مشروع ميزانية الجمهورية العربية المتحدة لعام 61–62

الاحداث الاقتصادية : عرض وتحليل

مشروع ميزانية الجمهورية العربية المتحدة لعام 1961 – 1962

بقلم معلق ” الرائد ” الاقتصادي

نشر هذا العرض في حزيران / يونيو ، 1961 العدد الثامن ، الرائد العربي

قدم وزير الخزانة المركزي الى مجلس الأمة في اواسط شهر نيسان / ابريل مشروع ميزانية الجمهورية العربية المتحدة عن السنة المالية 1961 – 1962 . والميزانية هي ، من حيث الشكل ، جدول حسابي يتضمن تقدير الايرادات ومصادر الاموال الاخرى ، إضافة الى النفقات لفترة مقبلة من الزمن . لكنها من حيث المعنى والمتضمنات أكثر أهمية بكثير ، ذلك لانها تحدد وجوه الانفاق ومصادر الايرادات . فهناك أوجه مختلفة لانفاق أي مبلغ من المال ، وبالتالي فان اختيار وجه معين من دون غيره او تخصيص ذلك الوجه بمبالغ أكبر يعني الرغبة في تشجيع النواحي التي يمثلها هذا الوجه او تمييزه عن سواه ، كما انه يتضمن تخصيص فئة او فئات بالفوائد التي قد تنجم عن هذا الانفاق . كما انه قد يعني تشجيع فكرة او اتجاه دون سواه . وكذلك ، فإن امام الدولة مصادر عديدة او امكانيات مختلفة لتحصيل الاموال ، وان اعتماد اي مصدر او التأكيد عليه اكثر من غيره يتضمن توزيعاً للاعباء المالية بين الفئات والمناطق . ويتضن كذلك تشجيع نشاط ما او فئة ما او عدم تشجيعها . يضاف الى ذلك ان مستوى الايراد العام والعلاقة بينه وبين الانفاق العام أمر على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للنشاط الاقتصادي ودور الحكومة فيه . فالميزانية هي اداة لتحقيق سياسة مرسومة ، وبالتالي فهي تعكس هذه السياسة التي تعكس بالنهاية ، ولو ضمنياً ، الأراء او الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية لنظام الحكم القائم . من هنا كانت الأهمية الكبرى التي تعطى عادة للميزانيات .

تتكون ميزانية الجمهورية العربية المتحدة من ثماني ميزانيات او مجموعات من الميزانيات يضم بعضها عدداً كبيراً من الميزانيات الفرعية . فهناك اولاً الميزانية الموحدة التي تخصص اعتماداتها للمرافق الموحدة في الاقليمين ، وهي : رئاسة الجمهورية ، القوات المسلحة ، وزارة الخارجية ، مجلس الامة ، والوزارات المركزية . ويسهم في تمويل هذه الميزانية ، المقدرة بمبلغ 131 مليون جنيه ، كل من الاقليمين . فتتحمل ميزانية الاقليم الجنوبي 109.7 مليون جنيه وتتحمل ميزانية الاقليم الشمالي 31.3 مليون جينه . وهناك الميزانيات الملحقة بالميزانية الموحدة وهي ميزانيات مستقلة تعمل في خدمة الاقليمين معاً ، مثل الهيئة العامة لشؤون البترول والمصانع الحربية والاذاعة والتلفزيون الخ .. ويبلغ مجمل تقديرات هذه الميزانيات الملحقة مبلغ 112.8 مليون جينه ، حصة الاقليم الجنوبي في تمويلها 100.2 مليون جينه . اما نصيب الاقليم الشمالي فيبلغ 12.6 مليون جينه . وبالاضافة الى الميزانية الموحدة والميزانيات الملحقة بالميزانية الموحدة هناك الميزانيات المتعلقة بكل اقليم ، وهي ثلاث لكل منهما : الميزانية العادية السنوية ، الميزانية الانتاجية او الانمائية ( كما تسمى في الاقليم الشمالي ) والميزانية او الميزانيات الملحقة . ويجد القاىء في الجداول 1 – 2 – 3 بعض الارقام المتعلقة بهذه الميزانيات .

من أهم مظاهر ميزانية 1961 – 1962 ضخامة أرقامها الاجمالية . وهي ارقام قياسية بالنسبة للاقليمين ، تمثل زيادة كبيرة عن السنين السابقة . ولا بد من الاشارة هنا الى ان مجموع ارقام كل الميزانيات ، كما هي مبينة في الجدول رقم 1 ، ينطوي على بعض الازدواج ، غذ ان هناك بعض التحويلات بين هذه الميزانيات تزيد من مجموع ارقامها ، ولكنها لا تؤثر في مجموع الانفاق . فالميزانية الموحدة للاقليمين تمول بما يخصص لها في الميزانية العادية لكل من الاقليمين ، وكذلك فان الميزانية الانتاجية في الاقليم الجنوبي تمول من فائض الميزانية العادية .ولهذا فالوسيلة الفضلى لمعرفة الارقام الاجمالية الحقيقية للميزانية هي اعتماد ارقام الانفاق العام وهي لا تنطوي على اي ازدواج بالنسبة لكل اقليم ، ذلك عوضاً عن ارقام مجموع الميزانية . وعليه ، فقد قدر مجموع الانفاق العام في الاقليم الجنوبي في الميزامية الجديدة بمبلغ 774 مليون جينه مقابل 232 مليون جينه في سنة 51 – 52 . أما في الاقليم الشمالي فقد قدرت النفقات بمبلغ 1151 مليون ليرة سورية مقابل 530 مليون ليرة سورية في عام 1957 .

تعود هذه الزيادة الكبيرة في الانفاق الى عوامل عديدة أهمها توسع الرقعة التي شملها النشاط في السنين الاخيرة ، والرغبة في تنمية مرافق البلاد ومضاعفة الدخل القومي خلال عشر سنوات . فمما لا شك فيه ان دور الحكومة في الحياة الاقتصادية في الجمهورية العربية المتحدة آخذ بالازدياد بسرعة ، وذلك تعبيراً عن سياسة اشتراكية بدأت بعض معالمها الرئيسة تظهر بشىء من الوضوح . اما الرغبة في تنمية مرافق البلاد ومضاعفة الدخل القومي ، فهي ناتجة ايضاً عن رغبة في تحسين مستوى معيشة السكان ، مما يتطلب زيادة كبيرة في الانفاق الحكومي تعكسه ضخامة الاموال المعتمدة في الميزانية الانتاجية او الانمائية بالنسبة للسنين القادمة .

اما في ما يتعلق بمصادر الاموال ، فيبدو ان الاعتماد على المنشآت الحكومية بدلاً من الضرائب آخذ بالزدياد. ومن المتوقع ان يستمر في هذا الاتجاه بسبب الازدياد السريع للاهمية النسبية للمشاريع الحكومية في الاقتصاد القومي . ويبدو هذا الاتجاه بشكل واضح في الاقليم الجنوبي حيث ارتفعت نسبة ارباح المنشآت الحكومية الى مجموع الايراد في الميزانية العادية من 18.2 بالمئة في عام 51-52 الى 37.3 بالمئة في عام 61-62 ، بينما إنخفضت نسبة الضرائب المباشرة وغير المباشرة خلال المدة نفسها من 77.8 بالمئة الى 54.9 بالمئة . ويقابل هذا الانخفاض في نسبة الاعتماد على الضرائب ، خاصة الضرائب الجمركية التي هبطت نسبتها من 49.2 بالمئة عام 51-52 الى 30.8 بالمئة عام 61-62 ، ارتفاع بسيط في نسبتها الى الدخل القومي . و يقدر انها ستمتص حوالى 19.6 بالمئة من الدخل القومي للسنة المالية الحالية مقابل 18.2 بالمئة قبل عشر سنوات . اما في ما يتعلق بالاقليم الشمالي فلم يحصل تغيير كبير يذكر في الاهمية النسبية للمصادر المختلفة الايراد ما بين 1957 والسنة المالية الحالية .

إن زيادة الاعتماد على أرباح المنشآت الحكومية وزيادة أهمية هذه المنشآت في الاقتصاد القومي يعطي الاسعار التي تعتمدها هذه المنشآت أهمية خاصة ، إذ انها أخذت تحل الى درجة كبيرة محل الضرائب كمصدر للاموال . وهذا يجعل من سياسة اسعار المنشآت الحكومية اداة للسياسة المالية لا تختلف من حيث بعض مضامينها الرئيسة عن السياسة الضريبية ، ذلك لأن الاسعار كالضرائب تؤدي الى امتصاص جزء من الدخل وتحويله من الافراد الى الدولة . ولهذا لا بد من توضيح هذه السياسة وتحديد معالمها الرئيسة في المستقبل .

من الظواهر المهمة في ما يتعلق بالايراد في كل من الاقليمين ان الميزانية لا تشتمل على تعديل جوهري في النظام الضرائبي . فقد أبقيت ضرائب الدخل والضرائب المباشرة الاخرى على حالها ، بينما أدخلت بعض الزيادات الطفيفة على بعض الضرائب والرسوم غير المباشرة ، مثل ضريبة الكحول ورسم الاحصاء ورسم الدخان . وهذا الأمر يدعو الى التساؤل رغم وجود اتجاه للاعتماد على ارباح المنشآت الحكومية ، إذ ان السياسة الاقتصادية والاجتماعية التي تتبعها الجمهورية العربية المتحدة تدعو الى توقع زيادة في نسب الضرائب المباشرة . ويبدو ان وزير الخزانة المركزي قد توقع مثل هذا التساؤل فأثاره في خطاب الميزانية واجاب عليه بقوله : ” ان السياسة الاشتراكية قد اقتضت الاعتماد على الضرائب غير المباشرة والرسوم الجمركية لقلة التفاوت بين الدخول وعدم امكان الاعتماد على زيادة الضرائب المباشرة التصاعدية لتحقيق زيادة مهمة في الايرادات ” .

من الظواهر المهمة بما يتعلق بتمويل الميزانية الانتاجية او الانمائية الاعتماد الكبير على التمويل الخارجي وعلى القروض الداخلية والائتمان المصرفي . وهذه هي المرة الاولى التي يشير فيها خطاب الميزانية الى ان الائتمان المصرفي مصدر من مصادر تمويل الخطة القومية للتنمية الاقتصادية . فقد قدرت الميزانية الانتاجية للاقليم الجنوبي بمبلغ 315 مليون جينه يجري تمويل قسم منها عن طريق تحويل 88 مليون جينه من فائض الميزانية العادية للاقليم . اما القسم الباقي فسيجري تمويله من ” مصادر أخرى ” ، أكثرها قروض داخلية وخارجية . اما الميزانية الانمائية في الاقليم الشمالي فتبلغ 428.2 مليون ليرة سورية ، إعتمد في تمويلها 268 مليون ليرة سورية من الموارد المحلية المختلفة ، مثل فائض مؤسسات الاعمال الحكومية وفائض صناديق التأمين وغير ذلك . كما اعتمد مبلغ 160 مليون ليرة سورية كموارد اخرى منها : 15 مليون ليرة اعانة من الاقليم الجنوبي ، 30 مليون ليرة تسهيلات ائتمانية من الاقليم الجنوبي ، 115 مليون ليرة قروض وتسهيلات ائتمانية من الدول الاجنبية التي ستقوم بتوريد الالآت والمعدات اللازمة لخطة التنمية .

يخفف الاعتماد على التمويل الاجنبي الضغط على الاقتصاد القومي ويسهل عملية التنمية ويوفر العملات الاجنبية التي تحتاج اليها هذه العملية من دون اجراء تخفيض كبير في استيراد المواد الاولية . اما الاعتماد على القروض والتسهيلات الائتمانية فيبدو انه يعود الى اعتقاد المسؤولين بصعوبة زيادة الضرائب وبصعوبة تقنية القسم الاعظم من ادخارات الافراد والمشاريع الخاصة الى المشاريع التي ستقام بموجب خطة التنمية . ولا شك ان الاعتماد على الائتمان الداخلي يولد ضغطاً تضخمياً . إلا ان ازدياد الانتاج المتاح للاستهلاك قد يخفف من هذا الضغط .

ومن الظواهر المهمة في ميزانية الجمهورية العربية المتحدة تعدد الميزانيات الملحقة بالميزانيات العادية والميزانيات الموحدة . وقد بلغ عدد هذه الميزانيات 51 ميزانية . ان تكاثر الميزانيات المستقلة والملحقة هو ظاهرة تشترك فيها الجمهورية العربية المتحدة بصورة خاصة مع غيرها من البلدان العربية والبلدان النامية الاخرى . إلا ان اللجوء الى هذه الميزانيات واعتمادها بلغ شأواً بعيداً في الجمهورية العربية المتحدة . ويعود هذا التكاثر الى ازدياد الدور الذي تلعبه الحكومة في الحياة الاقتصادية بصورة عامة ، والى ازدياد عدد المؤسسات المستقلة التي تحدثها الحكومة . ولا بد من الاشارة هنا الى ان ميزانية مؤسسات حكومية عديدة ، مثل هيئة قناة السويس ، والمؤسسة الاقتصادية ، ومؤسسة نصر ، ومؤسسة مصر ، لم تلحق ميزانياتها بميزانية الدولة بعد .

إن احداث مصالح وهيئات مستقلة تتمتع باستقلال مالي واداري أمر يسهل على هذه المؤسسات القيام باعمالها وتحقيق أهدافها من دون ان تخضع للاجراءات الحكومية العادية ، مما يؤدي الى سرعة في العمل ، خاصة في بلاد ينوء جهازها الاداري بالقيام بالاعمال العادية للدولة . إلا انه يخشى ، مقابل ذلك ، ان يؤدي هذا الاستقلال الى فقدان التنسيق بين اعمال هذه المصالح والى سوء الادارة بسبب فقدان المراقبة ، مما يهدد بضياع كبير في الموارد . ان اخضاع هذه المؤسسات لمراقبة مجلس الامة ، كما تقرر مؤخراً ، هو خطوة مهمة لتلافي نقاط الضعف هذه . لكن يجب ان تتبع ذلك خطوات اخرى لاحكام هذه المراقبة أكثر .

جدول رقم  1

                        مجمل الميزانيات لعام  1961 – 1962

 

                             أ – الميزانيات  الموحدة

1 – ميزانية الوزارات والمصالح الموحدة                141.0  مليون جينه

2 – الميزانية الملحقة بالميزانية الموحدة                112.8  مليون جينه

 

                             ب – ميزانيات الاقليم الجنوبي

3 – الميزانية العادية ( الايرادات )                      423.0  مليون جينه

4 – الميزانيات الملحقة بالميزانية العادية           97.2    مليون جينه

5 – الميزانية الانتاجية                                  315.0   مليون جينه

                              ج – ميزانيات الاقليم الشمالي

6 – الميزانية العادية                                    552.4 مليون ليرة سورية

7 – الميزانيات الملحقة بالميزانية العادية         162.4 مليون ليرة سورية

8 – الميزانية الانمائية                                  428.2 مليون ليرة سورية

                                       جدول رقم 2

                   التوزيع النسبي لميزانية الوزارات والمصالح الموحدة

                             1960 – 1961  و  1961 – 1962

                                 النسبة المئوية الى المجموع

                             60 – 61                   61 – 62

القوات المسلحة       88.5                       85.8

وزارة الخارجية           5.0                         5.1

رئاسة الجمهورية      1.0                         0.9

مجلس الامة والوزارات

المركزية                    5.5                         8.2

المجموع                    100                        100

 

مساهمة الاقليم الجنوبي    76.2            77.8

مساهمة الاقليم الشمالي    23.8           22.2

المجموع                            100            100

                                               جدول رقم 3

                             التوزيع النسبي للميزانيتين الانتاجيتين

                   للاقليم الجنوبي والاقليم الشمالي لسنة 1961 – 1962

                             النسبة المئوية الى المجموع

                                       الاقليم الجنوبي              الاقليم الشمالي

الري والزراعة والصرف                    23                          23.9

الكهرباء والصناعة والتعدين            34.5                       33.9

النقل والمواصلات والتخزين           23.7                       13.7

خدمات                                    16.8                       11.6

احتياطي                                  2.0

المرافق العامة                                                         16.9

المجموع                                    100                        100