الأيوبيّون

الأيوبيّون

تسلّم صلاح الدين الأيوبي أمر مصر كلّها بعد أن تمّ له القضاء على الدولة العبيديّة عام 567 هـ. وكان قد أوكل إلى قراقوش أمر الوزارة. وقد استطاع صلاح الدين كسب ثقة أهل مصر بفضل ذكائه وقوّته.

ذهب صلاح الدين الأيوبي عام 568هـ لفتح بلدة الكرك في الأردن واستناب أباه مكانه على مصر، فتوفّي أثناء غيابه. وفي العام نفسه أرسل صلاح الدّين أخاه الأكبر شمس الدولة توران شاه إلى بلاد النوبة ففتحها واستولى على معقلها، كما أرسل عام 569 هـ فرقةً إلى اليمن بإمرة أخيه شمس الدولة توران شاه فاستطاع أن يملكها وأن ينهي حكم آل مهدي في زبيد وآل حاتم في صنعاء وآل زريع في عدن، وبقي في اليمن حتى عام 570هـ. فاستخلف عليها وعاد إلى بلاد الشّام. أما صلاح الدين فقد كان في مصر عند وفاة نور الدّين محمود. ولما عزم السفر إلى الشام وصل أسطولٌ للصّليبيين من صقلية ونزل بالإسكندرية فتصدّى له أهلها وانتصروا على مَن فيه وذلك عام 570هـ، كما أخمد ثورة أحد أنصار العبيديين، ومدَّ نفوذه نحو الغرب إذ أرسل سريةً عام 568هـ إلى إفريقية فاستطاعت أن تأخذ مدينة طرابلس الغرب. وسار صلاح الدين إلى دمشق فدخلها وهادَن الصليبيين عام 571هـ. ثم ملك حلب، غير أنه استبقاها للملك العادل إسماعيل بن نور الدين محمود الذي اعترف له بسلطانه عليه، وأخذ يستعدّ لقتال الصليبيين.

توفّي الملك العادل إسماعيل بن نور الدين محمود عام 577هـ فبسط صلاح الدين نفوذه على حلب والموصل. وبذلك أصبحت المناطق التي تحت سُلطان صلاح الدين متّصلةً وعلى امتداد أملاك الصليبيين. ولما بلغه خبر إغارة «رينولد» صاحب حصن الكرك على سواحل بلاد الحجاز وقطعه طريق الحج، وأخذه بعض قوافل المسلمين الحجاج، هاجم صلاح الدين المناطق الصّليبية وهزمهم هزيمةً منكرةً في معركة حطّين 25 ربيع الثاني 583 هـ، ثم استولى على طبريا وتابع طريقه إلى عكا ونابلس والرملة وقيسارية ويافا وبيروت وما حولها وعسقلان. وهكذا أصبحت المناطق الصّليبية قسمين، إحداها في انطاكية في الشمال، والثانية في الجنوب في بيت المقدس الذي أصبح معزولاً يحيط به صلاح الدين من كل صوبٍ وأخذ يستعدّ للهجوم عليه. فسار باتجاه القدس بجيشٍ عظيمٍ، فرأى الصّليبيون أنفسهم عاجزين عن المُقارعة، لذا طلبوا الصلح على أن يسلموا بيت المقدس ويخرجوا منه بأموالهم وأولادهم مقابل فديةٍ معيّنةٍ يدفعها كلّ واحدٍ منهم. فضمن لهم صلاح الدين الأيوبي الرحيل إلى صور أو إلى طرابلس، ودخل المسلمون القدس في 27 رجب 583هـ.

ثم جاءت الحملة الصليبية الثالثة عام 585هـ وأحرز ريتشارد قلب الأسد ملك انكلترا انتصارًا على جيش صلاح الدين في أرسوف وتابع زحفه نحو عسقلان، فوجد نفسه أمام قوّةٍ كبيرةٍ فبدأ في إجراء مفاوضات حتى تمّ صلح الرملة عام 588هـ الذي ينصّ على وقف الحرب لمدّة ثلاث سنوات بين الطرفين وأن تبقى القدس بيد المُسلمين ويُسمَح للنّصارى بزيارة الأماكن المُقدّسة فيها. وأن تكون سواحل بلاد الشام من صور إلى يافا تحت الحماية الصليبية.

وفي عام 589هـ توفّي صلاح الدين في دمشق ودُفِنَ فيها وخلفه ابنه عثمان العزيز عماد الدين الذي حكم ست سنواتٍ حتى توفّي عام 595هـ وخلفه ابنه المنصور محمد. ولم يبق في الحكم سوى سنةً وعدّة أيام حتّى خُلِعَ عام 597هـ وتسلّم السلطة عم أبيه أخو صلاح الدين الأيوبي وهو الملك العادل سيف الدين الذي بقيَ في الحكم حتى عام 605هـ. وفي أيّامه استولى الصليبيون الجرمان بإمرة جان دي ميريين على دمياط. وتوفّي العادل في ذلك العام وقد أوصى لإبنه محمّد الكامل بإخراج الصليبيين منها. فعمل الكامل بنصيحة أبيه فجاءته النّجدات من الشام وسار إلى الصليبيين والتقى بهم عند مدينة المنصورة فأغرق سفنهم في نهر النيل وألحق بهم هزيمةً منكرةً واضّطروا لطلب الصلح وذلك عام 608هـ وانسحبوا من مصر بعد أن بقوا في دُمياط ثلاث سنوات وأربعة أشهر.

ثم اختلف محمد الكامل مع أخيه، والي دمشق الملك المعظم، فاستغلّ هذا الخلاف امبراطور المانيا فريدريك الثاني وَشَنّ حملةً صليبيةً إلى فلسطين وأجبر الملك الكامل أن يعقد صلحًا معه فتنازل بموجبه عن بيت المقدس شرط أن يبقى مسجد عمر وما جاوره بِيَد المُسلمين، وأن يطلق الأسرى الصليبيين بالكامل وذلك عام 626 هـ. وتوفي الكامل عام 635هـ. وكان قد أرسل ابنه المسعود إلى مكة فدخلها عام 620هـ وامتدّ نفوذه من الجزيرة العراقية إلى الحجاز ومصر وتوفّي بدمشق. وخلفه ابنه محمد العادل ونافسه أخوه الأكبر نجم الدين أيوب أبو الفتوح ودخل إلى مصر وقبض على العادل وسجنه عام 637هـ وتولّى هو السلطنة.

وفي عهده شنّ ملك فرنسا لويس التاسع هجومًا على دمياط واستولى عليها، وتقدّم نحو المنصورة وانتصر في بداية الأمر ثم ردّه المماليك بقيادة الظاهر بيبرس. وفي هذه الأثناء توفّي الملك الصالح فكتمت زوجته شجرة الدر نبأ وفاته عام 647هـ وبقيت هي بنفسها تدير الأمر باسمه وأرسلت إلى ابنه توران شاه تستقدمه. وعندما وصل إلى القدس انتقلت إلى القاهرة. ولم يذهب توران شاه إلى القاهرة بل توجه مباشرةً إلى دمياط وحارب الصّليبيين واستردّ دمياط. وكانت وفاته عام 648 هـ ومدةّ سلطنته أربعون يومًا وبموته انتهى أمر الأيّوبييّن.

تابعت شجرة الدر حكم الدولة وكانت توقّع بإسم «ملكة المُسلمين» أو «المُستعصمية الصّالحية». ولم يستقرّ أمرها سوى ثمانين يومًا، إذ خرجت الشام عن طاعتها. فجعلت عز الدين أيبك وزيرًا لها وكان وزير زوجها، ثم تزوجّته وتنازلت عن السلطنة وتلقّب عز الدّين أيبك بالملك المعز. وعندما أراد أن يتزوّج عليها قتله مماليكها. وعلم ابنه علي فعمِلَ على قتلها عام 655هـ. 

ورد في “تاريخ ابن خلدون المجلد الخامس:

” هذه الدولة من فروع دولة بني زنكي كما تراه، وجدهم هو أيوب بن شادي بن مروان بن علي بن عشرة ابن الحسن بن علي بن أحمد بن علي عبد العزيز بن هدبة بن الحصين بن الحرث بن سنان بن عمر مرّة بن عوف الحميري الدوسي هكذا نسبه بعض المؤرخين لدولتهم قال ابن الأثير: أنهم من الأكراد الروادية. وقال ابن خلكان: شادي أبوهم من أعيان درين، وكان صاحبه بها بهروز فأصابه خصي من بعض أمرائه وفر حياء من المثلة ، فلحق بدولة السلطان مسعود بن محمد بن ملك شاه، وتعلق بخدمة داية بنيه حتى إذا هلك الداية أقامه السلطان لبنيه مقامه فظهرت كفايته، وعلا في الدولة محله فبعث عن شادي بن مروان صاحبه لما بينهما من الألفة وأكيد الصحبة فقدم عليه. ثم ولي السلطان بهروز شحنة بغداد فسار إليها، واستصحب شادي معه. ثم أقطعه السلطان قلعة تكريت فولي عليها شادي فهلك وهو وال عليها. وولى بهروز مكانه ابنه نجم الدين أيوب وهو أكبر من أسد الدين شيركوه، فلم يزل واليا عليها. ولما زحف عماد الدين زنكي صاحب الموصل لمظاهرة مسعود على الخليفة المسترشد سنة عشرين وخمسمائة، وإنهزم الأتابك وانكفأ راجعاً إلى الموصل، ومر بتكريت قام نجم الدين بعلوفته وازواده، وعقد له الجسور على دجلة، وسهل له عبورها. ثم أن شيركوه أصاب دماً في تكريت ولم يفده منه أخوه أيوب فعزله بهروز، وأخرجهما من تكريت فلحقا بعماد الدين بالموصل فأحسن إليهما وأقطعهما. ثم ملك بعلبك سنة إثنتين وثلاثين جعله نائباً بها، ولم يزل بها أيوب. ولما مات عماد الدين زنكي سنة إحدى وأربعين زحف صاحب دمشق فخر الدين طغركين إلى بعلبك وحاصرها، واستنزل أيوب منها على ما شرط لنفسه من الإقطاع، وأقام معه بدمشق. وبقي شيركوه مع نور الدين محمود بن زنكي، وأقطعه حمص والرحبة لإستطلاعه وكفايته، وجعله مقدم عساكره. ولما صرف نظره إلى الإستيلاء على دمشق، واعتزم على مداخلة أهلها، وكان ذلك على يد شيركوه وبمكاتبته لأخيه أيوب، وهو بدمشق فتم ذلك على أيديهما وبمحاولتهما، وملكها سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وكانت دولة العلويين بمصر قد أخلقت جدتها، وذهب استفحالها واستبد وزراؤها على خلفائها. فلم يكن الخلفاء يملكون معهم. وطمع الإفرنج في سواحلهم وأمصارهم لما نالهم من الهرم والوهن، فمالوا عليهم وانتزعوا البلاد من أيديهم، وكانوا يردون عليهم كرسي خلافتهم بالقاهرة، ووضعوا عليهم الجزية وهم يتجرعون المصاب من ذلك، ويتحملونه مع بقاء أمرهم. كاد الأتابك زنكي وقومه السلجوقية من قبله أن يمحوا دعوتهم، ويذهبوا بدولتهم. وأقاموا من ذلك على مضض وقلق وجاء الله بدعوة العاضد آخرهم. وتغلب عليه بعد الصالح بن رزبك شاور السعدي، وقتل رزبك بن صالح سنة ثمان وخمسين، واستبد على العاضد. ثم نازعه الضرغام لتسعة أشهر من ولايته وغلبه وأخرجه من القاهرة فلحق بالشام، ولحق بنور الدين صريخاً سنة تسع وخمسين، وشرط له على نفسه ثلث الجباية بأعمال مصر، على أن يبعث معه عسكراً يقيمون بها فأجابه إلى ذلك، وبعث أسد الدين شيركوه في العساكر فقتل الضرغام، ورد شاور إلى رتبته وآل أمرهم إلى محو الدولة العلوية، وإنتظام مصر وأعمالها في ملكة ابن أيوب بدعوة نور الدين محمود بن زنكي، ويخطب للخلفاء العباسيين لما هلك نور الدين محمي واستبد صلاح الدين بأمره في مصر. ثم غلب على بني نور الدين محمود، وملك الشام من أيديهم وكثر عيث ابن عمهم مودود واستفحل ملكه، وعظمت دولة بنيه من بعده إلى أن . إنقرضوا والبقاء لله وحده.

مسير أسد الدين شيركوه إلى مصر وإعادة شاور إلى وزارته:

لما إعتزم نور الدين محمود صاحب الشام على صريخ شاور، وإرسال العساكر معه واختار لذلك أسد الدين شيركوه بن شادي، وكان من أكبر أمرائه فاستدعاه من حمص وكان أميراً عليها وهي أقطاعه، وجمع له العساكر وأزاح عللهم. وفصل بهم شيركوه من دمشق في جمادى سنة تسع وخمسين. وسار نور الدين بالعساكر إلى بلاد الإفرنج ليأخذ بحجزتهم عن إعتراضه أو صده، لما كان بينهم وبين صاحب مصر من الألفة والتظاهر، ولما وصل أسد الدين بلبيس لقيه هنالك ناصر الدين أخو الضرغام وقاتله فانهزم، وعاد إلى القاهرة مهزوماً. وخرج الضرغام منسلخ جمادى الأخيرة فقتل عند مشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها، وقتل أخوه، وأعاد شاور إلى وزارته وتمكن فيها. وصرف أسد الدين إلى بلده وأعرض عما كان بينهما فطالبه أسد الدين بالوفاء، فلم يجب إليه فتغلب أسد الدين على بلبيس والبلاد الشرقية. وبعث شاور إلى الإفرنج يستنجدهم، ويعدهم فبادروا إلى إجابته، وسار بهم ملكهم مرى لخوفهم أن يملك أسد الدين مصر، واستعانوا بجمع من الإفرنج جاؤا لزيارة القدس. وسار نور الدين إليهم ليشغلهم فلم يثنهم ذلك وطمعوا لعزمهم ورزأ أسد الدين إلى بلبيس، وإجتمعت العساكر المصرية والإفرنج عليه، وحاصروه ثلاثة أشهر وهو يفاديهم القتال ويراوحهم، وإمتنع عليهم، وقصاراهم منع الأخبار عنه. واستنفر نور الدين ملوك الجزيرة وديار بكر وقصر حارم. وسار الإفرنج لمدافعته فهزمهم وأثخن فيهم. وأسر صاحب أنْطاكِية وطرابلس وفتح حارم قريباً من حلب. ثم سار إلى بانياس قريباً من دمشق ففتحها كما مر في أخبار نور الدير وبلغ الخبر بذلك إلى الإفرنج وهم محاصرون أسد الدين في بلبيس ففت في عزائمهم، وطووا الخبر عنه وراسلوه في الصلح على أن يعود إلى الشام فصالحهم، وعاد إلى الشام في ذي الحجة من السنة، والله تعالى أعلم.

مسير أسد الدين ثانياً إلى مصر وملكه الإسكندرية ثم صلحه عليها وعوده

ولما رجع أسد الدين إلى الشام لم يزل في نفسه ما كان من غدر شاور، وبقي يشحن لغزوهم إلى سنة إثنتين وستين فجمع العساكر وبعث معه نور الدين جماعة من الأمراء، وأكثف له العسكر خوفاً على حامية الإسلام، وسار أسد الدين إلى مصر، وانتهى إلى أطفيح وعبر منها إلى العدوة الغربية، ونزل الجيزة وأقام نحوا من خمسين يوماً. وبعث شاور إلى الإفرنج يستمدهم على العادة، وعلى ما لهم من التخوف من استفحال ملك نور الدين وشيركوه فسارعوا إلى مصر، وعبروا مع عساكرها إلى الجيزة، وقد إرتحل عنها أسد الدين إلى الصعيد، وانتهى منها إلى *، وأتبعوه وأدركوه بها منتصف إثنتين وستين. ولما رأى كثرة عددهم واستعدادهم مع تخاذل أصحابه فاستشارهم. فأشار بعضهم بعبور النيل إلى العدوة الشرقية والعود إلى الشام وأبى زعماؤهم إلا الإستماتة سيما مع خشية العتب من نور الدين، وتقدم صلاح الدين بذلك  وأدركهم القوم على تعبية وجعل صلاح الدين في القلب، وأوصاه أن يندفع أمامهم، ووقف هو في الميمنة مع من وثق باستماتته. وحمل القوم على صلاح الدين فسار بين أيديهم على تعبيته وخالفهم أسد الدين إلى مخلفهم فوضع السيف فيهم وأثخن قتلا وأسرا. ورجعوا عن صلاح الدين يظنون أنهم ساروا منهزمين فوجدوا أسد الدين قد استولى على مخلفهم واستباحه فانهزموا إلى مصر.

وسار أسد الدين إلى الإسكندرية فتلقاه أهلها بالطاعة، واستخلف بها صلاح الدين ابن أخيه. وعاد إلى الصعيد فاستولى عليه، وفرق العمال على جباية أمواله. ووصلت عساكر مصر والإفرنج إلى القاهرة، وأزاحوا عللهم وساروا إلى الإسكندرية فحاصروا بها صلاح الدين، وجهده الحصار. وسار أسد الدين من الصعيد لإمداده، وقد إنتقض عليه طائفة من التركمان من عسكره. وبينما هو في ذلك جاءته رسل القوم في الصلح على أن يرد عليهم الإسكندرية، ويعطوه خمسين ألف دينار سوى ما جباه من أموال الصعيد فأجابهم إلى ذلك، على أن يرجع الإفرنج إلى بلادهم، ولا يملكوا من البلاد قرية فانعقد ذلك بينهم منتصف شوال. وعاد أسد الدين وأصحابه إلى الشام منتصف ذي القعدة. ثم شرط الإفرنج على شاور أن ينزلوا بالقاهرة شحنة، وتكون أبوابها بأيديهم ليتمكنوا من مدافعة نور الدين، فضربوا عليه مائة ألف دينار في كل سنة جزية فقبل ذلك، وعاد الإفرنج إلى بلادهم بسواحل الشام وتركوا بمصر جماعة من زعمائهم. وبعث الكامل أبا شجاع شاور إلى نور الدين بطاعته، وأن يبث بمصر دعوته. وقرر على نفسه مالاً يحمل كل سنة إلى نور الدين فأجابه إلى ذلك وبقي شيعة له بمصر، والله تعالى أعلم.

استيلاء أسد الدين على مصر ومقتل شاور

ولما ضرب الإفرنج الجزية على القاهرة ومصر، وأنزلوا بها الشحنة وملكوا أبوابها تمكنوا من البلاد، وأقاموا فيها جماعة من زعمائهم فتحكموا وأطلعوا على عورات الدولة، فطمعوا فيما وراء ذلك من الاستيلاء وراسلوا بذلك ملكهم بالشام، وإسمه مري، ولم يكن ظهر بالشام من الإفرنج مثله فاستدعوه لذلك وأغروه فلم يجبهم، واستحثه أصحابه لملكها. وما زالوا يفتلون له في الذروة والغارب، ويوهمونه القوة بتملكها على نور الدين، ويريهم هو أن ذلك يؤل إلى خروج أصحابها عنها لنور الدين فبقي بها إلى أن غلبوا عليه. فرجع إلى رأيهم. وتجهز وبلغ الخبر نور الدين فجمع عساكره، واستنفر من في ثغوره. وسار الإفرنج إلى مصر مفتتح أربع وستين فملكوا بلبيس عنوة في صفر واستباحوها وكاتبهم جماعة من أعداء شاور فأنسوا مكاتبتهم، وساروا إلى مصر ونازلوا القاهرة. وأمر شاور بإحراق مدينة مصر لينتقل أهلها إلى القاهرة فيضبط الحصار فانتقلوا وأخذهم الحريق، وامتدت الأيدي وأنتهبت أموالهم وإتصل الحريق فيها شهرين. وبعث العاضد إلى نور الدين يستغيث به فأجاب وأخذ في تجهيز العساكر فاشتد الحصار على القاهرة، وضاق الأمر بشاور فبعث إلى ملك الإفرنج يذكره بقديمه، ون هواه معه دون العاضد ونور الدين، ويسأل في الصلح على المال لنفور المسلمين مما سوى ذلك فأجابه ملك الإفرنج على ألف ألف دينار لما رأى من إمتناع القاهرة، وبعث إليهم شاور بمائة ألف منها، وسألهم في الإفراج فارتحلوا. وشرع في جمع المال فعجز الناس عنه ورسل العاضد خلال ذلك تردد إلى نور الدين في أن يكون أسد الدين وعساكره حامية عنده وعطاؤهم عليه، وثلث الجباية خالصة لنور الدين فاستدعى نور الدين أسد الدين من حمص وأعطاه مائتي ألف دينار، وجهزه بما يحتاجه من الثياب والدواب والأسلحة، وحكمه في العساكر والخزائن ونقل العسكر عشرين دينارا لكل فارس، وبعث معه من أمرائه مولاه عز الدين مرعش، وعز الدين قليج، وشرف الدين مرعش وعز الدولة الباروقي وقطب الدين نيال بن حسان المنبجي. وأمد صلاح الدين يوسف بن أيوب مع عمه أسد الدين فتعلل عليه، واعتزم عليه فأجاب. وسار أسد الدين منتصف ربيع. فلما قارب مصر رجع الإفرنج إلى بلادهم فسر بذلك نور الدين، وأقام عليه البشائر في الشام.ووصل أسد الدين القاهرة ودخلها منتصف جمادى الأخيرة ونزل بظاهرها، ولقي العاضد وخلع عليه وأجرى عليه وعلى عساكره الجرايات والاتاوات. وأقام أسد الدين ينتظر شرطهم، وشاور يماطله ويعلله بالمواعيد. ثم فاوض أصحابه في القبض على أسد الدين واستخدام جنده فمنعه ابنه الكامل من ذلك فأقصر. ثم أشرف أصحاب أسد الدين على اليأس من شاور، وتفاوض أمراؤه في ذلك فاتفق صلاح الدين ابن أخيه وعز الدين خردك على قتل شاور وأسد الدين ينهاهم. وغدا شاور يوماً على أسد الدين في خيامه فألقاه قد ركب لزيارة تربة الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، فتلقاه صلاح الدين وخردك، وركبوا معه لقصد أسد الدين فقبضوا عليه في طريقهم، وطيروا بالخبر إلى أسد الدين. وبعث العاضد لوقته يحرضهم على قتله فبعثوا إليه برأسه، وأمر العاضد بنهب دوره فنهبها العامة.وجاء أسد الدين لقصر العاضد فخلع عليه الوزارة، ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش. وخرج له من القصر منشور من إنشاء القاضي الفاضل البيساني، وعليه مكتوب بخط الخليفة ما نصه: هذا عهد لا عهد لوزير بمثله، فتقلد ما رآك الله وأمير المؤمنين أهلا لحمله، وعليك الحجة من الله فيما أوضح لك من مراشد سبله، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة، وأسحب ذيل الفخار بأن اعتزت خدمتك إلى بنوة النبوة، واتخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا. ثم ركب أسد الدين إلى دار الوزارة التي كان فيها شاور، وجلس مجلس الأمروالنهي وولى على الأعمال، وأقطع البلاد للعساكر، وأمن أهل مصر بالرجوع إلى بلادهم ورمها وعمارتها. وكاتب نور الدين بالواقع مفصلاً وانتصب للأمور. ثم دخل للعاضد ، وخطب الأستاذ جوهر الخصي عنه وهو يومئذ أكبر الأساتيذ فمال: يقول لك مولانا نؤثر مقامك عندنا من أول قدومك، وأنت تعلم الواقع من ذلك، وقد تيقنا أن الله عز وجل أدخرك لنا نصرة على أعدائنا فحلف له أسد الدين على النصيحة وإظهار الدولة. فقال الأستاذ عن العاضد الأمر بيدك هذا وأكثر. ثم جددت الخلع واستخلص أسد الدين الجليس عبد القوي. وكان قاضي القضاة وداعي الدعاة واستحسنه واختصه. وأما الكامل بن شاور فدخل القصر مع أخوته معتصمين به، وكان آخر العهد به وأسف أسد الدين عليه لما كان منه في رد أبيه، وذهب كل بما كسب، والله تعالى أعلم.

وفاة أسد الدين وولاية ابن أخيه صلاح الدين

ثم توفي أسد الدين شيركوه آخر جمادي الأخيرة من سنة أربع وستين لشهرين من وزارته. ولما احتضر أوصى أحد حواشيه بهاء الدين قراقوش فقال له: “الحمد لله الذي بلغنا من هذه الديار ما أردنا، وصار أهلها راضين عنا فلا تفارقوا سور القاهرة، ولا تفرطوا في الأسطول ” ولما توفي تشوف الأمراء الذين معه إلى رتبة الوزارة مكانه مثل عز الدولة الباروقي، وشرف الدين المشطوب الهكاري، وقطب الدين نيال بن حسان المنبجي وشهاب الدين الحارمي، وهو خال صلاح الدين، وجمع كل لمغالبة صاحبه. وكان أهل القصر وخواص الدولة قد تشاوروا فأشار جوهر بإخلاء رتبة الوزارة، وإصطفاء ثلاثة آلاف من معسكر الغز يقودهم قراقوش، ويعطي لهم الشرقية إقطاعا ينزلون بها حشداً دون الإفرنج  من يستبد على الخليفة بل يقيم واسطه بينه وبين الناس على العادة. وأشار آخرون بإقامة صلاح الدين مقام عمه والناس تبع له، ومال القاضي لذلك حياء من صلاح الدين وجنوحاً إلى صغر سنه، وأنه لا  يتوهم فيه من الإستبداد ما يتوهم في غيره من أصحابه، وأنهم في سعة من رأيهم مع ولايته فاستدعاه وخلع عليه، ولقبه الملك الناصر. واختلف عليه أصحابه فلم يطيعوه وكان عيسى الهكاري شيعة له، واستمالهم إليه إلا الباروقي فإنه إمتنع وعاد إلى نور الدين بالشام وثبتت قدم صلاح الدين في مصر، وكان نائباً عن نور الدين ونور الدين يكاتبه بالأمير الاسفهسار، ويجمعه في الخطاب مع كافة الأمراء بالديار المصرية. وما زال صلاح الدين يحسن المباشرة ويستميل الناس، ويفيض العطاء حتى غلب على أفئدة الناس، وضعف أمر العاضد. ثم أرسل يطلب أخوته وأهله من نور الدين فبعث بهم إليه من الشام. واستقامت أموره وأطردت سعادته، والله تعالى ولي التوفيق.

واقعة السودان بمصر:

كان بقصر العاضد خصي حاكم على أهل القصر يدعى مؤتمن الخلافة فلما غص أهل الدولة بوزارة صلاح الدين داخل جماعة منهم، وكاتب الإفرنج يستدعيهم ليبرز صلاح الدين لمدافعتهم فيثوروا بمخلفه. ثم يتبعونه وقد ناشب الإفرنج فيأتون عليه. وبعثوا الكتاب مع ذي طمرين حمله في  نعاله فاعترضه بعض التركمان واستلبه، ورأوا النعال جديدة فاسترابوا بها فجاؤا به إلى صلاح الدين فقرأ الكتاب ودخل على كاتبه فأخبره بحقيقة الأمر فطوى ذلك وإنتظر مؤتمن الخلافة حتى خرج إلى بعض قراه متنزها وبعث من جاء برأسه، ومنع الخصيان بالقصر عن ولاية أموره وقدم عليهم بهاء الدين قراقوش خصياً أبيض من خدمه وجعل إليه جميع الأمور بالقصر وامتعض السودان بمصر لمؤتمن الخلافة. واجتمعوا لحرب صلاح الدين وبلغوا خمسة آلاف وناجزوا عسكره من القصر في ذي القعدة من السنة وبعث إلى محلتهم بالمنصورة من أحرقها على أهليهم وأولادهم فلما سمعوا بذلك إنهزموا وأخذهم السيف في السكك فاستأمنوا وعبروا إلى الجيزة فسار إليهم شمس الدولة أخو صلاح الدين في طائفة من العسكر فاستلحمهم وأبادهم والله أعلم.

منازلة الإفرنج دمياط وفتح إيلة

ولما استولى صلاح الدين على دولة مصر وقد كان الإفرنج أسفوا على ما فاتهم من صده وصد عمه عن مصر وتوقعوا الهلاك من استطالة نور الدين عليهم بملك مصر فبعثوا الرهبان والأقسة إلى بلاد القرانية يدعونهم إلى المدافعة عن بيت المقدس وكاتبوا الإفرنج بصقلية والأندلس يستنجدونهم فنفروا واستعدوا لامدادهم. واجتمع الذين بسواحل الشام في فاتح خمس وستين وثلاثمائة وركبوا في ألف من الأساطيل وأرسلوا لدمياط ليملكوها ويقربوا من مصر. وكان صلاح الدين قد ولاها شمس الخواص منكبرس فبعث إليه بالخبر فجهز إليها بهاء الدين قراقوش، وأمراء الغز في البر متتابعين، وواصل المراكب بالأسلحة والإتاوات وخاطب نور الدين يستمدّه لدمياط لأنه لا يقدر على المسير  إليها خشية من أهل الدولة بمصر، فبعث نور الدين إليها العساكر أرسالاً. ثم سار بنفسه وخالف الإفرنج إلى بلادهم بسواحل الشام فاستباحها وخربها.وبلغهم الخبر بذلك على دمياط، وقد إمتنعت عليهم، ووقع فيهم الموتان فأقلعوا عنها لخمسين يوماً من حصارها. ورجع أهل سواحل الشام لبلادهم فوجدوها خراباً. وكان جملة ما بعثه نور الدين في المدد لصلاح الدين في شأن دمياط هذه ألف ألف دينار سوى الثياب والأسلحة وغيرها. ثم أرسل صلاح الدين إلى نور الدين في منتصف السنة يستدعي منه أباه نجم الدين أيوب فجهزه إليه مع عسكر وإجتمع معهم من التجار جماعة وخشي عليهم نور الدين في طريقهم من الإفرنج الذين بالكرك فسار إلى الكرك وحاصرهم بها. وجمع الإفرنج الآخرون فصمد للقائهم فخاموا عنه وسار في وسط بلادهم، وسار إلى عشيرا، ووصل نجم الدين أيوب إلى مصر، وركب العاضد لتلقيه. ثم سار صلاح الدين سنة ست وستين لغزو بلاد الإفرنج، وأغار على أعمال عسقلان والرملة. ونهب ربط غزة ولقي ملك الإفرنج فهزمه، وعاد إلى مصر. ثم أنشأ مراكب وحملها مفصلة على الجمال إلى أيلة فألفها وألقاها في البحر، وحاصر أيلة براً وبحراً، وفتحها عنوة في شهر ربيع من السنة، واستباحها وعاد إلى مصر فعزل قضاة الشيعة، وأقام قاضياً شافعياً فيها. وولّى في جميع البلاد كذلك. ثم بعث أخاه شمس الدولة توران شاه إلى الصعيد فأغار على العرب وكانوا قد عاثوا وأفسدوا فكفهم عن ذلك والله تعالى أعلم.

ثم كتب نور الدين بإقامة الخطبة للمستضيء العباسي وترك الخطبة للعاضد بمصر فاعتذر عن ذلك بميل أهل مصر للعلويين، وفي باطن الأمر خشي من نور الدين فلم يقبل نور الدين عذره في ذلك، ولم تسعه مخالفته، وأحجم عن القيام بذلك. ورد على صلاح الدين شخص من علماء الأعاجم يعرف بالخبشاني ويلقب بالأمير العالم فلما رآهم محجمين عن ذلك صعد المنبر يوم الجمعة قبل الخطيب ودعا للمستضيء ، فلما كانت الجمعة القابلة أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد والخطبة للمستضيء، فتراسلوا بذلك ثاني جمعة من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة.وكان المستضيء قد ولي الخلافة بعد أبيه المستنجد في ربيع من السنة قبلها. ولما خطب له بمصر كان العاضد مريضاً فلم يشعروه بذلك. وتوفي يوم عاشوراء من السنة. ولما خطب له على منابر مصر جلس صلاح الدين للعزاء، واستولى على قصره ووكل به بهاء الدين قراقوش، وكان فيه من الذخائر ما يعز وجوده مثل حبل الياقوت الذي وزن كل حصاة منه سبعة عشر مثقالاً، ومصاف الزمرد الذي طوله أربعة أصابع طولا في عرض، ومثل طبل القولنج الذي يضربه ضاربه فيعافى بذلك من داء القولنج، وكسروه لما وجدوا ذلك منه فلما ذكرت لهم منفعته ندموا عليه، ووجدوا من الكتب النفيسة ما لا يعد. ونقل أهل العاضد إلى بعض حجر القصر ووكل بهم، وإخرج الأماء والعبيد وقسمهم بين البيع والهبة والعتق. وكان العاضد لما اشتد مرضه استدعاه فلم يجب داعيه، وظنها خديعة فلما توفي ندم، وكان يصفه بالكرم ولين الجانب وغلبة الخير على طبعه والإنقياد. ولما وصل الخبر إلى بغداد بالخطبة للمستضيء ضربت البشائر وزينت بغداد أياماً وبعثت الخلع لنور الدين وصلاح الدين مع صندل الخادم من خواص المقتفي، فوصل إلى نور الدين وبعث بخلعة صلاح الدين وخلع الخطباء بمصر والأعلام السود، والله تعالى أعلم.

الوحشة بين صلاح الد ين ونور الدين

قد كان تقدم لنا ذكر هذه الوحشة في أخبار نور الدين مستوفاة وأن صلاح الدين غزا بلاد الإفرنج سنة سبع وستين، وحاصر حصن الشوبك على مرحلة من الكرك حتى استأمنوا إليه، فبلغ ذلك نور الدين فاعتزم على قصد بلاد الإفرنج من ناحية أخرى فارتاب صلاح الدين في أمره وفي لقاء نور الدين وإظهار طاعته، وما ينشأ عن ذلك من تحكمه فيه فأسرع العود إلى مصر، واعتذر لنور الدين بشيء بلغه عن شيعة العلويين ليعتزله نور الدين، وأخذ في الاستعداد لعزله. وبلغ ذلك صلاح الدين وأصحابه فتفاوضوا في مدافعته ونهاهم أبوه نجم الدين أيوب وأشار بمكاتبته والتلطف له مخافة أن يبلغه غير ذلك فيقوى عزمه على العمل به، ففعل ذلك صلاح الدين فسالمه نور الدين. وعادت المخالطة بينهما كما كانت، واتفقا على إجتماعهما لحصار الكرك فسار صلاح الدين لذلك سنة ثمان وستين، وخرج نور الدين من دمشق بعد أن تجهز. فلما إنتهى إلى الرقيم على مرحلتين من الكرك، وبلغ صلاح الدين خبره إرتابه ثانياً. وجاءه الخبر بمرض نجم الدين أبيه بمصر فكر راجعاً. وأرسل إلى نور الدين الفقيه عيسى الهكاري بما وقع من حديث المرض بأبيه، وأنه رجم من أجله فأظهر نور الدين القبول، وعاد إلى دمشق، والله تعالى أعلم.

وفاة نجم الدين أيوب

كان نجم الدين أيوب بعد إنصرف ابنه صلاح الدين إلى مصر أقام بدمشق عند نور الدين، ثم بعث عنه ابنه صلاح الدين عندما استوثق له ملك مصر فجهزه نور الدين سنة خمس وستين في عسكره. وسار لحصار الكرك ليشغل الإفرنج عن اعتراضه كما مر ذكره. ووصل إلى مصر وخرج العاضد لتلقيه، وأقام مكرماً. ثم سار صلاح الدين إلى الكرك سنة ثمان وستين المرة الثانية في مواعدة نور الدين وأقام نجم الدين بمصر، وركب يوماً في مركب وسار ظاهر البلد، والفرس في غلواء مراحه وملاعبة ظله فسقط عنه، وحمل وقيذاً إلى بيته فهلك لأيام منها آخر ذي الحجة من السنة. وكان خيراً جوادا محسناً للعلماء والفقراء، وقد تقدم ذكر أوليته، والله ولي التوفيق.

استيلاء قراقوش على طرابلس الغرب

كان قراقوش من موالي تقي الدين عمر بن شاه بن نجم الدين أيوب، وهو ابن أخي صلاح الدين فغضب مولاه في بعض النزعات، وذهب مغاضباَ إلى المغرب ولحق بجبل نفوسة من ضواحي طرابلس الغرب. وأقام هنالك دعوة مواليه، وكان في بسائط تلك الجبال مسعود بن زمام المعروف بالبلط في أحيائه من رياح من عرب هلال ابن عامر، وكان منحرفاً عن طاعة عبد المؤمن شيخ الموحدين، وخليفة المهدي فيهم فانتبذ مسعود بقومه عن المغرب وأفريقية إلى تلك القاصية، فدعاه قراقوش إلى إظهار دعوة مواليه بني أيوب فأجابه ونزل معه بأحيائه على طرابلس فحاصرها قراقوش وافتتحها ونزل بأهله وعياله في قصرها.ثم استولى على قابس من ورائها، وعلى توزر ونفطة وبلاد نفزاوة من أفريقية،وجمع أموالا جمة، وجعل ذخيرته بمدينة قابس، وخربت تلك البلاد أثناء ذلك باستيلاء العرب عليها. ولم يكن لهم قدرة على منعهم. ثم طمع في الاستيلاء على جميع أفريقية ووصل يده بيحيى بن غانية اللمتوني الثائر بتلك الناحية بدعوة لمتونة، من بقية الأمراء في دولتهم. فكانت لهما بتلك الناحية آثار مذكورة في أخبار دولة الموحدين إلى أن غلبه ابن غانية على ما ملك من تلك البلاد، وقتله كما هو مذكور في أخبارهم، والله أعلم.

استيلاء نور الدين تول ان شاه بن أيوب على بلاد النوبة ثم على بلاد اليمن

كان صلاح الدين وقومه على كثرة إرتيابهم من نور الدين، وظنهم به الظنون يحاولون ملك القاصية عن مصر ليمتنعوا بها أن طرقهم منه حادث، أو عزم على المسير إليهم في مصر فصرفوا عزمهم في ذلك إلى بلاد النوبة أو بلاد اليمن. وتجهز شمس الدولة توران شاه بن أيوب، وهو أخو صلاح الدين الأكبر إلى ملك النوبة. وسار إليها في العساكر سنة ثمان وستين، وحاصر قلعة من ثغورهم ففتحها واختبرها فلم يجد فيها خرجاً ولا في البلاد بأسرها جباية. وأقواتهم الذرة وهم في شظف من العيش ومعاناة للفتن. فاقتصر على ما فتحه من ثغورهم، وعاد في غنيته بالعبيد والجواري. فلما وصل إلى مصر أقام بها قليلا، وبعثه صلاح الدين إلى اليمن، وقد كان غلب عليه علي بن مهدي الخارجي سنة أربع وخمسين، وصار أمره إلى ابنه عبد النبي، وكرسي ملكه زبيد منها. وفي عدد ياسر بن  بلال  بقية ملوك بني الربيع.وكان عمارة اليمني الشاعر العبيدي وصاحب بني رزيك من أمرائهم، وكان أصله من اليمن. وكان في خدمة شمس الدولة ويغريه به فسار إليه شمس الدولة بعد أن تجهز، وأزاح العلل، واستعد للمال والعيال. وسار من مصر منتصف سنة تسع وستين، ومر بمكة وانتهى إلى زبيد. وبها ملك اليمن عبد النبي بن علي بن مهدي فبرز إليه وقاتله فانهزم وانحجر بالبلد. وزحفت عساكر شمس الدولة فتسنموا أسوارها وملكوها عنوة واستباحوها، وأسروا عبد النبي وزوجته. وولى شمس الدولة على زبيد مبارك بن كامل ابن منقذ من أمراء شيزر كان في جملته، ودفع إليه عبد النبي ليستخلص منه الأموال فاستخرج من قرابته دفائن كانت فيها أموال جليلة. ودلتهم زوجته الحرة على ودائع استولوا منها على أموال جمة.وأقيمت الخطبة العباسية في زبيد، وسار شمس الدولة توران شاه إلى عدن وبها ياسر بن بلال، كان أبوه بلال بن جرير مستبداً بها على مواليه بني الزريع، وورثها عنه ابنه ياسر، فسار ياسر للقائه فهزمه شمس الدولة، وسارت عساكره إلى البلد فملكوها، وجاؤوا بياسر أسيراً إلى شمس الدولة فدخل عدن وعبد النبي معه في الإعتقال، واستولى على نواحيها، وعاد إلى زبيد. ثم سار إلى حصون الجبال فملك تعز، وهي من أحصن القلاع، وحصن التعكر والجند وغيرها من المعاقل والحصون. وولى على عدن عز الدولة عثمان بن الزنجبيلي، واتخذ زبيد سبباً لملكه. ثم استوخمها، وسار في الجبال ومعه الأطباء يتخير مكاناً صحيح الهواء للسكنى فوقع إختيارهم على تعز، فاختط هنالك مدينة واتخذها كرسياً لملكه. وبقيت لبنيه ومواليهم بني رسول كما نذكره في أخبارهم والله تعالى ولي التوفيق.

واقعة عمارة ومقتله

كان جماعة من شيعة العلويين بمصر منهم: عمارة بن أبي الحسن اليمني الشاعر، وعبد الصمد الكاتب، والقاضي العويدس، وابن كامل، وداعي الدعاة، وجماعة من الجند وحاشية القصر، اتفقوا على استدعاء الإفرنج من صقلية وسواحل الشام، وبذلوا لهم الأموال على أن يقصدوا مصر فإن خرج صلاح الدين للقائهم بالعساكر ثار هؤلاء بالقاهرة، وأعادوا الدولة العبيدية. وإلا فلا بد له إن أقام من بعث عساكره لمدافعة الإفرنج فينفردون به ويقبضون عليه. وواطأهم على ذلك جماعة من أمراء صلاح الدين، وتحينوا لذلك غيبة أخيه توران شاه باليمن، وثقوا بأنفسهم وصدقوا توهماتهم ورتبوا وظائف الدولة وخططها. وتنازع في الوزارة بنو رزبك وبنو شاور. وكان علي بن نجي الواعظ ممن داخلهم في ذلك فأطلع صلاح الدين هو في الباطن إليهم. ونمي الخبر إلى صلاح الدين من عيونه ببلاد الإفرنج فوضع على الرسول عنده عيوناً جاؤه  بجلية خبره، فقبض حينئذ عليهم. وقيل إن علي بن نجي أنمى خبرهم إلى القاضي فأوصله إلى صلاح الدين. ولما قبض عليهم صلاح الدين أمر بصلبهم، ومر عمارة ببيت القاضي وطلب لقاءه فلم يسعفه.

ثم صلبوا جميعاً، ونودي في شيعة العلويين بالخروج من ديار مصر إلى الصعيد، واحتيط على سلالة العاضد بالقصر، وجاء الإفرنج بعد ذلك من صقلية إلى الاسكندرية كما يأتي خبره إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

وصول الإفرنج من صقلية إلى الاسكندرية

لما وصلت رسل هؤلاء الشيعة إلى الإفرنج بصقلية تجهزوا، وبعثوا مراكبهم مائتي أسطول للمقاتلة فيها: خمسون ألف رجل، وألفان وخمسمائة فارس، وثلاثون مركبا للخيول، وستة مراكب لآلة الحرب، وأربعون للأزواد. وتقدم عليهم ابن عم الملك صاحب صقلية، ووصلوا إلى ساحل الاسكندرية سنة سبعين. وركب أهل البلد الأسوار، وقاتلهم الإفرنج، ونصبوا الآلات عليها. وطار الخبر إلى صلاح الدين بمصر، ووصلت الأمراء إلى الاسكندرية من كل جانب من نواحيها. وخرجوا في اليوم الثالث فقاتلوا الإفرنج فظفروا عليهم. ثم نجاءهم البشير آخر النهار بمجيء صلاح الدين فاهتاجوا للحرب وخرجوا عند اختلاط الظلام فكبسوا الإفرنج في خيامهم بالسواحل وتبادروا إلى ركوب البحر فتقسموا بين القتل والغرق ولم ينج إلا القليل. وإعتصم منهم نحو من ثلثمائة برأس رابية هنالك إلى أن أصبحوا فقتل بعضهم وأسر الباقون، وأقلعوا بأساطيلهم راجعين، والله تعالى أعلم.

 واقعة كنز الدولة بالصعيد

كان أمير العرب بنواحي أسوان يلقب كنز الدولة، وكان شيعة للعلوية بمصر، وطالت أيامه واشتهر. ولما ملك صلاح الدين قسم الصعيد اقطاعا بين أمرائه. وكان أخو أبي الهيجاء السمين من أمرائه، واقطاعه في نواحيهم فعصى كنز الدولة سنة سبعين، واجتمع إليه العرب والسودان. وهجم على أخي أبي الهيجاء السمين في إقطاعه فقتله. وكان أبو الهيجاء من أكبر الأمراء فبعثه صلاح الدين لقتال الكنز، وبعث معه جماعة من الأمراء، والتف له الجند فساروا إلى أسوان، ومروا بالصعيد فحاصروا بها جماعة وظفروا بهم فاستلحموهم. ثم ساروا إلى الكنز فقاتلوه وهزموه، وقتل واستلحم جميع أصحابه، وأمنت بلاد أسوان والصعيد، والله تعالى ولي التوفيق.

استيلاء صلاح الدين على قواعد الشام بعد وفاة العادل نور الدين كان صلاح الدين كما قدمناه قائما في مصر بطاعة العادل نور الدين محمود بن زنكي. ولما توفي سنة تسع وستين، ونصب ابنه الصالح إسماعيل في كفالة شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم، وبعث إليه صلاح الدين بطاعته، ونقم عليهم انهم لم يردوا الأمر إليه. وسار غازي صاحب الموصل بن قطب الدين مودود بن زنكي إلى بلاد نور الدين التي بالجزيرة وهي: نصيبين والخابور وحران والرها والرقة فملكها. ونقم عليه صلاح الدين أنهم لم يخبروه حتى يدافعه عن بلادهم. وكان الخادم سعد الدين كمستكين الذي ولاه نور الدين قلعة الموصل، وأمر سيف الدين غازي بمطالعته بأموره قد لحق عند وفاة نور الدين بحلب، وأقام بها عند شمس الدين علي بن الداية المستبد بها بعد نور الدين فبعثه ابن الداية إلى دمشق في عسكر ليجيء بالملك الصالح إلى حلب لمدافعة سيف الدين غازي فنكروه أولا وطردوه.ثم رجعوا إلى هذا الرأي، وبعثوا عنه فسار مع الملك الصالح إلى حلب ولحين دخوله قبض على ابن الداية وعلى مقدمي حلب، واستبد بكفالة الصالح، وخاف الأمراء بدمشق، وبعثوا إلى سيف الدين غازي ليملكوه فظنها مكيدة من ابن عمه. وامتنع عليهم وصالح ابن عمه على ما أخذ من البلاد فبعث أمراء دمشق إلى صلاح الدين، وتولى كبر ذلك ابن المقدم فبادر إلى الشام وملك بصرى. ثم سار إلى دمشق فدخلها في منسلخ ربيع سنة سبعين وخمسمائة. ونزل دار أبيه المعروفة بالعفيفي وبعث القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري إلى ريحان الخادم بالقلعة أنه على طاعة الملك الصالح وفي خدمته، وما جاء إلا لنصرته فسلم إليه القلعة وملكها.واستخلف على دمشق أخاه سيف الإسلام طغركين، وسار إلى حمص، وبها والٍ من قبل الأمير مسعود الزعفراني. وكانت من أعماله فقاتلها وملكها، وجمر عسكراً لقتال قلعتها. وسار إلى حماة مظهرا لطاعة الملك الصالح، وارتجاع ما أخذ من بلاده بالجزيرة. وبعث بذلك إلى صاحب قلعتها خرديك واستخلفه. وسار إلى الملك الصالح ليجمع الكلمة، ويطلق أولاد الداية. واستخلف على قلعة حماة أخاه. ولما وصل إلى حلب حبسه كمستكين الخادم، ووصل الخبر إلى أخيه بقلعة حماة فسلمها لصلاح الدين. وسار إلى حلب فحاصرها ثالث جمادى الأخيرة، واستمات أهلها في المدافعةعن الصالح. وكان بحلب سمند صاحب طرابلس من الإفرنج محبوسا منذ أسره نور الدين على حارم سنة تسع وخمسين فأطلقه كمستكين على مال وأسرى ببلده. وتوفي نور الدين أول السنة وخلف ابناً مجذوماً فكفله سمند واستولى على ملكهم. فلما حاصر صلاح الدين حلب بعث كمستكين إلى سمند يستنجده، فسار إلى حمص ونازلها فسار إليه صلاح الدين، وترك حلب.وسمع الإفرنج بمسيره فرحلوا عن حمص ووصل هو إليها عاشر رجب فحاصرقلعتها، وملكها آخر شعبان من السنة. ثم سار إلى بعلبك وبها يمن الخادم من أيام نور الدين فحاصره حتى استأمن إليه، وملكها رابع رمضان من السنة، وصار بيده من الشام: دمشق وحماة وبعلبك. ولما استولى صلاح الدين على هذه البلاد من أعمال الملك الصالح، كتب الصالح إلى ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل يستنجده على صلاح الدين فأنجده بعساكره مع أخيه عز الدين مسعود، وصاحب جيشه عز الدين زلقندار. وسارت معهم عساكر حلب، وساروا جميعا لمحاربة صلاح الدين.وبعث صلاح الدين إلى سيف الدين غازي أن يسلم لهم حمص وحماة، ويبقى بدمشق نائبا عن الصالح فأبى إلا رد جميعها، فسار صلاح الدين إلى العساكر ولقيهم آخر رمضان بنواحي حماة فهزمهم وغنم ما معهم. واتبعهم إلى حلب وحاصرها، ورحل عن حلب لعشرين من شوال. وعاد إلى حماة، وكان فخر الدين مسعود بن الزعفراني من الأمراء النورية، وكانت ماردين من أعماله مع حمص وحماة وسلمية وتل خالد والرها. فلما ملك أقطاعه هذه اتصل به فلم ير نفسه عنده كما ظن ففارقه. فلما عاد صلاح الدين من حصار حلب إلى حماة سار إلى بعلبك، واستأمن إليه وإليها فملكها، وعاد إلى حماة فأقطعها خاله شهاب الدين محمود، وأقطع حمص ناصر الدولة بن شيركوه، وأقطع بعلبك شمس الدين بن المقدم ودمشق إلى عماد، والله تعالى ولي التوفيق بمنه وكرمه.

واقعة صلاح الدين مع الملك الصالح وصاحب الموصل وما ملك من الشام بعد انهزامهما

ثم سار سيف الدين غازي صاحب الموصل في سنة إحدى وسبعين بعد انهزام أخيه وعساكره، واستقدم صاحب كيفا وصاحب ماردين، وسار في ستة آلاف فارس وانتهى إلى نصيبين في ربيع من السنة فشتى بها حتى ضجرت العساكر من طول المقام. وسار إلى حلب فخرجت إليه عساكر الملك الصالح مع كمستكين الخادم، وسار صلاح الدين من دمشق للقائهم فلقيهم قبل السلطان فهزمهم واتبعهم إلى حلب. وعبر سيف الدين الفرات منهزما إلى الموصل، وترك أخاه عز الدين بحلب. واستولى صلاح الدين على مخلفهم، وسار إلى مراغة فملكها وولي عليها. ثم إلى منبج وبها قطب الدين نيال بن حسان المنبجي وكان حنقا عليه لقبح آثاره في عداوته فلحق بالموصل، وولاه غازي مدينة الرقة.ثم سار صلاح الدين إلى قلعة إعزاز فحاصرها أوائل ذي القعدة من السنة أربعين يوماً وشد حصارها فاستأمنوا إليه فملكها ثاني الأضحى من السنة. وثب عليه في بعض أيام حصارها باطني من الفداوية فضربه، وكان مسلحا فأمسك يد الفداوي حتى قتل رقتل جماعة كانوا معه لذلك ورحل صلاح الدين بعد الاستيلاء على قلعة إعزاز إلى حلب فحاصرها وبها الملك الصالح. واعصوصب عليه أهل البلد واستماتوا في المدافعة عنه. ثم ترددت الرسل في الصلح بينهما وبين صاحب الموصل وكيفا وصاحب ماردين فانعقد بينهم في محرم سنة اثنتين وتسعين، وعاد صلاح الدين إلى دمشق بعد أن رد قلعة إعزاز إلى الملك الصالح بوسيلة أخته الصغيرة، خرجت إلى صلاح الدين ثائرة فاستوهبته قلعة إعزاز فوهبها لها، والله تعالى أعلم.

مسير صلاح الدين إلى بلاد الإسماعيلية

ولما رحل صلاح الدين عن حلب، وقد وقع من الاسماعيلية على حصن إعزاز ما وقع، قصد بلادهم في محرم سنة إثنتين وتسعين ونهبها وخربها، وحاصر قلعة مصياف، ونصب عليها المجانيق. وبعث سنان مقدم الإسماعيلية بالشام إلى شهاب الدين الحارمي خال صلاح الدين بحماة يسأله الشفاعة فيهم، ويتوعده بالقتل فشفع فيهم وأرحل العساكر عنهم. وقدم عليه أخوه توران شاه من اليمن بعد فتحه وإظهار دعوتهم فيه، وولى على مدنه وامصاره فاستخلفه صلاح الدين على دمشق، وسار إلى مصر لطول عهده بها أبو الحسن بن سنان بن سقمان بن محمد. ولما وصل إليها أمر بإدارة سور على مصر القاهرة والقلعة التي بالجبل دورة تسعة وعشرون ألف ذراع بالهاشمي. واتصل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدين، وكان متولي النظر فيه مولاه قراقوش، والله تعالى ولي التوفيق بمنه.

غزوات بين المسلمين والافرنج

كان شمس الدين محمد بن المقدم صاحب بعلبك، وأغار جمع من الإفرنج على البقاع من أعمال حلب فسار إليهم وأكمن لهم في الغياض، حتى نال منهم وفتك فيهم. وبعث إلى صلاح الدين بمائتي ألى جر منهم وقارن ذلك وصول شمس الدولة توران شاه بن أيوب من اليمن فبلغه أن جمعا من الإفرنج أغاروا على أعمال دمشق فسار إليهم ولقيهم بالمروج فلم يثبت وهزموه، وأسر سيف الدين أبو بكر بن السلار من أعيان الجند بدمشق، وتجاسر الإفرنج على تلك الولاية. ثم اعتزم صلاح الدين على غزو بلاد الإفرنج فبعثوا في الهدنة وأجابهم إليها وعقد لهم، والله تعالى ولي التوفيق.

هزيمة صلاح الدين بالرملة أمام الإفرنج

ثم سار صلاح الدين من مصر في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين إلى ساحل الشام لغزو بلاد الإفرنج، وانتهى إلى عسقلان فاكتسح أعمالها ولم يروا للافرنج خبرا فانساحوا في البلاد وانقلبوا إلى الرملة فما راعهم إلا الإفرنج مقبلين في جموعهم وأبطالهم وقد افترق أصحاب صلاح الدين في السرايا فثبت في موقفه واشتد القتال وأبلى يومئذ محمد ابن أخيه في المدافعة عنه وقتل من أصحابه جماعة وكان لتقي الدين بن شاه ابن اسمه أحمد متكامل الخلال لم يطر شاربه. فأبلى يومئذ واستشهد، وتمت الهزيمة على المسلمين. وكان بعض الإفرنج تخلصوا إلى صلاح الدين فقتل بين يديه وعاد منهزما، وأسر الفقيه عيسى الهكاري بعد أن أبلى يومئذ بلاء شديدا. وسار صلاح الدين حتى غشيه الليل. ثم دخل البرية في فلّ قليل إلى مصر، ولحقهم الجهد والعط!ش، ودخل إلى القاهرة منتصف جمادي الأخيرة. قال ابن الأثير: ورأيت كتابه إلى أخيه توران شاه بدمشق يذكر الواقعة:

ذكرتك والخطي يخطر بيننا             وقد فتكت فينا المثقفة السمر

ومن فصوله لقد أشرفنا على الهلاك غير مرة وما نجانا الله سبحانه منه إلا لأمر يريده، وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر انتهى وأما السرايا التي دخلت بلاد الإفرنج فتقسمهم القتل والأسر وأما الفقيه عيسى الهكاري فلما ولي منهزما، ومعه أخو الظهير ضل عن الطريق، ومعهما جماعة من أصحابهما فأسروا. وفداه صلاح الدين بعد ذلك بستين ألف دينار، والله تعالى أعلم.

حصار الإفرنج مدينة حماة

ثم وصل في جمادي الأولى إلى ساحل الشام زعيم من طواغيت الإفرنج، وقارن وصوله هزيمة صلاح الدين. وعاد إلى دمشق يومئذ توران شاه بن أيوب في قلة من العسكر، وهو مع ذلك منهمك في ملذاته فسار ذلك الزعيم بعد أن جمع فرنج الشام، وبذل لهم العطاء فحاصر مدينة حماة، وبها شهاب الدين محمود الحارمي خال صلاح الدين مريضاً. وشد حصارها وقتالها حتى أشرف على أخذها وهجموا يوماً على البلد وملكوا ناحية منه فدافعهم المسلمون وأخرجوهم، ومنعوا حماة منهم فأفرجوا عنها بعد أربعة أيام، وساروا إلى حارم فحاصروها. ولما رحلوا عن حماة مات شهاب الدين الحارمي، ولم يزل الإفرنج على حارم يحاصرونها، وأطمعهم فيها ما كان من نكبة الصالح صاحب حلب لكمستكين الخادم كافل دولته. ثم صانعهم بالمال فرحلوا عنها. ثم عاد الإفرنج إلى مدينة حماة في ربيع سنة أربع وسبعين فعاثوا في نواحيها واكتسحوا أعمالها، وخرج العسكر حامية البلد إليهم فهزموهم، واستردوا ما أخذوا من السواد، وبعثوا بالرؤس والأسرى إلى صلاح الدين وهو بظاهر حمص منقلبا من الشام، فأمر بقتل الأسرى، والله تعالى ولي التوفيق.

انتقاض ابن المقد م ببعلبك  وفتحها

كان صلاح الدين لما ملك بعلبك استخلف فيها شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم جزاء بما فعله في تسليم دمشق، وكان شمس الدولة محمد أخو صلاح الدين ناشئا في ظل أخيه وكفالته فكان يميل إليه، وطلب منه أقطاع بعلبك فأمر ابن المقدم بتمكينه منها فأبى. وذكره عهده في أمر دمشق فسار ابن المقدم إلى بعلبك وامتنع فيها، ونازلته العساكر فامتنع، وطاولوه حتى بعث إلى صلاح الدين يطلب العوض فعوضه عنها. وسار أخوه شمس الدين إليها فملكها، والله تعالى ولي التوفيق.

وقائع مع الإفرنج

وفي سنة أربع وسبعين سار ملك الإفرنج في عسكر عظيم فأغار على أعمال دمشق، واكتسحها وأثخن فيها قتلا وسبيا. وأرسل صلاح الدين فرخشاه ابن أخيه في العسكر لمدافعته فسار يطلبهم، ولقيهم على غير استعداد فقاتل أشد القتال. ونصر الله المسلمين، وقتل جماعة من زعماء الإفرنج منهم هنغري، وكان يضرب به المثل. ثم أغار البرنس صاحب أنْطاكِية واللاذقية على صرح المسلمين بشيزر، وكان صلاح الدين على بانياس لتخريب حصن الإفرنج بمخاضة الأضرار فبعث تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه، وناصر الدين محمد إلى حمص لحماية البلد من العدو، كما نذكره إن شاء الله تعالى.

تخريب حصن الإفرنج:

كان الإفرنج قد اتخذوا حصناً منيعاً بقرب بانياس، عند بيت يعقوب عليه السلام، ويسمى مكانه مخاضة الأضرار فسار صلاح الدين من دمشق إلى بانياس سنة خمس وسبعين، وأقام بها، وبث فيها الغارات على بلادهم. ثم سار إلى الحصن فحاصره ليختبره، وعاد عنه إلى اجتماع العساكر وبث السرايا في بلاد الإفرنج للغارة. وجاء ملك الإفرنج للغارة على سريته، ومعه جماعة من عساكره فبعثوا إلى صلاح الدين بالخبر فوافاهم وهم يقتتلون، فهزم الإفرنج وأثخن فيهم. ونجا ملكهم في فل وأسر صاحب الرملة ونابلس منهم، وكان رديف ملكهم. وأسر أخوه صاحب جبيل وطبرية، ومقدم الفداوية، ومقدم الاساتارية وغيرهم من طواغيتهم. وفادى صاحب الرملة نفسه وهو أرتيرزان بمائة وخمسين ألف دينار صورية وألف أسير من المسلمين.

وأبلى في هذا اليوم عز الدين فرخشان ابن أخي صلاح الدين بلاء حسنا. ثم عاد صلاح الدين إلى بانياس وبث السرايا في بلاد الإفرنج، وسار لحصار الحصن فقاتله قتالا شديدا. وتسنم المسلمون سوره حتى ملكوا برجا منه. وكان مدد الإفرنج بطبرية، والمسلمون يرتقبون وصولهم فأصبحوا من الغد ونقبوا السور، وأضرموا فيه النار فسقط. وملك المسلمون الحصن عنوة آخر ربيع سنة خمس وسبعين، وأسروا كل من فيه. وأمر صلاح الدين بهدم الحصن فألحق بالأرض، وبلغ الخبر إلى الإفرنج، وهم مجتمعون بطبرية لإمداده فافترقوا وانهزم الإفرنج، والله سبحانه وتعالى أعلم.

 الفتنة بين صلاح الدين وقليج أرسلان صاحب الروم:

كان حصن رعبان من شمالي حلب قد ملكه نور الدين العادل بن قليج أرسلان  صاحب بلاد الروم، وهو بيد شمس الدين ابن المقدم. فلما انقطع حصن رعبان عن إيالة صلاح الدين وراء حلب، طمع قليج أرسلان في استرجاعه فبعث إليه عسكرا يحاصرونه. وبعث صلاح الدين تقي الدين ابن أخيه في عساكر لمدافعتهم فلقيهم وهزمهم، وعاد إلى عمه صلاح الدين. ولم يحضر معه تخريب حصن الأضرار. وكان نور الدين محمود بن قليج أرسلان بن داود، صاحب حصن كيفا وآمد وغيرهما من ديار بكر قد فسد ما بينه وبين قليج أرسلان صاحب بلاد الروم بسبب اضراره ببنته وزواجه عليها. واعتزم قليج أرسلان على حربه وأخذ بلاده فاستنجد نور الدين بصلاح الدين، وبعث إلى قليج أرسلان يشفع في شأنه فطلب استرجاع حصونه التي أعطاها لنور الدين عند المصاهرة. ولج في ذلك صلاح الدين على قليج، وسار إلى رعبان ومرّ بحلب فتركها ذات الشمال، وسلك على تل باشر. ولما انتهى إلى رعبان جاءه نور الدين محمود وأقام عنده. وأرسل إليه قليج أرسلان يصف فعل نور الدين وإضراره ببنته. فلما أدّى الرسول رسالته امتعض صلاح الدين، وتوعدهم بالمسير إلى بلده فتركه الرسول حتى سكن. وعدا عليه فطلب الخلوة وتلطف له في فسخ ما هو فيه من ترك الغزو ونفقة الأموال في هذا الغرض الحقير، وأن بنت قليج أرسلان يجب على مثلك من الملوك الامتعاض لها، ولا تترك المضارة من دونها فعلم صلاح الدين الحق فيما قاله. وقال للرسول إنّ نور الدين استند إلى فعلك فاصلح الأمر بينهما، وأنا معين على ما تحبونه جميعا ففعل الرسول ذلك وأصلح بينهما. وعاد صلاح الدين إلى العام، ونور الدين محمود إلى ديار بكر، وطلق ضرة بنت قليج أرسلان بالأجل الذي أجله للرسول، والله تعالى أعلم.

مسير صلاح الدين إلى بلاد ابن اليون:

كان قليج بن اليون من ملوك الأرض صاحب الدروب المجاورة لحلب، وكان نور الدين محمود قد استخدمه وأقطع له في الشام. وكان يعسكره معه، وكان جريئاً على صاحب القسطنطينية. وملك وادقة والمصيصة وطرطوس من يد الروم، وكانت بينهما من أجل ذلك حروب. ولما توفي نور الدين وانتقضت دولته أقام ابن اليون في بلاده، وكان التركمان يحتاجون إلى رعي مواشيهم بأرضه على حصانتها وصعوبة مضايقها. وكان يأذن لهم فيدخلونها. وغدر بهم في بعض السنين واستباحهم واستاق مواشيهم. وبلغ الخبرإلى صلاح الدين منصرفه من رعبان فقصد بلده، ونزل النهر الأسود. وبث الغارات في بلادهم واكتسحها، وكان لابن إليون حصن، وفيه ذخيرته فخشي عليه فقصد تخريبه. وسابقه إليه صلاح الدين فغنم ما فيه، وبعث إليه ابن اليون برد ما أخذ من التركمان وإطلاق أسراهم على الصلح والرجوع عنه. فأجابه إلى ذلك وعاد عنه في منتصف سنة خمس وسبعين، والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء من عباده.

غزوة صلاح الدين إلى الكرك:

كان البرنس أرناط صاحب الكرك من مردة الإفرنج وشياطينهم، وهو الذي اختط مدينة الكرك وقلعتها، ولم لكن هنالك. واعتزم على غزو المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام، وسمع عز الدين فرخشاه بذلك وهو بدمشق فجمع وسار إلى الكرك سنة سبع وسبعين، واكتسح نواحيه، وأقام ليشغله عن ذلك الغرض حتى انقطع أمله، وعاد إلى الكرك. فعاد فرخشاه إلى دمشق ؛ والله تعالى أعلم بغيبه.

مسير سيف الإسلام طغركين في أيوب إلى اليمن والياً عليها:

قد كان تقدم لنا فتح شمس الدولة توران شاه لليمن، واستيلاؤه عليه سنة ثمان وستين. وأنه ولي على زبيد مبارك بن كامل بن منقذ من أمراء شيزر، وعنى عدن عز الدولة عثمان الزنجبيلي، واختط مدينة تعز في بلاد اليمن واتخذها كرسيا لملكه. ثم عاد إلى أخيه سنة اثنتين وسبعين وأدركه منصرفاً من حصار حلب فولاه على دمشق، وسار إلى مصر. ثم ولأه أخوه صلاح الدين بعد ذلك مدينة الاسكندرية، وأقطعه إياها مضافة إلى أعمال اليمن. وكانت الاموال تحمل إليه من زبيد وعدن وسائر ولايات اليمن. ومع ذلك فكان عليه دين قريب من مائتي ألف دينار مصرية، وتوفي سنة ست وسبعين فقضاها عنه صلاح الدين. ولما بلغه خبر وفاته سار إلى مصر، واستخلف على دمشق عز الدين فرخشاه ابن شاهنشاه. وكان سيف الدين مبارك بن كامل بن منقذ الكناني نائبه بزبيد قد تغلب في ولايته وتحكم في الأموال فنزع إلى وطنه، واستأذن شمس الدولة قبل موته فأذن له في المجيء.واستأذن أخاه عطاف بن زبيد وأقام مع شمس الدولة حتى اذا مات بقي في خدمة صلاح الدين. وكان محشدا فسعى فيه عنده أنه احتجز أموال اليمن، ولم يعرض له  فتحيل أعداؤه عليه. وكان ينزل بالعدوية قرب مصر، فصنع في بعض الأيام صنيعاً دعي إليه أعيان الدولة، واختلف مواليه وخدامه إلى مصر في شراء حاجتهم فتحيلوا لصلاح الدين أنه هارب إلى اليمن. فتمت حيلتهم فقبض عليه. ثم ضاق عليه الحال وصابره على ثمانين ألف دينار مصرية سوى ما أعطى لأهل الدولة فأطلقه، وأعاده إلى منزلته فلما بلغ شمس الدين إلى اليمن اختلف نوابه بها: حطان بن منقذ، وعثمان بن الزنجبيلي. وخشي صلاح الدين أن تخرج اليمن عن طاعته فجهز جماعة من أمرائه إلى اليمن مع صارم الدين  قطلغ أبيه والي مصر من أمرائه. فساروا لذلك سنة سبع وسبعين، واستولى قطلغ أبيه على زبيد من حطان بن منقذ. ثم مات قريبا فعاد حطان إلى زبيد وأطاعه الناس، وقوي على عثمان الزنجبيلي فكتب عثمان إلى صلاح الدين أن يبعث قرابته فجهز صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغركين، فسار إلى اليمن وخرج حطان بن منقذ من زبيد وتحصن في بعض القلاع ونزل سيف الإسلام زبيد، وبعث إلى حطان بالأمان فنزل إليه وأولاه الإحسان. ثم طلق اللحاق بالشام فمنعه. ثم ألح عليه فأذن له حتى إذا خرج واحتمل رواحله، وجاء ليودّعه قبض عليه واستولى على ما معه. ثم حبسه في بعض القلاع فكان آخر العهد به. ويقال كان فيما أخذه سبعون حملا من الذهب. ولما سمع عثمان الزنجبيلي خبر حطان خشي على نفسه، وحمل أمواله في البحر ولحق بالشام. وبقيت مراكبه مراكب لسيف الإسلام فاستولى عليها. ولم يخلص إلا بما كان معه في طريقه، وصفا اليمن لسيف الإسلام، والله تعالى أعلم.

دخول قلعة البيرة في ايالة صلاح الدين وغزوة الإفرنج وفتح بعض حصونهم مثل الشقيق  والغرر و بيروت:

كانت قلعة البيرة من قلاع العراق لشهاب الدين بن أرتق، وهو ابن عم قطب الدين أبي الغازي بن أرتق صاحب ماردين، وكان في طاعة نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام. ثم مات وملك البيرة بعده إبنه. ومات نور الدين فصار إلى طاعة عز الدين مسعود صاحب الموصل ثم وقع بين صاحب ماردين وصاحب الموصل من المخالصة والاتفاق ما وتع، وطلب من عز الدين أن يأذن له في أخذ البيرة فأذن له، فسار قطب الدين في عسكره إلى قلعة شميشاط وأقام بها وبعث العسكر إلى البيرة وحاصرها. وبعث صاحبها يستنجد صلاح الدين ويكون له كما كان أبوه لنور الدين فشفع صلاح الدين إلى قطب  الدين صاحب ماردين ولم يشفعه، وشغل عنه بأمر الإفرنج.ورحلت عساكر قطب الدين عنها فرجع صاحبها إلى صلاح الدين وأعطاه طاعته،وعاد في ايالته. ثم خرج صلاح الدين من مصر في محرمّ سنة ثمان وسبعين قاصدا الشام ومرّ بايله وجمع الإفرنج لاعتراضه فبعث أثقاله مع أخيه تاج الملوك إلى دمشق، ومال عن بلادهم فاكتسح نواحي الكرك والشويك، وعاد إلى دمشق منتصف صفر. وكان الإفرنج لما اجتمعوا على الكرك دخلوا بلادهم من نواحي الشام فخالفهم عز الدين فرخشاه نائب دمشق إليها، واكتسح نواحيها وخرب قراها وأثخن فيهم قتلاً وسبيا وفتح الشقيف من حصونهم عنوة وكان له نكاية في المسلمين فبعث إلى صلاح الدين بفتحه فسرّ بذلك ثم أراح صلاح بدمشق أياماً وسار في ربيع الأول من السنة، وقصد طبرية وخيم بالأردن. واجتمعت الإفرنج على طبرية فسير صلاح الدين فرخشاه ابن أخيه إلى بيسان فملكها عنوة واستباحها. وأغار على الغور فأثخن فيها قتلا وسبياً. وسار الإفرنج من طبرية إلى جبل كوكب، وتقدّم صلاح الدين إليهم بعساكره فتحصنوا بالجبل فأمر ابني أخيه تقي الدين عمر وعز الدين فرخشاه ابني شاهنشاه فقاتلوا الإفرنج قتالاً شديداً. ثم تحاجزوا وعاد صلاح الدين إلى دمشق. ثم سار إلى بيروت فاكتسح نواحيها، وكان قد استدعى الاسطول من مصر لحصارها فوافاه بها وحاصرها أياماً. ثم بلغه أن البحر قد قذف بدمياط مركبا للافرنج فيه جماعة منهم جاؤا لزيارة القدس فألقتهم  الريح بدمياط، وأسر منهم ألف وستمائة أسير، ثم ارتحل عن بيروت إلى الجزيرة كما نذكره إن شاء الله تعالى.

مسير صلاح الدين إلى الجزيرة واستيلاؤه على حران والرها والرقة والخابور ونصيبين وسنجار وحصار الموصل:

كان مظفر الدين كوكبري بن زين الدين كجك الذي كان أبوه نائب القلعة بالموصل مستوليا في دولة مودود وبنيه، وانتقل آخراً إلى إربل ومات بها. وأقطعه عز الدين صاحب الموصل إبنه مظفر الدين، وكان هواه مع صلاح الدين يؤمله ملكه بلاد الجزيرة فراسله وهو محاصر لبيروت، وأطمعه في البلاد، واستحثه للوصول فسار صلاح الدين عن بيروت موريا بحلب، وقصد الفرات، ولقيه مظفر الدين وساروا إلى البيرة، وقد دخل طاعة عز الدين. وكان عز الدين صاحب الموصل ومجاهد الدين لما بلغهما مسير صلاح الدين إلى الشام ظنوا أنه يريد حلب فساروا لمدافعته. فلما عبر الفرات عادوا إلى الموصل، وبعثوا حامية إلى الرها. وكاتب صلاح الدين ملوك الأطراف بديار بكر وغيرها بالوعد والمغاربة ووعد نور الدين محمودا صاحب كيفا أنه يملكه آمد. ووصل إليه فساروا إلى مدينة الرها فحاصروها، وبها يومئذ الأمير فخر الدين بن مسعود الزعفراني. واشتدّ عليه القتال فأستأمن إلى صلاح الدين وملكه المدينة، وحاصر معه القلعة حتى سلمها النائب الذي بها على مال شرطه فأضافها صلاح الدين إلى مظفر الدين مع حران وساروا إلى الرقة، وبها نائبها قطب الدين نيال بن حسان المنبجي ففارقها إلى الموصل، وملكها صلاح الدين. ثم سار إلى قرقيسيا وماسكين وعربان، وهي بلاد الخابور فاستولى على جميعها. وسار إلى نصيبين فملك المدينة لوقتها، وحاصر القلعة أياما ثم ملكها وأقطعها للأمير أبي الهيجاء السمين. ثم رحل عنها ونور الدين صاحب كيفا معه معتزما على قصد الموصل. وجاءه الخبر بأن الإفرنج أغاروا على نواحي دمشق، واكتسحوا قراها وأرادوا تخريب جامع داريا فتوعدهم نائب دمشق بتخريب بيعهم وكنائسهم فتركوه فلم يثن ذلك من عزمه وقصد الموصل، وقد جمع صاحبها العساكر و استعدّ للحصار ، وخلى نائبه  في الاستعداد.وبعث إلى سنجار وإربل وجزيرة ابن عمر فشحنها بالامداد من الرجال والسلاح والأموال، وأنزل صاحب الدار عساكره بقربها، وتقدّم هو ومظفر الدين وابن شيركوه فهالهم استعداد صاحب البلد، وأيقنوا بامتناعه وعذل صاحبيه هذين فانهما كانا أشارا بالبداءة بالموصل. ثم أصبح صلاح الدين من الغد في عسكره، ونزل عليه أوّل رجب على باب كندة ، وأنزل صاحب الحصن باب الجسر وأخاه تاج الملوك بالباب العمادي، وقاتلهم فلم يظفر. وخرج بعض الرجال فنالوا منه. ونصب منجنيقاً فنصبوا عليه من البلد تسعة. ثم خرجوا إليه من البلد فأخذوه بعد قتال كثير. وخشي صلاح الدين من البيات فتأخر لأنه رآهم في بعض الليالي يخرجون من باب الجسر بالمشاعل ويرجعون.وكان صدر الدين شيخ الشيوخ ومشير الخادم وقد وصلا من عند الخليفة  الناصر  في الصلح. وتردّدت الرسل بينهم فطلب عز الدين من صلاح الدين ردّ ما أخذه من بلادهم أجاب على أن يمكنوه من حلب فامتنع، فرجع إلى ترك مظاهرة صاحبها فامتنع أيضاً. ثم وصلت أيضا رسل صاحب أذربيجان ورسل شاهرين. صاحب خلاط في الصلح فلم يتم، وسار أهل سنجار يعترضون من يقصده من عساكره وأصحابه فأفرج عن الموصل، وسار إليها، وبها شرف الدين أمير أميران هند وأخوه عز الدين صاحب الموصل في عساكر. وبعث إليه مجاهد الدين النائب بعسكر أخر مدداً وحاصرها صلاح الدين وضيق عليها، واستمال بعض أمراء الأكراد الذين بها من الزواوية فواعده من ناحيته.وطرقه صلاح الدين فملكه البرج الذي في ناحيته فاستأمن أمير أميران وخرج عسكره معه إلى الموصل. وملك صلاح الدين سنجار، وولىّ عليها سعد الدين بن معين الدين الذي كان أبوه عند كامل بن طغركين بدمشق. وصارت سنجار من سائر البلاد التي ملكها من الجزيرة. وسار صلاح الدين إلى نصيبين فشكا إليه أهلها من أبي الهيجاء السمين فعزله عنهم، واستصحبه معه، وسار إلى حران في ذي القعدة من سنة ثمان وسبعين. وفرق عساكره ليستريحوا وأقام في خواصه وكبار أصحابه، والله أعلم.

مسير شاهرين صاحب خلاط لنجدة صاحب الموصل:

كان عز الدين قد أرسل إلى شاهرين يستنجده على صلاح الدين فبعث إليه عدة رسل  شافعا في أمره فلم يشفعه، وغالطه فبعث إليه مولاه آخراً سيف الدين بكتمر، وهو على سنجار يسأله في الافراج عنها فلم يجبه إلى ذلك. وسوّفه رجاء أن يفوتها فأبلغه بكتمر الوعيد عن مولاه، وفارقه مغاضبا ولم يقبل صلته، وأغراه بصلاح الدين فسار شاهرين من مخيمه بظاهر خلاط إلى ماردين، وصاحبها يومئذ ابن أخته وابن خال عز الدين وصهره على بنته، وهو قطب الدين نجم الدين. وسار إليهم أتابك عز الدين صاحب الموصل. وكان صلاح الدين في حران منصرفه من سنجار. وفرق عساكره فلما سمع باجتماعهم استدعى تقيّ الدين ابن أخيه شاهنشاه من حماة، ورحل إلى رأس عين فافترق القوم، وعاد كل إلى بلده. وقصد صلاح الدين ماردين فأقام عليها عدة أيام ورجع، والله تعالى وليّ التوفيق بمنه وكرمه.

واقعة الإفرنج في بحر السويس:

كان البرنس أرناط صاحب الكرك قد أنشأ أسطولا مفصلأ، وحمل أجزاءه إلى صاحب ايلة وركبه على ما تقتضيه صناعة النشابة، وقذفه في السويس، وشحنه بالمقاتلة،وأقلعوا في البحر. ففرقة أقاموا على حصن أيلة يحاصرونه، وفرقة ساروا نحو عيذاب وأغاروا على سواحل الحجاز، وأخذوا ما وجدوا بها من مراكب التجار. وطرق الناس منهم بلية لم يعرفونها لأنه لم يعهد ببحر السويس افرنجيّ محارب  ولا تاجر وكان بمصر الملك العادل أبو بكر بن أيوب نائبا عن أخيه صلاح الدين فعمر أسطولا وشحنه بالمقاتلة، وسار به حسام الدين  لؤلؤ  الحاجب قائد الأساطيل بديار مصر، فبدأ بأسطول الإفرنج الذي يحاصر ايلة فمزقهم كل ممزّق.وبعد الظفر بهم اقلع في طلب الآخرين وانتهى إلى عيذاب فلم يجدهم فرجم إلى رابغ وأدركهم بساحل الحوراء، وكانوا عازمين على طروق الحرمين واليمن والاغارة على الحاج. فلما أطلّ عليهم  لؤلؤ  بالأسطول أيقنوا بالتغلب وتراموا على الحوراء وأسنموا إليها، واعتصموا بشعابها. ونزل  لؤلؤ  من مراكبه وجمع خيل الأعراب هنالك وقاتلهم فظفر بهم، وقتل أكثرهم وأسر الباقين فأرسل بعضهم إلى منى فقتلوا بها أيام النحر وعاد بالباقين إلى مصر، والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء.

وفاة فرخشاه:

ثم توفي عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه أخو صلاح الدين النائب عنه بدمشق، وكان خليفته في أهله ووثوقه به أكثر من جميع أصحابه. وخرج من دمشق غازيا الإفرنج وطرقه المرض. وعاد فتوفي في جمادى سنة ثمان وسبعين. وبلغ خبره صلاح الدين وقد عبر الفرات إلى الجزيرة والموصل، فأعاد شمس الدين محمد بن المقدم إلى دمشق وجعله نائبا فيها واستمرّ لشأنه، والله تعالى يورث الملك لمن يشاء من عباده.

استيلاء صلاح الدين على آمد وتسليمها لصاحب كيفا:

قد تقدّم لنا مسير صلاح الدين إلى ماردين وإقامته عليها أيام من نواحيها، ثم ارتحل عنها إلى آمد كما كان العهد بينه وبين نور الدين صاحب كيفا فنازلها منتصف ذي الحجة، وبها بهاء الدين بن بيسان فحاصرها، وكانت غاية في المنعة وأساء ابن بيسان التدبير وقبض يده عن العطاء، وكان أهلها قد ضجروا منه لسوء سيرته وتضييقه عليهم في مكاسبهم. وكتب إليهم صلاح الدين بالترغيب والترهيب فتخاذلوا عن ابن بيسان وتركوا القتال معه، ونقب السور من خارج بيت ابن بيسان، وأخرج نساءه مع القاضي الفاضل يستميل إليه صلاح الدين ويؤجله ثلاثة أيام للرحلة، فأجابه صلاح الدين وملك البلد في عاشوراء سنة تسع وسبعين.وبنى خيمة بظاهر البلد ينقل إليها ذخيرته فلم يلتفت الناس إليه، وتعذر عليه أمره فبعث إلى صلاح الدين يسأله الإعانة فأمر له بالدواب والرجال، فنقل في الأيام الثلاثة كثيراً من موجوده . ومنع بعد انقضاء الأجل عن نقل ما بقي. ولما ملكها صلاح الدين سلمها لنور الدين صاحب كيفا وأخبر صلاح الدين بما فيها من الذخائر لينقلها لنفسه فأبى. وقال: ما كنت لأعطي الأصل وأبخل بالفرع، ودخل نور الدين البلد، ودعا صلاح الدين وأمراءه إلى صنيع صنعه لهم، وقدّم لهم من التحف والهدايا ما يليق بهم، وعاد صلاح الدين، والله تعالى أعلم.

استيلاء صلاح الدين على تل خالد وعنتاب:

ولما فرغ صلاح الدين من آمد سار إلى أعمال حلب فحاصر تل خالد، ونصب عليه المجانيق حتى تسلمه بالأمان في محرم سنة تسع وسبعين. ثم سار إلى عنتاب فحاصرها وبها ناصر الدين محمد أخو الشيخ إسمعيل الذي كان خازن نور الدين العادل وصاحبه. وهو الذي ولاه عليها فطلب من صلاح الدين أن يقرّها بيده، ويكون في طاعته فأجابه إلى ذلك وحلف له. وسار في خدمته، وغنم المسلمون خلال ذلك مغانم: فمنها في البحر سار أسطول مصر، فلقي في البحر مركبا فيه نحو ستمائة من الإفرنج بالسلاح والأموال قاصدون الإفرنج بالشام فظفروا بهم، وغنموا ما معهم، وعادوا إلى مصر سالمين. ومنها في البرّ أغار الدارون جماعة من الإفرنج، ولحقهم المسلمون بأيلة واتبعوهم إلى العسيلة، وعطش المسلمون فأنزل الله تعالى عليهم المطر حتى رووا. وقاتلوا الإفرنج فظفروا بهم هنالك واستلحموهم، واستقاموا معهم وعادوا سالمين إلى مصر، والله أعلم.

استيلاء صلاح الدين على حلب وقلعة حارم:

كان الملك الصالح إسمعيل بن نور الدين العادل صاحب حلب، لم يبق له من الشام غيرها، وهو يدافع صلاح الدين عنها فتوفي منتصف سنة سبع وسبعين، وعهد لابن عمه عز الدين صاحب الموصل وسار عز الدين صاحب الموصل مع نائبه مجاهد الدين قايمان إليها فملكها. طلبها منه أخوه عماد الدين صاحب سنجار على أن يأخذ عنها سنجار فأجابه إلى ذلك، وأخذ عز الدين سنجار، وعاد إلى الموصل. وسار عماد الدين إلى حلب فملكها، وعظم ذلك على صلاح الدين، وخشي أن يسير منها إلى دمشق. وكان بمصر فسار إلى الشام، وسار منها إلى الجزيرة، وملك ما ملك منها وحاصر الموصل، ثم حاصر آمد وملكها. ثم سار إلى أعمال حلب كما ذكرناه فملك تل خالد وعنتاب. ثم سار إلى حلب وحاصرها في محرّم سنة تسع وسبعين، ونزل الميدان الأخضر أياما. ثم انتقل إلى جبل جوشق وأظهر البقاء عليها وهو يغاديها القتال ويراوحها، وطلب عماد الدين جنده في العطاء، وضايقوه في تسليم حلب لصلاح الدين. وأرسل إليه في ذلك الأمر طومان الباروقي، وكان يميل إلى صلاح الدين فشارطه على سنجار ونصيبين والرقة والخابور، وينزل له عن حلب. وتحالفوا على ذلك وخرج عنها عماد الدين ثامن عشر صفر من السنة إلى هذه البلاد. ودخل صلاح الدين حلب بعد أن شرط على عماد الدين أن يعسكر معه متى عاد. ولما خرج عماد الدين إلى صلاح الدين صنع له دعوة احتفل فيها وانصرف، وكان فيمن هلك في حصار حلب تاج الملوك نور الدين أخو صلاح الدين الأصغر، أصابته جراحة فمات منها بعد الصلح، وقبل أن يدخل صلاح الدين البلد. ولما ملك صلاح الدين حلب سار إلى قلعة حارم، وبها الأمير طرخك من موالي نور الدين العادل، وكان عليها إبنه الملك الصالح فحاصره صلاح الدين ووعده، وتردّدت الرسل بينهم وهو يمتنع، وقد أرسل إلى الإفرنج يدعوهم للانجاد، وسمع بذلك الجند الذين معه فوثبوا به وحبسوه. واستأمنوا إلى صلاح الدين فملك الحصن، وولىّ عليه بعض خواصه. وقطع تل خالد الباروقي صاحب تل باشر. وأمّا قلعة إعزاز فأنّ عماد الدين اسمعيل كان خربها فأ قطعها صلاح الدين سليمان بن جسار وأقام بحلب إلى أن قضى جميع أشغالها وأقطع أعمالها، وسار إلى دمشق والله تعالى أعلم.

غزوة بيسان:

ولما فرغ صلاح الدين من أمر حلب ولىّ عليها إبنه الظاهر غازي، ومعه الأميرسيف الدين تاوكج كافلا له لصغره، وهو أكبر الأمراء الأسدية. وسار إلى دمشق فتجهز للغزو، وجمع عساكر الشام والجزيرة وديار بكر، وقصد بلاد الإفرنج فعبر الأردن منتصف،سبع سبعين وأجفل أهل تلك الأعمال أمامه فقصد بيسان وخربها وأحرقها، وأغار على نواحيها واجتمع الإفرنج له. فلما رأوه خاموا عن لقائه واستندوا إلى جبل وخندقوا عليهم، وأقام يحاصرهم خمسة أيام ويستدرجهم للنزول فلم يفعلوا فرجع المسلمون عنهم، وأغاروا على تلك النواحي وامتلأت أيديهم بالغنائم وعادوا إلى بلادهم، والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.

غزو الكرك وولاية العادل على حلب:

ولما عاد صلاح الدين من غزوة بيسان تجهز لغزو الكرك وسار في العساكر، واستدعى أخاه العادل أبا بكر بن أيوب من مصر وهو نائبها ليلحق به على الكرك، وكان قد سأله في ولاية حلب وقلعتها فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يجيء بأهله وماله فوافاه على الكرك، وحاصروه أياما وملكوا أرباضه، ونصبوا عليها المجانيق، ولم يكن بالغ في الاستعداد لحصاره لظنه أنّ الإفرنج يدافعون عنه، فأفرج عنه منتصف شعبان وبعث تقيّ الدين ابن أخيه شاه على نيابة مصر مكان أخيه العادل واستصحب العادل معه إلى دمشق فولاه مدينة حلب ومدينة منبج وما إليها، وبعثه بذلك في شهر رمضان من السنة. واستدعى ولده الظاهر غازي من حلب إلى دمشق.ثم سار في ربيع الآخر من سنة ثمانين لحصار الكرك بعد أن جمع العساكر، واستدعى نور الدين صاحب كيفا وعساكر مصر واستعد لحصاره، ونصب المجانيق على ربضه فملكه المسلمون، وبقي الحصن وراء خندق بينه وبين الربض عمقه ستون ذراعاً. وراموا طمه فنضحوهم بالسهام، ورموهم بالحجارة فأمر برفع السقف ليمشي المقاتلة تحتها إلى الخندق. وأرسل أهل الحصن إلى ملكهم يستمدّونه ويخبرونه بما نزل بهم فاجتمع الإفرنج وأوعبوا وساروا إليهم فرحل صلاح الدين للقائهم، حتى انتهى إلى حزونة الأرض فأقام ينتظر خروجهم إلى البسيط فخاموا عن ذلك فتأخر عنهم فراسخ، ومرّوا إلى الكرك. وعلم صلاح الدين أنّ الكرك قد امتنع بهؤلاء فتركه وسار إلى نابلس فخربها وحرقها وسار إلى سنطية وبها مشهد زكرياء عليه السلام فاستنقذ من وجد بها من أسارى المسلمين، ورحل إلى جينين فنهبها وخربها. وسار إلى دمشق بعد أن بث السرايا في كل ناحية، ونهب كل ما مرّ به، وامتلأت الأيدي من الغنائم وعاد إلى دمشق مظفراً والله تعالى أعلم.

حصار صلاح الدين الموصل:

ثم سار صلاح الدين من دمشق إلى الجزيرة في ذي القعدة من سنة ثمان، وعبر الفرات. وكان مظفر الدين كوكبري علي كجك يستحثه للمسير إلى الموصل في كل وقت، وربما وعده بخمسين ألف دينار إذا وصل. فلما وصل إلى حران لم يف له فقبض عليه.، ثم خشي معيرة أهل الجزيرة فأطلقه وأعاد عليهم حران والرها. وسار في ربيع الأول، ولقيه نور الدين صاحب كيفا، ومعز الدين سنجار شاه صاحب جزيرة ابن عمر، وقد انحرف عن عمه عز الدين صاحب الموصل بعد نكبة مجاهد الدين نائبه. وساروا كلهم مع صلاح الدين إلى الموصل، وانتهوا إلى مدينة بلد فلقيه هنالك أمّ عز الدين، وابنة عمه نور الدين وجماعة من أهل بيته يسألونه الصلح ظنا بأنه لا يردهنّ، وسيما بنت نور الدين.واستشار صلاح الدين أصحابه فأشار الفقيه عيسى وعلي بن أحمد المشطوب بردّهنّ وساروا إلى الموصل وقاتلوها، واستمات أهلها وامتعضوا لردّ النساء فامتنعت عليهم وعاد على أصحابه باللوم في إشارتهم. وجاء زين الدين يوسف صاحب إربل وأخوه مظفر الدين كوكبري فأنزلهما بالجانب الشرقي. وبعث علي بن أحمد المشطوب الهكاري إلى قلعة الجزيرة ليحاصرها فاجتمع عليه الأكراد الهكارية إلى أن عاد صلاح الدين عن الموصل، وبلغ عز الدين أنّ نائبه بالقلعة زلقندار يكاتب صلاح الدين فمنعه منها، وانحرف عنه إلى الاقتداء برأي مجاهد الدين وتصدر عنه.ثم بلغه خبر وفاة شاهرين صاحب خلاط فطمع صلاح الدين في ملكها، وأنه يستعين بها على أموره. ثم جاءته كتب أهلها يستدعونه فسار عن الموصل إليها، وكان أهل خلاط إنما كاتبوه مكرا لأنّ شمس الدين البهلوان بن ايلدكز صاحب أذربيجان وهمذان قصده تملكهم، بعد أن كان زوّج ابنته من شاهرين على كبره، وجعل ذلك ذريعة إلى ملك خلاط. فلما سار إليهم كاتبوا صلاح الدين ودافعوا كلا منهما بالاخر فسار صلاح الدين وفي مقدمته ناصر الدين محمد بن شيركوه، ومظفر الدين صاحب إربل وغيرهما. وتقدّموا إلى خلاط وتقدّم صاحب أذربيجان فنزل قريباً من خلاط. وترددّت على أهل خلاط بينه وبين البهلوان، ثم خطبوا للبهلوان، والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.

استيلاء صلاح الدين على ميافارقين:

ولما خطب أهل خلاط للبهلوان، وصلاح الدين على ميافارقين، وكانت لقطب الدين صاحب ماردين فتوفي، وملك إبنه طفلا صغيرا بعده، ورّد أمرها إلى شاهرين صاحب خلاط. وأنزل بها عساكره فطمع فيها صلاح الدين بعد وفاة شاهرين، وحاصرها من أوّل جمادي سنة إحدى وثمانين، وعلى أجنادها الأمير أسد الدين برنيقش فأحسن الدفاع، وكان بالبلد زوجة قطب الدين المتوفى ومعها بناتها منه، وهي أخت نور الدين صاحب كيفا فراسلها صلاح الدين بأنّ برنيقش قد مال إليها في تسليم البلد، ونحن ندعي حق أخيك نور الدين فأزوّج بناتك من أبنائي، وتكون البلد لنا. ووضع على برنيقش من أخبره بأن الخاتون مالت إلى صلاح الدين، وأنّ أهل خلاط كاتبوه.وكان خبر أهل خلاط صحيحا فسقط في يده، وبعث في التسليم على شروط اشترطها من إقطاع ومال. وسلم البلد فملكها صلاح الدين وعقد النكاح لبعض ولده على بعض بنات خاتون. وأنزلها وبناتها بقلعة هقناج وعاد إلى الموصل، ومرّ بنصيبين، وانتهى إلى كفر أرمان، وأعتزم على أن يشتوا به، ويقطع جميع ضياع الموصل ويحيي أعمالها، ويكتسح غلاتها. وجنح مجاهد الدين إلى مصالحته وتردّدت الرسل في ذلك على أنّ يسلم إليه عز الدين شهرزور وأعمالها وولاية الغرابلي، وما وراء الزاب من الأعمال.ثم طرقه المرض فعاد إلى حران وأدركه الرسل بالإجابة إلى ما طلب فانعقد هنالك، وتحالفوا وتسلم البلاد وطال مرضه بحران، وكان عنده أخوه العادل، وبيده حلب، وبها الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين. واشتدّ به المرض فقسم البلاد بين أولاده، وأوصى أخاه العادل على الجميع. وعاد إلى دمشق في محرّم سنة إثنتين وثمانين، وكان عنده بحران ناصر الدين محمد بن عمه شيركوه، ومن اقطاعه حمص والرحبة فعاد قبله إلى حمص، ومرّ بحلب، وصانع جماعة من أمرائها على أنّ يقوموا بدعوته أن حدث بصلاح الدين أمر. وبلغ إلى حمص فبعث إلى أهل دمشق بمثل ذلك، وأفاق صلاح الدين من مرضه، ومات ناصر الدين ليلة الأضحى، ويقال دسّ عليه من سمه وورث أعماله إبنه شيركوه، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، والله تعالى أعلم.

قسمة صلاح الدين الأعمال بين ولده وأخيه:

كان إبنه العزيز عثمان بحلب في كفالة أخيه العادل، وابنه الأكبر الأفضل علي بمصر في كفالة تقيّ الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه، بعثه إليها عندما استدعى العادل منها كما مرّ. فلما مرض بحران أسف على كونه لم يول أحدا من ولده استقلالا، وسعى إليه بذلك بعض بطانته. فبعث إبنه عثمان العزيز إلى مصر في كفالة أخيه العادل كما كان بحلب. ثم اقطع العادل حران والرها وميافارقين من بلاد الجزيرة، وترك عثمان إبنه بمصر. ثم بعث عن إبنه الأفضل وتقيّ الدين ابن أخيه فامتنع تقيّ الدين من الحضور، واعتزم على المسير إلى المغرب واللحاق بمولاه قراقوش في ولايته التي حصلت له بطرابلس، والجريد من افريقية فراسله صلاح الدين ولاطفه. ولما وصل اقطعه حماة ومنبج والمعرة وكفرطاب وجبل جوز وسائر أعمالها. وقيل إن تقيّ الدين لما أرجف بمرض صلاح الدين وموته تحرّك في طلب الأمر لنفسه، وبلغ ذلك صلاح الدين فأرسل الفقيه عيسى الهكاري، وكان مطاعا فيهم وأمره بإخراج تقيّ الدين من مصر والمقام بها فسار ودخلها على حين غفلة. وأمر تقيّ الدين بالخروج فأقام خارج البلد، وتجهز للمغرب فراسله صلاح الدين إلى آخر الخبر، والله تعالى أعلم.

اتفاق القمص صاحب طرابلس مع صلاح الدين ومنابذة البرنس صاحب الكرك له وحصاره إياه والاغارة على عكا:

كان القمص صاحب طرابلس، وهو ريمند بن ريمند بن صنجيل تزوّج بالقومصة صاحبة طبرية، وانتقل إليها فأقام عندها، ومات ملك الإفرنج بالشام وكان مجذوما كما مرّ، وأوصى بالملك لابن أخيه صغيرا فكفله هذا القمص، وقام بتدبير ملكه لعظمه فبهم، وطمع أن تكون كفالته ذريعة إلى الملك. ثم مات الصغير فانتقل الملك إلى أبيه، ويئس القمص عندها مما كان يحدّث به نفسه. ثم أن الملكة تزوجت ابن غتم من الإفرنج القادمين من المغرب، وتوّجته وأحضرت البطرك والقسوس والرهبان والاستبارية والداوية واليارونية، وأشهدتهم خروجها له عن الملك. ثم طولب القمص بالجباية أيام كفالته الصبيّ فأنف وغضب، وجاهر بالشقاق لهم. وراسل صلاح الدين وسار إلى ولايته وخلف له على مصره من أهل ملته. وأطلق له صلاح الدين جماعة من زعماء النصارى كانوا أسارى عنده فازداد غبطة بمظاهرته. وكان ذلك ذريعة لفتح بلادهم وارتجاع القدس منهم. وبث صلاح الدين السرايا من ناحية طبرية في سائر بلاد الإفرنج فاكتسحوها وعادوا غانمين، وذلك كله سنة إثنتين وثمانين.وكان البرنس أرناط صاحب الكرك من أعظم الإفرنج مكرا وأشدّهم ضررا. وكان صلا الدين قد سلط الغارة والحصار على بلده حتى سأل في الصلح فصالحه فصلحت السابلة بين الآمّين.ثم مرّت في هذه السنة قافلة كثيرة التجار والجند فغدر بهم وأسر وأخذ ما معهم، وبعث إليه صلاح الدين فأصر على غدرته فنذر أنه يقتله إن ظفر به، واستنفر الناس للجهاد من سائر الأعمال من الموصل والجزيرة وإربل ومصر والشام. وخرج من دمشق في محرّم سنة ثلاث وثمانين وانتهى إلى رأس الماء. وبلغه أنّ البرنس أرناط صاحب الكرك يريد أن يتعرض للحاج من الشام، وكان معهم ابن أخيه محمد بن لاجين وغيره فترك من العساكر مع إبنه الأفضل علي، وسار إلى بصرى.

 وسمع البرنس بمسيره فأحجم عن الخروج، ووصل الحاج سالمين.وسار صلاح الدين إلى الكرك، وبث السرايا في أعمالها وأعمال الشويك فاكتسحوهما. والبرنس محصور بالكرك، وقد عجز الإفرنج عن إمداده لمكان العساكر مع الأفضل بن صلاح الدين. ثم بعث صلاح الدين إلى إبنه الأفضل فأمره بإرسال بعث إلى عكا ليكتسحوا نواحيها، فبعث مظفر الدين كوكبري صاحب حران والرها وقايماز النجمي وداروم الياروقي، وساروا في آخر صفر فصبحوا صفورية وبها جمع من الفداوية والاستبارية فبرزوا إليهم. وكانت بينهم حروب شديدة تولى الله النصر فيها للمسلمين، وانهزم الإفرنج، وقتل مقدمهم، وامتلأت أيدي المسلمين من الغنائم وانقلبوا ظافرين. ومرّا بطبرية، وبها القمص فلم يهجهم لما تقدم بينه وبين صلاح الدين من الولاية، وعظم هذا الفتح وسار البشير به في البلاد، والله تعالى أعلم.

هزيمة الإفرنج وفتح طبرية ثم عكا:

ولما إنهزم الفداوية والإستبارية بصفورية، ومرّ المسلمون بالغنائم على القمص  ريمند بطبرية، ووصلت البشائر بذلك إلى صلاح الدين عاد إلى معسكره الذي مع إبنه، ومرّ بالكرك، واعتزم على غزو بلاد الإفرنج فاعترض عساكره وبلغه أن القمص ريمند قد راجع أهل ملته ونقض عهده معه. وأنّ البطرك والقسيس والرهبان أنكروا عليه مظاهرته للمسلمين، ومرور عساكرهم به بأسرى النصارى وغنائمهم. ولم يعترضهم مع إيقاعهم  بالفداوية والاستبارية أعيان الملة، وتهددوه بإلحاق كلمة الكفر به فتنصل وراجع رأيه، واعتذر إليهم فقبلوا عذره، وخلص لكفره وطواغيته فجددوا الحلف والاجتماع. وساروا بن عكا إلى صفورية، بلغ الخبر إلى صلاح الدين. وشاور أصحابه فمنهم من أشار بترك اللقاء وشن الغارات عليهم حتى يضعفوا. ومنهم من أشار باللقاء لنزول عكا واستيفاء ما فعلوه في المسلمين بالجزيرة فاستصوبه صلاح الذين واستعجل لقاءهم.ثم رحل من الأقحوانه أواخر رمضان فسار حتى خلف طبرية، وتقدم إلى معسكر الإفرنج فلم يفارقوا خيامهم. فلما كان الليل أقام طائفة من العسكر فسار إلى طبرية فملكها من ليلته عنوة ونهبها وأحرقها. وإمتنع أهلها بالقلعة، ومعهم الملكة وأولادها فبلغ الخبر إلى الإفرنج فضج القمص، وعمد إلى الصلح. وأطال القول في تعظيم الخطب وكثرة المسلمين، فنكر عليه البرنس صاحب الكرك وإتهمه ببقائه على ولاية صلاح الدين. واعتزموا على اللقاء ووصلوا من مكانهم لقصد المعسكر، وعاد صلاح الدين إلى معسكره، وبعدت المياه من حوالي الإفرنج وعطشوا ولم يتمكنوا من الرجوع فركبهم صلاح الدين دون قصدهم. واشتدت الحرب وصلاح الدين يجول بين الصفوف يتفقد أحوال المسلمين.ثم حمل القمص على ناحية تقيّ الدين عمر بن شاه حملة استمات فيها هو وأصحابه فأفرج له الصف، وخلص من تلك الناحية إلى منجاته، واختلّ مصاف الإفرنج، وتابعوا الحملات. وكان بالأرض هشيم أصابه شرر فاضطرم ناراً فجهدهم لفحها، ومات جلهم من العطش فوهنوا، وأحاط بهم المسلمون من كل ناحية فارتفعوا إلى تل بناحية حطين لينصبوا خيامهم به فلم يتمكنوا إلا من خيمة الملك فقط، والسيف يجول فيهم مجاله حتى فني أكثرهم، ولم يبق إلا نحو المائة والخمسين من خلاصة زعمائهم مع ملكهم. والمسلمون يكرون عليهم مرة بعد أخرى حتى ألقوا ما بأيديهم وأسروا الملك وأخاه البرنس أرناط صاحب الكرك وصاحب جبيل، وابن هنفري، ومقدم الفداوية، وجماعة من الفداوية والإستبارية. ولم يصابوا منذ ملكوا هذه البلاد أعوام التسعين والأربعمائة بمثل هذه الوقعة.ثم جلس صلاح الدين في خيمته وأحضر هؤلاء الأسرى فقرّع الملك ووبخه بعد أن أجلسه إلى جانبه وفاء بمنصب الملك، وقام إلى البرنس فتولى قتله بيده حرصاً على الوفاء بنذره بعد أن عرّفه بغدرته، وبجسارته على ما كان يرومه في الحرمين، وحبس الباقين. وأما القمص صاحب طرابلس فنجا كما ذكرناه إلى بلده، ثم مات لأيام قلائل أسفاً. ولما فرغ صلاح الدين من هزيمتهم نهض إلى طبرية فنازلها واستأمنت إليه الملكة بها فأمنها في ولدها وأصحابها ومالها، وخرجت إليه فوفى لها وبعث الملك وأعيان الأسرى إلى دمشق فحبسوا بها. وجمع أسرى الفداوية والإستبارية بعد أن بذل لمن يجده منهم من المقاتلة خمسين ديناراً مصرية لكل واحد وقتلهم أجمعين.قال ابن الأثير: ولقد إجتزت بمكان الواقعة بعد سنة فرأيت عظامهم ماثلة على البعد أجحفتها السيول ومزقتها السباع. ولما فرغ صلاح الدين من طبرية سار عنها إلى عكا فنازلها، واعتصم الإفرنج الذين بها بالأسوار، وشادوا بالاستئمان فأمنهم وخيرهم فاختاروا الرحيل، فحملوا ما أقلته رحالهم ودخلها صلاح الدين غرة جمادى سنة ثلاث وثمانين. وصلوا في جامعها القديم الجمعة يوم دخلوهم، فكانت أوّل جمعة أقيمت بساحل الشام بعد استيلاء الإفرنج عليه. وأقطع صلاح الدين بلد عكا لابنه الأفضل، وجميع ما كان فيه للفداوية من أقطاع وضياع. ووهب للفقيه عيسى الهكاري كثيراً مما عجز الإفرنج عن حمله، وقسم الباقي على أصحابه. ثم قسم الأفضل ما بقي في أصحابه بعد مسير صلاح الدين. ثم أقام صلاح الدين أياماً حتى أصلح أحوالها ورحل عنها، والله تعالى أعلم.

فتح يافا وصيدا وجبيل وبيروت وحصون عكا:

لما هزم صلاح الدين الإفرنج كتب إلى أخيه العادل بمصر يسيره ويأمره بالمسيرإلى جهات الإفرنج من جهات مصر، فنازل حصن مجدل وفتحه وغنم ما فيه، ثم سار إلى مدينة يافا ففتحها عنوة واستباحها وكان صلاح الدين أيام مقامه بعكا بعث بعوثه إلى قيساريه وحيفا وسطورية وبعلبك وشقيف وغيرها في نواحي عكا، فملكوها واستباحوها وامتلأت أيديهم من غنائمها وبعث حسام الدين عمر بن الأصعن في عسكر إلى نابلس فملك سبطية مدينة الأسباط، وبها قبر زكريا عليه السلام. ثم سار إلى مدينة نابلس فملكها واعتصم الإفرنج الذين بها بالقلعة فأقرهم على أموالهم.وبعث تقيّ الدين عمر ابن شاهنشاه إلى تبنين ليقطع الميرة عنها وعن صور فوصل إليها وحاصرها وضيق عليها، حتى استأمنوا فأمنهم وملكها. ومرّ إلى صيدا ومرّ في طريقة بصرخد فملكها بعد قتال. وجاء الخبر بفرار صاحب صيدا فسار وملكها آخر جمادي الأولى من السنة. ثم سار من يومه إلى بيروت وقاتلها من أحد جوانبها فتوهموا أنّ المسلمين دخلوا عليهم من الجانب الآخر فاهتاجوا لذلك، فلم يستقرّوا ولا قدروا على تسكين الهيعة لكثرة ما معهم من أخلاط السواد فاستأمنوا إليه. وملكها آخر يوم من جمادى لثمانية أيام من حصارها. وكان صاحب جبيل أسيراً بدمشق فضمن لنائبها تسليم جبيل لصلاح الدين على أنّ يطلقه فاستدعاه وهو محاصر لبيروت، وسلم الحصن وأطلقه، وكان من أعيان الإفرنج وأولي الرأي منهم، والله تعالى أعلم.

وصول المركيش إلى صور وامتناعه بها:

كان القمص صاحب طرابلس لما نجا من هزيمة  لحق بمدينة صور وأقام بها يريد حمايتها ومنعها من المسلمين. فلما ملك صلاح الدين نسيس وصيدا وبيروت ضعف عزمه عن ذلك، ولحق ببلده طرابلس. وبقيت صيدا وصور بدون حامية، وجاء المركيش من نجار الإفرنج من المغرب في كثرة وقوّة فأرسى بعكا ولم يشعر بفتحها. وخرج إليه الرائد فأخبره بمكان الأفضل بن صلاح الدين فيها، وأن صور وعسقلان باقية للإفرنج فلم يطق الإقلاع إليهما لركود الريح فشغلهم بطلب الأمان ليدخل المرسى. ثم طابت ريحه وجرت به إلى صور.

وأمر الأفضل بخروج الشواني في طلبه فلم يدركوه حتى دخل مرسى صور فوجد بها أخلاطاً كثيرة من فل الحصون المفتتحة، فجاؤا إليه وضمن لهم حفظ المدينة، وبذل أمواله في الانفاق عليها على أن تكون هي وأعمالها له دون غيره واستحلفهم على ذلك. ثم قام بتدبير أحوالها وشرع في تحصينها فحفر الخنادق ورم الأسوار واستبدّ بها، والله سبحانه وتعالى أعلم.

فتح عسقلان وما جاورها:

ولما ملك صلاح الدين بيروت وجبيل وتلك الحصون صرف همته إلى عسقلان والقدس لعظم شأن القدس، ولأن عسقلان مقطع بين الشام ومصر فسار عن بيروت إلى عسقلان، ولحق به أخوه العادل في عساكر مصر. ونازلها أوائل جمادى الأخيرة. استدعى ملك الإفرنج ومقدّم الراية، وكانا أسيرين بدمشق فأحضرهما أمرهما بالإذن للإفرنج بعسقلان في تسليمها فلم يجيبوا إلى ذلك، أساؤا الردّ عليهما فاشتدّ في قتالهم ونصب المجانيق عليهم، وملكهم يردّد الرسائل إليهم في التسليم عساه ينطلق ويأخذ بالثأر من المسلمين فلم  يجيبوه ثم جهدهم الحصار وبعد عليهم الصريخ فاستأمنوا إلى صلاح الدين على شروط اشترطوها، كان أهمها عندهم أن يمنعهم من الهراسة لما قتلوا أميرهم في الحصار فأجابهم إلى جميع ما اشترطوه. وملك المدينة منتصف السنة لأربعة عشر يوماً من حصارها، وخرجوا بأهليهم وأموالهم وأولادهم إلى القدس ثم بعث السرايا في تلك الأعمال ففتحوا الرملة والداروم وغزة ومدن الخليل وبيت لحم والبطرون، وكل ما كان للفداوية. وكان أيام حصار عسقلان  قد بعث عن أسطول مصر فجاء به حسام الدين  لؤلؤ  الحاجب، وأقام يغير على مرسى عسقلان والقدس، ويغنم جميع ما يقصده من النواحي، والله سبحانه وتعالى يؤيد من يشاء بنصره.

فتح القدس

ولما فرغ صلاح الدين من أمر عسقلان وما يجاورها سار إلى بيت المقدس، وبها البطرك الأعظم وبليان بن نيزران صاحب الرملة ؛ وربيسة قريبة الملك، ومن نجا من زعمائهم من حطين، وأهل البلد المفتتحة عليهم، وقد اجتمعوا كلهم بالقدس واستماتوا للدين. وبعد الصريخ وأكثروا الإستعداد ونصبوا المجانيق من داخله، وتقدّم إليه أمير من المسلمين فخرج إليها الإفرنج فأوقعوا به وقتلوه في جماعة ممن معه، وفجع المسلمون بقتله. وساروا فنزلوا على القدس منتصف رجب، وهالهم كثرة حاميته، وطاف بهم صلاح الدين خمسة أيام فتحيز متبوّأ عليه للقتال، حتى إختار جهة الشمال نحو باب العمود وكنيسة صهيون يتحوّل إليه. ونصب المجانيق عليها، واشتدّ القتال، وكان كل يوم يقتل بين الفريقين خلق.وكان ممن استشهد عز الدين عيسى بن مالك من أكابر أمراء بني بدران، وأبوه صاحب قلعة جعبر فأسف المسلمون لقتله، وحملوا عليهم حتى أزالوهم عن مواقفهم وأحجروهم بالبلد، وملكوا عليهم الخند ق ونقبوا السور فوهن الإفرنج واستأمنوا لصلاح الدين فأبى إلا العنوة كما ملكه الإفرنج أوّل الأمر سنة إحدى وسبعين وأربعمائة فأستأمن له بالباب ابن نيزران صاحب الرملة، وخرج إليه وشافهه بالاستئمان. واستعطفه فأصرّ على الامتناع فتهددّه بالإستماتة، وقتل النساء والأبناء وحرق الأمتعة وتخريب المشاعر المعظمة، واستلحام أسرى المسلمين، وكانوا خمسة آلاف أسير، واستهلاك جميع الحيوانات الداجنة بالقدس من الظهر وغيره.فحينئذ استشار صلاح الدين أصحابه فجنحوا إلى تأمينهم فشارطهم على عشرة دنانير للرجل، وخمسة للمرأة، ودينارين للولد صبي أو صبية، وعلى أجل أربعين يوماً فمن تأخر أداؤه عنها فهو أسير، وبذل بليان ابن نيزران عن فقراء أهل ملته ثلاثين ألف دينار. وملك صلاح الدين المدينة يوم الجمعة لتسع وعشرين من رجب سنة ثلاث وثمانين، ورفعت الأعلام الإسلامية على أسواره، وكان يوماً مشهوداً. ورتب على أبواب القدس الأمناء لقبض هذا المال، ولم يبن الأمر فيه على المشاحة فذهب أكثرهم دون شيء وعجز آخر الأمر ستة عشر ألف نسمة فأخذوا أسارى، وكان فيه على التحقيق ستون ألف مقاتل غير النساء والولدان فإنّ الإفرنج  أزروا إليه من كل جانب لما افتتحت عليهم حصونهم وقلاعهم ومن الدليل على مقاربة هذا العدد أنّ بليان صاحب الرملة أعطى ثلاثين ألف دينارعلى ثمانية عشر ألفاً، وعجز منهم ستة عشر ألفاً، وأخرج جميع الأمراء خلقاً لا تحصى في زي المسلمين بعد أن يشارطوهم على بعض القطيعة. واستوهب آخرون جموعاً منهم يأخذون قطيعتهم فوهبهم إياهم. وأطلق بعض نساء الملوك من الروم كانوا مترهبات فأطلقهم بعبيدهم وحشمهم وأموالهم. وكذا ملكة القدس التي أسر صلاح الدين زوجها ملك الإفرنج بسببها، وكان محبوساً بقلعة نابلس فأطلقها بجميع ما معها، ولم يحصل من القطيعة على خراج. وخرج البطرك الأعظم بما معه من ماله وأموال البيع، ولم يتعرض له. وجاءته امرأة البرنس صاحب الكرك الذي قتله يوم حطين تشفع في ولدها، وكان أسيراً فبعثها إلى الكرك لتأذن الإفرنج في النزول عنه للمسلمين وكان على رأسه قبة خضراء لها صليب عظيم مذهب. وتسلق جماعة من المسلمين إليه واقتلعوه، وإرتجت الأرض بالتكبير والعويل. ولما خلا القدس من العدو أمر صلاح الدين بردّ مشاعره إلى أوضاعها القديمة، وكانوا قد غيروها فأعيدت إلى حالها الأوّل. وأمر بتطهير المسجد والصخرة من الاقذار فطهرا. ثم صلى المسلمون الجمعة الأخرى في قبة الصخرة، وخطب محيي الدين بن زنكي قاضي دمشق بأمر صلاح الدين، وأتى في خطبته بعجائب من البلاغة في وصف الحال وعظمة الإسلام أقشعرت لها الجلود، وتناقلها الرواة وتحدثت بها السمار أحوالاً .ثم أقام صلاح الدين بالمسجد الصلوات الخمس إماماً وخطيباً، وأمر بعمل المنبر له فتحدّثّوا عنده بأنّ نور الدين محمود إتخذ له منبراً منذ عشرين سنة، وجمع الصناع بحلب فأحسنوا صنعته في عدد سنين فأمر بحمله ونصبه بالمسجد الأقصى. ثم أمره بعمارة المسجد وإقتلاع الرخام الذي فوق الصخرة، لأن القسيسين كانوا يبيعون الحجر من الصخرة ينحتونها نحتاً ويبعونها بالذهب وزناً بوزن. فتنافس الإفرنج فيها التماس البركة منها ويدعونها في الكنائس فخشي ملوكهم أن تفنى الصخرة فعالوا عليها بفرش الرخام فأمر صلاح الدين بقلعه. ثم استكثر في المسجد من المصاحف ورتب فيه القرّاء، ووفر لهم الجرايات. وتقدّم ببناء الربط والمدارس فكانت من مكارمه رحمه الله تعالى. وإرتحل الإفرنج بعد أن باعوا جميع ما يملكونه من العقار بأرخص ثمن، واشتراه أهل العسكر ونصارى القدس الأقدمون بعد أن ضربت عليهم الجزية كما كانوا، والله تعالى أعلم.

 

حصار صور ثم صفد وكوكب والكرك :

لما فتح صلاح الدين القدس أقام بظاهره إلى آخر شعبان من السنة حتى فرغ من جميع أشغاله، ثم رحل إلى مدينة صور، وقد إجتمع فيها من الإفرنج عوالم وقد نزل بها المركيش وضبطها. ولما إنتهى صلاح الدين إلى عكا أقام بها أياماً فبالغ المركيش في الاستعداد وتعميق الخنادق وإصلاح الأسوار، وكان البحر يحيط بها من ثلاث جهاتها ؛ فوصل جانب اليمين بالشمال وصارت كالجزيرة. وسار إليها فنزل عليها لتسع بقين من رمضان على تل يشرف منه على مكان القتال، وجعل القتال على أقيال عسكره نوباً بين  إبنه الأفضل وإبنه الظاهر وأخيه العادل وابن أخيه تقي الدين، ونصب عليها المجانيق والعرادات وكان الإفرنج يركبون في الشواني و الحراقات ويأتون المسلمين من ورائهم فيرمون  عليهم من البحر، ويقاتلونهم ويمنعونهم من الدنّو إلى السور فبعث صلاح الدين عن أسطول مصر من مرسى عكا، فجاء ودافع الإفرنج. وتمكن المسلمون من قتال الأسوار وحاصروها براً وبحراً. ثم كبس أسطول الإفرنج خمسة من أساطيل المسلمين ففتكوا بهم ورّد صلاح الدين الباقي إلى بيروت لقلتها فاتبعها أساطيل الإفرنج، فلما أرهقوهم في الطلب القوا بأنفسهم إلى الساحل وتركوها فحكمها صلاح الدين ونقضها، وجد في حصار صور فلم يفد وامتنعت عليه لما كان فيها من كثرة الإفرنج الذين أمنهم بعكا وعسقلان والقدس فنزلوا إليها بأموالهم وأمدوا صاحبها، واستدعوها الإفرنج وراء البحر فوعدوهم بالنصر، وأقاموا في انتظارهم.ولما رأى صلاح الدين إمتناعها شاور أصحابه في الرحيل فترددّوا، وتخاذلوا في القتال فرحل آخر شوال إلى عكا وأذن للعساكر في المشي إلى أوطانهم إلى فصل الربيع. وعادت عساكر الشرق والشام ومصر، وأقام بقلعة عكا في خواصه، وردّ أحكام البلد إلى خرديك من أمراء نور الدين. وكان صلاح الدين عندما اشتغل بحصار عسقلان بعث عسكراً لحصار صور فشددوا حصارها وقطعوا عنها الميرة، وبعثوا إلى صلاح الدين وهو بحاصر صور فاستأمنوا له ونزلوا عنها فملكها وكان أيضاً صلاح الدين لما سار إلى عسقلان جهز عسكراً لحصار قلعة كوكب يحرسون السابلة في طريقها من الإفرنج الذين فيها، وهي مطلة على الأردن، وهي للإستبارية. وجهز عسكراً لحصار صفد، وهي للفداوية مطلة على طبرية. ولجأ إلى هذبن الحصنين من سلم من وقعة حطين، وامتنعوا بهما. فلما جهز العساكر إليهما صلحت الطريق وإرتفع منها الفساد. فلما كان آخر ليلة من شوّال غفل الموكلون بالحصار على قلعة كوكب، وكانت ليلة شاتية باردة فكبسهم الإفرنج، ونهبوا ما عندهم من طعام وسلاح وعادوا إلى قلعتهم. وبلغ ذلك صلاح الدين، وهو يعتزم على الرحيل عن صور فشحذ من عزيمته. ثم جهز عسكراً على صور مع الأمير قايماز النجمي، وإرتحل إلى عكا فلما إنصرم فصل الشتاء سار من عكا في محرم سنة أربع وثمانين إلى قلعة كوكب . فحاصرها، وامتنعت عليه ولم يكن بقي في البلاد الساحلية من عكا إلى الجنوب غيرها وكير صفد والكرك. فلما إمتنعت عليه جهز العساكر لحصارها مع قايماز النجمي، ورحل عنها في ربيع الأول إلى دمشق ووافته رسل أرسلان وفرح الناس بقدومه، والله تعالى وليّ التوفيق.

غزو صلاح الدين إلى سواحل الشام وما فتحه من حصونها وصلحه آخرا مع صاب أنْطاكِية:

لما رجع صلاح الدين من فتح القدس وحاصر صور وصفد وكوكب عاد إلى دمشق، ثم تجهز للغزو إلى سواحل الشام وأعمال أنْطاكِية، وسار عن دمشق في ربيع سنة أربع وثمانين فنزل على حمص واستدعى عساكر الجزيرة وملوك الأطراف فاجتمعوا إليه. وسار إلى حصن الأكراد فضرب عسكره هنالك، ودخل متجرداً إلى القلاع بنواحي أنْطاكِية فنقض طرفها وأغار على ولايتها إلى طرابلس حتى شفى نفسه من إرتيادها. وعاد إلى معسكره فجرت الأرض بالغنائم فأقام عند حصن الأكراد، ووفد عليه هنالك منصور بن نبيل صاحب جبلة وكان من يوم استيلاء الإفرنج على جبلة عند صاحب أنْطاكِية حاكماً على جميع المسلمين فيها، ومتولياً أمور سمند فلما هبت ريح الإسلام بصلاح الدين وظهوره نزل إليه ليكشف الغماء ، ودله على عورة جبلة واللاذقية، واستحثه لهما فسار أوّل جمادى ونزل بطرطوس، وقد اعتصم الإفرنج منها ببرجين حصينين وأخلوا المدينة فخربوها واستباحوها. وكان أحد الحصنين للفداوية وفيه مقدمتهم الذي أسره صلاح الدين يوم المصاف، وأطلقه عند فتح القدس. واستأمن إليه أهل البرج الآخر ونزلوا له عنه فخربه صلاح الدين، وألقى حجارته في البحر، وامتنع عليه برج الفداوية فسار إلى المرقب وهو للإستبارية ولا يرم لعلوه وإرتفاعه وإمتناعه، والطريق في الجبل إلى جبلة عليه فهو عن يمين الطريق والبحر عن يساره في مسلك ضيق إنما يمر به الواحد  فالواحد.

فتح جبلة

وكان وصل أسطول من صاحب صقلية مددا الإفرنج في تلك السواحل في ستين قطعة فأرسوا بطرابلس، فلما سمعوا بصلاح الدين أقلعوا إلى المغرب ووقفوا قبالتها ينضحون بسهامهم المارة بتلك الطريق فضرب صلاح الدين على ذلك الطريق سورا من جهة البحر من المتارس، ووقف وراءه الرماة حتى سلك العسكر المضيق إلى جبلة. ووصلها آخر جمادى وسبق إليها القاضي، وملكها صلاح الدين لحينه، ورفع أعلام الإسلام على سورها ونفى حاميتها إلى القلعة فاستنزلهم القاضي على الأمان. واستمر منهم جماعة في رهن القاضي والمسلمين عند صاحب إنْطاكِية حتى أطلقهم. وجاء رؤساء أهل البلد إلى طاعة صلاح الدين، وهو بجبل ما بين جبلة وحماة. وكان الطريق عليه بينهم صعباً ففتحه صلاح الدين من ذلك الوقت، واستناب بجبلة سابق الدين عثمان ابن الداية صاحب شيزر، وسار عنها للاذقية، والله تعالى أعلم بغيبه وأحكم..

فتح اللاذقية

ولما فرغ صلاح الدين من أمر جبلة سار إلى اللاذقية فوصلها آخر جمادي الأولىوامتنع حاميتها بحصنين لها في أعلى الجبل، وملك المسلمون المدينة وحصروا الإفرنج في القلعتين وحفروا تحت الأسوار. وأيقن الإفرنج بالهلكة، ودخل إليهم قاضي جبلة ثالث نزولها فأستأمنوا معه. وأمنهم صلاح الدين ورفعوا أعلام الإسلام في الحصنين، وخرب المسلمون المدينة. وكانت مبانيها في غاية الوثاقة والضخامة، واقطعها لتقي الدين ابن أخيه فأعادها إلى أحسن ما كانت من العمارة والتحصين وكان عظيم الهمة في ذلك. وكان أسطول صقلية في مرسى اللاذقية وسخطوا ما فعله أهلها ومنعوهم من الخروج منها. وجاء مقدمهم إلى صلاح الدين فرغب منه إقامتهم على الجزية. وعرض في كلامه بالتهديد بإمداد الإفرنج من وراء البحر فأجابه صلاح الدين باستهانة أمر الإفرنج، وهدّده فانصرف إلى أصحابه، ورحل صلاح الدين إلى صهيون، والله تعالى. أعلم.

فتح صهيون:

ولما فرغ صلاح الدين من فتح اللاذقية سار إلى قلعة صهيون وهي على جبل صعبة المرتقى بعيدة المهوى يحيط بجبلها واد عميق ضيق، ويتصل بالجبل من جهة الشمال، وعليها خمسة أسوار وخندق عميق فنزل صلاح الدين على الجبل لضيقها، وقدم ولده الظاهر صاحب حلب فنزل مضيق الوادي. ونصب المنجنيقات هنالك فرمى بها على الحصن، ونضحهم بالسهام من سائر أصناف القسي وصابروا قليلاً ثم زحف المسلمون ثاني جمادى الأخرى، وسلكوا بين الصخور حتى ملكوا أحد أسوارها وقاتلوهم منه فملكوا عليهم سورين آخرين، وغنموا جميع ما كان في البلد من الدواب والبقر والذخائر. ولجأ الحامية إلى القلعة، وقاتلهم المسلمون عليها فنادوا بالأمان فشرط عليهم مثل قطيعة القدس، وملك المسلمون الحصن. وولي عليه ناصر الدين بن كورس صاحب قلعة بوفلس فحصنه، وافترق المسلمون في تلك النواحي فوجدوا الإفرنج قد فروا من حصونها فملكوها جميعاً. وهيؤا إليها طريقاً على عقبة صعبة لعفاء طريقها السهلة بالإفرنج والإسماعيلية، والله تعالى أعلم.

فتح بكاس والشغر:

ثم سار صلاح الدين عن صهيون ثالث جمادى إلى قلعة بكاس، وقد فارقها الإفرنج وتحصنوا بقلعة شغر فملك بكاس، وحاصر قلعة الشغر والطريق منها مسلوك إلى اللاذقية وجبلة وصهيون فقاتلهم ونصب المنجنيقات عليها فقصرت حجارتها عن الوصول. وكانوا تمنعوا وبعثوا خلال ذلك إلى صاحب إنْطاكِية، وكان الحصن من إيالته فاستمدّوه وإلا أعطوا الحصن بما قذف الله في قلوبهم من الرعب. فلما قعد عن نصرهم استأمنوا إلى صلاح الدين  وسألوه إنظار ثلاث للفتح فأنظرهم وأخذ رهنهم. ثم سلموه بعد الثلاث في منتصف جمادي من السنة، والله تعالى أعلم.

فتح سرمينية:

كان صلاح الدين عند إشتغاله بفتح هذه الحصون بعث إبنه الظاهر غازياً صاحب حلب إلى سرمينية وحاصرها، واستنزل الإفرنج الذين بها على قطيعة أعطوها وهدم الحصن، وكان فتحه آخر جمادى الأخيرة فانطلق جماعة من الأسارى كانوا بهذا الحصن، وكانت هذه الفتوحات كلها في مقدار شهر، وجميعها من أعمال أنْطاكِية، والله تعالى أعلم.

فتح برزية:

ولما فرغ صلاح الدين من قلعة الشغر إلى قلعة برزية قبالة أفامية وتقاسمها في أعمالها. وبينهما بحيرة من ماء العاصي والعيون التي تجري، وكانوا أشدّ شيء في الأذى للمسلمين فنازلها في الرابع والعشرين من جمادى الأخيرة، وهي متعذرة المصعد من الشمال والجنوب، وصعبته من الشرق وبجهة الغرب مسلك إليها فنزل هنالك صلاح الدين، ونصب المجانيق فلم تصل حجارتها لبعد القلعة وعلّوها فرجع إلى المزاحفة، وقسم عساكره على أمرائها، وجعل القتال بينهم نوباً فقاتلهم أوّلا عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار، وأصعدهم إلى قلعتهم حتى صعب المرتقى على المسلمين، وبلغوا مواقع سهامهم وحجارتهم من الحصن وكانوا يدحرجون الحجارة على المقاتلة فلا يقوم لها شيء. فلما تعب أهل هذه النوبة عادوا وصعد خاصة صلاح الدين فقاتلوا قتالاً شديداً، وصلاح الدين وتقي الدين ابن أخيه يحرضانهم حتى أعيوا وهموا بالرجوع، فصاح فيهم صلاح الدين وفي أهل النوبة الثانية فتلاحقوا بهم، وجاء أهل نوبة عماد الدين على أثرهم وحمي الوطيس وردّوا الإفرنج على أعقابهم إلى حصنهم فدخلوه ودخل المسلمون معه.وكان بقية المسلمين في الخيام شرقي الحصن، وقد أهمله الإفرنج فعمد أهل الخيام من تلك الناحية، واجتمعوا مع المسلمين في أعقاب الإفرنج عند الحصن فملكوه عنوة وجاء الإفرنج إلى قبة الحصن ومعهم جماعة من أسارى المسلمين في القيود. فلما سمعوا تكبير إخوانهم خارج القبة كبروا فدهش الإفرنج، وظنوا أن المسلمين خالطوهم فألقوا باليد، وأسرهم المسلمون واستباحوهم وأحرقوا البلد، وأسروا صاحبها وأهله وولده، وافترقوا في أسراهم فجمعهم صلاح الدين حتى إذا قارب أنْطاكِية بعثهم إليها، لأن زوجة صاحب أنْطاكِية كانت تراسل صلاح الدين بالأخبار وتهاديه فرعى لها ذلك، والله تعالى ولي التوفيق.

فتح دربساك:

ولما فرغ صلاح الدين من حصن برزية دخل من الغد إلى الجسر الجديد على نهر العاصي قرب أنْطاكِية فأقام عليه فلحق به فخلف العسكر، ثم سار إلى قلعة دربساك ونزل عليها في رجب من السنة وهي معاقل الفداوية التي يلجؤن إلى الإعتصام بها ونصب عليها المجانيق حتى هدم من سورها. ثم هجمها بالمزاحفة وكشف المقاتلة عن سورها ونقبوا منها برجاً من أسفله فسقط. ثم باركوا الزحف من الغد، وصابرهم الإفرنج ينتظرون المدد من صاحبهم سمند صاحب أنْطاكِية. فلما تبينوا عجزه استأمنوا صلاح الدين فأمنهم في أنفسهم فقط وخرجوا إلى أنْطاكِية. وملك الحصن في عشرين من رجب من السنة والله تعالى أعلم.

فتح بغراس:

ثم سار عماد الدين عن دربساك إلى قلعة بغراس على تعددها وقربها من أنْطاكِية فيحتاج مع قتالها إلى ردء من العسكر بينه وبين أنْطاكِية فحاصرها ونصب عليها المجانيق فقصرت عنها لعلّوها، وشق عليهم حمل الماء إلى أعلى الجبل. وبينما هم في ذلك إذا جاء رسولهم يستأمن لهم فأمنهم في أنفسهم فقط كما أمن أهل دربساك. وتسلم القلعة بما فيها وخربها. فجددها ابن اليون صاحب الأرمن وحصنها وصارت في أيالته، والله أعلم.

صلح أنْطاكِية:

ولما فتح حصن بغراس خاف سمند صاحب أنْطاكِية، وأرسل إلى صلاح الدين في الصلح على أن يطلق أسرى المسلمين الذين عنده. وتحامل عليه أصحابه في ذلك ليريح الناس ويستعدوا فأجابه صلاح الدين إلى ذلك لثمانية أشهر من يوم عقد الهدنة. وبعث إليه من استحلفه وأطلق الأسرى. وكان سمند في هذا الوقت عظيم الإفرنج متسع المملكة، وطرابلس وأعمالها قد صارت إليه بعد القمص، واستخلف فيها إبنه الأكبر. وعاد صلاح الدين إلى حلب فدخلها ثالث شعبان من السنة، وانطلق ملوك الأطراف بالجزيرة وغيرها إلى بلادهم. ثم رحل إلى دمشق وكان معه أبو فليتة قاسم بن مهنا أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتمّ التسليم قد عسكر معه، وشهد فتوجه. وكان يتيمن بصحبته ويتبرك برؤيته، ويجتهد في تأنيسه وتكرمته ويرجع إلى مشورته. ودخل دمشق أول رمضان من السنة، وأشير عليه بتفريق العساكر فأبى وقال: هذه الحصون كوكب وصفد والكرك في وسط بلاد الإسلام فلا بدّ من البدار إلى فتحها، والله سبحانه وتعالى أعلم.

فتح الكرك:

كان صلاح الدين قد جهز العساكر على الكرك مع أخيه العادل حتى سار إلى دربساك وبغراس وأبعد في تلك الناحية فشد العادل حصارها حتى جهدوا وفنيت أقواتهم فراسلوه في الأمان فأجابهم. وسلموا القلعة فملكها، وملك الحصون التي حواليها وأعظمها الشويك، وأمنت تلك الناحية، وإتصلت إيالة المسلمين من مصر إلى القدس والله تعالى أعلم.

فتح صفد:

لما عاد صلاح الدين إلى دمشق أقام بها نصف رمضان، ثم تجهز لحصار  فنزل عليها ونصب المجانيق وكانت أقواتهم قد تسلط عليها الحصار الأول فخافوا من نفاذها فاستأمنوا فأمنهم وملكها، ولحقوا بمدينة صور والله تعالى أعلم.

فتح كوكب:

لما كان صلاح الدين على صفد خافه الإفرنج على حصن كوكب فبعثوا إليه نجدة وكان قايماز النجمي يحاصره فشعر بتلك النجدة وركب إليهم وهم مختفون ببعض الشعاب فكبسهم ولم يفلت منهم أحد. وكان فيهم مقدّمان من الإستبارية فحملها إلى صلاح الدين على صفد فأحضرهما للقتل على عادته في الفداوية والإستبارية فاستعطفه واحد منهما فعفا عنهما وحبسهما. ولما فتح صفد سار إلى كوكب وحاصره وأرسل إليهم بالأمان فأصّروا على الإمتناع عليه فنصب عليهم المجانيق وتابع المزاحفة. ثم عاقه المطر عن القتال وطال مقامه فلما إنقضى المطر عاود المزاحفة وضايقهم بالسور ونقب منه برجاً فسقط فارتاعوا واستأمنوا. وملك الحصن منتصف ذي القعدة من السنة ولحق الإفرنج بصور وإجتمع الزعماء وتابعوا الرسل إلى إخوانهم وراء البحر في حوزة يستصرخونهم فتابعوا إليهم المدد وإتصل المسلمون في الساحل من أيلة إلى بيروت لا يفصل بينهم إلا مدينة صور ولما فرغ صلاح الدين من صفد وكوكب سار إلى القدس فقضى فيه نسك الأضحى. ثم سار إلى عكا قام بها إلى إنسلاخ  الشتاء، والله تعالى أعلم.

فتح الشقيف:

ثم سار صلاح الدين في ربيع سنة خمس وثمانين إلى محاصرة الشقيف، وكان لأرناط صاحب صيدا، وهو من أعظم الناس مكراً ودهاءً . فما نزل صلاح الدين بمرج العيون جاء إليه وأظهر له المحبة والميل، وطلب المهلة إلى جمادى الأخيرة ليتخلص أهله وولده من المركيش بصور، ويسلم له حصن الشقيف فأقام صلاح الدين هنالك لوعده. وإنقضت مّدة الهدنة بينه وبين سمند صاحب إنْطاكِية فبعث تقي الدين ابن أخيه مسلحة في العساكر إلى البلاد التي قرب إنْطاكِية. ثم بلغه إجتماع الإفرنج بصور عند المركيش، وأن الإمداد وافتهم من أهل ملتهم وراء البحر. وأن ملك الإفرنج بالشام الذي أطلقه صلاح الدين بعد فتح القدس قد إتفق مع المركيش  وصل يده به. واجتمعوا في أمم لا تحصى وخشي أن يتقدم إليهم ويترك الشقيف وراءه فتنقطع عنه الميرة، فأقام بمكانه فلما إنقضى الأجل تقدم إلى الشقيف واستدعى أرناط فجاء واعتذر بأن المركيش لم يمكنه من أهله وولده وطلب الإمهال مّرة أخرى فتبين صلاح الدين مكره فحبسه، وأمره أن يبعث إلى أهل الشقيف بالتسليم فلم يجب فبعث به إلى دمشق فحبس بها. وتقّدم إلى الشقيف فحاصره بعد أن أقام مسلحة قبالة الإفرنج الذين بظاهر صور، فجاءه الخبر بأنهم فارقوا صور لحصار صيدا فلقيتهم المسلحة وقاتلوهم فغلبوهم وأسروا سبعة من فرسانهم، وقتلوا آخرين وقتل مولى لصلاح الدين من أشجع الناس وردوهم على أعقابهم إلى معسكرهم بظاهر صور. وجاء صلاح الدين بعد إنقضاء الوقعة فأقام في المسلحة رجاء أن يصادف أحداً من الإفرنج فينتقم منهم. وركب في بعض الأيام ليشارف معسكر الإفرنج فظن عساكره أنه يريد القتال فنجعوا وأوغلوا إلى العدّو. وبعث صلاح الدين الأمراء في أثرهم يردونهم فلم يرجعوا، ورآهم الإفرنج فظنوا أن وراءهم كميناً فأرسلوا من يكشف خبرهم فوجدوهم منقطعين فحملوا عليهم وأناموهم جميعاً، وذلك تاسع جمادي الأولى من السنة. ثم إنحدر إليهم صلاح الدين في عساكره من الجبل فهزمهم إلى الجسر وغرق منهم في البحر نحو من مائة دارع سوى من قتل وعزم السلطان على حصارهم، واجتمع إليه الناس. ثم عاد الإفرنج إلى صور، وعاد السلطان إلى بليس ليشارف عكا ويرجع إلى مخيمه. ولما وصل إلى المعسكر جاء الخبر بأن الإفرنج يتعدّون عن صدور مذاهبهم لحاجاتهم فكتب إلى المعسكر بعكا، ووعدهم ثامن جمادى الأخيرة يوافونه من ناحيتهم للإغارة عليهم. وأكمن لهم في الأودية والشعاب من سائر النواحي واختار جماعة من فرسان عسكره، وتقدّم إليهم بأن يتعرضوا للإفرنج، ثم يستطردوا لهم إلى مواضع الكمناء ففعلوا وناشبوا الإفرنج وانفوا من الاستطراد وطال على الكمناء الإنتظار فخرجوا خشية على أصحابهم فوافوهم في شدّة الحرب فانهزم المسلمون، ووقع التمحيص. وكان أربعة في الكمين من أمراء طيء فعدلوا عن طريق أصحابهم وسلكوا الوادي وتبعهم بعض العسكر من موالي صلاح الدين ورآهم الإفرنج في الوادي فعلموا أنهم أضلوا الطريق فاتبعوهم وقتلوهم، والله تعالى أعلم.

محاصرة الإفرنج أهل صور لعكا والحروب عليها:

كانت صور كما قدّمنا ضبطها المركيش من الإفرنج الواصل من وراء البحر وقام بها وكان كلما فتح صلاح الدين مدينة أو حصناً على الأمان لحق أهلها بصور فاجتمع بها عدد عظيم من الإفرنج وأموال جمة. ولما فتح القدس لبس كثير من رهبانهم  وقسيسيهم وزعمائهم السواد حزناً على البيت المقدس. وإرتحل بطرك من القدس، وهم معه يستصرخون أهل الملة النصرانية من وراء البحر للأخذ بثأر القدس فخرجوا للجهاد من كل بلد، حتى النساء اللواتي يجدن القوة على الحرب. ومن لم يستطع الخروج استأجر مكانه، وبذلوا الأموال لهم. وجاء الإفرنج من كل مكان ونزلوا بصور ومدد الرجال والأقوات والأسلحة متداركة لهم في كل وقت واتفقوا على الرحيل إلى عكا ومحاصرتها فخرجوا ثامن رجب من سنة خمس وثمانين وسلكوا على طريق الساحل وأساطيلهم تحاذيهم في البحر. ومسلحة المسلمين تتخطفهم من جوانبهم حتى وصلوا إلى عكا منتصف رجب. وكان رأي صلاح الدين أن يحاذيهم في مسيرهم لينال منهم فخالفه أصحابه واعتذروا بضيق الطريق ووعره فسلك طريقاً آخر ووافاهم على عكا وقد نزلوا عليها وأحاطوا بها من البحر إلى البحر فليس للمسلمين إليها طريق.ونزل صلاح الدين قبالتهم، وبعث إلى الأطراف يستنفر الناس فجاءت عساكر الموصل وديار بكر وسنجار وسائر بلاد الجزيرة. وجاء تقي الدين ابن أخيه من حماة ومظفر الدين كوكبري عن حران والرها، وكانت إمداد المسلمين تصل في البرّ وإمداد الإفرنج في البحر وهم محصورون في صور. وكانت بينهم أيام مذكورة ووقائع مشهورة وأقام السلطان بقية رجب لم يقاتلهم فلما استهل شعبان قاتلهم يوماً بكامله وبات الناس على تعبية. ثم صبحهم بالقتال ونزل بالصبر وحمل عليهم تقي الدين ابن أخيه منتصف النهار من الميمنة حملة أزالتهم عن مواقفهم وملك مكانهم وإتصل بالبلد فدخلها المسلمون، وشحنها صلاح الدين بالمدد من كل شيء. وبعث إليهم الأمير حسام الدين أبا الهيجاء السمين من أكابر امرائه من الأكراد الخطية من إربل. ثم نهض المسلمون من الغد فوجدوا الإفرنج قد أداروا عليهم خندقاً يمتنعون به، ومنعوهم القتال يومهم وأقاموا كذلك ومع السلطان أحياء من العرب فكمنوا في معاطف النهر من ناحية الإفرنج على الساحل للخطف منهم وكبسوهم منتصف شعبان وقتلوهم وجاؤا برؤسهم إلى صلاح الدين فأحسن إليهم، والله تعالى أعلم.

الوقعة على عكا:

كان صلاح الدين قد بعث عن عسكر مصر، وبلغ الخبر الإفرنج فأرادوا معاجلته قبل وصولهم. وكانت عساكره متفرقة في المسالح على الجهات فمسلحة تقابل أنْطاكِية وملكها سمند في البلاد التي من أعمال حلب ومسلحة بحمص تحفظها من أهل طرابلس ومسلحة تقابل صور ومسلحة بدمياط والإسكندرية. واعتزم الإفرنج على مهاجمتهم بالقتال، ولم يشعروا بهم وصبحوهم لعشرين من شعبان وركب صلاح الدين وعبى عساكره وقصدوا الميمنة وعليها تقي الدين ابن أخيه فتزحزح بعض الشيء وأمده صلاح الدين بالرجال من عنده فحطوا على صلاح الدين في القلب فتضعضع واستشهد جماعة منهم الأمير علي بن مردان والظهير أخو الفقيه عيسى والي القدس والحاجب خليل الهكاري وغيرهم.وقصدوا خيمة صلاح الدين فقتلوا من وزرائه ونهبوا واستشهد جمال الدين بن رواحة من العلماء ووضعوا السيف في المسلمين وإنهزم الذين كانوا حوالي الخيمة، ولم تسقط، وإنقطع الذين ولوها من الإفرنج عن أصحابهم وراءهم، وحملت ميسرة المسلمين عليهم فأحجمتهم إلى وراء الخنادق، وعادوا إلى خيمة صلاح الدين فقتلوا كل من وجدوا عندها من الإفرنج وصلاح الدين قد عاد من إتباع أصحابه يردهم للقتال وقد اجتمعوا عليهم فلم يفلت منهم أحد وأسروا مقدّم الفداوية فأمر بقتله وكان أطلقه مرة أخرى وبلغت عدة القتلى عشرة آلاف فألقوا في النهر وأما المنهزمون من المسلمين فمنهم من رجع من طبرية ومنهم من جاوز الأردنّ ورجع ومنهم من بلغ دمشق وإتصل قتال المسلمين للإفرنج وكادوا يلجون عليهم معسكرهم. ثم جاءهم الصريخ بنهب أموالهم، وكان المنهزمون قد حملوا أثقالهم فامتدت إليها أيدي الأوباش ونهبوها فكان ذلك مما شغل المسلمين عن استئصال الإفرنج، وأقاموا في ذلك يوماً وليلة يستردون النهب من أيدي المسلمين، ونفس بذلك عن الإفرنج بعض الشيء والله تعالى أعلم.

رحيل صلاح الدين عن الإفرنج بعكا:

ولما إنقضت هذه الوقعة وامتلأت الأرض من جيف الإفرنج تغير الهواء وأنتن، وحدث بصلاح الدين قولنج كان يعاوده فأشار عليه أصحابه بالإنتقال عسى الإفرنج ينتقلون وان أقاموا عدنا إليهم وحمله الأطباء على ذلك فرحل رابع رمضان من السنة وتقدم إلى عكا بحياطتها، وأعلمهم سبب رحيله. فلما إرتحل اشتدّ الإفرنج في حصار عكا وأحاطوا بها دائرة مع اسطولهم في البحر، وحفروا خندقاً على معسكرهم وأداروا عليهم سوراً من ترابه حصناً من صلاح الدين أن يعود إليهم ومسلحة المسلمين قبالتهم يناوشوهم القتال فلا يقاتلونهم وبلغ ذلك صلاح الدين وأشار أصحابه بإرسال العساكر ليمنع من التحصين فامتنع من ذلك لمرضه فتم للإفرنج ما أرادوه وأهل عكا يخرجون إليهم في كل يوم ويقاتلونهم والله تعالى أعلم.

معاودة صلاح الدين حصار الإفرنج على عكا:

ثم وصل العادل أبو بكر بن أيوب منتصف شّوال في عساكر مصر، ومعه الجم الغفير من المقاتلة والأصناف الكثيرة من آلات الحصار. ووصل على أثره أسطول مصر مع الأمير  لؤلؤ  وكبس مركباً فغنم ما فيه ودخل به إلى عكا وبرىء صلاح الدين من مرضه وأقام بمكانه بالجزيرة إلىإ نسلاخ الشتاء وسمع الإفرنج أن صلاح الدين سار إليهم واستقلوا مسلحة المسلمين عندهم فزحفوا إليهم في صفر سنة ست وثمانين واستمات المسلمون، وقتل بين الفريقين خلق. وبلغ الخبر بذلك صلاح الدين وجاءته العساكر من دمشق وحمص وحماه فتقدم من الجزيرة إلى تل كيسان وتابع القتال على الإفرنج يشغلهم عن المسلمين فكانوا يقاتلون الفريقين وكان الإفرنج مدة مقامهم على عكا قد صنعوا ثلاثة أبراج من الخشب إرتفاع كل برج ستون ذراعأ، وفيه خمس طبقات، وغشوها بالجلود وطلوها بالأدوية التي لا تعلق النار بها. وشحنوها بالمقاتلة وأدنوها إلى البلد من ثلاث جهات في العشرين من ربيع الأول سنة ست وثمانين. وأشرفوا بها على السور فكشف من عليه من المقاتلة وشرع الإفرنج في طم الخندق وبعث أهل عكا سابحاً في البحر يصف لهم حالهم فركب في عساكره، واشتد في قتال الإفرنج فخف على أهل البلد ما كانوا فيه وأقاموا كذلك ثلاثة أيام يقاتلون الجهتين وعجزوا عن دفع الأبراج ورموها بالنفط فلم يؤثر فيها وكان عندهم رجل من أهل دمشق يعاني أحوال النفط فأخذ عقاقير وصنعها وحضر عند قراقوش حاكم البلد وأعطاه دواء وقال: أرم بهذا في المنجنيق المقابل لإحدى الأبراج فيحترق فحرد عليه، ثم وافق ورمى به في قدر ثم رمى بعده بقدر أخرى مملوأة ناراً فاضطرمت النار واحترق البرج بمن فيه، ثم فعل بالثاني والثالث كذلك وفرح أهل البلد وتخلصوا من تلك الورطة فأمر صلاح الدين بالإحسان إلى ذلك الرجل فلم يقبل، وقال: إنما فعلته لله ولا أريد الجزاء إلا منه. ثم بعث صلاح الدين إلى ملوك الأطراف ليستنفرهم فجاء عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار ثم علاء الدين بن طالب صاحب الموصل، ثم عز الدين مسعود بن مودود وبعثه أبوه بالعساكر ثم زين الدين صاحب إربل وكان كل واحد منهم إذا وصل يتقدم بعسكره فيقاتلون الإفرنج، ثم يضربون أبنيتهم وجاء الخبر بوصول الأسطول من مصر فجهز الإفرنج أسطولا لقتاله، وشغلهم صلاح الدين بالقتال ليتمكن الأسطول من دخول عكا فلم يشغلوا عنه وقاتلوا الفريقين براً وبحرأ، ودخل الأسطول إلى مرسى عكا سالماً والله تعالى أعلم بغيبه.

وصول ملك الألمان إلى الشام ومهلكه:

هؤلاء الألمان شعب من شعوب الإفرنج كثير العدد موصوف بالبأس والشدة وهم موطنون بجزيرة إنكلطيرة في الجهة الشمالية الغربية من البحر المحيط، وهم حدعهد بالنصرانية. ولما سار القسس والرهبان بخبر بيت المقدس واستنفار النصرانية لها قام ملكهم لها وقعد وجمع عساكره وسار للجهاد بزعمه وفسح النصارى له الطريق وقصد القسطنطينية فعجز ملك الروم عن منعه بعد أن كان يعد بذلك نفسه وكتب بها إلى صلاح الدين  لكنه منع عنهم الميرة فضاقت عليهم الأقوات وعبروا خليج القسطنطينية ومروا بمملكة قليج أرسلان وتبعهم التركمان يحفون بهم ويتخطفون منهم وكان الفصل شتاء والبلاد باردة فهلك أكثرهم م والجوع ومروا بقونية وبها قطب الدين ملك شاه بن قليج أرسلان قد غلب عليه أولاده وافترقوا في النواحي فخرج ليصدهم فلم يطق ذلك ورجع فساروا في أثره إلى قونية وبعثوا إليه بهدية على أن يأذن لهم في الميرة فأذن لهم واسترهنوا عشرين من أمرائه وتكاثر عليهم  اللصوص فقيدوا أولئك الأمراء وحبسوهم وساروا إلى بلاد الأرمن وصاحبها كاقولي بن خطفاي بن اليون فأمدهم بالأزواد والعلوفات وأظهر طاعتهم وسار إلى أنْطاكِية. ودخل ملكهم ليغتسل في نهر هنالك فغرق، وملك بعده إبنه. ولما بلغوا أنْطاكِية اختلفوا فبعضهم مال إلى تمليك أخيه، وبعضهم مال إلى العود فعادوا كلهم.وسار ابن الملك فيمن ثبت معه يزيدون على أربعين ألفاً وأصابهم الموتان وحسن إليهم صاحب أنْطاكِية المسير إلى الإفرنج على عكا فساروا على جبلة واللاذقية ومروا بحلب وتخطف أهلها منهم خلقاً وبلغوا طرابلس وقد أفناهم الموتان ولم يبق منهم إلا نحو ألف رجل فركبوا البحر إلى عكا ثم رأوا ما هم فيه من الوهن والخلاف فركبوا البحر إلى بلدهم وغرقت بهم المراكب ولم ينج منهم أحد وكان الملك قليج أرسلان يكاتب صلاح الدين بأخبارهم ويعده بمنعهم من العبور عليه فلما عبروا اعتذر بالعجز عنهم، وافتراق أولاده واستبدادهم عليه. وأما صلاح الدين فإنه استشار أصحابه عند وصول خبرهم فأشار بعضهم إلى لقائهم في طريقهم ومحاربتهم وأشار آخرون بالمقام لئلا يأخذ الإفرنج عكا ومال صلاح الدين إلى هذا الرأي وبعث العساكر من جبلة واللاذقية وشيزر إلى حلب ليحفظوها من عاديتهم والله تعالى ولي التوفيق.

واقعة المسلمين مع الإفرنج على عكا:

ثم زحف الإفرنج على عكا في عشر من جمادى الأخيرة من سنة ست وثمانين وخرجوا من خنادقهم إلى عساكر صلاح الدين وقصد العادل أبو بكر بن أيوب في عساكر مصر فاقتتلوا قتالاً شديداً حتى كشفهم الإفرنج عن الخيام وملكوها. ثم كر عليهم المصريون فكشفوهم عن خيامهم وخالفهم بعض عساكر مصر إلى الخنادق فقطعوا عنهم بعض مدد أصحابهم فأخذتهم السيوف وقتل منهم ما يزيد على عشرين ألفاً. وكانت عساكر الموصل قريباً من عسكر مصر ومقدمهم علاء الدين خوارزم شاه بن عز الدين مسعود صاحب الموصل فعدمت ميرتهم وأمر صلاح الدين بمناجزتهم على هذا الحال وبلغه الخبر بموت ملك الألمان وما أصاب قومه من الشتات فسر المسلمون بذلك، وظنوا وهن الإفرنج به ثم بعد يومين لحقت بالإفرنج إمداد في البحر مع كند من الكنود يقال له الكندهري ابن أخي الاقرسيس لأبيه، وابن أخي ملك إنكلطيرة لأمّه ففرق في الإفرنج أموالاً وجند لهم أجناداً، ووعدهم بوصول الأمداد على أثره فاعتزموا على الخروج لقتال المسلمين فانتقل صلاح الدين من مكانه إلى الحزونة لثلاث بقين من جمادى الأخيرة لضيق المجال، ونتن المكان من جيف القتلى. ثم نصب الكندهري على عكا مجانيق وذبابات فأخذها أهل عكا وقتلوا عندها جموعاً  من الإفرنج فلم يتمكن من متابعة ذلك ولا من إقامة الستائر عليها لأنّ أهل البلاد كانوا يصيبونها فعمل تلا عاليا من التراب ونصب المجانيق من ورائه وضاقت الأحوال وقلت الميرة وأرسل صلاح الدين إلى الإسكندرية ببعث الأقوات في المراكب إلى عكا وبعث إ لى بيروت بمثل ذلك فبعثوا مركباً ونصبوا فيها الصلبان يوهمون أنه للإفرنج حتى دخلوا إلى المرسى. وجاءت بعد الميرة من الإسكندرية. ثم جاءت ملكة من الإفرنج من وراء البحر في نحو ألف مقاتل للجهاد بزعمهما فأخذت ببحر الإسكندرية هي وجميع ما معها . ثم كتب البابا كبير الملّة النصرانية من كنيسة برومة يأمرهم بالصبر والجهاد، ويخبرهم بوصول الامداد وأنه راسل ملوك الإفرنج يحثهم على إمدادهم فازدادوا بذلك قوة واعتزموا على مناجزة المسلمين وجمروا عسكراً لحصار عكا وإرتحلوا حادي عشر شوال من السنة  فنقل صلاح الدين أثقال العسكر إلى على ثلاثة فراسخ من عكا ولقي الإفرنج على التعبية .وكان أولاده الأفضل علي والظافر غازي والظاهر خفر في القلب وأخوه العادل أبو بكر في الميمنة عساكر مصر ومن إنضم إليهم، وعماد الدين صاحب سنجار وتقي الدين صاحب حماة ومعز الدين سنجر شاه صاحب جزيرة ابن عمر في الميسرة، وصلاح الدين في خيمة صغيرة على تل مشرف نصب له من أجل موضعه. فلما وصل الإفرنج وعاينوا كثرة المسلمين ندموا على مفارقة خنادقهم، وباتوا ليلتهم وعادوا من الغد إلى معسكر فأتبعوهم أهل المقدمة وتخطفوهم من كل ناحية وأحجروهم وراء خنادقهم.ثم ناوشوهم القتال في الثالث والعشرين من شوال بعد أن أكمنوا لهم عسكراً فخرج لهم الإفرنج في نحو أربعمائة فارس واستطرد لهم المسلمون إلى إن وصلوا كمينهم فخرجوا عليهم فلم يفلت منهم أحد. واشتد الغلاء على الإفرنج وبلغت الغرارة مائة دينار صوري، مع ما كان يحمل إليهم من البلدان من بيروت على يد صاج أسامة ومن صيدا على يد نائبها سيف الدين علي بن أحمد المشطوب ومن عسقلان وغيرها. ثم اشتدّ عليهم الحال عند هيجان البحر وانقطاع المراكب في فصل الشتاء.ثم هجم الشتاء وأرسى الإفرنج مراكبهم بصور خوفاً عليها على عادتهم في صورفي فصل الشتاء. ووجد الطريق إلى عكا في البحر فأرسل أهلها إلى صلاح الدين يشكون ما نزل بهم وكان بها الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين فشكى من ضجره بطول المقام والحرب فأمر صلاح الدين بإنفاذ نائب وعسكر إليها بدلاً منهم وأمر أخاه العادل بمباشرة ذلك فانتقل إلى جانب البحر عند جبل حيفا، وجمع المراكب والشواني وبعث العساكر إليها شيئاً فشيئاً، كلما دخلت طائفة خرج بدلها فدخل عشرون أميراً بدلا من ستين كانوا وأهملوا أهل الرجل وتعينت دواوين صاحب صلاح الدين وكانوا نصارى على الجند في إثباتهم وإطلاق نفقاتهم فبلغ الحامية بعكا وضعفت وعادت مراكب الإفرنج بعد إنحسار الشتاء فانقطعت الأخبار عن عكا وعنها وكان من الأمراء الذين دخلوا عكا سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وعز الدين أرسلان مقدم الأسدية وابن جاولي وغيرهم. وكان دخولهم عكا أوّل سنة سبع وثمانين والله سبحانه وتعالى أعلم.

وفاة زين الدين صاحب إر بل وولاية أخيه كوكبري

كان زين الدين يوسف بن زين الدين قد دخل في طاعة صلاح الدين وكانت له إربل كما مرّ لأيام أبيه وحران والرها لأخيه مظفر الدين كوكبري وكان يعسكر مع صلاح الدين في غزواته وحضر عنده على عكا فأصابه المرض وتوفي في ثامن عشر رمضان سنة أربع وثمانين فقبض أخوه مظفر الدين كوكبري على بلد أمير من أمرائه وبعث إلى صلاح الدين يطلب إربل وينزل عن حران والرها فأجابه وأقطعه إياهما وأضاف إليهما شهرزور وأعمالها ودار بند العرابلي وهي قفجاق وكاتب أهل إربل مجاهد الدين صاحب الموصل خوفاً من صلاح الدين مع أنّ مجاهد الدين كان عز الدين قد حبسه كما مرّ ثم أطلقه وولاه نائبه وجعل بعض غلمانه عينا فكان يناقضه في كثير من الأحوال فقصد مجاهد الدين أن يفعل معه مثل ذلك في إربل فامتنع منها وولاها مظفر الدين واستفحل أمره فيها ولما نزل مظفر الدين عن حران والرها ولاها صلاح الدين لابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه مضافة إلى ميافارقين بديار بكر، وحماة وأعمالها بالشام. وتقدم له أن يقطع أعمالها للجند فيتقوى بهم على الإفرنج فسار تقي الدين إليها وقرر أمورها. ثم إنتهى إلى ميافارقين، وتجدد له طمع فيما يجاورها من البلاد فقصد مدينة حال من ديار بكر. وسار إليه سيف الدين بِكتمر صاحب خلاط في عساكره وقاتله فهزمه تقي الدين ووطىء بلاده. وكان بكتمر قد قبض على مجد الدين بن رستق وزير سلطان شاكرين وحبسه في قلعة هنالك. فلما إنهزم كتب إلى والي القلعة بقتله فوافاه الكتاب وتقي الدين محاصر له. فلما ملك القلعة أطلق ابن رستق وسار إلى خلاط وحاصرها فامتنعت عليه، فعاد عنها إلى ملاذكرد فضيق عليها حتى استأمنوا له، وضرب لهم أجلاً في تسليم البلد. ثم مرض ومات قبل ذلك الأجل بيومين، وحمله ابنه إلى ميافارقين فدفنه بها، واستفحلت دولة بكتمر في خلاط، والله تعالى أعلم.

وصول إمداد الإفرنج من الغرب إلى عكا:

ثم تتابعت إمداد الإفرنج من وراء البحر لإخوانهم المحاصرين لعكا، وأول من وصل منهم الملك ملك إفرنسة وهوذ، ونصب فيهم، وملكه ليس بالقوي. هكذا قال ابن الأثير، وعنى أنه كان مستفحلاً  في ذلك العصر لأنه في الحقيقة ملك الإفرنج. وهو في ذلك العصر أشد من كانوا قوة واستفحالاً فوصل ثاني عشر ربيع الأول سنة أربع وثمانين في ستة مراكب عظيمة مشحونة بالمقاتلة والسلاح فقوي الإفرنج على عكا بمكانه، وولي حرب المسلمين فيها، وكان صلاح الدين على معمر عمر قريبا من معسكر الإفرنج فكان يصابحهم كل يوم عن مزاحفة البلد وتقدم إلى أسامة في بيروت بتجهيز ما عنده من المراكب والشواني إلى مرسى عكا ليشغل الإفرنج أيضا فبعثها ولقيت خمسة مراكب في البحر وكان ملك الانكلطيرة أقدمها، وأقام على جزيرة قبرص طامعاً في ملكها فغنم أسطول المسلمين الخمسة مراكب بما فيها، ونفذت كلمة صلاح الدين إلى سائر النواب بأعماله بمثل ذلك فجهزوا الشواني وملؤا بها مرسى عكا. وواصل الإفرنج قتال البلد ونصبوا عليها المنجنيقات رابع جمادى، وتحوّل صلاح الدين لمعسكره قريباً منهم ليشغلهم عن البلد فخف قتالهم عن أهل البلد. ثم فرغ ملك إنكلطيرة من جزيرة قبرص وملكها وعزل صاحبها. وبلغ إلى عكا في خمس وعشرين مركباً مشحونة بالرجال والأموال. ووصل منتصف رجب ولقي في طريقه مركباً جهز من بيروت إلى عكا وفيه سبعمائة مقاتل فقاتله. فلما يئس المسلمون الذين به من الخلاص نزل مقدمهم وهو يعقوب الحلي غلام ابن شفنين فحرق المركب خوفاً من أن يظفر الإفرنج برجاله وذخائره فغرق. ثم عمل الإفرنج ذبابات وكباشاً وزحفوا بها فأحرق المسلمون بعضها وأخذوا بعضها فرجع الإفرنج إلى نصب التلال من التراب يقاتلون من ورائها فامتنعت من نفوذ الحيلة فيها وضاق حال أهل عكا.

استيلاء الإفرنج على عكا:

ولما جهد المسلمين بعكا الحصار خرج الأمير سيف الدين علي بن أحمد الهكاري المشطوب من أكبر أمرائها إلى ملك إفرنسة يستأمنه لأهل عكا فلم يجبه، وضعفت نفوس أهل البلد لذلك ووهنوا. ثم هرب من الأمراء عز الدين أرسل الأسدي وابن عز الدين جاولي وسنقر الأرجاني في جماعة منهم. ولحقوا بالعسكر فازداد أهل عكا وهنا. وبعث الإفرنج إلى صلاح الدين في تسليمها فأجاب على أن يؤمنوا أهل البلد ويطلق لهم من أسراهم بعدد أهل البلد، ويعطيهم الصليب الذي أخذه من القدس فلم يرضوا بما فعل فبعث إلى المسلمين بعكا أن يخرجوا بجمعهم ويتركوا البلد وشميروا مع البحر ويحملوا على العدو حملة مستميتين ويجيء المسلمون من وراء العدو فعساهم يخلصون بذلك فلما أصبحوا زحف الإفرنج إلى البلد ورفع المسلمون أعلامهم وأرسل المشطوب من البلد إلى الإفرنج فصالحهم على الأمان على أن يعطيهم مائتي ألف دينار ويطلق لهم خمسمائة أسير ويعيد لهم الصليب. ويعطي للمركيش صاحب صور أربعة عشر ألف دينار فأجابوا إلى ذلك وضربوا المدة للمال والأسرى شهرين. وسلموا لهم البلد فلما ملكوها غدروا بهم وحبسوهم رهنا بزعمهم في المال والأسرى والصليب.  ولم يكن لصلاح الدين ذخيرة من المال لكثرة إنفاقه في المصالح فشرع في جمع المال حتى إجتمع مائة ألف دينار، وبعث نائباً يستحلفهم على أن يضمن الفداوية من الخلف والضمان خوفاً من غدر أصحابه. وقال ملوكهم: إذا سلمتم المال والأسرى والصليب تعطونا رهناً في بقية المال، ونطلق أصحابكم. وطلب صلاح الدين أن يضمن الفداوية الرهن ويحلفوا فامتنعوا أيضا، وقالوا: ترسلون المائة ألف دينار والأسرى والصليب فنطلق من نراه ونبقي الباقي إلى مجيء بقية المال فتبين المسلمون غدرهم، وأنهم يطلقون من لا يعبأ به ويمسكون الأمراء والأعيان حتى يفادوهم فلم يجبهم صلاح الدين إلى شيء. ولما كان آخر رجب ركب الإفرنج إلى ظاهر البلد في احتفال وركب المسلمون فشدّوا عليهم وكشفوهم  عن مواقفهم فإذا المسلمون الذين كانوا عندهم قتلى بين الصفين  قد استلحموا ضعفاءهم وتمسكوا بالأعيان للمفاداة فسقط في يد صلاح الدين، وتمسك بالمال الذي جمعه لغيرها من المصالح، والله تعالى أعلم.

تخريب صلاح الدين عسقلان

ولما استولى الإفرنج على عكا استوحش المركيش صاحب صور من ملك إنكلطيرة، وأحس منه بالغدر فلحق ببلده صور. ثم سار الإفرنج مستهل شعبان لقصد عسقلان وساروا مع ساحل البحر لا يفارقونه. ونادى صلاح الدين باتباعهم مع إبنه الأفضل وسيف الدين أبي زكوش وعز الدين خرديك فاتبعوهم يقاتلونهم ويتخطفونهم من كل ناحية ففتكوا فيه بالقتل والأسر، وبعث الأفضل إلى أبيه يستمده فلم يجد العساكر مستعدة. وسار ملك إنكلطيرة في ساقة الإفرنج فحملهم وإنتهوا إلى يافا فأقاموا بها والمسلمون قبالتهم مقيمون. ولحق بهم من عكا من احتاجوا إليه. ثم ساروا إلى قيسارية والمسلمون يتبعونهم، ويقتلون من ظفروا به منهم. وزاحموهم عند قيسارية فنالوا منهم وباتوا بها مثاورين. واختطف المسلمون منهم بالليل فقتلوا وأسروا وساروا من الغد إلى أرسوف، وسبقهم المسلمون إليها لضيق الطريق فحملوا عليهم عندها حتى اضطروهم إلى البحر. فحينئذ استمات الإفرنج وحملوا على المسلمين فهزموهم وأثخنوا في تابعهم وألحقوهم بالقلب وفيه صلاح الدين. وتستر المسلمون المنهزمون بخمر الشعراء فرجع الإفرنج عنهم وإنفرج ما كانوا فيه من الضيق المذكور، وساروا إلى يافا فوجدوها خالية وملكوها وكان صلاح الدين قد سار من مكان الهزيمة إلى الرملة  وجمع مخلفه وأثقاله، واعتزم على مسابقة الإفرنج إلى عسقلان فمنعه أصحابه وقالوا: نخشى أن يزاحمنا الإفرنج عليها، ويغلبونا على حصارها كما غلبونا على حصار عكا. ويملكوها آخراً ويقووا بما فيها من الذخائر والأسلحة فندبهم إلى المسير إليها وحمايتها من الإفرنج، فلجوا في الإمتناع من ذلك فسار وترك العساكر مع أخيه العادل قبالة الإفرنج، ووصل إلى عسقلان وخربها تاسع عشر شعبان وألقيت حجارتها في البحر وبقي أثرها، وهلك فيها من الأموال والذخائر ما لا يحصى. فلما بلغ الإفرنج ذلك أقاموا بيافاً. وبعث المركيش إلى ملك إنكلطيرة يعذله حيث لم يناجز صلاح الدين على عسقلان ويمنعه من تخريبها فما خربها حتى عجز عن حمايتها ثم رحل صلاح الدين من عسقلان  ثاني رمضان إلى الرملة فخرب حصنها. ثم سار إلى القدس من شدة البرد والمطر لينظر في مصالح القدس وترتبهم في الإستعداد للحصار. وأذن للعساكر في العود إلى بلادهم للإراحة. وعاد إلى مخيمه ثامن رمضان. وأقام الإفرنج بيافا وشرعوا في عمارتها فرحل صلاح الدين إلى نطرون، وخيم به منتصف رمضان. وتردّد الرسل بين ملك إنكلطيرة وبين العادل على أن يزوجه ملك إنكلطيرة أخته، ويكون القدس وبلاد المسلمين بالساحل للعادل، وعكا وبلاد الإفرنج بالساحل لها إلى مملكتها وراء البحر بشرط رضا الفداوية.

وأجاب صلاح الدين إلى ذلك، ومنع الأقسة والرهبان أخت ملك إنكلطيرة من ذلك ونكروا عليها فلم يتم، وإنما كان ملك إنكلطيرة يخادع بذلك. ثم إعتزم الإفرنج على القدس ورحلوا من يافا إلى الرملة ثالث ذي القعدة، وسار صلاح الدين إلى القدس وقدّم  عليه عساكر مصر مع أبي الهيجاء فقويت به نفوس المسلمين. وسار الإفرنج من الرملة إلى النطرون ثالث ذي الحجة والمسلمون يحاذونهم. وكانت بينهم وقعات أسروا في واحدة منها نيفاً وخمسين من مقاتلة الإفرنج، واهتم صلاح الدين بعمارة أسوار القدس، ورمّ ما ثلم وضبط المكان الذي ملك القدس منه وسدّ فروجه. وأمر بحفر الخندق خارج الفصيل.وقسم ولاية هذه الأعمال بين ولده وأصحابه وقلت الحجارة للبنيان. وكان صلاح الدين يركب إلى الأماكن البعيدة وينقلها على مركوبه فيقتدي به العسكر. ثم إن الإفرنج ضاقت أحوالهم بالنطرون وقطع المسلمون عنهم الميرة من ساحلهم فلم يكن كما عهده بالرملة، وسأل ملك إنكلطيرة عن صورة القدس ليعلم كيفية ترتيب حصارها فصورت له. ورأى الوادي محيطاً بها إلا قليلاً من جهة الشمال مع عمقه ووعرة مسالكه فقال: هذه لا يمكن حصارها لأنا إذا اجتمعنا عليها من جانب بقيت الجوانب الأخرى، وإن افترقنا على جانب الوادي والجانب الآخر كبس المسلمون إحدى الطائفتين. ولم تصل الأخرى لإنجادهم خوفاً من المسلمين على معسكرهم، وإن تركوه من أصحابه حامية المعسكر فالمدى بعيد لا يصلون للإنجاد إلا بعد الوفاة، هذا إلى ما يلحقنا من تعذر القوت بانقطاع الميرة فعلموا صدقه، وارتحلوا عائدين إلى الرملة. ثم إرتحلوا في محرّم سنة ثمان وثمانين إلى عسقلان وشرعوا في عمارتها، وسار ملك إنكلطيرة إلى مسلح المسلمين فواقعوهم، وجرت بينهم حروب شديدة وصلاح الدين يبعث سراياه من القدس إلى الإفرنج للإغارة وقطع الميرة فيغنمون ويعودون والله تعالى أعلم.

مقتل المركيش وملك الكندهري مكانه

ثم إرتحل صلاح الدين إلى سنان مقدم الإسماعيلية بالشام في قتل ملك إنكلطيرة والمركيش وجعل له على ذلك عشرة آلاف دينار فلم يمكنهم قتل ملك إنكلطيرة لما رأوه من المصلحة لئلا يتفرغ لهم صلاح الدين. وبعث رجلين لقتل المركيش في زي الرهبان فاتصلا بصاحب صيدا وإبن بازران صاحب وأقاما عندهما بصور ستة أشهر مقبلين على رهبانيتهما، حتى أنس بهما المركيش. ثم دعاه الأسقف بصور دعوى فوثبا عليه فجرحاه ولجأ أحدهما إلى كنيسة وإختفى فيها، وحمل إليها المركيش لشدة جراحه فأجهز عليه ذلك الباطني وقتله. ونسب ذلك إلى ملك إنكلطيرة رجاء أن ينفرد بملك الإفرنج بالشام. ولما قتل المركيش ملك المدينة زعيم من الإفرنج الواردين من وراء البحر يعرف بالكندهري ابن أخت ملك إفرنسة، وابن أخي ملك إنكلطيرة من أبيه وتزوج بالملكة في ليلته وبنى بها. وملك عكا وسائر البلاد بعد عود ملك إنكلطيرة وعاش إلى سنة أربع وتسعين وسقط من سطح. ولما رحل ملك إنكلطيرة إلى بلاده أرسل هذا الكندهري إلى صلاح الدين واستماله للصلح، والتمس منه الخلعة فبعث إليه بها ولبسها بعكا والله تعالى أعلم.

مسير الإفرنج إلى القدس:

ولما قدم صلاح الدين إلى القدس، وكان قد بلغه مهلك تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه، وأن إبنه ناصر الدين استولى على أعماله بالجزيرة وهي: حران والرها وسميساط وميافارقين وجان وبعث إلى صلاح الدين يسأل إبقاءها في يده مضافة إلى ما كان لأبيه من الأعمال بالشام فاستقصره صلاح الدين لصغره. وطلب منه إبنه الأفضل أن يعطيها له وينزل عن دمشق فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يسير إليها. وكاتب ملوك البلاد الشرقية بالموصل وسنجار والجزيرة واربل وسار لإنجاده بالعساكر. وعلم ناصر الدين أنه لا قبل له بذلك فبعث للملك العادل يستشفع له عند صلاح الدين على أن يبقى بيده له ما كان لأبيه بالشام فقط، وينزل عن بلاد الجزيرة فأقطعها صلاح الدين أخاه الملك العادل وبعثه يتسلمها ويرد إبنه الأفضل فلحق بالأفضل بحلب وأعاده وعبر الفرات وتسلم البلاد من ناصرالدين بن تقي الدين وأنزل بها عماله. واستصحبه وساير العساكر الجزرية إلى صلاح الدين بالقدس.ولما بلغ الإفرنج أنّ صلاح الدين بعث إبنه الأفضل وأخاه العادل وفرّق العساكر عليهما، ولم يبق معه بالقدس إلا بعض الخاصة فطمعوا فيه وأغاروا على عسكر مصر وهو قاصد إليه ومقدمهم سليمان أخو العادل لأمه فأخذوه بنواحي الخليل وقتلوا وغنموا ونجا ففهم إلى جبل الخليل. وساروا إلى الداروم فخربوه ثم ساروا إلى القدس وانتهوا إلى بيت قوجة على فرسخين من القدس تاسع جمادي الأولى من سنة ثمان وثمانين. واستعدّ صلاح الدين للحصار، وفرّق أبراج السور على أمرائه، وسلط السرايا والبعوث عليهم فرأوا ما لا قبل لهم به فتأخروا عن منازلتهم بيافا. وأصبحت بقولهم وميرتهم غنائم للمسلمين وبلغهم أن العساكر الشرقية التي مع العادل والأفضل عادت إلى دمشق فعادوا إلى عكا وعزموا على محاصرة بيروت فأمر صلاح الدين إبنه الأفضل أن يسير في العساكر الشرقية إليها فسار وانتهى إلى مرج العيون، فلم يبرح الإفرنج من عكا.وإجتمع عند صلاح الدين خلال ذلك العساكر من حلب وغيرها فسار إلى يافا فحاصرها، وملكها عنوة في العاشر من رجب من السنة. ثم حاصر القلعة بقية يومه، وأشرفوا على فتحها. وكانوا ينتظرون المدد من عكا فشغلوا المسلمين بطلب الأمان إلى الغد فأجابوهم إليه وجاءهم ملك إنكلطيرة ليلا وتبعه مدد عكا. وبرز من الغد فلم يتقدّم إليه أحد من المسلمين. ثم نزل بين السماطين وجلس للأكل، وأمر صلاح الدين بالحملة عليهم فتقدم أخ المشطوب، وكان يلقب بالجناح، وقال لصلاح الدين: نحن نتقدّم للقتال ومماليكك للغنيمة فغضب صلاح الدين وعاد عن الإفرنج إلى خيامه حتى جاء إبنه الأفضل وأخوه العادل فرحل إلى الرملة ينتظر  مآل أمره مع الإفرنج وأقاموا بيافا والله تعالى أعلم.

الصلح بين صلاح الدين والإفرنج ومسير ملك إنكلطيرة إلى بلاده

كان ملك إنكلطيرة إلى هذه المدّة قد طال مغيبه عن بلاده، ويئس من بلاد الساحل لأنّ المسلمين استولوا عليه فأرسل إلى صلاح الدين يسأله في الصلح. وظن صلاح الدين أنّ ذلك مكر فلم يجبه. وطلب الحرب فألح ملك إنكلطيرة في السؤال وظهر صدق ذلك منه فترك ما كان فيه من عمارة عسقلان وغزة والداروم والرملة وبعث إلى الملك العادل بأن يتوسط في ذلك فأشار على صلاح الدين بالإجابة هو وسائر الأمراء لما حدث عند  العسكر من الضجر ونفاد النفقات، وهلاك الدواب والأسلحة، وما بلغهم أن ملك إنكلطيرة عائد إلى بلاده. وإنّ لم تقع الإجابة آخر فصل الشتاء امتنع ركوب البحر فيقيم إلى قابل فلما وعى ذلك صلاح الدين وعلم صحته أجاب إلى الصلح وعقد الهدنة مع رسل الإفرنج في عشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين لمدّة أربعة وأربعين شهراّ، فتحالفوا على ذلك وأذن صلاح الدين للافرنج في زيارة القدس وإرتحل ملك إنكلطيرة في البحر عائداً إلى بلده وأقام الكندهري صاحب صور بعد المركيش ملكاً على الإفرنج بسواحل الشام، وتزّوج الملكة التي كانت تملكهم قبله، وقبل صلاح الدين كما مرّ وسار صلاح الدين إلى القدس فأصلح أسواره، وأدخل كنيسة صهيون في البلد وكانت خارج السور. واختط المدارس والربط والمارستان ووقف عليها الأوقاف واعتزم على الإحرام منه للحج فاعترضته القواطع دون ذلك فسار إلى دمشق خامس شوال واستخلف عليها الأمير جرديك من موالي نور الدين. ومرّ بكفور المسلمين نابلس وطبرية وصفد وبيروت. ولما إنتهى إلى بيروت أتاه بها سمند صاحب أنْطاكِية وطرابلس وأعمالها فالتزم طاعة صلاح الدين، وعاد ودخل صلاح الدين دمشق في الخامس والعشرين من شوّال وسرّ الناس بقدومه ووهن العدو والله سبحانه وتعالى أعلم.

وفاة صلاح الدين وحال ولده وأخيه من بعده:

ولما وصل صلاح الدين إلى دمشق، وقد خف من شواغل الإفرنج بوهنهم، وماعقد من الهدنة فأراح قليلاً. ثم اعتزم على احداث الغزو فاستشار إبنه الأفضل وأخاه العادل في مذهبه فأشار العادل بخلاط لأنه كان وعده أن يقطعه إياها إذا ملكها. وأشار الأفضل ببلاد الروم إيالة بني قليج أرسلان لسهولة أمرها واعتراض الإفرنج فيها إذا قصدوا الشام لأنها طريقهم. فقال لأخيه تذهب أنت لخلاط في بعض ولدي وبعض العساكر. وأذهب أنا إلى بلاد الروم. فإذا فرغت منها لحقت بكم فسرنا إلى أذربيجان، ثم إلى بلاد العجم. وأمره بالمسير إلى الكرك وهي من أقطاعه ليتجهز منها ويعود لشأنه. فسار إلى الكرك ومرض صلاح الدين بعده ومات في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة لخمس وعشرين سنة من ملكه مصر رحمه الله تعالى.وكان معه بدمشق إبنه الأفضل نور الدين، والعساكر عنده فملك دمشق والساحل وبعلبك وصرخد وبصرى وبانياس وشوش وجميع الأعمال. إلى الداروم. وكان بمصر إبنه العزيز عثمان فاستولى عليها. وكان بحلب إبنه الظاهر غازي فاستولى عليها وعلى أعمالها مثل: حارم وتل باشر وإعزاز وبرزية ودربساك وغيرها وأطاعه صاحب حماة ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن  شيركوه وله مع حماة سلمية والمعرة ومنبج. وابن محمد بن شيركوه، وله مع الرحبة حمص وتدمر. وببعلبك بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه، ولقبه الأمجد. وببصرى الظافر بن صلاح الدين، ولقبه الأمجد مع أخيه الأفضل. وفي شيزر سابق الدين عثمان بات الداية، وبالكرك والشويك الملك العادل. وبلغ الخبر إلى العادل فأقام بالكرك. واستدعاه الأفضل من دمشق فلم يجبه فخوّفه ابن أخيه العزيز صاحب مصر من عز الدين صاحب الموصل. وقد كان سار من الموصل إلى بلاد العادل بالجزيرة فوعده بالنصر منه. وأوهمه الرسول إن لم يسر إلى الأفضل بدمشق أنه متوجه إلى العزيز بمصر ليحالفه عليه. فحينئذ إرتاب العادل وسار إلى الأفضل بدمشق فتلقاه بالميرة وجهز العساكر لمدافعة عز الدين صاحب الموصل عن بلاد الجزيرة. وأرسل إلى صاحب حمص وصاحب حماة يحضهم على إنفاذ العساكر معه وعبر بها الفرات. وأقام بنواحي الرها. وكان عز الدين مسعود بن مودود صاحب الموصل لما بلغه وفاة صلاح الدين اعتزم على المسير إلى بلاد العادل بالجزيرة حران والرها وسائرها ليرتجعها من يده، ومجاهد الدين قايماز أتابك دولته يثنيه عن ذلك، ويعذله فيه فتبين حال العادل مع ابن أخيه. وبينما هو في ذلك إذ جاءت الأخبار بأن العادل بحران. ثم وافاهم كتابه بأن الأفضل ملك بعد أبيه صلاح الدين، وأطاعه الناس فكاتب عز الدين جيرانه من الملوك مثل صاحب سنجار وصاحب ماردين يستنجدهم. وجاء إليه أخوه على نصيبين وسار معه إلى الرها فأصابه المرض في طريقه ورجع إلى الموصل فمات أوّل رجب من السنة، واستقرّت إيالة العادل في ملكه من الجزيرة فلم يهجه منها أحد، والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.

مسير العزيز من مصر إلى حصار الأفضل بدمشق وما استقرّ بينهم في الولايات

كان العزيز عثمان بن صلاح الدين قد استقر بمصر كما ذكرناه، وكان موالي أبيه منحرفين عن الأفضل ورؤساؤهم يومئذ جهاركس وقراجا، وقد استقر بهم عدو الأفضل والأكراد وموالي شيركوه شيعة له، فكان العدو يعدون العزيز بهؤلاء الشيع ويخوّفونه من أخيه الأفضل ويغرونه بانتزاع دمشق من يده فسار لذلك سنة تسعين وخمسمائة ونزل على دمشق واستنزل الأفضل، وهو بأعماله بالجزيرة، وسار لعمه العادل بنفسه، وسار معه الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب، وناصر الدين محمد بن تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه صاحب حماة وشيركوه ابن محمد بن شيركوه صاحب حمص، وعساكر الموصل من قبل عز الدين مسعود بن مودود. وساروا كلهم إلى الأفضل بدمشق لإنجاده فامتنع على العزيز مرامه، وتراسلوا في الصلح على أن يكون القدس وأعمال فلسطين للعزيز، وجبلة واللاذقية للظاهر صاحب حلب، وتبقى دمشق وطبرية والغور للأفضل، وأن يستقر العادل بمصر مدبراً دولة العزيز على إقطاعه الأول، وإنعقد الصلح على ذلك، ورجع العزيز إلى مصر، وعاد كل إلى بلده، والله تعالى أعلم.

حصار العزيز ثانياً دمشق وهزيمته

ولما عاد العزيز إلى مصر عاد موالي صلاح الدين إلى أغرائه بأخيه الأفضل، فتجهز لحصاره بدمشق سنة إحدى وتسعين. وسار الأفضل من دمشق إلى عمه العادل بقلعة جعبر، ثم إلى أخيه الظاهر غازي بحلب مستنجداً لهما. وعاد إلى دمشق فوجد العادل قد سبقه إليها، وإتفقا على أن تكون مصر للأفضل، ودمشق للعادل. ووصل العزيز إلى قرب دمشق. وكان الأكراد وموالي شيركوه منحرفين عنه كما قدمناه وشيعة للأفضل، ومقدمهم سيف الدين أبو ركوش من الموالي ، وأبو الهيجاء السمين من الأكراد فدلسا للأفضل بالخروج إلى العزيز، وواعداه الهزيمة عنه فخرجا في العساكر، وإنحاز إليهما الموالي والأكراد، وانهزم العزيز إلى مصر.وبعث الأفضل العادل إلى القدس فتسلمه من نائب العزيز، وساروا في إتباعه إلى مصر والعساكر ملتفة على الأفضل، فارتاب العادل وخشي أن لا يفي له الأفضل بما إتفقا عليه، ولا يمكنه من دمشق فراسل العزيز بالثبات وأن ينزل حامية، ووعد من نفسه المظاهرة على أخيه وتكفل له منعه من مقاتلته بلبيس فترك العزيز بها فخر الدين جهاركس في عسكر من موالي أبيه. وأراد الأفضل مناجزتهم فمنعه العادل فأراد الرحيل إلى مصر فمنعه أيضاً. وقال له: إن أخذت مصر عنوة إنخرقت الهيبة وطمع فيها الأعداء والمطاولة أولى ودس إلى العزيز بإرسال القاضي الفاضل. وكان مطاعاً فيهم لمنزلته عند صلاح الدين فجاء إليهما، وعقد الصلح بينهم على أن يكون للأفضل القدس وفلسطين وطبرية والأردن مضافة إلى دمشق، ويكون للعادل كما كان القديم. ويقيم بمصر عند العزيز يدبر أمره، وتحالفوا على ذلك، وعاد الأفضل إلى دمشق، وأقام العادل عند العزيز بمصر إنتهى، والله أعلم.

استيلاء العادل على دمشق

ثم أنّ العزيز استمال العادل وأطمعه في دمشق أن يأخذها من أخيه ويسلمها إليه، وكان الظاهر صاحب حلب يعذل الأفضل في موالاة عمه العادل، ويحرضه على إبعاده فيلج في ذلك. ثم أن العادل والعزيز ساروا من مصر وحاصرا دمشق. واستمالا من أمراء الأفضل أبا غالب الحمصي على وثوق الأفضل به وإحسانه إليه، ففتح لهما الباب الشرقي عشي السابع والعشرين من رجب سنة إثنتين وتسعين فدخل العادل منه إلى دمشق، ووقف العزيز بالميدان الأخضر، وخرج إليه أخوه الأفضل. ثم دخل الأفضل دار شيركوه، وأظهروا مصالحة الأفضل خشية من جموعه. وأعادوه إلى القلعة، وأقاموا بظاهر البلد. والأفضل يغاديهم كل يوم ويراوحهم حتى استفحل أمرهم فأمروه بالخروج من دمشق، وتسليم أعمالهم وأعطوه قلعة صرخد. وملك العزيز القلعة. ونقل للعادل أنّ العزيز يريد أن يتردّد إلى دمشق فجاء إليه، وحمله على تسليم القلعة فسلمها، وخرج الأفضل إلى رستاق له خارج البلد فأقام به، وسار منه إلى صرخد. وعاد العزيز إلى مصر، وأقام العادل بدمشق، والله سبحانه وتعالى أعلم بغيبه وأحكم.

فتح العادل يافا من الإفرنج واستيلاء الإفرنج على بيروت وحصارهم تبنبن      

ولما توفي صلاح الدين، وملك أولاده بعده، جدد العزيز الهدنة مع الكندهري ملك الإفرنج، كما عقد أبوه معه. وكان الأمير أسامة يقطع بيروت فكان يبعث الشواني للإغارة على الإفرنج. وشكوا ذلك إلى العادل بدمشق، والعزيز بمصر فلم يشكياهم فأرسلوا إلى ملوكهم وراء البحر يستنجدونهم فأمدوهم بالعساكر، وأكثرهم من الألمان. ونزلوا بعكا، واستنجد العادل بالعزيز فبعث إليه بالعساكر، وجاءته عساكر الجزيرة والموصل، واجتمعوا بعين جالوت وأقاموا رمضان وبعض شوال من سنة إثنتين وتسعين ثم ساروا إلى يافا فملكوا المدينة أوّلاً وخربوها. وإمتنع الحامية بالقلعة فحاصرها وفتحوها عنوة واستباحوها. وجاء الإفرنج من عكا لصريخ إخوانهم، وإنتهوا إلى قيسارية فبلغهم خبر وفادتهم، وخبر وفادة الكندهري ملكهم بعكا فرجعوا ثم اعتزموا على قصد بيروت فسار العادل لتخريبها حذراً عليها من الإفرنج فتكفل له أسامة عاملها بحمايتها. وعاد ووصل إليها الإفرنج يوم عرفة من السنة، وهرب منها أسامة وملكوها. وفرق العادل العساكر فخربوا ما كان بقي من صيدا بعد تخريب صلاح الدين، وعاثوا في نواحي صور فعاد الإفرنج إلى صور، ونزل المسلمون على قلعة هونين. ثم نازل الإفرنج حصن تبنبن في صفر سنة أربع وتسعين، وبعث العادل عسكراً لحمايته فلم يغنوا عنه. ونقب الإفرنج أسواره فبعث العادل بالصريخ إلى العزيز صاحب مصر فأغذ السير بعساكره، وانتهى إلى عسقلان في ربيع من السنة.وكان المسلمون في تبنبن قد بعثوا إلى الإفرنج من يستأمن لهم، ويسلمون لهم فأنذرهم بعض الإفرنج بأنهم يغدرون بهم فعادوا إلى حصنهم، وأصرّوا على الإمتناع حتى وصل العزيز إلى عسقلان فاضطرب الإفرنج لوصوله، ولم يكن لهم ملك، وإنما كان معهم الجنصكير القسيس من أصحاب ملك الألمان، والمرأة زوجة الكندهري فاستدعوا ملك قبرص وإسمه هنري وهو أخ الملك الذي أسر بحطين فجاءهم وزوّجوه بملكتهم. فلما جاء العزيز وسار من عسقلان إلى جبل الخليل وأطلّ على الإفرنج وناوشهم القتال، رجع الإفرنج إلى صور ثم إلى عكا. ونزلت عساكر المسلمين بالبحور فاضطرب أمراء العزيز، واجتمع جماعة منهم وهم: ميمون القصري وقراسنقر والحجاب وابن المشطوب على الغدر بالعزيز ومدبر دولته فخر الدين جهاركس، فأغذ السير إلى مصر. وتراسل العادل والإفرنج في الصلح. وإنعقد بينهم في شعبان من السنة، ورجع العادل إلى دمشق، وسار منها إلى ماردين كما يأتي خبره، والله تعالى أعلم.

وفاة طغتكين بن أيوب باليمن وملك إبنه إسماعيل ثم سليمان بن تقيّ الدين شاهنشاه

قد كان تقدّم لنا أنّ سيف الإسلام طغتكين بن أيوب سار إلى المدينة سنة ثمان وسبعين بعد وفاة أخيه شمس الدولة توران شاه، واختلاف نوابه باليمن. واستولى عليها ونزل زبيد وأقام بها إلى أن توفي في شوّال سنة ثلاث وتسعين، وكان سيء السيرة كثير الظلم للرعية جماعاً للأموال. ولما استفحل بها أراد الاستيلاء على مكة فبعث، الخليفة  الناصر  إلى أخيه صلاح الدين يمنعه من ذلك فمنعه ولما توفي ملك مكانه إبنه إسماعيل وبلغ المعز وكان أهوج فانتسب في بني أمية، وادّعى الخلافة وتلقب بالهادي ولبس الخضرة وبعث إليه عمه العادل بالملامة والتوبيخ فلم يقبل، وأساء السيرة في رعيته وأهل دولته فوثبوا به وقتلوه.وتولى ذلك سيف الدين سنقر مولى أبيه، ونصب أخاه  الناصر  سنة ثمان وتسعين فأقام بأمره. ثم هلك سنقر لأربع سنين من دولته، وقام مكانه غازي بن جبريل من أمرائهم، وتزّوج أمّ  الناصر . ثم قتل  الناصر  مسموماً وثأر العرب منه بغازي المذكور. وبقي أهل اليمن فوضى، واستولى على طغان وبلاد حضرموت محمد بن محمد الحميري، واستبدّت أمّ  الناصر ، وملكت زبيد، وبعثت في طلب أحد من بني أيوب تملكه على اليمن. وكان للمظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه، وقيل لإبنه سعد الدين شاهنشاه ابن إسمه سليمان ترهب ولبس المسموح، ولقيه بالموسم بعض غلمانها وجاءته فتزوجته وملكته اليمن، والله سبحانه وتعالى أعلم.

مسير العادل إلى الجزيرة وحصاره ماردين

كان نور الدين أرسلان شاه مسعود صاحب الموصل قد وقع بينه وبين قطب الدين محمد ابن عمه عماد الدين زنكي، صاحب نصيبين والخابور والرقة، وبين أبيه عماد الدين قبله فتنة بسبب الحدود في تخوم أعمالهم. فسار نور الدين إليه في عساكره، وملك منه نصيبين. ولحق قطب الدين بحران والرها إيالة العادل بن أيوب. وبعث إليه بالصريخ وهو بدمشق، وبذل له الأموال في إنجاده فسار العادل إلى حران، وإرتحل نور الدين من نصيبين إلى الموصل. وسار قطب الدين إليها فملكها، وسار العادل إلى ماردين في رمضان من السنة فحاصرها. وكان صاحبها حسام الدين بولو أرسلان بن أبي الغازي بن ألبابن تمرتاش أبي الغازي بن أرتق، وهو صبي، وكافله مولى النظام برتقش مولى أبيه والحكم له. ودام حصاره عليها، وملك الربض وقطع الميرة عنها. ثم رحل عنها في العام القابل كما تقدم في أخبار دولة زنكي، والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.

وفاة العزيز صاحب مصر وولاية أخيه الأفضل

ثم توفي العزيز عثمان بن صلاح الدين آخر محرم سنة خمس وتسعين، وكان فخر الدين أياس جهاركس مولى أبيه مستبداً عليه فأرسل العادل بمكانه من حصار ماردين يستدعيه للملك. وكان جهاركس هذا مقدم موالي صلاح الدين، وكانوا منحرفين عن الأفضل. وكان موالي صلاح الدين شيركوه والأكراد شيعة له. وجمعهم جهاركس لينظر في الولاية، وأشار بتوليه ابن العزيز فقال له سيف الدين أيازكوش مقدم موالي شيركوه: لا يصلح لذلك لصغره إلا أن يكفله أحد من ولد صلاح الدين. لأن رياسة العساكر صنعة. واتفقوا على الأفضل. ثم مضوا إلى القاضي الفاضل فأشار بذلك أيضاً وأرسل أيازكوش يستدعيه من صرخد فسار آخر صفر من السنة ولقيه الخبر في طريقه بطاعة القدس له، وخرج أمراء مصر فلقوه ببلبيس وأضافه أخوه المؤيد مسعود، وفخر الدين جهاركس  ودولة العزيز فقدم أخاه وإرتاب جهاركس، واستأذنه في المسير ليصلح بين طائفتين من العرب اقتتلا فأذنه فسار فخر الدين إلى القدس وتملكه. ولحقه جماعة من موالي صلاح الدين منهم: قراجاً الدكرمس وقراسنفر. وجاءهم ميمون القصري فقويت شوكتهم به، واتفقوا على عصيان الأفضل. وأرسلوا إلى الملك العادل يستدعونه فلم يعجل لإجابتهم لطمعه في أخذ ماردين، وإرتاب الأفضل بموالي صلاح الدين، وهم: شقيرة وأنبك مطيش وألبكي. ولحق جماعة منهم بأصحابهم بالقدس، وأرسل الأفضل إليهم في العود على ما يختارونه فامتنعوا، وأقام هو بالقاهرة، وقرر دولته وقدم فيها سيف الدين أيازكوش والملك لابن أخيه العزيز عثمان، وهو كافل  له لصغره. وانتظمت أمورهم على ذلك إنتهى، والله سبحانه وتعالى أعلم.

حصار الأفضل دمشق وعوده عنها

ولما انتظمت الأمور للأفضل بعث إليه الظاهر غازي صاحب حلب، وابن عمه شيركوه بن محمد بن شيركوه صاحب حمص يغريانه بملك دمشق لغيبة العادل عنها في حصار ماردين، ويعدانه المظاهرة فسار من منتصف السنة، ووصل إلى دمشق منتصف شعبان. وسبقه العادل إليها، وترك العساكر مع إبنه الكامل على ماردين ولما نزل الأفضل على دمشق وكان معه الأمير مجد الدين أخو عيسى الهكاري فداخل قوماً من الأجناد في دمشق في أن يفتحوا له باب السلامة. ودخل منه هو والأفضل سراً وانتهوا إلى باب البريد ففطن عسكر العادل لقلتهم، وإنقطاع مددهم فتراجعوا وأخرجوهم. ونزل الأفضل بميدان الحصار. وضعف أمره واعصوصب الأكراد من عساكره فارتاب بهم الآخرون، وإنحازوا عنهم في المعسكر. ووصل شيركوه صاحب حمص، ثم الظاهر صاحب حلب آخر شعبان وأول رمضان لمظاهرة الأفضل. وأرسل العادل إلى موالي صلاح الدين بالقدس فساروا إليه وقوي بهم، ويئس الأفضل وأصحابه، وخرج عساكر دمشق ليبيتوهم فوجدوهم حذرين فرجعوا. وجاء الخبر إلى العادل بوصول إبنه محمد الكامل إلى حران فاستدعاه، ووصل منتصف صفر سنة ست وتسعين، فعند ذلك رحلت العساكر عن دمشق، وعاد كل منهم إلى بلاده إنتهى، والله أعلم.

إفراح الكامل عن ماردين

قد كان تقدم لنا مسير العادل إلى ماردين، وسار معه صاحب الموصل وغيره من ملوك الجزيرة وديار بكر، وفي نفوسهم غصص من تغلب العادل على ماردين وغلبهم. فلما عاد العادل إلى دمشق لمدافعة الأفضل وترك إبنه الكامل على حصار ماردين، واجتمع ملوك الجزيرة وديار بكر على مدافعته عنها. وسار نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل، وابن عمه قطب الدين محمد بن زنكي صاحب سنجار  وابن عمه قطب الدين سنجر شاه بن غازي صاحب جزيرة ابن عمر، واجتمعوا كلهم ببدليس حتى قضوا عيد الفطر، وارتحلوا سادس شوّال وقاربوا جبل ماردين. وكان أهل ماردين قد اشتدّ عليهم الحصار، وبعث النظام برتقش صاحبها إلى الكامل بتسليم القلعة على شروط إشترطها إلى أجل ضربه. وأذن لهم الكامل في إدخال الأقوات في تلك المدة. ثم جاءه الخبر بوصول صاحب الموصل ومن معه فنزل القائم للقائهم، وترك عسكراً بالربض. وبعث قطب الدين صاحب سنجار إلى الكامل، ووعده بالإنهزام فلم يغن. ولما التقى الفريقان حمل صاحب الموصل عليهم مستميتاً فانهزم الكامل، وصعد إلى الربض فوجد أهل ماردين قد غلبوا عسكره الذين هنالك ونهبوا مخلفهم. فارتحل الكامل منتصف شوال مجفلاً، ولحق بميافارقين. وإنتهب أهل ماردين مخلفه. ونزل صاحبها فلقي صاحب الموصل. وعاد إلى قلعته. وإرتحل صاحب الموصل إلى رأس عين لقصد حلوان والرها وبلاد الجزيرة من بلاد العادل فلقيه هنالك رسول الظاهر صاحب حلب يطلبه في السكة والخطبة، فارتاب لذلك، وكان عازماً على نصرتهم فقعد عنهم، وعاد إلى الموصل. وأرسل إلى الأفضل والظاهر يعتذر بمرض طرقه وهما يومئذ على دمشق، ووصل الكامل من ميافارقين إلى حران فاستدعاه أبوه من دمشق وسار إليه في العساكر فأفرج عنه الأفضل والظاهر، والله سبحانه وتعالى أعلم.

استيلاء العادل على مصر

ولما رحل الأفضل والظاهر إلى بلادهم تجهز العادل إلى مصر، وأغراه موالي صلاح الدين بذلك، واستحلفوه على أن يكون ابن العزيز ملكاً وهو كافله. وبلغت الأخبار بذلك إلى الأفضل وهو في بلبيس فسار منها، ولقيهم فإنهزم لسبع خلون من ربيع الآخر سنة ست وتسعين. ودخل القاهرة ليلاً، وحضر الصلاة على القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني، توفي تلك الليلة. وسار العادل لحصار القاهرة، وتخاذل أصحاب الأفضل منه فأرسل إلى عمه في الصلح وتسليم الديار المصرية له على أن يعوضه دمشق أو بلاد الجزيرة وهي: حران والرها وسروج فلم يجبه، وعوضه ميافارقين وجبال نور، وتحالفوا على ذلك. وخرج الأفضل من القاهرة ثامن عشر ربيع واجتمع بالعادل، وسار إلى بلده صرخد ودخل العادل القاهرة من يومه، ولما وصل الأفضل صرخد بعث من يتسلم البلاد التي عوضه العادل، وكان بها إبنه نجم الدين أيوب فامتنع من تسليم ميافارقين، وسلم ما عداها. وردّد الأفضل رسله في ذلك إلى العادل فزعم أن إبنه عصاه فعلم الأفضل أنه أمره، واستفحل العادل في مصر، وقطع خطبة المنصور بن العزيز، وخطب لنفسه واعترض الجند ومحصهم بالمحو والإثبات فاستوحشوا لذلك. وبعث العادل فخر الدين جهاركس مقدم موالي صلاح الدين في عسكر إلى بانياس ليحاصرها، ويملكها لنفسه ففصل من مصر للشام في جماعة الموالي الصلاحية وكان بها الأمير بشارة من أمراء الترك، إرتاب العادل بطاعته فبعث العساكر إليه مع جهاركس، والله تعالى أعلم.

مسير الظاهر والأفضل إلى حصار دمشق

ولما قطع العادل خطبة المنصور بن العزيز بمصر استوحش الأمراء لذلك ولما كان منه في اعتراض الجند فراسلوا الظاهر بحلب والأفضل بصرخد أن يحاصرا دمشق فيسير إليهما الملك العادل فيتأخرون عنه بمصر، ويقومون بدعوتهما. ونمي الخبر إلى العادل، وكتب به إليه الأمير عز الدين أسامة جاء من الحج، ومرّ بصرخد فلقيه الأفضل، ودعاه إلى أمرهم وأطلعه على ما عنده فكتب به إلى العادل، وأرسل العادل إلى إبنه المعظم عيسى بدمشق يأمره بحصار الأفضل بصرخد وكتاب إلى جهاركس بمكانه من حصار بانياس، وإلى ميمون القصري صاحب بانياس بالمسير معه إلى صرخد ففر منها الأفضل إلى أخيه الظاهر بحلب، فوجده يتجهز لأنه بعث أميراً من أمرائه إلى العادل فرده من طريقه. فسار إلى منبج فملكها، ثم قلعة نجم كذلك، وذلك سلخ رجب من سنة سبع وتسعين وسار المعظم بقصد صرخد، وانتهى إلى بصرى، وبعث عن جهاركس والذين معه على بانياس فغالطوه ولم يجيبوه فعاد إلى دمشق. وبعث إليهم الأمير أسامة يستحثهم فأغلظوا له في القول، وتناوله البكاء منهم، وثاروا به جميعاً فتذمم لميمون القصري منهم فأمنه، وعاد إلى دمشق. ثم ساروا إلى الظاهر حضر به صلاح الدين وأنزله من صرخد، واستحثوا الظاهر والأفضل للوصول فتباطأ الظاهر عنهم، وسار من منبج إلى حماة فحاصرها حتى صالحه صاحبها ناصر الدين محمد على ثلاثين ألف دينار صورية. فارتحل عنها تاسع رمضان إلى حمص ومعه أخوه الأفضل، ومنها إلى بعلبك وإلى دمشق. ووافاه هنالك الموالي الصلاحية مع الظاهر خضر بن مولاهم. وكان الوفاق بينهم إذا فتحوا دمشق أن تكون بيد الأفضل فإذا ملكوا مصر سار إليها، وبقيت للظاهر. وأقطع الأفضل صرخد لمولى أبيه زين الدين قراجا، وأخرج أهله منها إلى حمص عند شيركوه بن محمد بن شيركوه وكان العادل قد سار من مصر إلى الشام فانتهى إلى نابلس، وبعث عسكرا إلى دمشق، ووصلوا قبل وصول هذه العساكر فلما وصلوها قاتلوها يوماً وثانية منتصف ذي القعدة، وأشرفوا على أخذها فبعث الظاهر إلى الأفضل بأن دمشق تكون له فاعتذر بأن أهله في غير مستقرّ، ولعلهم يأوون إلى دمشق في خلال ما يملك مصر، فلجّ الظاهر فى ذلك. وكان الموالي الصلاحية مشتملين على الأفضل وشيعة له فخيرهم بين المقام والإنصراف، ولحق فخر الدين جهاركس وقراجا بدمشق فامتنعت عليهم، وعادوا إلى تجديد الصلح مع العادل على أن يكون للظاهر منبج وأفامية وكفرطاب وبعض قرى المعرّة، والأفضل له سميساط وسروج ورأس عين وحملين فتم ذلك بينهم ورحلوا عن دمشق في محرّم سنة ثمان وتسعين وسار الظاهر إلى حلب والأفضل إلى حمص فأقام بها عند أهله، ووصل العادل إلى دمشق في تاسوعاء، وجاء الأفضل فلقيه بظاهر دمشق، وعاد إلى بلاده فتسلمها. وكان الظاهر والأفضل لما فعلا من منبج إلى  دمشق بعثا إلى نور الدين صاحب الموصل أن يقصد بلاد العادل بالجزيرة، وكانت بينه وبينهما وبين صاحب ماردين يمين وإتفاق على العادل، منذ ملك مصر مخافة أن يطرق أعمالهم، فسار نور الدين عن الموصل في شعبان ومعه ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار وعسكر ماردين، ونزلوا رأس عين. وكان بحران الفائز بن العادل في عسكر يحفظ أعمالهم بالجزيرة فبعث إلى نور الدين في الصلح، ووصل الخبر بصلح العادل مع الظاهر والأفضل فأجابهم نور الدين إلى الصلح واستحلفوا، وبعث أرسلان من عنده إلى العادل فاستحلفوه أيضاً وصحت الحال، والله تعالى ولي التوفيق.

حصار ماردين ثم الصلح بين العادل والأشرف:

ثم بعث الملك العادل إبنه الأشرف موسى في العساكر لحصار ماردين فسار إليها ومعه عساكر الموصل وسنجار، ونزلوا بالحريم تحت ماردين. وسار عسكر من قلعة البازغية من أعمال ماردين لقطع الميرة عن عسكر الأشرف، فلقيهم جماعة من عسكر الأشرف وهزموهم. وأفسد التركمان السابلة في تلك النواحي، وامتنع على الأشرف قصده فتوسط الظاهر غازي في الإصلاح بينهم، على أن يحمل صاحب ماردين للعادل مائة وخمسين ألف دينار، والدينار أحد عشر قيراطاً من الأميري، ويخطب له ببلاده ويضرب السكة باسمه، وتعسكر طائفة من جنده متى دعاهم لذلك، فأجاب العادل وتم الصلح بينهما، ورحل الأشرف عن ماردين، والله أعلم.

أخذ  البلاد من يد الافضل:

قد كان تقدّم أن الظاهر والأفضل لما صالحا العادل سنة سبع وتسعين أخذ الأفضل سميساط وسروج ورأس عين وحملين، وكانت بيده معها قلعة نجم التي ملكها الظاهر بين يدي الحصار قبل الصلح ثم استردّ العادل البلاد من يد الأفضل سنة تسع وتسعين، وأبقى له سميساط وقلعة نجم فطلب الظاهر قلعة نجم على أن يشفع له عند العادل في ردّ ما أخذ منه فلم يجب فتهدده. ولم تزل الرسل تتردد بينهما حتى سلمها إليه في شعبان من السنة، وبعث الأفضل أمه إلى العادل في رد سروج ورأس عين عليهم فلم يشفعها فبعث الأفضل إلى ركن الدين سليمان بن قليج أرسلان صاحب بلاد الروم بطاعته وأن يخطب له فبعث إليه بالخلعة، وخطب له الأفضل في سميساط سنة ستمائة. وسار من جملة نوابه في أعماله. وفي سنة تسع وتسعين هذه خاف على مصر محمود بن العزيز صاحب مصر بعث العساكر إلى الرها، لأنه لما قطع خطبته من مصر سنة ست وتسعين خاف على مصر من شيعة أبيه فأخرجه سنة ثمان وتسعين إلى دمشق. ثم نقله في هذه السنة إلى الرها، ومعه أخواته وأمه وأهله فأقاموا بها، والله أعلم.

واقعة الأشرف مع صاحب الموصل:

كانت الفتنة متصلة بين نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل، وبين ابن عمه قطب الدين صاحب سنجار، واستمال العادل بن أيوب قطب الدين فخطب له بأعماله. وسار إليه نور الدين غيرة من ذلك فحاصر نصيبين في شعبان من سنة ستمائة. وبعث قطب الدين يستمد الأشرف موسى بن العادل وهو بحران فسار إلى رأس عين لإمداده، ومدافعة نور الدين عنه بعد أن إتفق على ذلك مع مظّفر الدين صاحب أربل، وصاحب جزيرة ابن عمر وصاحب كيفا وآمد. ففارق نور الدين نصيبين، وسار إليها الأشرف، وجاءه أخوه نجم الدين صاحب ميافارقين وصاحب كيفا وصاحب الجزيرة، وساروا جميعاً إلى بلد البقعا ونور الدين صاحب الموصل قد إنصرف من تل أعفر، وقد ملكها إلى كفرزمان معتزماً على مطاولتهم إلى أن يفترقوا. ثم أغراه بعض مواليه كان بعثه عيناً عليهم فقللهم في عينه، وحرضه على معاجلتهم باللقاء فسار إلى نوشرا ونزل قريباً منهم. ثم ركب لقتالهم واقتتلوا فانهزم نور الدين ولحق بالموصل ونزل الأشرف وأصحابه كفر رمان وعاثوا في البلاد واكتسحوها. وترددت الرسل بينهم في الصلح على أن يعيد نور الدين على قطب الدين قلعة تل أعفر التي أخذها له فتم ذلك سنة إحدى وستمائة وعاد إلى بلده، والله تعالى أعلم.

وصول الإفرنج إلى الشام والصلح معهم:

ولما ملك الإفرنج القسطنطينية من يد الروم سنة إحدى وستمائة تكالبوا على البلاد، ووصل جمع منهم إلى الشام وأرسلوا بعكا عازمين على إرتجاع القدس من المسلمين. ثم ساروا في نواحي الأردن فاكتسحوها، وكان العادل بدمشق استنفر العساكر من الشام ومصر، وسار فنزل بالطور قريباً من عكا لمدافعتهم وهم قبالته بمرج عكا. وساروا إلى كفركنا فاستباحوه. ثم إنقضت إحدى وستمائة وتراسلوا في المهادنة على أن ينزل لهم العادل عن كثير من مناصف الرملة وغيرها، ويعطيهم وغيرها. وتم ذلك بينهم وسار العادل إلى مصر فقصد الإفرنج حماة، وقاتلهم صاحبها ناصر الدين محمد فهزموه وأقاموا أياماً عليها ثم رجعوا، والله تعالى أعلم.

غارة ابن ليون على أعمال حلب:

قد تقدم لنا ذكر ابن ليون ملك الأرمن وصاحب الدروب فأغار سنة إثنتين وستمائة على أعمال حلب واكتسحها، واتصل ذلك منه فجمع الظاهر غازي صاحب حلب، ونزل على خمسة فراسخ من حلب وفي مقدمته ميمون القصري من موالي أبيه منسوباً إلى قصر الخلفاء بمصر ومنه كان أبوه. وكان الطريق إلى بلاد الأرمن متعذراً من حلب لتوعر الجبال وصعوبة المضايق، وكان ابن ليون قد نزل في طرف بلاده لما يلي حلب، ومن ثغورها قلعة دربساك فخشي الظاهر عليها منه، وبعث إليها مدداً، وأمر ميمون القصري أن يشيعه بطائفة من عسكره ففعل، وبقي في خف من الجند. ووصل خبره إلى ابن ليون فكبس القصري ونال منه ومن المسلمين، وانهزموا أمامه فظفر بمخلفهم، ورجع فلقي في طريقه المدد الذي بعث إلى دربساك فهزمهم وظفر بما كان معهم، وعاد الأرمن إلى بلادهم فاعتصموا بحصونهم، والله تعالى أعلم.

استيلاء نجم الدين بن العادل على خلاط:

كان العادل قد استولى على ميافارقين، وأنزل بها إبنه الأوحد نجم الدين. ثم استولى نجم الدين على حصون من أعمال خلاط، وزحف اليها سنة ثلاث وستمائة، وقد استولى عليها بليان مولى شاهرين فقاتلة وهزمه، وعاد إلى ميافارقين فهزمهم. ثم دخلت سنة أربع وستمائة. وملك مدينة سوس وغيرها، وأمده أبوه العادل بالعساكر فقصد خلاط  وسار إليه بليان فهزمه نجم الدين وحاصره بخلاط. وبعث بليان إلى مغيث الدين طغرل شاه بن قليج أرسلان صاحب أرزن الروم يستنجده فجاء في عساكره، واجتمع مع بليان، وإنهزم نجم الدين ونزلا على مدينة تلبوس فحاصرها. ثم غدر طغرل شاه ببليان وقتله وسار إلى خلاط ليملكها فطرده أهلها، فسار إلى ملازكرد فامتنعت عليه، فعاد إلى بلاده. وأرسل أهل خلاط إلى نجم الدين فملكوه خلاط وأعمالها، وخافه الملوك المجاورون له وملك الكرك، وتابعوا الغارات على بلاده فلم يخرج إليهم خشية على خلاط. واعتزل جماعة من عسكر خلاط فاستولوا على حصن وإن من أعظم الحصون وأمنعها فعصوا على نجم الدين، وإجتمع إليهم جمع كثير، وملكوا مدينة أرجيش واستمدّ نجم الدين على خلاط وأعمالها، وعاد أخوه الأشرف إلى أعماله بحران والرها. ثم سار الأوحد نجم الدين إلى ملازكرد ليرتب أحوالها فوثب أهل خلاط على عسكره فأخرجوهم وحصروا أصحابه بالقلعة، ونادوا بشعار بني شاهرين. وعاد نجم الدين إليهم وقد وافاه عسكر من الجزيرة فقوي بهم وحاصر خلاط، واختلف أهلها فملكها واستلحم أهلها، وحبس كثيراً من أعيانها كانوا فارين وذل أهل خلاط لبني أيوب بعد هذه الوقعة إلى آخر الدولة، والله تعالى أعلم.

غارات الإفرنج بالشام:

كان الإفرنج بالشام قد أكثروا الغارات سنة أربع وستمائة بحشد ثان ثم ملكوا القسطنطينية واستفحل ملكهم فيها فأغار أهل طرابلس، وحصن الأكراد منهم على حمص وأعمالها. وعجز صاحبها شيركوه بن محمد بن شيركوه عن دفاعهم، واستنجد عليهم فانجده الظاهر صاحب حلب بعسكر أقاموا عنده للمدافعة عنه. وأغار أهل قبرص في البحر على أسطول مصر فظفروا  منه بعدة قطع، وأسروا من وجدوا فيها وبعث العادل إلى صاحب عكا يحتج عليه بالصلح فاعتذر بأن أهل قبرص في طاعة الإفرنج الذين بالقسطنطينية، وأنه لا حكم له عليهم فخرج العادل في العساكر إلى عكا حتى صالحه صاحبها على إطلاق أسرى من المسلمين. ثم سار إلى حمص، ونازل القلعتين عند بحيرة قدس ففتحه وأطلق صاحبه وغنم ما فيه وخربه، وتقدم إلى طرابلس فاكتسح نواحيها إثني عشر يوماً، وعاد إلى بحيرة قدس. وراسله الإفرنج في الصلح فلم يجبهم وأظله الشتاء فأذن لعساكر الجزيرة في العود إلى بلادهم وترك عند صاحب حمص عسكراً أنجده بهم، وعاد إلى دمشق فشتى بها، والله أعلم.

غارات الكرج على خلاط و أعمالها وملكهم أرجيش:

ولما ملك الأوحد نجم الدين خلاط كما مرّ ردد الكرج الغارات على أعمالها وعاثوا فيها، ثم ساروا سنة خمس وستمائة إلى مدينة أرجيش فحاصروها وملكوها عنوة واستباحوها وخرّبوها. وخام نجم الدين عن لقائهم ومدافعتهم إلى أن إنتقض عليه أهل خلاط لما فارقها ؛ ووقع بينه وبينهم ما مّر. ثم سار الكرج سنة تسع إلى خلاط وحاصروها، وحاربهم الأوحد وهزمهم وأسر ملكهم، ثم فاداه بمائة ألف دينار وخمسة آلاف أسير، وعلى الهدنة مع المسلمين وأن يزوج بنته من الأوحد فانعقد ذلك، والله تعالى أعلم بغيبه.

استيلاء العادل على الخابور ونصيبين من عمل سنجار وحصارها:

قد تقدّم لنا أن قطب الدين زنكي بن محمود بن مودود صاحب سنجار والخابور ونصيبين وما إليها، كانت بينه وبين ابن عمه نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود صاحب الموصل عداوة مستحكمة وفتنة متصلة، وزوج نور الدين صاحب الموصل بنته من ابن العادل بن أيوب سنة خمس وستمائة. وإتصل بهما لذلك فزين له وزراؤه وأهل دولته أن يستنجد بالعادل على جزيرة ابن عمر وأعمالها، التي لابن عمه سنجار شاه ابن غازي ابن مودود فتكون الجزيرة بكمالها مضافة إلى الموصل. وملك العادل سنجار وما إليها، وهي ولاية قطب الدين فتكون له، فأجاب العادل إلى ذلك، ورآه  ذريعة إلى ملك الموصل. وأطمع نور الدين في أيالة قطب الدين إذا ملكها تكون لابنه الذي هو صهره على إبنته، وتكون عنده بالموصل وسار العادل بعساكره سنة ست وستمائة وقصد الخابور فملكه فتبين لنور الدين صاحب الموصل حينئذ أنه لا مانع منه، وندم على ما فرط في رأيه من وفادته، ورجع إلى الإستعداد للحصار. وخوفه الوزراء والحاشية أن ينتقض على العادل فيبدأ به. وسارالعادل من الخابور إلى نصيبين فملكها، وقام بمدافعته عن قطب الدين، وحماية البلد من الأمير أحمد بن برتقش مولى أبيه. وشرع نور الدين صاحب سنجار إبنه مظفر الدين يستشفع به إلى العادل لمكانه منه، وأثره في موالاته فشفع، ولم يشفعه العادل فراسل نور الدين صاحب الموصل في الإتفاق على العادل فأجابه.وسار بعساكره من الموصل وإجتمع مع نور الدين بظاهرها واستنجد بصاحب حلب الظاهر، وصاحب بلاد الروم كخسرو وتداعوا على الحركة إلى بلاد العادل إن امتنع من الصلح، والإبقاء على صاحب سنجار، وبعثوا إلى الخليفة  الناصر  أن يأمر العادل فبعث إليه أستاذ داره أبا نصر هبة الله بن المبارك بن الضحاك، والأمير اقباش من خواص مواليه فأجاب إلى ذلك. ثم غالطهم وذهب إلى المطاولة، ثم صالحهم على سنجار فقط وله ما أخذ وتحالفوا على ذلك، وعاد كل إلى بلده. ثم قبض المعظم عيسى سنة عشر وستمائة على الأمير أسامة بأمر أبيه العادل، وأخذ منه حصن كوكب وعجلون وكانا من أعماله فخربهما، وحصن أردن بالكوكب وبنى مكانه حصناً قرب عكا على جبل الطور، وشحنه بالرجال والأقوات، والله تعالى أعلم.

وفاة الظاهر صاحب حلب وولاية إبنه العزيز:

لما توفي الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين بن أيوب صاحب حلب ومنبج وغيرهما من بلاد الشام في جمادى الأخيرة سنة ثلاث عشرة، وكان مرهف الحدّ ضابطاً جماعة للأموال شديد الإنتقام محسناً للقضاة، وعهد بالملك لإبنه الصغير محمد بن الظاهر وهو ابن ثلاث سنين، وعدل عن الكبير لأن أمه بنت عمه العادل ولقبه العزيز غياث الدين، وجعل أتابكه وكافله وخادمه، طغرلبك، ولقبه شهاب الدين. وكان خيراً صاحب إحسان ومعروف فأحسن كفالة الولد، وعدل في سيرته، وضبط الإيالة بجميل نظره، والله أعلم.

ولاية مسعود بن الكامل على اليمن:

ولما ملك سليمان بن المظفر على اليمن سنة تسع وتسعين وخمسمائة أساء إلى زوجته أمّ  الناصر التي ملكته، وضارّها وأعرض عنها واستبدّ بملكه، وملأ الدنيا ظلماً. وأقام على ذلك ثلاث عشرة سنة. ثم إنتقض على العادل وأساء معاملته، وكتب إليه بعض الأحيان: “أنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم ” فكتب العادل إلى إبنه الكامل أن يبعث العساكر إلى اليمن مع وال من قبله، فبعث إبنه المسعود يوسف، وإسمه بالتركي أقسنس، في العساكر سنة إثنتي عشرة وستمائة فملك اليمن، وقبض على سليمان شاه وبعث به معتقلاً إلى مصر. فلم يزل بها إلى أن استشهد في حروب دمياط مع الإفرنج أعوام تسع وأربعين وطالت أيام مسعود باليمن وحج سنة تسع عشرة، وقدم أعلام أبيه على أعلام الخليفة  الناصر فكتب  الناصر  يشكوه إلى أبيه فكتب إليه أبوه الكامل: برئت من العادل يا أخس إن لم أقطع يمينك، فقد نبذت وراء ظهرك دنياك ودينك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فاستعتب إلى أبيه وأعتبه. ثم غلب سنة ست وعشرين على مكة من يد الحسن بن قتادة سيد بني أدريس بن مطاعن من بني حسن وولّى عليها وعاد إلى اليمن فهلك بقية السنة ؛ وغلب على أمر اليمن بعده علي بن رسول أستاذ داره، ونصب للملك إبنه الأشرف موسى وكفله ثم هلك موسى واستبدّ ابن رسول باليمن، وأورثه بنيه فكانت لهم دولة إتصلت لهذا العهد، كما نذكره في أخبارها إن شاء الله تعالى.

وصول الإفرنج من وراء البحر إلى سواحل الشام ومسيرهم إلى دمياط وحصارها واستيلاؤهم عليها:

كان صاحب رومة أعظم ملوك الإفرنج بالعدوة الشمالية من البحر الرومي، وكانوا كلهم يدينون بطاعته، وبلغة اختلاف أموال الإفرنج بساحل الشام وظهور المسلمين عليهم فانتدب إلى إمدادهم وجهز إليهم العساكر فامتثلوا أمره من إيالته. وتقدّم إلى ملوك الإفرنج أن يسيروا بأنفسهم أو يرسلوا العساكر فامتثلوا أمره، وتوافت الأمداد إلى عكا من سواحل الشام سنة أربع عشرة. وسار العادل من مصر إلى الرملة وبرز الإفرنج من عكا ليصدوه فسار إلى نابلس يسابقهم إلى أطراف البلاد، ويدافعهم عنها فسبقوه. ونزل هو على بيسان من الأردن، وزحف الإفرنج لحربه في شعبان من السنة، وكان في خف من العساكر فخام عن لقائهم. ورجع إلى دمشق ونزل مرج الصفر. وإستدعى العساكر ليجمعها، وإنتهب الفرنج مخلفه في بيسان، واكتسحوا ما بينها وبين بانياس. ونزلوا بانياس ثلاثا، ثم عادوا إلى مرج عكا بعد أن خربوا تلك الأعمال، وامتلأت أيديهم من نهبها وسباياها. ثم ساروا إلى صور ونهبوا صيدا والشقيف على فرسخين من بانياس، وعادوا إلى عكا بعد عيد الفطر. ثم حاصروا حصن الطور على جبل قريب من عكا، كان العادل أختطها فحاصروها سبعة عشر يوماً، وقتل عليها بعض ملوكهم فرجعوا عنها. وبعث العادل إبنه المعظم عيسى إلى حصن الطور فخربها لئلا يملكها الإفرنج. ثم سار الإفرنج من عكا في البحر إلى دمياط وأرسوا بسواحلها في صفر، والنيل بينهم وبينها. وكان على النيل برج حصين تمرّ منه إلى سور دمياط سلاسل من حديد محكمة تمنع السفن من البحر الملح أن تصعد في النيل إلى مصر. فلما نزل الإفرنج بذلك الساحل خندقوا عليهم وبنوا سورا بينهم وبين الخندق، وشرعوا في حصار دمياط واستكثروا من آلات الحصار وبعث العادل إلى إبنه الكامل بمصر أن يخرج في العساكر ويقف قبالتهم ففعل، وخرج من مصر في عساكر المسلمين فنزل قريباً من دمياط بالعادلية. وألحّ الإفرنج على قتال ذلك البرج أربعة أشهر، حتى ملكوه ووجدوا السبيل إلى دخول النيل ليتمكنوا من النزول على دمياط، فبنى الكامل عوض السلاسل جسراً عظيماً يمانع الداخلين إلى النيل فقاتلوا عليه قتالاً شديداً حتى قطعوه. فأمر الكامل بمراكب مملوءة بالحجارة وحرقوها وراء الجسر تمنع المراكب من الدخول إلى النيل، فعدل الإفرنج إلى خليج الأزرق. وكان النيل يجري فيه قديماً فحفروه فوق الجسر، وأجروا فيه الماء إلى البحر، وأصعدوا مراكبهم إلى قبالة معسكر المسلمين ليتمكنوا من قتالهم، لأنّ دمياط كانت حاجزة بينهم فاقتتلوا معهم وهم في مراكبهم فلم يظفروا. والميرة والإمداد متصلة إلى دمياط، والنيل حاجز بينهم وبين الإفرنج فلا يحصل لهم من الحصار ضيق. ثم بلغ الخبر بموت العادل فاختلف العسكر، وسعى مقدم الأمراء عماد الدين أحمد بن سيف الدين علي بن المشطوب الهكاري في خلع الكامل وولاية أخيه الأصغر الفائز. ونمي الخبر إلى الكامل فأسرى من ليلته إلى أشمون طناح، وتفقده المسلمون من الغد فأجفلوا ولحقوا بالكامل، وخلفوا سوادهم بما فيه فاستولى عليه الإفرنج، وعبروا النيل إلى البرّ المتصل بدمياط، وجالوا بينها وبين أرض مصر. وفسدت السابلة بالأعراب، وإنقطعت الميرة عن دمياط، واشتدّ الإفرنج في قتالها وهي في قلة من الحاميةلإجفال المسلمين عنها بغتة. ولما جهدهم الحصار وتعذر عليهم القوت استأمنوا إلى الإفرنج فملكوها آخر شعبان سنة ست عشرة، وبنوا سراياهم فيما جاورها فأقفروا ورجعوا إلى عمارة دمياط وتحصينها، وأقام الكامل قريباً منهم لحماية البلاد. وبنى المنصورة بقرب مصر عند مفترق البحر من جهة دمياط، والله تعالى أعلم.

وفاة العادل واقتسام الملك بين بنيه:

قد ذكرنا خبر العادل مع الإفرنج الذين جاؤا من وراء البحر إلى سواحل الشام سنة أربع عشرة، وما وقع بينه وبينهم بعكا وبيسان، وأنه عاد إلى مرج الصفر قريباً من دمشق فأقام به، فلما سار الإفرنج إلى دمياط إنتقل هو إلى خانقين فأقام بها. ثم مرض وتوفي سابع جمادي الأخيرة سنة خمس عشرة وستمائة لثلاث وعشرين سنة من ملكه دمشق، وخمس وسبعين من عمره. وكان إبنه المعظم عيسى بنابلس فجاء ودفنه بدمشق. وقام بملكها واستأثر بمخلفه من المال والسلاح، وكان لا يعبر عنه. يقال: كان المال العين في سترته سبعمائة ألف دينار. وكان ملكاً حليماً صبوراً مسدداً صاحب إفادة وخديعة منجمة في أحواله. وكان قد قسم البلاد في حياته بين بنيه: فمصر للكامل، ودمشق والقدس وطبرية والكرك وما إليها للمعظم عيسى، وخلاط وما إليها وبلاد الجزيرة غير الرها ونصيبين وميافارقين للأشرف موسى، والرها وميافارقين لشهاب الدين غازي، وقلعة جعبر للخضر أرسلان شاه.فلما توفي إستقل كل منهم بعمله. وبلغ الخبر بذلك إلى الملك الكامل بمكانه قبالة الإفرنج بدمياط فاضطرب عساكره، وسعى المشطوب كما تقدم في ولاية أخيه الفائز، ووصل الخبر بذلك إلى المعظم عيسى فأغذ السير من دمشق إليه بمصر. وأخرج المشطوب إلى الشام فلحق بأخيهما الأشرف، وصار في جملته. واستقام للكامل ملكه بمصر، ورجع المعظم من مصر فقصد القدس في ذي القعدة من السنة، وخرب أسواره حذراً عليه من الإفرنج. وملك الإفرنج دمياط كما ذكرناه. وأقام الكامل قبالتهم، والله تعالى ينصر من يشاء من عباده.

وفاة المنصور صاب حماة وولاية إبنه  الناصر :

قد تقدم لنا أنّ صلاح الدين كان قد أقطع تقي الدين عمر ابن أخيه شاهنشاه مدينة حماة وأعمالها، ثم بعثه إلى الجزيرة سنة سبع وثمانين فملك حران والرها وسروج وميافارقين وما إليها من بلاد الجزيرة، فأقطعه إياها صلاح الدين. ثم سار إلى بلاد أرمينية وقصد بكتمر صاحب خلاط وحاصرها. ثم إنتقل إلى حصار ملازكرد. وهلك عليها تلك السنة وتولى إبنه ناصر الدين محمد، ويلقب المنصور على أعماله. ثم انتزع صلاح الدين منه بلاد الجزيرة وأقطعها أخاه العادل، وأبقى حماة وأعمالها بيد ناصر الدين محمد المذكور فلم تزل بيده إلى أن توفي سنة سبع عشرة وستمائة لثمان وعشرين سنة من ولايته عليها بعد مهلك عمّ أبيه صلاح الدين والعادل.

 وكان إبنه ولي عهده المظفر عند العادل بمصر، وإبنه الآخر قليج أرسلان عند خاله المعظم عيسى بمكانه من حصاره لملازكرد فاستدعاه أهل دولته بحماة، واشترط المعظم عليه مال يحمله وأطلقه إليهم فملك حماة وتلقب الناصر وجاءه أخوه ولي العهد من مصر فدافعه أهل حماة فرجع إلى دمشق عند المعظم، وكاتبهم واستمالهم فلم يجيبوه، ورجع إلى مصر، والله تعالى أعلم.

مسير صاحب بلاد الروم إلى حلب وإنهزامه ودخولها في طاعة الأشرف:

قد كنا قدمناه وفاة الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب ومنبج سنة ثلاث عشرة وولاية إبنه الأصغر محمد العزيز غياث الدين في كفالة طغرل الخادم مولى أبيه الظاهر، وأنّ شهاب الدين هذا الكامل أحسن السيرة وأفاض العدل، وعف عن أموال الرعية. ورد السعاية فيهم بعضهم على بعض. وكان بحلب رجلان من الأشرار يكثران السعاية عند الظاهر ويغريانه بالناس، ولقي الناس منهما شدّة فأبعدهما شهاب الدين فيمن أبعد من أهل الشر، ورد عليهما السعاية فكسدت سوقهما، وتناولهما الناس بالألسنة والوعيد فلحقا ببلاد الروم، وأطمعا صاحبها كيكاوس في ملك حلب وما بعدها. ثم رأى أن ذلك لا يتم إلا أن يكون معه بعض بني أيوب لينقاد أهل البلاد إليه.وكان الأفضل بن صلاح الدين بسميساط، وقد دخل في طاعة كيكاوس غضباً من أخيه الظاهر وعمه العادل بما إنتزعاً من أعماله فاستدعاه كيكاوس، وطلبه في المسير على أن يكون ما يفتحه من حلب وأعمالها للأفضل والخطبة والسكة لكيكاوس. ثم يقصدون بلاد الأشراف بالجزيرة: حران والرها وما إليهما على هذا الحكم، وتحالفواعلى ذلك، وجمعوا العساكر وساروا سنة خمس عشرة فملكوا قلعة رعبان فتسلمها الأفضل. ثم قلعة تل باشر من صاحبها ابن بدر الدين أرزم الباروقي بعد أن كانوا حاصروها وضيقوا عليها وملكها كيكاوس لنفسه فاستوحش الأفضل وأهل البلد أن بفعل مثل ذلك في حلب وكان شهاب الدين كافل العزيز بن الظاهر مقيماً بقلعة حلب لا يفارقها خشية عليها فطير الخبر إلى الملك الأشرف صاحب الجزيرة وخلاط لتكون طاعتهم وخطبتهم له والسكة باسمه، ويأخذ من أعمال حلب ما اختار فجمع العساكر، وسار إليهم سنة خمس عشرة ومعه وأميرهم نافع من خدمه  وغيرهم من العرب. ونزل بظاهر حلب وتوجه كيكاوس والأفضل من تل باشر إلى منبج. وسار الأشرف نحوهم وفي مقدمته العرب فلقوا مقدمة كيكاوس فهزموها. فلما عادوا إلى كيكاوس منهزمين أجفل إلى بلاده. وسار الأشرف فملك رعبان وتل باشر وأخذ من كان بها من عساكر كيكاوس، وأطلقهم فلحقوا بكيكاوس فجمعهم في دار وأحرقها عليهم فهلكوا. وسلم الأشرف ما ملكه من قلاع حلب لشهاب الدين الخادم كافل العزيز بحلب، واعتزم على إتباع كيكاوس إلى بلاده فأدركه الخبر بوفاة أبيه العادل فرجع. إنتهى، والله تعالى أعلم.

دخول الموصل في طاعة الأشراف وملكه سنجار:

قد ذكرنا في دوله بني زنكي أن القاهر عز الدين مسعود صاحب الموصل توفي في ربيع سنة خمس عشرة وستمائة، وولى إبنه نور الدين أرسلان شاه في كفالة مولى أبيه نور الدين لؤلؤ مولاه ومدبر دولته. وكان أخوه عماد الدين زنكي في قلعة الصغد والسوس من أعمال الموصل بوصية أبيهما إليه بذلك، وأنه بعد وفاة أخيه عز الدين طلب الأمر لنفسه وملك العمادية. وظاهره مظفر الدين كوكبري صاحب إربل على شأنه فبعث نور الدين  لؤلؤ  إلى الأشرف  موسى بن العادل، والجزيرة كلها وخلاط وأعمالها في طاعته. فأرسل إليه بالطاعة، وكان على حلب مدافعاً لكياكاوس صاحب بلاد الروم كما نذكره بعد، فأجابه الأشرف بالقبول ووعده النصر على أعدائه. وكتب إلى مظفر الدين يقبح عليه، ما وقع من نكث العهد في اليمن التي كانت بينهم جميعاً ، ويأمره بإعادة عماد الدين زنكي ما أخذه من بلاد الموصل، وإلا فيسير بنفسه ويسترجعها ممن أخذها ويدعوه إلى ترك الفتنة والأشتغال معه بما هو فيه من جهاد الإفرنج. فصمم مظفر الدين عن ندبته ووافقه صاحب ماردين وصاحب كيفا وآمد، يجهز إلى الأشرف عساكرا إلى نصيبين لؤلؤ  صاحب الموصل. ثم جهز  لؤلؤ  العساكر إلى عماد الدين فهزموه ولحق بإربل عند المظفر، وجاءت الرسل من الخليفة  الناصر  والملك الأشرف فأصلحوا بينهما وتحالفا. ثم وثب عماد الدين زنكي إلى قلعة كواشي فملكها وبعث  لؤلؤ إلى الأشرف، وهو على حلب يستنجده فعبر الفرات إلى حران، واستمال مظفر الدين ملوك الأطراف، وحملهم على طاعة كيكاوس والخطبة له، وكان عدو الأشرف ومنازعاً له في منبج كما نذكره. وبعث أيضاً إلى الأمراء الذين مع الأشرف واستمالهم فأجابه منهم أحمد بن علي المشطوب صاحب القلعة مع الكامل على دمياط، وعز الدين محمد بن نور الدين الحميدي. وفارقوا الأشرف إلى دبيس تحت ماردين ليجتمعوا على منع الأشرف من العبور إلى الموصل. ثم استمال الأشرف صاحب كيفا وآمد، وأعطاه مدينة جانين وجبل الجودي، ووعده بدارا إذا ملكها. ولحق به صاحب كيفا وفارق أصحابه الملوك واقتدى به بعضهم في طاعة الأشرف والنزوع إليه فافترق ذلك الجمع، وسار كل ملك إلى عمله. وسار ابن المشطوب إلى إربل، ومرّ بنصيبين فقاتله عساكرها وهزموه، وافترق جمعه، ومضى منهزماً. واجتاز بسنجار وبها فروخ شاه عمر بن زنكي بن مودود فبعث إليه عسكراً فجاؤا به أسيراً وكان في طاعة الأشرف فحبس له ابن المشطوب ثم رجاه فأطلقه وسار في جماعة من المفسدين إلى البقعاء من أعمال الموصل فاكتسحها وعاد إلى سنجار. ثم سار ثانيا للإغارة