الإباضية

الإباضـية

هذه الفرقة تحمل فكر الخوارج، وهي فرقةٌ موجودةٌ في عصرنا الحاضر. فقد قال بكير بن سعيد أعوشت- أحد علمائهم- إنّهم يوجَدون حاليًا في الجزائر وتونس وليبيا وعُمان وزنجبار.

مُؤسّس الإباضيّة:

إنّهم يُنسَبون في مذهبهم، حسب ما تَذكُر مصادرهم، إلى جابر بن زيد الأزدي الذّي يقدّمونه على كل أحدٍ ويَرْوُون عنه مذهبهم، وهو مِن تلاميذ ابن عبّاس. وقد نُسبوا إلى عبد الله ابن إباض لشهرة موقفه مع الحكّام، واسمه عبد الله بن يحيى بن إباض المري، من بني مرّة بن عبيد، ويُنسب إلى بني تميم.

وللإباضية صولةٌ وجولةٌ في باب الخروج على الإمام. فقد ثار يحيى بن عبد الله طالب الحق المُتقدّم باليمن، وجمع حوله من الأتباع والأنصار، ما شجّعه على الخروج في وجه حكّام بني أميّة سنة128هـ. وهذا الشّخص أصله من حضرموت؛ تأثّر بدعوة أبي حمزة الشّاري، فخرج على مروان بن محمد واحتلّ حضرموت وصنعاء، فسيّر إليه مروان بن محمد قائده عبد الملك بن محمد بن عطية السّعدي فدارت معركةٌ، أَسفَرَتْ عن قَتلِ طالب الحقّ سنة130هـ.

ذهب بعض العلماء من الإباضية إلى تحديد الوقت الذي استُعمِِلَت فيه تسمية “الإباضية” وأنّ ذلك كان في القرن الثّالث الهجري، وقبلها كانوا يُسمّون أنفسهم “جماعة المُسلمين” أو “أهل الدّعوة” أو “أهل الإستقامة” كما يذكر ابن خلفون من علمائهم.

وذهب ابن حزم إلى القول إنّ الإباضية لا يعرفون ابن إباض وإنّه شخصٌ مجهولٌ. وهذا خطأ منه. فإنّ ابن أباض شخص يعرفه الإباضيون، ولهذا ردّ عليه عليّ يحيى معمر الإباضي، وذكر أنّ الإباضييّن يعرفون إبن إباض معرفةً تامّةً، ولا يتبرّؤن منه.

علاقة الإباضية بالخوارج:

اتّفقت كلمة علماء الفِرَق على عدّ الإباضية فرقةً من فِرَق الخوارج. وليس المُخالفون للإباضية فقط هم الذين اعتبروهم في عداد الخوارج، وإنّما بعض علماء الإباضية المُتقدّمون أيضًا، إذ لا يوجد في كلامهم ما يدلّ على كراهيتهم لعد الإباضية فرقةً من الخوارج. فقد قال مؤلّف كتاب الأديان، وهو إباضيّ، إنّ الإباضيّين هم أوّل من أنكر المُنكَر على مَن عَمل به وأوّل من أبصر الفتنة وعابها على أهلها.

ويقول نور الدين السالمي إنّ إسم الخوارج في الزّمان الأوّل كان مدحًا لأنّه جمع خارجةً، وهي الطّائفة التّي تخرج للغزو في سبيل الله.

تبرّأ الخوارج من الخليفة عثمان ومن خلافته وحكموا عليه بالإرتداد. وفي كتاب “كشف الغمّة” لمؤلّفٍ إباضيٍّ يوجد من السبّ والشّتم لعثمان ما لا يوصف.

يوجد كذلك في كتابٍ “الأديان”، وكتاب آخر اسمه “الدّليل لأهل العقول” للورجلاني، أنواع من السّباب والشَّتم لعثمان ومدح لمن قتلوه.

أمّا بالنسبة لموقفهم من الخليفة علي بن أبي طالب، فإنّه يتّضح بما جاء في كتاب “كشف الغمة”، تحت عنوان فصلٍ من كتاب الكفاية، قوله: “فإن قال ماتقولون في علي بن أبي طالب، قُلنا له إنّ عليًا مع المُسلمين في منزلة البراءة”.

وقال زعيم الإباضية عبدالله بن إباض نفسه في كتابه لعبد الملك عن معاوية ويزيد وعثمان، كما يرويه صاحب كشف الغمة: “فإنّا نشهد الله وملائكته أنّا براء منهم وأعداء لهم، بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا نعيش على ذلك ماعشنا ونموتُ عليه إذا متنا ونبعث عليه إذا بعثنا ونحاسَب بذلك عند الله”.

وصاحب كتاب “كشف الغمة الجامع لأخبار الأمّة” يشتمُ الحَسَن والحُسين وأوجب البراءة منهما بسبب ولايتهما لأبيهما على ظلمه، وكذلك بسبب قتلهما عبدالرحمن بن ملجم وتسليمهما الإمامة لمعاوية.

وهذا الموقف نفسه الذي وقفه الخوارج عمومًا والإباضيّة أيضًا من الصّحابة السّابقين، وقفوه من طلحة بن عبيدالله والزبير بن العوام، وأَوجَبَ لهما الورجلاني النّار.

عقائد الإباضية:

الإباضية كغيرهم من أهل البِدَع؛ لهم عقائد خالفوا فيها منهج أهل السُّنة والجماعة ووافقوا فيها مَن على شاكلتهم من المُبتدعة.

صفات الله:

انقسم الإباضيون إلى فريقين في ما يتعلّق بصفات الله: فريق نفى الصّفات نفيًا تامًا خوفًا من التّشبيه بزعمهم. فهم كالجهميّة في ذلك؛ وفريق منهم يُرجِعُون الصّفات إلى الذّات، فقالوا إنّ الله عالم بذاته وقادر بذاته وسميع بذاته إلخ..

فالصّفات عندهم عين الذّات. وهذا، في الحقيقة، نفيٌ للصّفات ولكنه نفي مُغطّى بحيلة إرجاعها إلى الذّات وعدم مشابهتها لصفات الخلق. وقد شنّع الورجلاني منهم على الذّين يثبّتون الصّفات بأنّهم مشبهة كعباد الأوثان وأن مذهب أهل السُّنة هو- حسب قوله – تأويل الصّفات. فاليد النّعمة والقدرة والوجه الذات ومجيء الله مجيء أمره لفصل القضاء، لأنّ إثبات الصّفات لله هو عين التّشبيه كما يقول.

وطريقة السّلف في إثبات كلّ صفةٍ لله أنّهم يقولون فيها إنّها معلومة المعنى مجهولة الكَيف، والسّؤال عن الكَيف بدعةٌ.

استواء الله وعلوه:

وتقول عقيدة الإباضية في استواء الله وعلوّه. ويزعم الإباضيون أنّ الله يستحيل أن يكون مختصًا بجهةٍ ما، بل هو في كلّ مكانٍ. ولهذا، فقد فسّر الإباضية معنى استواء الله على عرشه باستواء أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه.

رؤية الله:

ذهبت الإباضية في باب رؤية الله تعالى إلى إنكار وقوعها لأنّ العقل -كما يزعمون- يحيل ذلك ويستبعده.

كلام الله تعالى:

ومن عقائد الإباضية، في كلام الله تعالى، القول بخلق القرآن، بل حَكَمَ بعض علمائهم، كإبن جميع والورجلاني أنّ مَن لم يقل بخلق القرآن فليس منهم.

عذاب القبر:

أنكر بعض الإباضية عذاب القبر وأثبته بعضهم.

مُعتقدهم في الميزان:

الميزان، عند السّلف والمُسلمين والذي جاءت به النّصوص، له كفّتان حسّيتان مشاهَدَتان، تُوزَن فيه أعمال العباد كما يُوزِن العامل نفسه. أمّا الإباضية، فتنكر هذا الوصف ويثبتون وزن الله للنّيات والأعمال، بمعنى تمييزه بين الحَسَنِ منها والسّيء؛ وإنّ الله يفصل بين النّاس في أمورهم ويقفون عند هذا الحد.

الصّراط:

أنكر الإباضية الصّراط وقالوا إنّه ليس بجسرٍ على ظهر جهنّم؛ وذهب بعضهم -وهم قلّة- إلى إثبات الصّراط.

الإمام:

ينظر الخوارج كافّةً إلى الإمام نظرةً حازمةً، هي إلى الرّيبة منه أقرب، ولهم شروط قاسية جدًا قد لاتتوفّر إلاّ في القليل النادر من الرّجال. وإذا صدر منه أيّ ذنبٍ فإمّا أن يعتدل ويعلن توبته وإلاّ فالسيف جزاؤه العاجل.

التّقية:

جَوّز الإباضية التّقية كإخوانهم الرّافضة. وقد أورد الرّبيع بن حبيب في مسنده رواياتٍ في الحثّ على التّقية.

عقائد أخرى:

قال أبو الحسن الأشعري: “الإباضية يقولون إن جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان، وإنّ كلَّ كبيرةٍ فهي كفر نعمة، لا كفر شركٍ، وإنّ مُرتكبي الكبائر في النّار، خالدون فيها”.

وقال يزيد بن أنيسة، زعيم اليزيدية من الإباضية: “نتولّى مَن شهد لمحمد صلّى الله عليه وسلّم بالنّبوة من أهل الكتاب، وإن لم يدخلوا في دينه ولم يعملوا بشريعته…”. وزعم أنهم بذلك مؤمنون.

وقال الإباضية جميعًا إنّ الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيلٍ أو تأويلٍ. فإن تاب وإلاّ قُتِلَ. كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لايسع جهله.

وقالوا: “مَن زنى أو سرق، أقيم عليه الحدّ ثم استتيب، فإن تاب وإلاّ قُتِلَ.

وقالوا: “الإصرار على أيّ ذنبٍ كان كفرًا”.