الاصلاح الزراعي في الاقليم المصري

الاصلاح الزراعي في الاقليم المصري

الدكتور حسن بغدادي وزير الاصلاح الزراعي التنفيذي

نشرت المقابلة في ايار / مايو 1961 ، العدد السابع ، الرائد العربي

بمناسبة مرور ثمانية أعوام على صدور قانون الاصلاح الزراعي في الاقليم الجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة قام مندوب ” الرائد العربي ” في القاهرة باجراء حديث مع وزير الاصلاح الزراعي التنفيذي الدكتور حسن بغدادي حول الاهداف التي حققها القانون المذكور ودور الاصلاح الزراعي في برامج التنمية خلال السنوات الخمس القادمة . وفي ما يلي نص الحديث .

ما هي الاهداف التي حققها الاصلاح الزراعي في الثماني سنوات الماضية ؟ .
على الرغم من مضي ثمانية أعوام على صدور قانون الاصلاح الزراعي ، فإنه ما يطبع حياتنا الزراعية بطابع خاص ويمدها بالمعاني الاساسية التي قامت عليها إنما هي قواعد العدالة في أبسط وأعمق صورها .

إننا نعتبر الارض مصدر الانتاج ومصدر الرزق الاول في البلاد لأكبر مجموعة من المواطنين . ولهذا ، فقد وضع القانون حداً أعلى للملكية ومنع الوساطات في استغلال الارض واتاح الفرصة لمن يعمل في الحقل كي يحصل على خيره . ولهذا أيضاً وضع القانون قواعد سليمة لتأجير الارض بسبعة امثال الضريبة . وقد أنشأ القانون جهازاً تعاونياً تحت اشراف فني يختار فيه الفلاح ممثليه اختياراً حراً وينظم استغلال الارض في دورات . ويرعى هذا الجهاز الفلاح كمواطن شريف وكإنسان له حق في مرافق الاسكان والعلاج والتعليم والانتقال والبيع والشراء والثروة الحيوانية والتكافل الاجتماعي بأنواعه .

لقد مضت ثمانية أعوام منذ صدور قانون الاصلاح الزراعي ومع ذلك لا يزال يمد آثاره الى قطاعات جديدة في حياتنا الزراعية .

إن هدف القانون هو رعاية العدالة بغير تحيز واستهداف مصلحة الفلاح الصغير ومالك الارض ومستأجرها بصفة عامة . إن العدالة لا تعرف طبقة ولا فريقاً من الناس تعليه على فريق ، بل إنها تقرب ما بين المواطنين في ميدان الزراعة وتشيع بينهم التعاطف والرحمة وتأخذ بيد الضعيف والمظلوم حتى يصل الى حقه ، بحيث يؤمن على كده وعلى لقمة عيشه ومستقبل بنيه من بعده .

والان استعرض بشيء من التفصيل ما وصلنا اليه من نتائج في تطبيق القانون .

لقد تم الاستيلاء على مساحة 445228 فداناً ، بالاضافة الى اراضي الاوقاف التي تسلمناها ، وما سنتسلمه ، وتبلغ مساحتها 700 الف فدان . واذا أضفنا اليها اراضي الشركات ، ومساحتها 34000 فدان ، والاراضي المصادرة من الاجانب بعد العدوان ومساحتها 14000 فدان ، وأراضي طرح النهر وأكله ومساحتها 53000 فدان ، تكون جملة الاراضي التي يشرف عليها جهاز الاصلاح الزراعي نحو 800 الف فدان .

لم تكن الاراضي التي تسلمناها على درجة واحدة من الخصب والجودة . فمنها 81400 فدان ضعيفة او بوراً. وقد عنيت ادارة البور وتحسين الاراضي باستصلاح المساحات التي تتخلل النطاق المنزرع . وأدخل في خطة التنمية الزراعية استصلاح 58000 فدان من الاراضي البور المتخللة اراضي الاصلاح ، كما جرى تحسين 40 الف فدان من الاراضي الضعيفة .

نشط جهاز توزيع الاراضي في الاصلاح الزراعي لاداء عمله منذ العيد الاول للثورة حتى الآن. وقد استفاد من عملية التوزيع المباشر وبيع الاراضي المتناثرة حوالى مليون نسمة حتى الآن ، يكونون حوالى 180 الف عائلة . وجملة الاراضي التي وزعت حتى هذا التاريخ حوالى نصف مليون فدان . وما يميز توزيع الاراضي التي أصلحت تربتها والاراضي التي نتسلمها من الاوقاف انه مستمر وسوف يتم هذا العام ، ان شاء الله ، توزيع 97 الف فدان . وهناك هدف آخر دعا اليه الرئيس جمال عبد الناصر وهو زيادة دخل الفرد وتحسين مستوى معيشته . ففي منطقة شبين الكوم ، على سبيل المثال ، زاد متوسط محصول الفدان من انتاج القطن من 3 قناطير للفدان عام 1955 الى 6.5 قنطاراً للفدان عام 1959 . وتبعاً لذلك ارتفع متوسط دخل الفلاح من الفدان الواحد من 20 جنيهاً قبل صدور القانون الى 43 جنيهاً و 500 مليم في العام الماضي . وفي منطقة المنيا ، كان متوسط دخل الفلاح من الفدان الواحد 17 جنيهاً فارتفع الآن الى 44 جنيهاً و40 مليماً .

من أهم المشروعات التي إطلع بها الاصلاح الزراعي هو العناية بالري والصرف للاراضي بعد توزيعها . فقد تم اقامة شبكة ري وصرف وتحسين مساحة تقدر بمئتين وتسعة عشر فداناً قدرت تكاليفها ب 1944000 جنيه .

أما الاراضي التي تجود فيها زراعة الارز وتفتقر الى المياه الكافية لزراعة هذا المحصول ، رغم تمتعها بجودة الصرف ، فقد إتجه الاصلاح الزراعي الى حفر الابار الارتوازية فيها للتغلب على شحة المياه . وقد استفادة من هذه المياه المستخرجة من الابار مساحة تقدر ب 22500 فدان، نتج من محصولها زيادة في دخل الفدان تقدر بحوالى 20 جنيه سنوياً . كذلك زاد محصول القصب في متوسطه من 900 قنطار للفدان الواحد الى حوالى 1100 قنطار ، أي بزيادة فاقت 25 % مما كانت عليه في عهد الدوائر الكبرى وأصحاب الجاه والنفوذ .

ربط الاصلاح الزراعي بين توزيع الارض واقامة جمعيات تعاونية يشرف عليها وتتكون في عضويتها من الملاكيين الجدد . وتوفر هذه التعاونيات للفلاحين امكانية الاستغلال الزراعي فتمدهم بالبذور المنتقاة والاسمدة والمبيدات الحشرية والمواشي والدواجن والآلات الزراعية . كما تتولى الاشراف على تنظيم الدورة الزراعية وتسويق حاصلات الاعضاء تعاونياً . وفي نطاق هذا النظام التعاوني مضى الاصلاح الزراعي في تنفيذ مشروعاته خلال السبع سنوات الماضية . وكان تنفيذ المشروعات متدرجاً وتصاعدياً سنة بعد أخرى .

بلغ عدد جمعيات الاصلاح الزراعي 326 جمعية ، رأس مالها 654563 جنيهاً . وقد أدت في العام الماضي خدمات لاعضائها بلغت قيمتها 2260761 جنيهاً وبلغ صافي ايراداتها 1270947 جنيهاً مصرياً .

ليس أدل على تغلغل نظام التعاون في نفوس التعاونيين من أعضائه من ارقام تسويق القطن . فقد بلغت الكمية المباعة تعاونياً سنة 1957 ما مجموعه 307 الف قنطار ، وفي سنة 1958 ما مجموعه 369394 قنطاراً وفي عام 1959 بلغت هذه الكمية 398705 قنطاراً .

استفاد الفلاحون افادة ظاهرة من بيع أقطانهم تعاونياً ، إذ أبعد عنهم شبح الوسطاء والمقرضين من صغار التجار . وتراوحت الزيادة في دخلهم بين جنيه واحد وثلاثة جنيهات عن كل قنطار .

أود أن أنقل لكم صورة مشرقة اخرى للتعاون بالاصلاح الزراعي . فقد تعدى نشاط جمعياتنا نطاقها المحلي الى المساهمة في ميدان التنمية الاقتصادية للدولة . فقد أسهمت بمبلغ مئة الف جنيه في شركة السكر والتقطير وفي قرض الانتاج مبلغ 200 الف جنيه . وقامت الجمعيات التعاونية عام 1957 بشراء 61680 سهماً في الشركة المصرية للاراضي والمباني ، أي حوالى 85 % من اسهم الشركة ، وتستسمر ارباح هذه الاستثمارات في النهوض بمستوى الاصلاح الزراعي إجتماعياً ومادياً .

لاحظ رئيس الجمهورية ان توزيع الاراضي المستولى عليها لدى كبار الملاكين لا تكفي لتحويل جميع الاجراء والعمال الزراعيين الى ملاكين ، فقال إنه يجب علينا ان نعمل على خلق الارض الجديدة الصالحة للزراعة حتى نستطيع ان نعطي جميع الفلاحين الارض التي تمكنهم من ان يصبحوا ملاكاً . ورأت الجمعية التعاونية العامة للاصلاح الزراعي ان تسهم في تنفيذ هذا الاتجاه. وهي تقوم الآن بشراء الاراضي الصالحة للتوزيع لدى الشركات ، وتبلغ مساحتها 34 الف فدان ، يقدر ثمنها بحوالى ستة ملايين جينه ويسدد ثمنها مقسطاً على عشر سنوات . وقد قامت الجمعية التعاونية بهذا الدور نفسه بالنسبة للاراضي المصادرة واراضي الحراسة .

قام الاصلاح الزراعي كذلك ، بتنفيذ مشاريع اسكانية على نطاق واسع بلغت تكاليفها 1193413 جنيهاً . ثم وجد ان بعض اراضيه يمكن ان تحل ازمة الاسكان في بعض المدن المزدحمة ، فقام ، في نجع حمادي بتقسيم 225 فداناً الى 1226 قطعة . كما قام في ايتاي البارود بتقسيم 130 فداناً الى قطع يشتريها الراغبون في البناء .

نجح نظام توزيع الماشة المحسنة على المزارعين في جمعيات الاصلاح وأدخلنا نظام التأمين على الماشية فأقبل الفلاحون عليه بعد ان لمسوا فوائده . وقد دعا الرئيس عبد الناصر الى تعميم هذا النظام ومده خارج مناطق الاصلاح . هكذا بدأ مشروع ناصر لتوزيع الماشية . كما بدأ الاصلاح الزراعي مشروعاً كبيراً لانتاج وتوزيع سلالات جديدة من الدواجن ، كبيرة الحجم وكثيرة البيض . وقمنا بتوزيع أكثر من مليون كتكوت حتى الآن . وكلها من انتاج محطتنا في المرج .

في اليوم الذي وضع فيه الرئيس حجر الاساس لبناء السد العالي ، بدأت أجهزة استصلاح الاراضي البور تنشط في اداء المهمة المنوطة بها . وفي الفترة التي تفصلنا عن موعد توفير الماء من السد العالي ، تبين انه في الامكان استصلاح 585 الف فدان يوفر لها الري بزيادة الحجز على خزان اسوان او عن طريق المياه الجوفية او مياه الصرف . ولهذا اعتبرنا استصلاح هذه المساحة برنامجاً عاجلاً يبدأ هذا العام وينتهي بعد خمس سنوات .

ما هي برامج التنمية التي سيقوم بها الاصلاح الزراعي في السنوات الخمس القادمة ؟ .
تتجه برامج التنمية الى إستصلاح المساحة المذكورة اعلاه والبالغة 585 الف فدان وزراعتها وتوزيعها على المزارعين والمعدمين . كذلك زراعة مساحة كبيرة من الاراضي لتصدير الفاكهة الى الخارج وتوفير العملات الاجنبية ، مع العناية بالتصنيع الزراعي . وتهدف الخطة ايضاً الى التوسع في الثروة الحيوانية والتأمين عليها واستيراد الماشية والاغنام والدواجن الاجنبية وتهجين هذه الحيوانات العالية الصفات بالحيوانات المصرية لايجاد حيوانات عالية الصفات ونشرها في البلاد لتوفير اللحم والبيض والالبان . وبهذا يقل الاستيراد من الخارج .
ومن أهم برامج الخطة ، الاكثار من الآلات للري والصرف والخدمة الالية ، وذلك لخفض تكاليف الخدمة ، من ناحية ، وتوفير الجهد اليدوي واداء العمليات بكفاية تامة ، من جهة أخرى . وبهذا يزداد الدخل زيادة كبيرة عن طريق تطوير الانتاج .

كما تهتم برامج التنمية بالتعمير وتوفير المساكن ومقار الجمعيات التعاونية والنشاط الاجتماعي والمخازن . واذا ترجمنا هذه الاهداف الى مصروفات وايرادات ، فإن التكاليف الرأسمالية الاستثمارية لسنوات التنمية الخمس للاصلاح الزراعي وهيئاته ستبلغ 119028000 جنيه ، منها مبلغ 7664000 جنيه للتنمية الرأسمالية و111364000 جنيه للتوسع الافقي .

أما سياستنا المقررة في استصلاح الاراضي البور فتنحصر في اقامة شركات زراعية مهمتها استصلاح الاراضي ، بينما يقتصر عمل الهيئات الحكومية على تخطيط مناطق الاستصلاح وترتيب اولويتها وتسلم الاراضي المستصلحة من الشركات وتوزيعها على صغار المزارعين ، وتكوين الجمعيات التعاونية التي تنظم حياة المجتمع الجديد . وقد وزعت الاراضي البور في البرنامج العاجل على الشركات المحلية ، فخصص لشركة كوم امبو 35500 فدان والشركة العقارية 50000 فدان وشركة المؤسسة الاقتصادية لاستصلاح الاراضي 118000 فدان وشركة ايتال كونسلت الايطالية 150000 فدان . وسيكون الحد الاعلى لتكاليف استصلاح الفدان الواحد حوالى 200 جنية في المتوسط .

هذا بعض ما حققه الاصلاح الزراعي في السنوات الثماني الماضية . وهذا بعض ما ستحققه خطة التنمية في السنوات الخمس المقبلة . وليس من شك ان الاصلاح الزراعي قد حقق الكثير من أهدافه وقطع شوطاً بعيداً في تحقيق نتائج باهرة شهد لها جميع الخبراء العالميين الذين زاروا الاقليم في السنوات الماضية . ومع ذلك ، فانه ما يزال أمامنا الكثير من المشاريع برسم التنفيذ ، وكلها تهدف الى تحقيق الصورة الكاملة للمجتمع الاشتراكي الديمقراطي التعاوني .