الارض : كوكبنا المتغير

الارض : كوكبنا المتغير

ترجمة وتاخيص اميل موسى بشوتي

عن مجلة ” ذي اتلانتيك ” الاميركية ، العدد 208 ، اكتوبر 1961

نشر المقال في تشرين الاول / اكتوبر 1962 ، العدد الرابع والعشرون ، الرائد العربي

ما زال أصل الأرض وتاريخ تطورها ، كما كانا في الماضي ، مرتعاً خصباً لنظريات العلماء الجيولوجيين والبيولوجيين على السواء ، وما زالت جهودهم متواصلة في محاولات متجددة لتقديم قصة مترابطة الحلقات مدعمة بالبراهين العلمية عن ماهية الارض وكيف وصلت الى ما هي عليه الآن . فمنذ قرون وهم يقدمون نظريات متضاربة ، خاصة بعد التوسع في علم الحفريات ( الباليونتولوجيا ) وما وضع امامهم ذلك التوسع من طلاسم ، كالعثور على بقايا متحجرة لحيوانات بحرية مدفونة في اعالي جبال بعيدة عن البحر ، ومن بقايا نباتات وحيوانات المناطق الحارة متحجرة في مناطقة جليدية قريبة من القطب الشمالي . وعلى الرغم من تأكد العلماء من ان الاجواء التي كانت تسود الارض في الازمنة السحيقة لم تكن دائماً تشبه الاجواء التي نعيش فيها اليوم ، إن لم يكن بعضها يختلف عنها كل الاختلاف ، الا انهم لم يجمعوا بعد على نظرية واحدة تفسر كل هذه الظواهر تفسيراً غير مشكوك فيه ، وتصمد امام الانتقادات التي قد توجه من أي مصدر او أي زاوية كانت .

كان العالم الانكليزي الشهير ادموند هالي ، مكتشف المذنب المدعو باسمه ، قد تقدم في مراسلات له مع العالم روبرت هوك يرجع تاريخها الى القرن الثامن عشر ، بنظرية تقول أن قطبي الارض لم يكونا في موضعهما الحالي منذ البداية ، بل انهما وصلا الى هذا الوضع بعد كثير من الارتحال والتنقل . كذلك تقدم علماء أخرون كان آخرهم العالم الالماني الفرد ويغنربنظرية اخرى في النصف الاول من القرن العشرين مفادها ان بعض القارات لم تكن دائماً حيث هي الآن ، بل ان بعضها كان متصلاً بالبعض الآخر ثم حدث ما أبعدها عن بعضها بالتدريج حتى وصلت الى أوضاعها الحالية . لكن علماء كثيرون عارضوا هاتين النظريتين ، إذ لم يتكمن معتنقوهما من تقديم براهين علمية مقنعة لا تدع مجالاً للشك في صحتهما .

نظرية تنقل القطبين

أما النظرية الاولى فقد أدى اليها ما هو ثابت علمياً من ان المناطق الجغرافية الواقعة في كل من القطبين وبين خط الاستواء تتشكل وتتميز تبعاً لوضع كل منها بالنسبة لمحور القطبين ، الذي هو محور دوران الارض . وذلك من حيث درجة الحرارة ومن حيث اتجاهات التيارات الجوية وتيارات مياه المحيط . ولما كانت هذه العوامل الاخيرة هي الآن ، كما في الماضي ، العوامل التي تتحكم في توزيع الاحياء بين المناطق الجغرافية المختلفة ، فان نوع الاحياء الموجدوة في اي منطقة يعد دليلاً ثابتاً على نوع الجو الذي يسود تلك المنطقة ، وبالتالي فان البقايا المتحجرة التي نستطيع ان نحدد تاريخ وجودها في مكان ما ، يدلنا على جو المكان في ذلك التاريخ يالذات، كما تؤدي مقارنة نماذج من مناطق مختلفة من العصر نفسه الى تحديد تقسيمات المناطق الجغرافية في ذلك العصر ، وبالتالي الى موقع القطبين ووضع محورهما آنذاك . ولعل أوضح مثل على ذلك هو الفحم الحجري الذي نستطيع ان نجزم انه بقايا متحجرة مطمورة لاشجار كانت تعيش على سطح الارض منذ حوالى ثلاثمئة مليون سنة . ومن اجل فهم مدلول هذا المثل ، يجب ان نعلم ، اولاً ، ان جذوع الاشجار التي تنمو في المناطق المعتدلة تظهر فيها حلقات رتيبة يكونها  تغير الفصول ، وتمثل كل حلقة منها نمو سنة واحدة، بينما لا تظهر اية حلقات في جذوع الاشجار التي تنمو في المناطق الحارة ، نظراً لتجانس الفصول في تلك المناطق . وعليه ، اذا عثرنا على فحم حجري خال من الحلقات المذكورة في منطقة ما ، ثبت لدينا ان تلك المنطقة كانت بالتأكيد منطقة حارة حينما كان الفحم المذكور اشجاراً تعيش فيها . وهذا ما دفع العلماء الجيولوجيين الى الاعتقاد ، لا بل الى الاجماع ، بعد اجراء اختبارات ومقارنات على نماذج من الفحم الحجري أخذت من بقاع مختلفة من العالم ، على ان المناطق الحارة في العصر المشار اليه كانت تحتل مكان الكثير من المناطق المعتدلة الحالية ، وان المناطق المعتدلة كانت تتواجد في المناطق الجليدية الحديثة ، بل ان خط الاستواء نفسه كان في وقت من الاوقات يمر قرب القطب الشمالي الحالي ، وان هذا القطب الشمالي لا بد ان كان آنذاك في اواسط المحيط الهاديء والقطب الجنوبي في مكان ما من جنوب شرق افريقيا ، وان محورهما ، اي المحيط والقطب ، كان منحرفاً عن محور القطبين الحاليين بزاوية مقدارها 70 درجة . الا ان العلماء يعرفون ان قطبي الارض المغناطيسيين لا يمكن ان يتغيرا ابداً . اذن ، ما الذي تغير ؟ . ألا يمكن ان تكون قشرة الارض ، وهي تؤلف نسبة ضئيلة جداً من كامل حجمها وتفصلها عن الكتلة الصخرية التي تغلف نواة الارض المعدنية مسافة عازلة ، ألا يمكن ان تكون هذه القشرة بقاراتها ومحيطاتها هي التي كانت ” تنزلق ” من حول الكتلة المذكورة ، وهي الي كانت تغير من اوضاع القطبين والمناطق الجغرافية تبعاً لهذا الانزلاق ؟ .

دعا الافتراض العلماء الى التعمق في الحفريات بقصد اختبار ما توصلوا اليه من تخطيط للمناطق الجغراية من زاوية اخرى ، وذلك بتطبيق دراسات بقايا حيوانات متحجرة على دراسات البقايا النباتية . ولما كانت الحيوانات الكبيرة دائمة الارتحال ، يسهل ارجاع تناقض مواقعها الى الهجرة ، فقد عمدوا الى انواع الحيوانات التي لا يمكنها الارتحال مطلقاً كالمرجان مثلاً . فقد سبق ان ثبت لديهم ان انواع المرجان التي تتواجد في المناطق الحارة الواقعة بين مداري الجدي والسرطان تنمو بسرعة وبصورة متجانسة ، بينما تنمو انواع مرجان المناطق المعتدلة بصورة متقطعة ، مكونة مراحل محددة تمثل كل منها نمو سنة واحدة ، بما يشبه حلقات جذوع الاشجار. ولدى فحص كثير من بقايا مرجان متحجرة وجدت في اميركا الشمالية وفي اليابان وغيرهما يرجع تاريخها الى العصر السلوري ، أي منذ حوالى اربعمئة مليون سنة ، ظهر ان هذه المناطق كانت في ذلك العصر مناطق حارة . كما وجدوا بعد الدرس والمقارنة وطبقا ًلهذه النتائج وتوزيعها كما سبق ان افترضوا ، انطباعاً غريباً يبين توزيع المناطق الجغرافية .

هناك قرينة ” البقايا الرياحية ” التي قد لا ترقى الى مرتبة الدليل ، الا انها حرية بالذكر لتأييدها للنظرية المذكورة . فمن المعروف ان الرياح التجارية كانت ، وما تزال ، دائمة الهبوب من الشمال الشرقي والجنوب الشرقي في اتجاه خط الاستواء ، وان هذه الرياح تذرو الرمال على الشواطيء التي تمر من فوقها ، بطريقة تشكل منها كثباناً تتميز بانحدار متدرج في جانبها المواجه للريح ، وبانحدار شديد في الجانب الآخر . وبعد اجراء اختبارات متعددة على كثبان الرمال التي تحجرت فوق بعض جزر المحيطات العريقة في القدم ، وجد ان كلها تشير بوضوح الى ان اتجاه الرياح التجارية في تلك العصور يطابق ما كانوا قد توصلوا اليه من موقع خط الاستواء والقطبين آنذاك . ثم جاءت نظرية ” البقايا المغناطيسية ” ، وهي أحدث ” بنات ” علم الحفريات .

وتتلخص هذه النظرية في ان الذرات الحديدية التي تزخر بها الحمم المتدفقة من البراكين تتمغنط اتوماتيكياً بمجرد ان تتدفق الحمم وتتجه مباشرة نحو المجال المغناطيسي للارض ، تماماً كما تفعل الابرة المغنطيسية التي اصطنعها الانسان ونعرفها نحن كلنا . فاذا بردت الحمم تجمدت فيها تلك الذرات الحديدية واصبحت ابراً مغناطيسية طبيعية لا تكذب ، وتشير بوضوح الى اتجاه مجال الارض المغناطيسي التي وقعت تحت تأثيره عند تدفقها . وهنا ايضاً دلت الابحاث التي اجريت على ركاس حمم براكين عديدة في اميركا واوروبا والهند ان الذرات الحديدية المتجمدة فيها ، وان كانت لم تغير من اتجاهها شيئاً يذكر في خلال العشرين مليون سنة الاخيرة ، الا انها كلما دفعت الى الوراء وجدت تبدي تغيراً ملحوظاً في الاتجاه ، مما يشير بدون تردد الى ما كان العلماء قد استنتجوه من تنقل القطب الشمالي عبر ستمئة مليون من السنين من اواسط المحيط الهاديء حتى استقر في مكانه الحالي .

نظرية ابتعاد القارات

حلت نظرية انزلاق القشرة الارضية بعض مشاكل العلماء ، خاصة ظواهر تغيير الاجواء في المنطقة الواحدة . الا انها خلقت لهم مشكلة جديدة أكثر تعقيداً من سابقتها . فالنماذج التي أخذت من القارات المختلفة تنطبق على بعضها ، من حيث موقع القطب من القارات بالنسبة لخطوط العرض ، لكنها تعطي صورة مختلفة بالمرة لموقع القارات بالنسبة لخطوط الطول ، او بمعنى أبسط ان اوضاع القارات لم تكن دائماً كما هي الآن ، بل وجد ان بعضها لا بد وان يكون قد تغير موقعه شرقاً او غرباً . هنا أعيدت الحياة من جديد الى نظرية تباعد القارات المشار اليها في اول بحثنا هذا ، وراح العلماء يتساءلون : ألا يمكن ان تكون هذه النظرية على شيء من الصحة؟ وكان العلماء البيولوجييون قد استنبطوا هذه النظرية في محاولة لتفسير ما اكتشفوه من تشابه غير طبيعي بين اشكال وطريقة تطور الكثير من انواع النباتات وبعض سلالات الحيوانات الدنيا ، كالديدان والحشرات البدائية التي تشبهها تشابهاً لا يمكن ارجاعه الى الصدفة او الى اماكن هجرة مثل هذه الاحياء الصغيرة بين قارات تفصل بينها الآف الاميال من مياه المحيط ، مما دعاهم الى ترجيح اتصال هذه القارات ببعضها البعض في يوم من الايام . الا انهم وقفوا حيارى امام السؤال الذي كان لا بد ان يتلو ، منطقياً ، هذا الافتراض . فكان ان تساءلوا أن كيف حصل هذا ، وما هي القوة الجبارة التي كانت تبعد القارات عن بعضها كل هذه المسافات عبر محيطات نعلم ان قاعها مؤلف من مادة شديدة الصلابة ! . إن نظريتي انزلاق قشرة الارض وتباعد القارات كانتا تقدمان حلولاً موفقة لاكثر تساءلاتهم ومشاكلهم وتنتهي عندهما أغلب ابحاثهم . لكن هذا السؤال بالذات حال دون الاجماع على النظريتين واعتناقهما نهائياً .

إنطلقت ، من صلب هذا السؤال ، الابحاث بهمة جديدة في خلال السنوات القليلة الماضية ، وراحت الابحاث تستعين باحدث الاختراعات وأدقها في البحث والتقصي . واخيراً ظهرت معلومات مهمة ألقت ضوءاً ساطعاً على المشكلة برمتها ، خاصة على هاتين النظريتين ، إذ زودتهما بكثير من القرائن العلمية التي كانت تنقصهما في السابق . وفي المؤتمر الجيوفيزيقي الدولي الذي انعقد في هلسنكي بفنلندا في سنة 1960 بسط العلماء الدوليون آخر اكتشافاتهم ونظرياتهم في هذا المضمار ، فأثاروا دهشة العالم وحولوا انظاره الى آفاق جديدة لم تخطر على بال أحد من قبل . فقد أعلن في المؤتمر عن وجود سلسلة جبال مغمورة تمتد على قاع كل محيطات العالم ، ملتفة حول الكرة الارضية مرة ونصف المرة تقريباً ويقرب طولها اربعين الف ميل . ولو نقلت هذه السلسلة الى اليابسة لغطت القارات بأكملها . ويشق هذه السلسلة في وسطها ، وعلى طول امتدادها ، شبه واد او “شق” يبلغ عمقه ستة الآف قدم ، إتضح انه قد يكون مصدر كل الزلازل التي تتكون تحت المحيطات . وقد أمكن تتبع هذه السلسلة المشقوقة من ساحل سيبيريا الشمالي على طول امتداد قاع المحيط المتجمد الشمالي ، الى الجنوب بالقرب من ايسلاندا  على طول المحيط الاطلسي في اواسط المسافة بين سواحل العالم الجديد والعالم القديم المتقابلة . ثم تنقسم هذه السلسلة في جنوب ذلك المحيط الى فرعين اثنين ، يمتد أحدهما مخترقاً المحيط الهندي وماراً بجنوب استراليا حتى المحيط الهادي ، حبث ينعطف شمالاً بمحاذاة الساحل الغربي للاميركيتين ، وينتهي قرب الآسكا ؛ بينما يمتد الفرع الآخر شمالاً عبر البحر الاحمر وصولاً الى تركيا ، مع رافد يتفرع من وسطه غرباً الى داخل افريقيا ، مكوناً فيها ذلك المنخفض المعروف.

أدخل هذا الاكتشاف نظريات أصل الارض وتاريخ تطورها في مجال جديد . فقد دلت الابحاث ان هذا الشق هو شرخ عميق في قشرة الارض ، وان السلسلة المحيطة به ليست من نوع الجبال التي نعرفها على الارض ، بل هي أكوام متصلة من حمم صخرية تنبثق من دون انقطاع من الكتلة الصخرية التي تغلف نواة الارض ، وتتصاعد عبر الشق المذكور وتلقى على جانبيه . وظهر ايضاً ان هناك شقوقاً اخرى صغيرة ، بخلاف هذا الشق الكبير ، تؤلف في مجموعها شبه حوض يمتد من شواطيء المكسيك الى الغرب ، على قاع المحيط الهاديء لمسافة تقرب من ثلاثة الآف ميل ، مكوناً ، هو الآخر ، على جانبيه سلسلة حممية علوها بضع الآف من الاقدام ، وان قاع المحيط الى الجنوب من هذه السلسلة قليل السمك ، منتفخ بشكل واضح ، تشع منه حرارة شديدة جداً تدل على ان نشاطاً هائلاً يجري في مكان ما من باطن الارض تحت تلك المنطقة .

هل تتمدد الارض

ما زالت هذه الابحاث في أطوارها الاولى ، لكنها ذات مدلول لا يمكن الشك فيه . فاذا كانت المواد التي تخرج من باطن الارض عبر هذا الشق منذ القدم ، وكانت جبال الحمم المجاورة هي آخر “نتاجها” ، فأين ذهبت المواد التي ما فتئت تخرج في خلال مئات ملايين السنين الماضية ؟ . ألا يقول المنطق ان جزءاً كبيراً من قاع المحيطات هونفسه من هذه المواد ، وان الارض نتيجة لهذا في حالة تمدد مستمر ؟ . لقد طبق العلماء الروس اختبار الارجون – بوتاسيوم الذي لا يرقى اليه الشك على نماذج من قاع البحر وراء السلسلة المغمورة مباشرة، فوجدوها أحدث مناطق القشرة الارضية عمراً وأقلها سمكاً . إن سلسلة الاستنتاجات المترتبة على هذا ، تقود الى القول ان الارض لا بد ان كانت في الاصل كرة أقل حجماً مما هي عليه الآن ، ولربما كانت مغلفة بقشرة مستوية متماسكة من الغرانيت ، لم يلبث ان تشققت بفعل التمدد ، فتكونت من قشرتها القارات التي يقدر سمك كتلتها بحوالى ثلاثين ميلاً ، ثم أخذ اطراد التمدد يباعد بين هذه القارات و”يبني” بينها قاع المحيطات من المواد المتصاعدة من الكتلة الصخرية التي تغلف نواة الارض المعدنية حتى أوصلها تدريجياً الى أوضاعها الحالية ، وأوصل معدل سمك قاع المحيطات في ما بينها الى سبعة اميال ، وان رد الفعل العادي لهذه الحركة كان يزحلق القشرة من حول الكتلة الداخلية . وربما كان هو المسؤول عن ظاهرة تنقل القطبين الجغرافيين ، كما جاء اعلاه. لقد ذهب بعض العلماء الى ابعد من هذا ، فرجحوا ان تكون مياه المحيطات نفسها هي أصلاً من اولى المواد التي انبثقت من كتلة الارض بصفتها أخف هذه المواد فيها ، وان المواد الحممية التي تليها في الثقل تتابع تصاعدها بعد ان نفدت المياه كلها . ومهما يكن من امر ، فان ما استرعى انتباه العلماء هوانه لو كانت الاميريكيتان هما اللتان تبتعدان عن القارات الاخرى ، كما كان قد قيل سابقاً ، لكان من المفروض ان يتسع الشق المذكور في المحيط الاطلسي ليضيق في المحيط الهاديء . لكن الملاحظ ان الشقين يتسعان معاً .

قرر عالم مجري في المؤتمر الجيوفيزيقي المذكور انه بقياس نصف قطر الارض وجده يتزايد سنوياً بمقدار مليمتر واحد ، كما وجد ان هذه الزيادة أقل بكثير من معدلها في الازمنة السحيقة . فلو اننا افترضنا ان التمدد كان قد استمر ، حتى على معدله الحالي ، لما استغربنا التغييرات المشار اليها في الارض عبر الآف ملايين السنين التي عاشتها . كذلك استمع المؤتمر الى نتائج ابحاث دلت على ان المحيطات تتسع حقيقة على حساب اليابسة ، وان بعض البحار ، مثل بحر اليابان وبحر بيزنغ الفاصل بين سيبيريا والآسكا ، حديثة التكوين بالنسبة للمحيطات المعروفة ، لا بل ان عمق المحيط الهاديء نفسه يزيد الآن عما كان عليه منذ خمسين مليون سنة بمقدار ميل واحد . واذا كان ” بناء” قاع المحيطات قد أبعد القارات عن بعضها البعض ، فانه لا شك قد أحدث تغييرات مهمة في اشكال القارات نتيجة لعاملي الضغط والانكماش . ولقد قدمت نظريات كثيرة بهذا الصدد في المؤتمر ، أهمها النظرية القائلة ان الهند كانت في وقت ما متصلة بجنوب شرق افريقيا ، وانها كانت تؤلف معها ومع المحيط الفاصل بينهما جزءاً من قارة هائلة ، أطلق عليها اسم “غوندوانا ” ، وهو اسم احدى مقاطعات الهند الوسطى ، كما تضم بالاضافة اليهما استراليا والمنطقة المتجمدة الجنوبية وما بين هذه القارات من محيطات ممتدة حتى تتصل بجنوب اميركا الجنوبية . وادعت نظريات اخرى قدمت في المؤتمر ان البحر الشاسع القليل العمق الذي يعرّفه العلماء باسم ” بحر تيش ” كان يغطي الجزء الغربي من آسيا في ما بين المحيط الهندي والمحيط المتجمد الشمالي ويمتد حتى البحر الابيض المتوسط . ولا يستبعد ان يكون ضغط تمدد الارض قد وصل في هذه القارة الى حد أدى الى تشققها وتمزقها منذ حوالى مليون من الأعوام عندما كانت الحيوانات اللبونة قد بدأت تظهر على وجه الارض بأشكالها الاولى ثم غمرت مياه المحيط ما انخفض من اجزاء القارة الجبارة وباعد اطراد التمدد بين اجزائها الاخرى حتى أوصلها الى ما هي عليه الآن . اما شبه الجزيرة الهندية نفسها ، فقد دلت البقايا المغنطيسية المتحجرة المأخوذة منها على انها راحت تستدير بأكملها ببطء الى اليسار مع انكماش الى الشمال.  وقد يكون هذا الانكماش ، عن طريق ضغطه المتزائد على كتلة قارة آسيا ، هو المسؤول عن تكوين جبال الحملايا في شبه الجزيرة ، والى زيادة علو مرتقعات التيبت القائمة وراء تلك الجبال الشاهقة ، ثم الى رفع الجزء الغربي من آسيا ، محولاً بحر تيش العتيد الى المرتفعات التي نعرفها اليوم . وقد كان اكتشاف الكثير من اسنان سمك القرش المتحجرة مدفونة في اعماق الصخور الواقعة في أعالي الحملايا والمرتفعات التي الى غربها ، من الظواهر التي أكسبت هذه النظرية بعض الأهمية .

إن نظرية التمدد وما بني عليها من افتراضات قد تجعلها تبدو الآن كتهنات غريبة . الا ان السنين العشر القادمة ستجلو الكثير من غوامضها ، خاصة بعد ان تظهر نتائج المشاريع الدولية الضخمة التي وضعت موضع التنفيذ على أثر المؤتمر المشار اليه سابقاً ، وأهمها مشروع ” موهول ” الاميركي الذي يرمي الى الحفر في قاع المحيط قرب ” غواديلوب ” في جزر الهند الغربية ، بغية الوصول الى الطبقة التي تعزل قشرة الارض عن الكتلة الصخرية المغلفة للنواة ، وربما الى هذه الكتلة ذاتها لدراسة خواصها وكشف اسرارها .

لعل أنسب ما يختتم به هذا المقال هو النداء الذي وجههه الى المؤتمر رئيسه العالم الروسي الشهير بيلوسوف الذي تبنى نظرية تمدد الارض ودافع عنها بكل حماسة . فقد قال : ” ان على الانسان ، كلما أتم رحلة الى الفضاء ، ان يعود فيقوم برحلة مماثلة الى باطن الارض . فهذا الكوكب الذي نعيش عليه لا نعرف الا القليل من المعلومات عن القشرة الرقيقة التي تغلفه”.