام الاخوان حول هذه النقطة انه قد يظن ان الفنيين بعيدون فكرياً او عقائدياً عن فكرة التنمية وعن فكرة الاشتراكية بسبب ان الكثيرين منهم تلقى معارفه وتعليمه في الخارج ، خاصة في البلدان الرأسمالية . من واجبي ان اعترف ان هذه حقيقة الى حد ما . كذلك قد يقال ان الفنيين الموجودين في مصر كانوا ينتمون الى طبقة معينة ، هي الطبقة الوسطى لذلك يتعلقون باهداب الطبقة العليا ويؤملون في الوصول اليها في يوم من الايام . هذه هي الحركة الطبقية الطبيعية . اما في واقع الامر ، فان أي انسان عندما يدرس الحالة الاجتماعية في مصر الآن ، يجد ان الوضع مختلف الى حد كبير جداً . وقد يكون من الطريف ان يتساءل الانسان عن السبب في الاهتمام الكبير الذي يوليه الفنيون للتنمية ، واعتقاد الكثرة بينهم هذا الاعتقاد الراسخ بالاشتراكية . في اعتقادي ان هذا الامر يرجع الى اسباب كثيرة ، منها انه على خلاف ما يظن ، فالواقع ان الجزء الاكبر من الفنيين هم ابناء الطبقة الفقيرة وابناء الفلاحين الريفيين . ولو تأملنا بوجوه الحاضرين في هذه الغرفة حالياً لاستطعنا ان نردهم بسرعة الى الريف . نحن ذاتنا ابناء فلاحين ، فتحنا عيوننا على القرية ومشاكلها وبؤسها وثرنا في ضمائرنا عندما كنا اطفالاً . هذه هي الحقيقة الكبرى في حياتنا ، وهي الضمانة الكبرى باننا سنسير في خط مستقيم لا اعوجاج فيه لأننا مندفعون اندفاعاً تلقائياً في هذا الاتجاه . والضمانة الاخرى ان الفنيين الذين يعملون حالياً ، يعملون في نوع من الاستقلالية . كثيرون منهم عاشوا في عهد التبعية وعاشوا في عهد الاستقلال وعرفوا الفارق الكبير بين التبعية والحرية ، وهم يشعرون الآن بشيء من الكرامة الشخصية والوطنية ترد اليهم . وهذا ما يجعلهم يصرون على تحقيق شيء ما . فهم يتمسكون بالنظام الموجود لأنه نظامهم . ثم هم يعملون على تثبيته لأنهم يرون فيه مصلحتهم الادبية والمادية ايضاً . أضف الى ذلك انهم جزء اساس مشارك في عملية التغيير والتنمية ويشعرون ان النجاح يتحقق يوماً بعد يوم ، وهو شعور يدفعهم بثقة وحزم ليقدموا ما عندهم من معرفة فنية لهذه العملية التغييرية العظيمة . هذا هو وضع جمهرة الفنيين في مصر . ولا انكر ان فيهم التقليديين و” النايم على روحه ” واللي لسه ما ” بلغتهوش الرسالة”، لكنني قطعاً ارى ان الاتجاه العام خلاف ذلك .

د. رفعت المحجوب : لن أقول جديداً ،انما سألخص ما قاله الدكتور خلاف . الحقيقة انه لا يصح ان نناقش مشكلة الخبراء العقائديين بالاستقلال عن الظروف التي نشأ يها الخبراء . هم من ابناء الفلاحين وهم ، في الوقت نفسه ، يحسون الآن بنوع من عودة الكرامة الشخصية والوطنية التي ردت اليهم . إن ما ينقص هؤلاء الخبراء ليس الايمان بالاشتراكية العربية التي يدافعون عنها ، لكن لعل ما ينقصهم هو تفاصيل هذه الاشتراكية والمشاكل المتعلقة بها . وهذا يعني انه تنقصهم بعض المعلومات عن الاشتراكية لا الايمان بها .

د . حسين خلاف : لعل الوقت قد حان للانتقال الى نقطة اخرى تتعلق بالجهاز الاداري . والسؤال يتمحور حول الجهاز الاداري والكفاءة الانتاجية . فالي اي حد يمكن لجهاز اداري موروث عن عهد لا اشتراكي ان يتحمل مسؤولية زيادة الانتاج القومي والارتفاع بمستويات الانتاجية ، وبالتالي تحقيق أهداف الخطة . هل هناك من عقبات ومشاكل بدأت تتبلور وتتضح في هذا المجال  خاصة بعد صدور قرارات يوليو الاشتراكية ؟ ثم ، كيف يمكن لنا ان نتبع سياسة ” حوافز” جديدة لحل المشكلة ؟ .

أعتقد ان الكثير مما قيل ينطبق على الجهاز الاداري الموروث الذي تسربت اليه الآن الافكار الاشتراكية ووجدت لديه مرتعاً خصباً ، وهو الآن في طريق التحول لكي يصبح جهازاً اشتراكياً. ونحن نعيب على الجهاز الاداري انه لا يزال فيه نوع من الثقل والجمود ونقول اننا نطمح بتطوير هذا الجهاز . والواقع ان تطوراً قد حصل في هذا الجهاز ونحن نرغب له ان يزداد . والمراد ليس مجرد تطور في العقلية ، انما ايضاً في الاسلوب وفي التنظيم الاداري والمالي . ونحن نعي قيمة الاصلاح الاداري ، سواء في القطاع الحكومي او في القطاع الخاص .

د. محمد لبيب شقير : أود ان أضيف فيما يتعلق بالجهاز الاداري والكفاءة الانتاجية ما يلي : انني اعتقد ان كفاية اي جهاز اداري تعتمد على عوامل ثلاثة : الأول ، هو الاطار القانوني والتنظيمي الذي يعمل ضمنه الجهاز . اذاً ، ما هي القوانين وما هي اللوائح وما هي القواعد التي يسير عليها هذا الجهاز ؟ وما هو التدرج الرئاسي وهل هناك رئاسات عديدة متشابكة الخ.. ثانياً ، الاعمانة او عدم الامانة او البطء في تطبيق الموظفين لهذه القواعد الموضوعة . ثالثاً ، هو وجود دافع يحفز الموظف او العامل في الجهاز الاداري لأن يعمل بحماس . في اعتقادي اننا لونظرنا الى هذه الجوانب الثلاثة سنجد ان هناك تغيراً جوهرياً حدث ويحدث منذ قيام النظام الاشتراكي . ففيما يتعلق بالاطار القانوني والتنظيمي ، نلاحظ اننا ورثنا قواعد ولوائح كانت تعرقل أشد العرقلة كل عملية كانت تقوم بها الدولة . وقد تنبهت الدولة الى الأثر الضار الذي لهذه القوانين واللوائح على عمليات الانتاج وعلى تحقيق أهداف الخطة . لذلك عمدت الدولة منذ فترة بعيدة ، وبعد قيام الثورة،الى تطوير هذا الاطار . وقد ظهر التطوير الجذري بعد صدور قرارات يوليو الاشتراكية. ثم اتضح انه ما زالت هناك قواعد في الاطار القانوني وفي الاطار التنظيمي تعرقل سيرنا نحو تحقيق اهدافنا ، لذلك نشأت عندنا فكرة لخصت بعبارة بسيطة هي ” هز الجهاز الاداري ” بحيث يتطور مع التطور الاشتراكي .

نصل الآن الى النقطة الثانية . تعتبر كل الانظمة ، أكانت رأسمالية ام اشتراكية ، ان كل موظف يهمل او يخطيء قد اقترف جرماً بحق النظام ، لأن الاهمال يتنافى والمباديء الخلقية الانسانية . لذلك نحن نأخذ بالشدة كل من يثبت عليه اهمال او قصور لأننا نعتبر ان هناك جريمة وطنية قد ارتكبت . ويكفي ان نعلم ان هناك حالياً مشروع قانون يسمى بمشروع قانون الاهمال يقصد منه معاقبة الموظف او العامل الذي يهمل تنفيذ عمله . وأود أن أشير الى ان الكثير من الباحثين يشيرون الى ان ظاهرتي الاهمال وعدم الامانة اكثر تفشياً في الاقتصاد الراكد منه في الاقتصاد النامي المتطور . فالاقتصاد المتطور بطبيعته يحاول ان يدفع الناس الى العمل ويعتبر الاهمال جريمة كبرى. وبالمقابل ، فان في ظل النظام الاقتصادي الراكد يكون الاهمال او عدمه ظاهرة غير محسوسة .

نأتي الى النقطة الثالثة . هل هناك دافع للجهاز الاداري كي يطبق الاشتراكية ام لا ؟ . بيّن استاذنا الدكتور خلاف ان معظم الفنيين في الجهاز الاداري هم من ابناء الريف . وهؤلاء يشعرون ان لهم مصلحة في نجاح النظام الجديد . وأود ان أضيف الى ذلك انه لا يمكن ان نجد بلداً تطور اقتصادياً الا ولعب الدافع الوطني دوراً مهماً في هذا التطوير ، بحيث يشعر الفرد المساهم في عملية التنمية بأنه يؤدي خدمة وطنية . بودي ان أحدد هذه النقطة . نحن هنا في الجمهورية العربية المتحدة عندما نقدم على عملية اشتراكية ، والتي هي عملية تنمية وتوزيع ، نشعر جميعاً ان الدافع الوطني ليس قاصراً على تقدم بلدنا مصر، هذا الجزء الصغير من الوطن العربي . نحن نعتبر ان المعركة الاشتراكية التي نخوضها تكمن اهميتها في انها تجربة للوطن العربي كله . ان المصلحة الوطنية تبني للفرد مصلحة خاصة لأن الفرد يشعر بان حالته ستتحسن مع تحسن حالة المجتمع ككل .

نأتي لسياسة الحوافز . هل أوجدنا حوافز جديدة لموظفي الجهاز الاداري ام لا ؟ . نحن نعلم ان قوانين يوليو الاشتراكية المشهورة أعطت للعامل حقاً في جزء من ارباح المشروع . فمن مصلحة هذا العامل ان يزيد الانتاج وان يزيد الربح لكي يستطيع ان يحصل على دخل أعلى . فقد ربطت المصلحة الوطنية هنا مباشرة بمصلحة العامل الشخصية . ومنذ ايام قليلة توسعت القاعدة وباتت تشمل موظفي الحكومة والمؤسسات العامة . من الصحيح اننا قررنا ، بسرعة ، للموظف مرتب عشرة ايام اضافية ، لكن القرار نفسه حدد ان هذا المبلغ الذي يحصل عليه الموظف بشكل زيادة ، متوقف على الزيادة في الانتاج في القطاع الذي يعمل فيه . وهذا حافز قوي.

د. رفعت المحجوب : بعد هذا التوضيح القيم الذي قدمه الدكتور شقير ، أود ان اقدم بعض الملاحظات المتعلقة بكفاءة الجهاز الانتاجي . واحب ، في البدء ، ان أنبه الى التغيير الاساسي الذي حدث في العلاقات الانسانية داخل المشروعات . ففي الماضي كان العامل يشعر انه يعمل في مصنع غريب عنه لأنه مملوك من رأسمالي . اما الآن فهو يعمل في مصنع تملكه الدولة . وهذا يعني ان العامل يعمل في مصنع مملوك من الشعب ، وهو ، أي العامل ، جزء من الشعب . لذلك ، فالتأميم الذي حدث يمكن ان يحل عقدة العمال في المشروعات الرأسمالية. وحل هذه العقدة لا تعني فقط حل عقدة نفسية موحودة ، وانما تعني ايضاً حل عقدة اجتماعية وطبقية في المصنع . فالمصنع الرأسمالي بطبيعته صورة للصراع الطبقي القائم بين رأس المال والعمل . أما الآن ، فان التأميم الذي حدث قد حل مشكلة الصراع الطبقي حين استبعد من المشروع الملكية الخاصة .

اما بما يتعلق بموضوع الحوافز، فأود ان انبه الى نقطة في غاية الاهمية تختص بحق العمال بجزء من الارباح. اريد ان افسر القانون بعض الشيء . فقد ظن البعض ان القانون يقتصر على المشروعات العامة . الحقيقة ان القانون يشمل كل المشاريع ، سواء أكانت عامة ام خاصة . وهذا يعتبر تطوراً مهماً وضمانة كبرى لأي تنمية او تقدم ننشده .

د. حسين خلاف : لنتحدث الآن في ما يتعلق بتنظيم القطاع العام . الي اي حد يمكن ان تسهم طريقة تنظيم القطاع العام في تأمين حلول للمشاكل المثارة حول صورة هذا القطاع مستقبلاً وشكله التنظيمي المنتظر . وتحديداً ، هل يتم حالياً درس امكانية تنظيم القطاع العام على اساس اللامركزية ؟. ثم  كيف يمكن ان يسهم هذا النظام في خلق جو تنافسي بين الوحدات الانتاجية ضمن القطاع العام ؟ . وما هي اشكال التنافس الممكنة ضمن القطاع العام ، وما هي المعايير التي يمكن اعتمادها لقياس ” النجاح ” ضمن وحدات القطاع العام؟ .

د. محمود الشافعي : دعوني ، في البدء ، ان أذكر ان عملية التنمية والتحول الى الاشتراكية هي،  في الوقت ذاته ، عملية اعادة تنظيم  مستمرة . وهذه العملية تجري على كل المستويات وتقوم على أساسين اثنين :

1 – مركزية التخطيط و2 – لا مركزية التنفيذ لأن التنفيذ يحتاج الى حرية في التصرف لتحقيق الاهداف في كل وحدة انتاجية وادارية في الدولة . وهذان المبدأان يشملان كل مستويات العمل . وأخشى ان يقال ، كما يقول السؤال ، ان الجهاز الاداري الموروث ما زال على حاله منذ ان ورثناه في سنة 1951 ، بينما الواقع ان عملية تطوير كبيرة قد حصلت في هذا الجهاز منذ سنة 1952 ، ونحن لا نزال نطور الجهاز تدريجاً من نظام الحكم المركزي الى نظام الحكم المحلي . وقد بدأنا ، في الوقت ذاته ، منذ سنة 1952 بعملية تخطيط جزئي . اما الان فتخطيطنا شامل ، ليس فقط على مستوى السلطة العليا ، أي الرئاسة ومجلس الوزراء ، بل ايضاً على مستوى الوزارات والمؤسسات . ونحن الآن في سبيلنا الى الانتقال الى الوحدة الانتاجية . وها نحن نتقل من التخطيط القومي الشامل ، على نظاق الجمهورية ، الى التخطيط على نطاق المحافظات ومستوى المراكز والقرى ، أي اننا ننتقل الى مستوى آخر في تطوير النظام الاداري باجهزته التنفيذية والتخطيطية .

د. حسين خلاف : ننتقل الآن السؤال المتعلق بالاثمان والاجور .

مسألة الاسعار والاجور : ما هي السياسة التسعيرية ” المأمونة ” التي يمك ان تعتمد ضم نطاق القطاع العام وفي علاقات هذا القطاع بوحدات القطاع الخاص ؟ وما هي المعايير التي يمكن ان تعتمد في هذا المجال ؟ .

د. رفعت المحجوب : لا يمكن ماقشة مشكلة الاثمان والاجور الا اذا وضعنا في ذهننا اننا نعتمد على التخطيط الاقتصادي . لذلك ، فاول نقطة تضمن لنا سلامة التسعير هي ان تأتي الاسعار بما يكفل تحقيق اهداف الخطة الاقتصادية . واول اهداف الخطة هو تحقيق النمو المتوازن . لذلك أعتقد ان القطاع العام يجب ان يحدد الاسعار في ما بين وحداته وفي ما بينه ككل وبين القطاع الخاص ، بحيث نسمح لكل قطاع ان ينمو عن طريق علاقاته بالقطاع الآخر وينمي غيره ايضاً . وفي رأي ان هذا هو اهم المعايير التي يجب ان نعتمدها ونحن نحدد الاثمان.

المعيار الثاني هو اننا نهدف ، في الوقت نفسه ، الى تطوير المشروعات تطويراً اشتراكياً . بمعنى اننا نأخذ المشروعات على انها وسيلة لتحقيق الخدمات والسلع ، بحيث تصبح في متناول الشعب . لذلك يجب ان نميز في تحديد الاسعار بين ما يعتبر ضرورياً وما لا يعتبر ضرورياً للشعب . واعتقد ، اعتماداً على هذين المعيارين ، اننا نضمن سياسة تسعيرية مأمونة في المرحلة الحالية من مراحل التطور .

د. محمود الشافعي : مسألة الاسعار والاجور والسياسة التسعيرية مسألة فنية تحتاج ، في رأي ، الى شيء من التفصيل لتوضيح علاقتها باهدافنا الاشتراكية والانمائية . فاي سلعة او خدمة لها قيمتان : قيمة تبادلية ، وهي تتوقف على القوة الشرائية عند الجمهور ومدى استعداده للبذل في سبيل الاستحواذ على تلك السلعة ، وقيمة استخدامية واستعمالية لتلك الخدمة . والمجتمع الاشتراكي يحاول ان يقوم بعملية اختيار وموازنة بين كل السلع والخدمات التي لها قيمة استعمالية وانواع السلع والخدمات التي يمكن لقيمتها التبادلية ان تكون هي قيمتها الاستعمالية . بمعنى اننا لو اخذنا مجموع السلع والخدمات التي ينتجها المجتمع ، سنجد ان بين هذه السلع ما هو ضروري لقوت الشعب ، وما هو ضروري لرفع مستوى هذا الشعب ، وما هو من الكماليات التي لا يحتاج اليها الشعب في مرحلة التنمية . إن هذه السلع المختلفة يجب ان يكون لها في المجتمع الاشتراكي مستويات من التسعير تختلف عن مستويات قيمتها المتبادلة . ففي المجتمع الاشتراكي تقدم الدولة خدمات تعليم واخرى صحية وثقافية الخ .. ، كما ان المجتمع الرأسمالي يقدم تلك الخدمات ، انما فقط للذين يستطيعون شراءها . ولنضرب مثلاً . طبيب يعمل مع الحكومة ، يؤدي خدماته لافراد الشعب ويتقاضى راتباً شهرياً مقابل خدماته . وقد يكون لهذا الطبيب عيادة خاصة يقدم فيها خدماته الطبية للقادرين مالياً . وفي هذه العيادة نجد انه يتقاضى اجراً لقاء خدمته لعدد من الافراد اقل من اولئك الذين يخدمهم في مستشفى الحكومة ، اجراً يفوق مرتبه من الحكومة .

بنية عملية التسعير هي هنا مختلفة . ففي الحالة الاولى تكون التسعيرة على اساس القيمة الاستعمالية ، بينما مبنية في الاخرى على اساس القوة الشرائية ، والخدمة هي هي لم تتغير . هذا التشبيه ينطيق الى حد كبير على المجتمع الاشتراكي . لنأتي الى انواع السلع . نحن في مجتمع ننتقل فيه من مرحلة كانت فيها الاغلبية الشعبية ذات دخول منخفضة الى مرحلة تحسنت يها مستويات الدخول عن طريق زيادة فرص العمل وزيادة الانتاج ورفع مستوى الكفاية للعاملين فيه  بحيث اصبحوا يتقاضون نصيباً عادلاً . وهذا النصيب العادل هو الجزاء الذي يأخذه العامل كأجر اساسي على قدر انتاجية داخل الوحدة الانتاجية ويزيد مع زيادتها . وباعتباره عضو في المجتمع  يصبح العامل تحت رعاية الدولة الاجتماعية ، فتعوضه هذه عن انخفاض دخله المتناسب مع انتاجيته . وقد يكون هذا التعويض عينياً في صورة خدمات ، اياً كان نوعها . ففي الواقع ، لا تنفصل سياسة التسعير في المجتمع الاشتراكي عن عوامل السوق ، ولكن في اتجاهات معينة ، ولا تنفصل عن الاشتراكية في اتجاهات اخرى .

د. حسين خلاف : إضافة الى ما قاله الدكتور محمود الشافعي ، هناك كلمة بسيطة تتعلق بنظام الاثمان الذي كان سائداً من قبل ونظام الاثمان الذي يسود حالياً . فنظام الاثمان السابق كان يخضع لقوى السوق ، قوى العرض والطلب ، سواء كان هذا السوق يعمل في ظل المنافسة او في ظل الاحتكار . فالدولة لم تكن تتدخل في الاثمان الا في بعض اوقات استثنائية ، والى حد . وحتى تدخلها هذا كان من قبيل الاجراءات العارضة ، ولم يكن يعتمد الى خطة عامة او الى نظرة شاملة للاقتصاد القومي . فقد كانت الدولة تتدخل ، مثلاً ، لتحديد اثمان بعض المواد التموينية ، وهو تدخل غير شامل ولا يرجع الى اهداف كلية تتعلق بالاقتصاد القومي . الا ان الوضع الحالي على خلاف هذا ، سواء في القطاع الخاص او في القطاع العام ، ذلك ان ان القطاع الخاص نفسه لم يعد يعتمد نظام الاثمان الذي كان سائداً من قبل . وأهم ما ينتجه القطاع الخاص الآن محدد الاسعار . وأصبحنا نرى وزير الاقتصاد يحدد للقطن ، في كل موسم ، ثمناً تراعى فيه امور واعتبارات معينة . والقطن ، كالقمح والذرة والرز،  كانت سلع كبرى ينتجها القطاع الخاص . وكذلك فان ما يبيعه القطاع الخاص من سلع محدد الاسعار، على البائع ان يعلن عن السعر .

كذلك الدخول ، هي الاخرى ، محددة الى حد كبير . والارباح محددة ، والسعر محدد ، حتى الاجور محدد جزء كبير منها . نحن ، اذن ، قد دخلنا في نظام تقييد الاثمان والدخول تقييداً كبيراً.  وهذا التقييد يرجع الى فكرة التخطيط والاشتراكية ويتأثر بهما تأثيراً كبيراً جداً . نحن الآن نحدد الاثمان والدخول ونراعي الاعتبارات المتعلقة بتنفيذ الخطة اولاً وتنفيذ الاهداف الاشتراكية ثانياً . لذلك ترانا نتساءل في كثير من الاحيان عن أثر تحديد سعر سلعة معينة على اتجاه وحجم الاستهلاك والادخار والاستثمار وأثر كل هذا على تجارتنا ، صادراً ووارداً وعلى ميزان المدفوعات الخ .. كل هذه الامور نأخذها بالاعتبار عندما نحدد الاسعار .

أحب ان أقول اننا لم نصل في هذا الشأن الى مستوى كبير من الدقة ، ولا تزال نظرية الثمن في ظل الاشتراكية العربية بحاجة الى تحليل وتحديد سؤالنا الاخير في هذه الندوة هو : الى أي حد تعتبرون ان هناك تناقضاً بين الاتجاه الى اعادة التوزيع في الدخول والثروات وبين الاتجاه الى زيادة الانتاج وتحقيق أهداف الخطة ؟. علماً بأن :

1 – النزعة الحدية للاستهلاك عند الطبقات الفقيرة مرتفعة ، مما يولد ضغوطاً على السلع المعروضة في الاسواق .

2 – ان مرونة العرض قد لا تكون بنسبة كافية لملاقاة الزيادة في الطلب الناتجة عن زيادة المداخيل ، مما قد يؤدي الى رفع الاسعار او الى خلق سوق سوداء .

3 – ان التغييرات الانفة الذكر،  وهي تضخيمية الطابع ، قد تؤدي الى زعزعة البناء التسعيري في المدى الطويل ، او حتى القصير ، مما يعرقل تنفيذ خطة التنمية .

الغرض الاساس هو زيادة الكفاية الانتاجية . وعندما تملكت الدولة مزيداً من الشركات ، نقلاً من القطاع الخاص الى القطاع العام ، كان الغرض من هذه العملية غرضاً تنظيمياً لرفع الناتج القومي وزيادة الفائض منه . ويجب ان لا ننسى ان أغلب الفائض الذي يتكون لدينا في الجمهورية العربية المتحدة ، وهو العامل الاساس في عملية التنمية ، يتكون في مؤسسات الاعمال . وفي الواقع ، ان من يتملك مؤسسات الاعمال ويزيد انتاجها وفائضها ، يساعد في تمويل التنمية . فعندما تملكت الدولة مجموعة الشركات بحكم قرارات يوليو / تموز 1961 ، سواء كان التملك بالمشاركة بالنصف او الملكية الكاملة ، ترتب على ذلك ، واستتبعته مباشرة ، عملية تنظيم نوعي لمؤسسات القطاع العام ، بحيث ان شركات الغزل والنسيج وشركات الصناعات الكيماوية وشركات الصناعات المعدنية وسواها ، نظمت هذه المؤسسات تنظيماً معيناًً  مكننا من قياس تطور الكفاية الانتاجية وارتقائها .

فقد جمعنا كل الوحدات الانتاجية المتماثلة تحت اشراف واحد . وتحت الاشراف الواحد هذا يمكن ان نجد وحدات ذات الكلفة العالية وغير الاقتصادية ،  ووحدات ذات كلفة منخفضة واقتصادية في الوقت ذاته . فقمنا بدراسة اسباب هذا التفاوت وعملنا على رفع الكفاية الاقتصادية ، حيث لزم ذلك ، وربطنا المؤسسات العينية بتنظيم آخر لمؤسسات وشركات تمويل ، بحيث أدت هذه الاخيرة خدمات جلة للمؤسسات والشركات المنتجة . ففي الواقع ، ان التنظيم الذي تم ، والذي اتخذ مظهر تملك القطاع العام او الدولة ، نيابة عن الشعب ، لجزء كبير من المؤسسات وشركات الاعمال ، اريد منه التنسيق والربط بين مؤسسات الانتاج المختلفة بغرض تحقيق تكامل وتنسيق وعدم تعارض في ما بينها ، وربطها بمؤسسات التمويل والتجارة ، بحيث اصبحت الادارة الانتاجية والتوزيعية متناسبة مع الخطة الانمائية .

د. رفعت المحجوب : أود ان أشير الى خطر اعادة التوزيع يما يختص بالتضخم ، واحب ان أنبه انه في اللحظة التي نعيد فيها التوزيع لصالح الفئات الفقيرة ان نستمر في التنمية وان تهتم بصفة خاصة بصناعات الاستهلاك .

د. محمود الشافعي : لو ظهر تضخم بشكل واضح ، فمن المدلولات الاساسية لمثل هذا الوضع ، وجود سوء في التخطيط . فمن اهداف التخطيط منع التضخم ، لأن التضخم ليس من مصلحة الفئات الفقيرة والمحدودة الدخل ، وهو يتنافى مع المبدأ الاشتراكي . فاذا سمح بالتضخم تكون النتيجة ان التنمية ستجري على حساب الطبقتين : المتوسطة والفقيرة . وهذا ما لا تستهدفه خطة التنمية الاقتصادية الاجتماعية او ترتضيه الاهداف الاشتراكية للمجتمع الاشتراكي العربي .

د. حسين خلاف : أضيف الى هذا ان من وسائل محاربة التضخم هو اتباع سياسة التسعير الحكومي ، وهي سياسة لا تسمح بارتفاع الاسعار . ونحن لا نسمح بنشوء سوق سوداء . فالسوق السوداء في حياتنا هي سوق عارضة واستثنائية جداً وموقوتة ، لأن الحكومة لا تسمح بمثل هذه السوق ان تظهر ، وإن ظهرت قستقضي عليها . القاعدة عندنا هي السوق العلنية . ثم أضيف الى اننا نتبع سياسات مالية ونقدية من شأنها ان تقضي على بوادر التضخم فور ظهورها . فالضرائب يمكن ان تقضي على اي فوائض غير مرغوب فيها ، وكذلك السياسة النقدية والمصرفية والتخطيط بشكل عام .

قبل ان ننهي هذا اللقاء الجيد والمفيد اود ان أسأل، على سبيل المناقشة والتداول ، وحتى نكون متفقين على الاوليات : ما هي الوسائل التي اتخذت لاعادة التوزيع ، لنرى مدى تمشيها مع زيادة الانتاج. لقد اعتمدنا وسائل عديدة لاعادة التوزيع منها : تحديد الملكية، تحديد حجم القطاع العام ، تحديد الاجور ، فرض الضرائب التصاعدية ، وزيادة الانفاق العام . هذه هي الوسائل التي لجأنا اليها لاعادة التوزيع .

واحب ان أضيف ان معظم هذه الوسائل تتفق مع زيادة الانتاج ولا تؤثر فيه سلباً . فعندما نزيد حجم القطاع العام نكون قد قمنا بعملية اعادة التوزيع وفي الوقت ذاته زيادة الانتاج . وفي هذه الحالة ، يحصل اتفاق بين هدفي التوزيع والانتاج ، وليس من تناقض جدي بين اعادة التوزيع من جهة ، وزيادة الانتاج من جهة اخرى .

جاء قرارتحديد الملكية العقارية من وسائل اعادة التوزيع التي يترتب عليها زيادة الانتاج . واهم ما ننتجه في البلاد هو القطن والرز والقمح ، ولم تظهر على الاطلاق ان انخفضت كمية المحصول بعد الاصلاح الزراعي الذي طبق سنة 1952 ، انما على العكس من ذلك ، فالارقام الرسمية التي لا شك فيها ، تظهر زيادة بالرغم من اعادة التوزيع .

هناك ، في الاغلب الأعم ، اتفاق بين اجراءات اعادة التوزيع التي اتخذت واجراءات زيادة الانتاج . ومن الممكن ان يحصر السؤال بالتالي : هل أدت او تؤدي زيادة دخول الطبقة العاملة الى التأثير على زيادة الانتاج؟. ثم هل تؤدي عملية اعادة التوزيع الى التأثير على حوافز الادخار والاستثمار ، وهل يعوض الاستثمار العام ما يطرأ من نقص في الاستثمار الخاص ؟ .

د. محمد لبيب شقير : السؤال التي تثيره الندوة حول اعادة التوزيع سؤال في غاية الاهمية . فمن المسلم به كي يزيد الانتاج يجب ان يكون هناك عاملين متوفرين في الوقت نفسه : ان يتم تصريف الانتاج لنتمكن من زيادة الانتاج ، وهذه تسمى بمشكلة السوق ، وان تتوفر مصادر لتمويل الاستثمارات . وهذا يستدعي وجود مدخرات .

اذا تأملنا جيداً السؤال المطروح لوجدنا انه موجود في كثير من كتب الاقتصاد ، وهو سؤال يعتمد على تجربة اوروبا في القرن التاسع عشر بالذات . فكيف نمت اوروبا في ذلك القرن ؟ . من ناحية الطلب كانت هناك اسواق المستعمرات ، وكانت هذه المستعمرات تمتص الجزء الاكبر من الانتاج . اذاً مشكلة الطلب لم تكن قائمة . الذي كان مهماً وقائماً هو مشكلة التمويل . ففي انكلترا ، مثلاً ، كان توزيع الدخل في غاية السوء ، حيث كانت فئة صغيرة من الناس تحصل على كمية كبيرة جداً من الدخل والثروة ، وكانت بالتالي تستطيع ان تدخر ادخاراً كبيراً وتحسّن عملية التنمية الاقتصادية . هذا الوضع لم يعد قائماً الآن . فالدول الاوروبية النامية حديثاً تواجه صعوبات اكثر واكبر من تلك التي نمت في القرن التاسع عشر . وتلك الدول التي نمت في القرن التاسع عشر نمت في ظل فلسفة كانت تؤمن بالتفاوت الضخم ، بينما الدول التي تنمو حديثاً لا تقبل فلسفة التفاوت ، واصبحت شعوبها تؤمن وتطالب بتقليص هذا التفاوت .

وقد اثبت التحليل الاقتصادي الحديث ان الكثير من الدول التي تشهد نمواً الان وتنتج اكثر ما تحتاج اليه محلياً ولا تجد منفذاً خارجي للتصريف تتباطأ عندها عملية التنمية او ربما تقف . وهذا ما حدث في العديد من البلدان في اميركا اللاتينية ، ومن بينها البرازيل التي هي دولة كبيرة جداً وتحتاج الى تنمية دائمة بسبب نموها السكاني الضخم .

نأتي الى التمويل ونتساءل : من اين يأتي ؟ . اذا نظرنا وقلنا ان عملية التوزيع سيترتب عليها استهلاك الجزء الاكبر من الدخول ، وبالتالي انخفاض معدلات الادخار ، وبالتالي تأخير التنمية ، نكون قد تبنيا نظرة ستاتيكية خاطئة . إن التحليل الحديث قد اثبت في مجموعة كبيرة من الدراسات ان تمويل التنمية في كل بلدان العالم التي نمت ، إنما حدث النمو اومعظمه من الزيادات المتلاحقة التي طرأت على الدخل وليس من الدخل المبدئي الذي بدأت به . أي عندما بدأنا بدخل معين سنة 1952 لم يكن الادخار الذي تجمع في تلك السنة هو وحده الذي حقق التنمية الاقتصادية . ان الذي حسن التنمية الاقتصادية هو الادخار المتجدد الذي يأتي من الدخل المتزايد كل عام. فكيف يتزايد الدخل ؟ . إنه يتزايد عن طريق الانتاج والتصريف . فاذا كانت اعادة التوزيع ستزيد في كمية الطلب ، فالزيادة في الطلب ستؤدي الى زيادة في الانتاج . وعندما يزيد الانتاج والدخل ، يخصص جزء من الزيادة لاعادة تمويل عملية التنمية من جديد . اذاً ، لا تناقض بين اعادة التوزيع من جانب والتنمية من جانب آخر .

الى أي شيء تتحول المسائل في النهاية ؟ . انها تتحول الى مسألة النسب . فالزيادة في الدخل لا يجب ان اعطيها كلها للطبقات المستهلكة بحيث تستهلكها كلها ، فلا يبقى هناك ادخار.  هكذا تصبح المسألة ، مسألة اعادة توزيع .

لونظرنا الى الاصلاحات الاشتراكية التي تمت في يوليو عندنا ، لوجدنا انها لا تعطي الطبقات المستهلكة كل الزبادة المتعلقة بالدخل . نحن نعطيها جزءاً في شكل اجور ، وتحصل الدولة على الباقي من الارباح لتعيد استثمارها ، وبالتالي يزيد الدخل . نحن نرى ، اذن ،ان اشتراكيتنا في جانبها العدالي ليست ابداً متناقضة مع الهدف الانمائي ، انما على العكس ، تسند هذا الهدف .

د. رفعت المحجوب : انني اتفق مع التحليل الاقتصادي الذي قدمه الدكتور شقير والمتعلق بمشكلة اعادة التوزيع التي تتمثل برفع الاستهلاك ومشكلة التمويل التي تتطلب مدخرات كبيرة جداً . انما أود ان أسجل ملاحظة وحيدة، هي ان الجزء الاكبر من عملية اعادة التوزيع في الجمهورية العربية المتحدة قد اقترن بعملية التنمية . واشير بنوع خاص الى عملية اعادة التوزيع التي تمت في يوليو/ تموز 1961 . فقد أتت هذه العملية بعد ان قطعنا مرحلة اعتقد انها مهمة من مراحل التنمية الاقتصادية . وهذه نقطة لا يصح اغفالها ونحن نتكلم في هذا الموضوع .

د. محمود الشافعي : اود ان أضيف مزيداً من التوضيح فقط . إن عملية اعادة التوزيع مرتبطة بعملية تغيير علاقات مصادر الدخل . فنحن نعلم ان مصادر الدخل تأتي إما من العمل او من الملكية . والملكية والعمل هما المصدران الاساسيان في الدخل . وكلنا متفقون ان العمل لا يحتكر. والعمال في الجمهورية العربية المتحدة ليسوا محتكرين . فكل الاحتكار الذي حصل سابقاً كان اساساً نتيجة التركيب الخاص للملكية ، وانعدام الوعي الكافي لاقامة تنسيق بين المصلحة العامة والمصلحة الفردية في استخدام الملكية الخاصة . فعندما يقول مجتمع اشتراكي ، كما نقول نحن في الجمهورية العربية المتحدة ، ان لا احتكار ولا استغلال ، ونقوم بعملية اعادة توزيع ، نكون قد منعنا عاملاً اساسياً من عوامل الاحتكار ، وعاملاً مهماً من عوامل الاستغلال . وفي الوقت نفسه ، نكون قد أوجدنا حوافز كافية لزيادة الانتاج . ولقد أشار الدكتور خلاف الى زيادة الانتاج التي تحققت في القطاع الزراعي ، وهذا طبيعي . المالك الزراعي يهمه زيادة الانتاج ، وبالتالي زيادة الدخل . ففي الواقع ، ان عملية اعادة توزيع الملكية ، هي عملية مولدة لحوافز زيادة الانتاج والدخل على السواء . هذه ظاهرة واضحة كل الوضوح في القطاع الزراعي في الجمهورية العربية المتحدة . فعندما نقوم بعملية اعادة توزيع الملكيات الزراعية ونقول ان القطاع العام يتملك ما لا يقدر افراد الشعب من تملكه ، يكون تملكه نيابة عن الشعب في مرحلة انتقالية .

شكر الدكتور خلاف ، في نهاية الندوة ، مجلة الرائد العربي والزميلة الاهرام وجميع الذين اشتركوا في الندوة لمساهمتهم في النقاش الذي ، كما قال ” يؤدي الى مزيد من الاتصال بيننا وبين اخواننا في البلاد العربية ” .