قانون تنظيم عمليات المصارف في سوريا

الاحداث الاقتصادية : عرض وتحليل

قانون تنظيم عمليات المصارف في الاقليم الشمالي (سوريا)

نشر هذا العرض والتحليل في نيسان / ابريل 1961 ، العدد السادس ، الرائد العربي

يتضمن القانون التنظيمي الذي أصدره رئيس الجمهورية العربية المتحدة في 3 اذار / مارس 1961 لتنظيم مصارف الاقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة ، اربعة مبادىء مهمة هي التالية :

1 – ان تتحول جميع المصارف الى شركات مغفلة لا يقل رأس مال الواحدة منها عن ثلاث ملايين ليرة سورية .

2 – ان تسهم المؤسسة الاقتصادية السورية في رؤوس اموال المصارف كلها بحصة لا تقل عن خمسة وثلاثين بالمئة .

3 – ان تكون جميع الاسهم الخاصة ملكاً لرعايا الجمهورية العربية المتحدة ، وان يكون كل اعضاء مجالس الادارة من هؤلاء الرعايا .

4 – إستثناء من المبدأ الثالث ، يجوز لرئيس الجمهورية ان يسمح لرعايا الدول العربية الاخرى بان يتملكوا ما لا يزيد عن 25 بالمئة من أسهم المصارف ، وان يتمثلوا في مجالس اداراتها بنسبة ملكيتهم من الاسهم .

يرمي المبدأ الاول ، بصورة عامة ، الى تقوية المصارف وتحسين اداراتها وتكبير حجمها وتدعيم رأسمالها . فقد كان يسمح للبنوك ان تكون شركات تضامن او توصية او شركات مغفلة ذات رأس مال محدود . أما الآن فأقتصر الشكل على الشركات المغفلة . وكان الحد الادنى لرأس المال 200الف ليرة سورية بالنسبة لشركات التضامن والتوصية البسيطة ، وخمسمئة الف ليرة بالنسبة لما سواها .أما الآن فقد رفع راس المال الى ثلاثة ملايين ليرة . وسيؤدي هذا القانون الى الحد من عدد المصارف في المستقبل . وقد أظهرت التجارب ان عدداً قليلاً من المصارف القوية أفضل بكثير من عدد كبير من المصارف الضعيفة .

غير ان المبادىء التي تتطلب مزيداً من البحث فهي المبادىء التي تضمنتها البنود الثانية والثالثة والرابعة .

هناك اولاً مسألة اشتراك المؤسسة الاقتصادية برأس مال البنوك بنسبة لا تقل عن خمسة وثلاثين بالمئة . والمؤسسة الاقتصادية هي طبعاً هيئة حكومية . فاذا كانت الحكومة تملك اكثر من ثلث الاسهم ، فإن المعنى الحتمي لذلك هو في الواقع سيطرة حكومية تامة ومباشرة على أعمال البنوك وادارتها . فهذا تأميم لادارة المصارف ، لا لملكيتها. وقد يقال إن حصة الدولة اقل من خمسين بالمئة وان المسيطر فعلاً يجب ان يمتلك خمسين بالمئة من الاسهم على الاقل . غير أن هذا القول وهم من الاوهام . فحملة الاسهم الخاصة يصعب عليهم ان يجمعوا او يعبئوا خمسين بالمئة من الاسهم ليتمكنوا من السيطرة على الادارة ، إذ من المعروف ان حملة الاسهم هم عادة جماعات مبعثرة متنافسة ، ومنهم من لا يهتم بحضور الجلسات او التوكيل . فضلاً عن أن حملة الاسهم سيعتبرون ان امتلاك الحكومة لـ35 بالمئة من الاسهم هو بمثابة تصميم من قبلها على السيطرة على الادارة . لذلك يدركون ان الحكومة ، اذا ما عجزت عن تأمين سيطرتها على الادارة بحصتها البالغة 35 بالمئة من رأس المال ، فلن تترد من رفع هذه المساهة . وهذه الخشية وحدها كافية لان يستسلم حملة الاسهم لما تقرره الحكومة من خلال مجالس الادارة . وهذا القول لا يتعارض طبعاً مع امكان ان تترك الحكومة ، في الظاهر ، الامور الادارية بأيدي حملة الاسهم وعدم الجوء الى التدخل المباشر ما دامت المصارف قائمة من تلقاء نفسها بتطبيق ما يتوافق مع سياسة الدولة الموضوعة .

يتساءل المرء لماذا أقدمت حكومة الجمهورية العربية المتحدة على تأميم ادارة المصارف ؟.

الجواب على ذلك ، ان كل حكومة ، مهما كان النظام الاقتصادي الذي تطبقه ، تصر على الاشراف على المصارف ، لما لها من أهمية حاسمة في ناحيتين : اولاهما توجيه الادخارات ، وثانيتهما ادخال الانتظام الى الحياة الاقتصادية ومنع التضخم الضار والانكماش المؤذي ، والسيطرة على الدورات التجارية . والواقع انه منذ ان عرف علم الاقتصاد بأن المصارف قادرة على “خلق النقود” ، من خلال الودائع ، أصبع لزاماً على الدولة ان تمارس إشرافاً دقيقاً على هذه المصارف لأنها تؤدي ، في واقع الامر ، مهمة يفترض فيها ان تكون من مهام الدولة نفسها . وقد إبتدعت الدول نظام “المصارف المركزية” للاشراف على المصارف وضبطها . ومن المعروف ان للمصارف المركزية سلاحين تقليديين هما تحديد سعر الفائدة لاعادة الحسم ، أي السعر الذي يحسم به المصرف المركزي أوراق المصارف التجارية عندما تحتاج المصارف الى المال وتتقدم منه طالبة اقراضها . فاذا كانت الفائدة التي يطلبها المصرف المركزية عالية أدى هذا الى رفع عام لاسعار الفائدة والى توقف التوسع الائتماني . والعكسس بالعكس . أما السلاح الثاني فهو ضبط عمليات السوق الحرة ، وهو طرح المصارف المركزية الاسناد للبيع في السوق الحرة حين تريد تقليس المال وإيقاف التوسع الائتماني ، او شراء الاسناد من السوق اذا ما أريد العكس .

من الواضح ان هذين السلاحين يتناولان “مجاميع” النقود وحدها ، لا تفاصيل توظيفها . وهذه نقطة ضعف مهمة . وثمة نقطة ضعف اخرى يتناول فعاليتها في البلاد التي لم تتطور فيها بعد السوق المالية تطوراً كبيراً. وجدوى هذه الاسلحة ليست عظيمة في مثل هذه البلاد . ففي ما يخص نسبة الفائدة لاعادة الحسم ، فإن هذه النسبة لا تكون فعالة الا اذا كانت المصارف محتاجة الى اعادة الحسم لدى البنك المركزي . أما اذا كانت مواردها الخاصة كافية ، فإنها لا تتأثر بصورة مباشرة بهذه النسبة . إلا ان الظاهر ان مصارف الاقليم الشمالي (سوريا) كانت في حاجة ماسة الى المصرف المركزي . لذلك ، فإن هذه الحجة لا تنطبق عليها انطباقاً كلياً . لكن السلاح الثاني ، أي شراء وبيع الاوراق المالية في السوق الحرة ، غير موجود بتاتاً . وعليه ، يمكن القول ان المصرف السوري كان يحارب “بترسانة” ناقصة وبأسلحة غير مكتملة الفعالية .

أدركت المصارف المركزية في العديد من البلدان التي تشبه في وضعها الجمهورية العربية المتحدة ضرورة تعديل ادوات المصرف المركزي ، فأخذت تعتمد ، في الغالب ، على الاتصال الشخصي بالمصارف محاولة ممارسة الاقناع الادبي . وربما أعطت القوانين للمصرف المركزي حق التنظيم المباشر لعمليات المصارف كلها او بعضها . والواقع انه حدث في الاقليم الشمالي (سوريا) مرات عديدة ان أصدر مجلس النقد والتسليف، وهو الهيئة النقدية العليا للاقليم ، تعليمات تفصيلية للمصارف القصد منها تحقيق اهداف معينة ، كتخفيض الاستيراد او تسهيل الائتمان الزراعي والصناعي وما شاكل . وكانت هذه الاجراءات ناجحة تماماً ولقيت إستجابة قوية من المصارف ، ونشأ تعاون قوي بين المصرف المركزي وكل مصارف الاقليم ، بحيث استطاع هذا الاقليم ، بفضل هذا التعاون ، ان يتغلب على صعوبات عديدة بينها التي نشأت ابان ازمة السويس (1956) وازمة سوريا (1957) . ومنذ ذلك الوقت اصبح المصرف المركزي السوري مؤسسة قوية وذات أثر مهم في حياة البلاد .

إن تأميم ادارة المصارف قادرة طبعاً على تحقيق هذه الامور كلها بصورة مباشرة . كما ان هذا التأميم قادر على التوجيه التفصيلي لمركبات الائتمان بدلاً من الاكتفاء بتنظيم المجامع وحدها ، أو لنقل أنه أكثر قدرة على ذلك . وعلينا ان نتذكر انه ، بالاضافة الى دافع زيادة الاشراف ، فهناك طبعاً أن الأهداف الاقتصادية – الاجتماعية للجمهورية العربية المتحدة تقوم على الاشتراكية . ومن الطبيعي ان تفكر الدولة في تأميم ادارة المصارف من أجل تحقيق الاشتراكية . فسيطرة الدولة على الإتمان وسيلة جد فعالة للسيطرة على الجهاز الاقتصادي بمجموعه .

على أن من المفيد ان نشير ، في هذا الصدد ، الى ما سبق ان قلناه من قبل ان التأميم تناول السيطرة الادارية لا السيطرة الملكية . من هنا كان إلاكتفاء بتأميم 35 بالمئة من المصارف الوطنية ، وحددت هذا النسبة كحد أدنى للمصارف الاجنبية الكبرى بشكل خاص . وعليه ، فليس ما يمنع من تأميم المصارف الاجنبية (غير العربية) بالكامل .

ومهما يكن من أمر ، فإن لدخول المؤسسة الاقتصادية للاقليم الشمالي ، مسيطرة او مالكة ، أثراً معنوياً كبيراً على الجدل القائم حول نصيب كل من الحكومة والمؤسسات الخاصة في النشاط الاقتصادي . فهناك من يقول ان الاشتراكية التي تطبقها الجمهورية العربية المتحدة تجعل من الحكومة مصفياً تدريجياً لمعظم النشاط الفردي ، بحيث سيطال التأميم قطاعاً بعد قطاع ( ما عدا الملكية الزراعية وربما بعض مخازن التوزيع ) حتى تتحقق إشتراكية كاملة شاملة . فالظاهر ، على حد هذا القول ، ان الهدف الاشتراكي للجمهورية العربية المتحدة أكثر شمولاً من الاشتراكية البريطانية او الفرنسية مثلاً ، وربما كان هذا الهدف أقرب الى التجربة الاشتراكية اليوغوسلافية. لكن الاشتراكية العربية ، ما زالت في واقع الامر ، اشتراكية تجريبية لا مذهبية ، بعكس الاشتراكية اليوغسلافية . فمن الممكن ان تفتح ذهنها لامكانيات بديلة ولتجارب اخرى في المجال الاشتراكي اختبرتها امم أخرى .

ما زالت الحكومة تتجنب تحديد الاشتراكية المرغوبة ونطاقها ومداها . فاذا نظرنا الى مسألة التعريب ، على هذا الضوء ، وضمن هذا النطاق ، أمكننا ان نقول بأن المؤسسة الاقتصادية اذا حددت ملكيتها ب 35 بالمئة ولم تحاول تجاوزها ، وتركت باقي الملكية ، معظمه او كله للافراد واكتفت بالتأميم الاداري ، فان هذا سيفسر على انه تشجيع للنشاط الحر . وعلى أي حال ، فان توضيح هذا الامر أصبح مسألة ملحة وعاجلة . فليس أسوأ ، في مثل هكذا وضع ، من تجنب التحديد والتوضيح ، منعاً لتأويلات كثيرة مضرة .

ينص المبدأ الثالث على ان تكون كل اسهم المصارف الخاصة ملكاً لرعايا الجمهورية العربية المتحدة ، مع مراعاة الاستثناء الوارد في المبدأ الرابع . القصد هنا واضح ، وهو انهاء عهد المصارف الاجنبية . والحجة التي تسند هذا القول هي ان المصارف الاجنبية لا تتعامل بأموالها الخاصة ، إذ ان رساميلها واحتياطيها لا تشكل سوى جزء بسيط من الموارد المالية التي تتصرف بها . اما القسم الباقي من هذه الموارد فمصدره ودائع المواطنين والمبالغ المعاد حسمها في المصرف المركزي ، وكلها أموال وطنية . فلماذا يسمح لها بأن تجني ربحاً وتحوله الى بلادها ، مع ان مصدر هذا الربح هو الاموال المحلية ؟ .

الحقيقة ان هذه حجة قوية . ويقال ، عادة ، في مقابلها ان المصارف الاجنبية تحول جانباً من ودائع مؤسساتها المركزية القائمة في البلاد الاجنبية الى البلاد التي تعمل فيها (كالاقليم الشمالي) وتستثمر هذه الودائع بشكل يزيد من الامكانيات الائتمانية المحلية . والواقع ان الودائع المحولة على هذا الشكل كانت تشكل ما بين 10 و15 بالمئة من مجموع ودائع المصارف في الاقليم الشمالي . ولن تكون هذه الودائع الاجنبية في متناول الاقليم الشمالي في المستقبل . ويمكن القول ، ايضاً ، ان الغاء الحرية النقدية ساعد على ايقاف هذه التحويلات لأن المصارف الاجنبية لم تعد مطمئنة الى سهولة اخراجها للودائع التي قد تجلبها من الخارج .

نستطيع الترجيح ان ادارات المصارف بعد عملية التعريب ستبقى ، في الغالب ، على نفس مستوى الكفاءة السابق . وهذا قول تؤيده تجارب الاقليم الجنوبي (مصر) .

نأتي الآن الى الاستثناء الذي أجاز لرعايا الدول العربية امتلاك 25 بالمئة من أسهم المصارف الخاصة والاشتراك في مجالس الادارة بنسبة رأسمالهم .

إن البحث المتقدم قد أوضح لنا اننا نعتبر التنظيم الجديد عملية تأميم أكثر منه عملية تعريب . والتأميم لا يفرق بين المواطن المحلي وغير المحلي ، إذ يحصر الملكية في النهاية بالدولة . على ان الافضلية المعطاة لرعايا الدول العربية هي مبدأ مشكور . فيجب التمييز ، حتماً ، بين العربي والاجنبي في القوانين وفي المعاملة . وقد أوضحت مقالة سابقة في هذه المجلة عن المواطنية الاقتصادية العربية ( العدد الثالث، كانون الثاني/يناير 1960 ) ان هذا التمييز قليلاً ما يجد مكاناً في القوانين العربية . وهذا أمر يؤسف له أشد الأسف . وربما نادى دعاة الوحدة الاقتصادية الكاملة بين البلاد العربية بمساواة كاملة في الحقوق والموجبات الاقتصادية لجميع رعايا الدول العربية وفي جميع الدول العربية . وهذ أمل عظيم يؤدي الى تحقيق الاماني الاقتصادية والقومية على السواء . ومن الصعب اعتبار القانون الجديد لتعريب مصارف الاقليم الشمالي خطوة الى الامام، بل خطوة الى الوراء لأن مؤسسات عربية كثيرة كانت تعمل حتى الآن بحرية تامة في الاقليم الشمالي ستجد نفسها وقد فقدت هذه الحرية ، وبينها مؤسسات ذات سجل قومي حافل وعملت ، حتى الآن ، في ظل قانون آخر لتعريب مصارف الاقليم الشمالي واجاز لرعايا الدول العربية امتلاك 49 بالمئة من الاسهم . إلا ان الجواب هنا يستند الى اعتبارات عملية ، كالخوف من التهريب او إساءة الاستعمال ، مثلما أساء احد موظفي بنك تعود ملكيته لرعايا احدى الدول العربية في القاهرة مؤخراً عندما استعمل مصرفه لتهريب الاموال . لكن ما ينطبق على الرعايا المحليين ، من هذه الناحية ، ينطبق على رعايا الدول العربية ايضاً . ولنلاحظ ان الاستثناء الذي جاء لمصلحة رعايا الدول العربية قد نص على انه “يجوز لرئيس الجمهورية ان يسمح الخ.. ” . فاذا وجدت شبهة فبالامكان رفض السماح . أما المؤسسات التى لا شبهة حولها فستعاني شيئاً غير قليل من العسر في ظل النظام الجديد .