تنظيم عمليات النقد في الاقليم السوري

الاحداث الاقتصادية : عرض وتحليل

تنظيم عمليات النقد في الاقليم السوري

حماية لموارد الدولة وتأميناً لحاجاتها من النقد الاجنبي

بقلم معلق ” الرائد العربي ” الاقتصادي

نشر هذا المقال في اذار / مارس 1961 ، العدد الخامس ، الرائد العربي

صدر في أوائل شباط / فبراير قرار جمهوري يستهدف استكمال عمليات النقد الاجنبي في الاقليم الشمالي (سوريا) ، تخضع بموجبه هذه العمليات على انواعها للمراقبة الكلية من قبل الحكومة ، بعد ان كانت تخضع جزئياً لهذه المراقبة في السابق .

ويضع هذا القرار الخطوط الرئيسة للتنظيم المذكور ويترك لقرارات لاحقة تصدر عن وزارة الاقتصاد امر تحديد التفاصيل . ولا شك في ان بعض هذه التفاصيل على جانب من الأهمية لأنها تتضمن تفسيراً عملياً للنقاط الرئيسة في القرار. وبما ان أكثر هذه القرارات لم تصدر بعد ، فإن عرضنا للموضوع وتعليقنا عليه سيقتصر على الخطوط العامة للقرار الرئيس .

يحصر هذا القرار التعامل بالعملات الصعبة الاجنبية في المصارف المعترف بها ، ويحظر القيام بالمعاملات المتعلقة بهذه العملات ، وكذلك استيراد او تصدير اوراق نقد الاقليم الشمالي (السوري) او أوراق النقد الاجنبي الا بالشروط والاوضاع التي تعين بقرار من وزير الاقتصاد الوطني . إلا أنه سمح للقادمين الى البلاد بأن يجلبوا معهم ، على اي وجه كان ، نقداً أجنبياً ، بلغت قيمته ما بلغت ، وأجاز لغير المقيمين منهم ان يخرجوا كل او بعض ما جلبوه من ذلك النقد بالكيفية التي ورد فيها . وقد جرى توسيع هذا الاستثناء لاحقاً فأصبح يشمل اوراق النقد السورية . ويفرض قرارتنظيم عمليات النقد الاجنبي على المصدِر اعادة قيمة البضائع التي يصدرها الى الخارج في مدى ثلاثة أشهر من تاريخ الشحن ، ما لم يؤذن له بتمديد هذه المدة او يعفى من اعادة القيمة . ويوجب هذا القرار ايضاً على كل شخص او هيئة او شركة من رعايا الاقليم السوري، وعلى كل أجنبي مقيم في الاقليم ، أن يعرض للبيع بالشروط والاوضاع التي يحددها وزير الاقتصاد جميع الارصدة المصرفية التي يملكها بالعملات الاجنبية ، وكذلك كل دخل مقوم بالعملة الاجنبية ، او أية مبالغ اخرى مستحقة لأي سبب كان . وينطبق هذا الامر فقط على الدخول والارصدة التي يحصل عليها نتيجة لنشاط او استثمار اموال داخل الاقليم السوري ، اما مرتبطة بتجارة الاقليم الخارجية . أما الدخول والارصدة التي لم يحصل عليها بهذه الطريقة فلا يشملها القرار . وهذا يعني انه يحق لاصحابها ابقائها في الخارج .

اما الديون والمبالغ المستحقة الدفع من قبل اشخاص مقيمين في الاقليم الشمالي (سوريا) الى أشخاص غير مقيمين فيه ، والتي حظَر هذا القرار تحويل قيمتها اليهم في الخارج ، فيمكن للمدين ان يسددها اذا دفع قيمتها في حسابات مجمدة لصالح اشخاص غير مقيمين تفتح في احد المصارف المرخص لها . ويعتبر هذا الدفع من قبل المدين مبرئاً لذمته ولا يحق بالتالي مطالبته بالدين داخل الاقليم السوري .
وهكذا أخضع القرار الجدديد عمليات النقد الاجنبي للمراقبة الحكومية . وهوبذلك يستكمل ، كما ذكرنا ، تنظيم عمليات النقد الاجنبي . فقد كانت هناك في الاقليم السوري بعض المراقبة على هذه العمليات ، أدخل أغلبها خلال سني القحط الاخيرة التي شحت خلالها موارد القطع الاجنبي بسبب الانخفاض الكبير في الصادرات الزراعية ، وهي مصدر البلاد الرئيس للعملات الاجنبية . وأخذ احتياطي هذه العملات بالتدني نتيجة لذلك ، ولم يكن من مفر في تلك الحالة من ادخال بعض المراقبة على النقد لتأمين استيراد المواد الضرورية الى البلاد.

إلا أنه بالرغم من ادخال بعض المراقبة على النقد ، فقد بقيت القاعدة هي حرية التعامل في النقد الاجنبي . اما المراقبة فكانت تنحصر في حالات معينة يحددها القانون . فكان الاتجار بالعملات الصعبة الاجنبية حراً ، كما ترك استيراد وتصدير العملة السورية والعملات الاجنبية حراً ايضاً ، في ما عدا بعض الاستثناءات المحددة بالقانون . ومن هذه الاستثناءات انه كان على مصدري بعض المنتجات الرئيسة المعينة اعادة قيمة ما يصدرون من هذه البضائع عملات اجنبية وبيع هذه العملات لمكتب القطع عن طريق المصارف وبالسعر الذي يحدده مكتب القطع . وبالاضافة الى ذلك أخضع استيراد أكثر البضائع لنظام الرخص المسبقة . وكانت تعطى الافضلية في بيع النقد الاجنبي من قبل مكتب القطع لاستيراد المواد الغذائية والصناعية . أما أصحاب الرخصة الذين لم يتمكنوا من تأمين كل حاجاتهم من النقد الاجنبي من مكتب القطع ، فكانوا يلجأون الى السوق الحرة لشراء احتياجاتهم من القطع . وهكذا ، كان في سوريا ، بالفعل ، سوقان للعملة : السوق الحرة والسوق الرسمية .

نجحت هذه الاجراءات في تأمين الاحتياجات الضرورية للاقليم السوري من الخارج ، كما انها نجحت ، الى حد ما ، في منع تدهور قيمة العملة السورية تدهوراً كبيراً ، وذلك بالرغم من هرب بعض رؤوس الاموال السورية الى الخارج ، وبالرغم من بعض المضاربات التي كانت تتم على العملة السورية . وإن دلَ هذا الأمر على شيء ، فإنه يدل على متانة الاقتصاد السوري وسلامته، تلك المتانة التي تعود بالدرجة الاولى الى بعض التنوع في الموارد والانتاج ، والى حنكة رجال الاعمال السوريين ومهارتهم التي مكنتهم من تنمية موارد البلاد واستغلالها بمقدار قليل من التدخل الحكومي . وأصبحت سوريا مثالاً لما يمكن للمجهود الفردي ان يحققه بمفرده .

ظهر للمراقبين بعد مدة ان هذا المجهود الفردي اوشك ان يستنفد ، وانه لا بد للاقتصاد السوري ان يسرع نموه ، وبدا ان لا بد للحكومة من ان تلعب دوراً اكثر فعالية في الحياة الاقتصادية وان تعبيء الموارد على أفضل وجه لتحقيق النمو الاقتصادي المرجو . ومن الموارد المهمة في اية عملية تنمية هو القطع الاجنبي ، ذلك لأنه يؤمن دفع مستوردات البلاد من الخارج . وقد قدر احتياطي الاقليم السوري من العملات الاجنبية في مشروع التنمية الاقتصادية والاجتماعية للسنوات الخمس 1960/ 1961 – 1964 / 1965 بحوالى 4625 مليون ليرة سورية ، بينما قدرت الموارد ب 3985 مليون ليرة سورية ، أي بعجز يبلغ 640 مليون ليرة سورية ، كان لا بد من تغطيتها بقروض ومساعدات . ولا شك ان حالة كهذه تستوجب تعبئة كل موارد القطع الاجنبي وتقنيتها الى الغايات المحددة . ومما لا شك فيه ان تنظيم عمليات القطع يمكن ان يساعد في الوصول الى هذه الغاية ، إذ انه يخفف من امكانية تسرب العملات الاجنبية الى الخارج لاغراض لا تتفق والاهداف الاقتصادية العامة .

يصعب إجمالاً ايقاف هرب رؤوس الاموال الى الخارج . لكن تهريبها بعد صدور قرار تنظيم عمليات النقد اصبح أقل ضرراً ، كما في السابق ، في استنزاف العملات الاجنبية ، ذلك ان تهريب اوراق النقد السورية الى الخارج ، وتلك كانت الوسيلة الرئيسة التي يمكن لرؤوس الاموال ان تهرب بها ، ما هو في المحصلة إلا عملية استبدال في ملكية اوراق النقد المحلية من شخص كان يمكن ان يستعملها في اغراض انتاجية الى شخص آخر يحتفظ بها على الاقل موقتاً في سبيل المضاربة .

يمكن لتنظيم عمليات النقد الاجنبيي ان تخدم أغراضاً أخرى غير حماية موارد الدولة من النقد الاجنبي وتأمين استعمال هذه الموارد في الاوجه المحددة لها . فالقرار الاخير يمثل خطوة نحو توحيد انظمة القطع في اقليمي الجمهورية ( مصر وسوريا) . فحرية النقد التي كانت سائدة في الاقليم السوري كانت تمثل ، الى حد ما ، ثغرة تتسرب منها رؤوس الاموال في الاقليم المصري الى الخارج . ولا شك في ان المراقبة الجديدة تخفف من امكانية هروب هذه الاموال ، بشكل قطع أجنبي ، الى خارج اقليمي الجمهورية . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن مراقبة النقد تسهل عملية توحيد النقد في الاقليمين ، وبالتالي ، فإنها خطوة مهمة نحو تحقيق التكامل الاقتصادي بينهما .

لا بد لنا أن نتساءل هنا ، ما هو تأثير هذه المراقبة على تجارة الاقليم السوري مع البلاد العربية . إن لسوريا علاقات تجارية مهمة مع البلاد العربية . وقد كانت هذه العلاقات لا تخضع الى قيود خاصة ، فنمت هذه التجارة حتى بلغت شأناً لا بأس به . ولا شك في ان إخضاع هذه التجارة الان الى نفس قيود العملة وغير ذلك من القيود الادارية المتعلقة بها والتي قد تطبق على التجارة مع البلدان الاجنبية ، قد يحد من تجارة الاقليم السوري مع البلاد العربية ويكون ضربة قاصمة للتعاون الاقتصادي العربي . وفي قرار تنظيم عمليات النقد الاجنبي مخارج كثيرة يمكن ان تستغل لابقاء تجارة الاقليم السوري مع باقي البلاد العربية حرة الى حد كبير. وهناك دلائل تشير الى ان هذه المخارج قد وضعت في القرار لاستعمالها في تحقيق هذه الغاية .

في الختام ، لا بد لنا ان نؤكد ان مراقبة النقد أمر مألوف في عالمنا الحاضر ، تمارسه الكثير من البلدان ، خصوصاً البلدان النامية . ويبدو ان الحذر الذي قوبل به القرار في بعض الاوساط المالية والاقتصادية ، ونحن لا نشير هنا الى الحملات المركزة لانها حملات مغرضة لا شأن لنا بها ، لا ينجم بالدرجة الاولى عن القرار نفسه بقدر ما ينجم عن تخوف هذه الاوساط من ان يكون القرار بداية سلسلة من الاجراءات الهادفة الى المزيد من التخل الحكومي في الحياة الاقتصادية .