اقرأ معي: مراحل النمو الاقتصادي

اقرأ معي

مراحل النمو الاقتصادي

تأليف  : و.و. روستو

ترجمة : برهان الدجاني

نشر هذا العرض لكتاب روستو في نيسان / ابريل 1962 ، العدد الثامن عشر ، الرائد العربي

 ليس صافي السلوك الانساني سعياً وراء شيء أقصى ، بل موازنة بين اهداف انسانية بديلة ومتناقضة في أكثر الاحيان .

و.و. روستو

1-  نظرية في تاريخ النمو الاقتصادي للمجتمعات البشرية ، وما يرافق هذا النمو من تحول في المؤسسات غير الاقتصادية ، تعتمد تجريد الوقائع العامة والاساسية في تجارب النمو التاريخية المختلفة النماذج ، وتعميمها في ” مراحل إنمائية ” تتفاوت خصائصها باعتبار الدور الذي تؤديه  في كل من التكنولوجيا الحديثة وما يتولد عنها من مؤسسات . هذه المراحل ، كما يراها روستو،  ليست سوى تجريدات عامة لظروف موضوعية تاريخية . من هنا كان الفارق بينها وبين المراحل الماركسية . واما النمو الاقتصادي وما يرافقه من تحول في المؤسسات غير الاقتصادية فلا يرى روستو انه يعبر عن حتمية علاقة سببية من جهة العامل الاقتصادي وحده ، كما يعل الفكر الماركسي ايضاً . اما المراحل التاريخية للنمو ،كما يتميزها روستو ، فخمس تتدرج من :

1 – مرحلة المجتمع التقليدي

2 – المجتمع المؤهل للانطلاق

3 – المنطلق

4 – السائر نحو النضوج

5 – مرحلة الاستهلاك الشعبي ، وهي المرحلة التي بلغتها بعض المجتمعات في عصرنا الحديث ، والتي تستطيع بعض المجتمعات الاخرى المتقدمة اقتصادياً ان تدخلها ساعة تشاء .

المجتمع التقليدي

مشيد اجتماعي – اقتصادي ، تنتظم مؤسساته الانتاجية وتتحدد نظريته الى العالم الطبيعي ، باعتبار الموروث العلمي السابق لنيوتن : معطيات التكنولوجيا الحديثة . اما المحدودية فهي الصفة الغالبة في المجتمع التقليدي . وهي محدودية لا تنفي التقدم التكنولوجي في نطاق المعطيات العلمية السابقة لنيوتن ، لكنها تضع حداً لامكانية التقدم الانتاجي ، بحيث لا يمكن للمجتمع ان يتعداه الا بعد ان تتم له وسائل العلم الحديث . ويرى روستو ان هذه المحدودية الانتاجية تحتم على المجتمع التقليدي تركيز جهود كبيرة في الزراعة باعتبارها مورداً رئيساً للحياة ، تكون النتيجة نشوء نظام اجتماعي هرمي قليل المرونة ، يقوم على طبقية متيبسة ، وعلى الولاء العائلي ، ويعتبر الارض مصدراً للقوة والجاه ، ويعتمدها رابطاً مصلحياً بين الافراد والطبقات ، حتى اذا واجه هذا المجتمع تحدياً خارجياً عنيفاً ، تولد فيه نوازع حركية جذرية . واذا ما نمت مؤسساته نمواً داخلياً تلقائياً ، على ضوء بعض المعطيات العلمية النيوتونية ، بدأت فيه نزعات للتحول ، ونمت بعض قطاعاته بسرعة ، وتمت له الشروط الاولى لتعدي مرحلة المجتمع التقليدي الى مرحلة اخرى .

الشروط المؤهلة للانطلاق

إن هذه المرحلة الجديدة ، أي مرحلة الشروط المؤهلة للانتقال ، لا تختلف من حيث البنيان الاجتماعي والقيم والمؤسسات السياسية الامركزية ، اختلافاً جذرياً عن مرحلة المجتمع التقليدي. ولعل الفارق الرئيس بين المرحلتين لا يعدو ان يكون فارقاً في طبيعة حركية المجتمعين . فحركية المجتمع التقليدي لا تتعدى اطر ذلك المجتمع لأنها حركة داخلية جزئية بالضرورة ، بينما تتميز مرحلة المجتمع المؤهل للانطلاق بظهور نوازع للتحول الجذري : تحول جذري في المؤسسات السياسية – الاقتصادية وتوسع في أفاق المطامح الفردية والجماعية التي تدفع بافراد المجتمع الى العمل المثمر والى أخذ المبادرة .

مرحلة الانطلاق

اذا ما تعطلت العقبات التي تعترض سبل التنامي ، دخل المجتمع مرحلة الانطلاق ، وهي المرحلة التي تسيطر فيها القوى الفاعلة لاجل التقدم في كل مرافق الحياة ، فيصبح النمو والتنامي ظاهرة طبيعية في المجتمع . وهنا تختلف الحوافز الدافعة في هذا الاتجاه . غير ان انماط التجارب التاريخية أظهرت فعالية عاملين رئيسين : التكنولوجيا  و”الثورة ” السياسية بمعنى  انتقال الحكم السياسي ” الى جماعة تعتبر تحديث الاقتصاد قضية جدية وتعطيها المقام الاول بين القضايا السياسية ” . وفي هذه المرحلة ترتفع نسبة التثمير من خمسة الى عشرة بالمئة، فتتوسع الصناعات الجديدة بسرعة وتنشط ويتم تصنيع القطاع الزراعي .

يتبع الانطلاق فترة طويلة من التقدم المستمر ، مع شيء من التقلب ، بينما يحاول الاقتصاد المتنامي الآن ان يعمم التقنية الحديثة على جميع نواحي نشاطه وتزاد نسبة التثمير الاهلي الى 20 بالمئة ، كما ينمو الانتاج باسرع من زيادة السكان . ويتغير في هذه المرحلة ، مرحلة النضوج ، تركيب خط الانتاج والتجارة وتنمو في المجتمع الحاجة الى استيراد سلع جديدة ، بينما يتمكن الاقتصاد الوطني بدوره من تصدير بضائع جديدة . ونستطيع من ناحية الشكل ان نعرف “النضوج ” بأنه المرحلة التي يظهر الاقتصاد فيها مقدرته على تجاوز الصناعات الاصلية التي حركت مرحلته الانطلاقية ، وعلى تمثل احدث الاكتشافات المعاصرة في الحقل التقني وتطبيقها على جانب كبير من موارده ، إن لم يطبقها على الموارد كلها . ” وهذه هي المرحلة التي يظهر فيها الاقتصاد ان لديه المعرفة التقنية والمهارة الادارية اللتين تمكنانه من انتاج اي صنف يختاره من بين النطاق الكلي للاصناف ” . وكما دلت التجارب التاريخية ، فان فترة الانتقال ، من بداية الانطلاق الى النضوج ، تمتد حوالى الستين سنة .

عصر الاستهلاك الشعبي

هذه هي المرحلة ” التي تتجه فيها قطاعات الاقتصاد الرئيسة ، مع الوقت ، الى انتاج البضائع والخدمات الاستهلاكية الثابتة . وهذه الفترة هي التي يكاد الاميركيون ان يخرجوا منها ، والتي بدأت اوروبا الغربية واليابان الاستمتاع بخيراتها ، والتي تراود دول الاتحاد السوفياتي مراودة صعبة ” .

هذه هي المراحل الخمس التي يعرض لها روستو في كتابه عن مراحل النمو . فما هي قيمة هذا التقسيم ؟ .

2 – المرحلة التاريخية ، كتجريد لحالات تاريخية موضوعية مميزة ، لا تكون مادة لنظرية في التاريخ . فالمرحلة التاريخية هي مجرد اداة لتحليل السياق التاريخي وتفسيره وتوضيح دلالات الاحداث وعلاقاتها . فقيمة تقسيم مرحلة ما ، تعتمد اذن ، على شمول الدلالات الموضوعية للمراحل المحددة ، وعلى وضوح مراكز التحول الفارقة بينها ، وعلى نوعية انتظام السياق المرحلي في نمط ما محدد من حيث علاقاته الداخلية ومن حيث اتجاهه .

مسألتان يستجلبهما روستو من وجهة نظر مراحل النمو : الحرب والماركسية . المسألة الاولى درستها المدرسة الماركسية المتأخرة تحت عناون الاستعمار – ” الامبريالية ” .

الحرب في التاريخ الحديث

نظرية مراحل النمو لا تحاول ان تقدم تفسيراً عاماً لاسباب الحروب . وما تحاول هذه النظرية ان تفعله هو ان تربط مراحل النمو بانواع محددة من الحروب ، كحروب الاستعمار وحروب العدوان الاقليمي وحروب السيطرة على ميدان القوي الاوراسيوية .

الاستعمار

هي حركة نمت في حلبة القوى الاوروبية مع اطلالة القرن الخامس عشر . دوافعها مختلفة ، أهمها النزاع على التجارة ، في إطار نظام توازن القوى الاوروبي المبني على التزاحم والهادف الى الاحتكار، والى تنمية المجتمعات التقليدية المستعمرة لكي تصبح سوقاً للتصدير . حتى اذا ما استقر الحكم الاستعماري في منطقة ما ، تحول دافعه الرئيس تدريجياً عن حقيقته الاقتصادية الى مسألة ” الهوية القومية ” ، وتحولت معه المصلحة الاستعمارية لتشمل الامة ، بعد ان كانت محصورة في القلة المستفيدة اقتصادياً . ومع هذا التحول ، تتغير نوعية المؤسسة الاستعمارية لتصبح القضية الاساسية للاستعمار ، قضية ممارسة القوة العسكرية للامة المستعمرة التي تريد اذ ذاك ان تفرض هيبتها كدولة ناضجة من دون ان يؤثر ذلك ، بالطبع ،  على مصالحها الاقتصادية التقليدية .

تعتمد العلاقة بين مجتمع تقليدي مستعمر ومجتمع متقدم مستعمر ، ونضال الاول ضد الاستعمار في الاساس على مراحل النمو . والعلاقة مباشرة بين الاثنين . ” فمقدرة الشعوب المستعمرة في ارغام المستعمرين على التخلي عن الحكم كانت مباشرة الارتباط بمراحل النمو ” . ولقد كان للدروس الايجابية والسلبية التي تلقتها الشعوب المستعمرة أثرها في توليد نوع من الشروط المؤهلة لانطلاق هذه الشعوب . ووفق ذلك كله ، نشأ في هذه المجتمعات مفهوم قومي متعال على الروابط القديمة الدائرة حول العشيرة او الاقليم ، وما لبث هذا المفهوم القومي ان تبلور حول الكره المتراكم للحكم الاستعماري . ” وفي النتيجة ، نشأ عن هذه الاطارات نصف الحديثة تحالفات محلية ولدت ضغطاً سياسياً او ضغطاً عسكرياً قادراً على ارغام المستعمرين على الانسحاب . وهكذا ، فان حروب التحرير التي تتخلل التاريخ الاستعماري ، ابتداء من حرب 1776 في اميركا حتى حرب التحرير في الجزائر ، مرتبطة بشكل ما بمراحل النمو ، بل هي مرتبطة على وجه التحديد بحركية فترة الشروط ” .

العدوان الاقليمي

تسلسل نوع من الحروب عن مرحلة الشروط . المحالفات السياسية السابقة للاستقلال والملائمة لتحقيقه ، لا تنسجم مع المرحلة الاستقلالية التي تستكمل فيها شروط الانطلاق . فالعدوان الاقليمي ينبثق عن هذا التطور الانتقالي غير المحدد في فترة الشروط الممهدة للانطلاق ، كأداة للتجميع الوطني الداخلي وللكسب الخرجي الزهيد الكلفة .

النضال من اجل توازن القوى الاوراسيوي

هي الفترة التي يدرسها ” الماركسيون المحدثون ” تحت عنوان الاستعمار . فبعد مساهمة بوخارين وهيلردنغ وروزا لوكسنبرغ والاقتصادي البريطاني هوبسون ، ظهرت نظرية لينين التي وحدت اراء هولاء وربطت بينهم وبين الخط الماركسي الاورثوذكسي في كتابه ” الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية ” ثم في مجموعة مقالاته التي جمعت تحت اسم : الاستعمار والحروب الاستعمارية ” .

أما بالنسبة لروستو ، فتشير هذه الحروب بالتحديد الى الحرب العالمية الاولى والثانية والى الحرب الباردة التي يؤرخها منذ شهر حزيران / يونيو 1951 عندما بدأت مفاوضات الهدنة الكورية ، وهي حروب نمت في اوضاع ” تفاوت النمو ” بين دول اوروبا ثم بين دول اوروبا وآسيا ، بعد ان دخلت اليابان حلبة الصراع . وهذه الحروب هي محاولات لضرب التيارات التي تحاول ان تقفز من الاوضاع الدولية المتوازنة ، وابقاء نوع من توازن القوى العسكرية والاقتصادية في فترة النضوج .

نقد الماركسية على ضوء مراحل النمو

أوجه الشبه العامة بين التتابع التاريخي الماركسي والتحليل القائم على مراحل النمو ستة :

1 – كون النظامين يدرسان التطور المجتمعي من زاوية اقتصادية .

2 – كونهما يتفقان بان للتغير الاقتصادي نتائج اجتماعية وسياسية واقتصادية من دون ان تجعل نظرية مراحل النمو هذه علاقة حتمية من وجهة واحدة .

3 – اتفاق النظامين حول المصلحة الطبقية ، لكن من دون ان تقر نظرية مراحل النمو ، هنا ايضاً ، بان العامل الطبقي هو العامل الاوحد في عنلية التغير .

4 – اتفاق حول دور العامل الاقتصادي في الحروب ، لكن من دون ان تفرده نظرية النمو .

5 – اتفاق حول مسألة الرفاه كهدف بعيد للعملية الانمائية .

6 – اتفاق عام حول طريقة التحليل القطاعية .

اما أوجه الخلاف فكثيرة وأساسية . روستو لا يوافق على فرضيات ماركس عن الدوافع ، خاصة دافع الربح ، ثم يعتبرالانسان وحدة اكثر تعقيداً مما افترض ماركس ، وبذلك لا يرى امكان افراد نزعة فيه والقول انها النزعة الوحيدة . ثم ان روستو لا يعتبر ” صافي السلوك الانساني … سعياً وراء شيء أقصى ، بل موازنة بين اهداف انسانية بديلة ، متناقضة في كثير من الاحيان ، ازاء مجالات الاختيار التي يرى البشر انها مفتوحة امامهم ” . وبعد ان ينتقد روستو فرضيات ماركس ينتقل الى نقد اخطاء النظام الماركسي الفنية ، فيوضح رأيه في نظرية ماركس المالثوسية عن السكان وركود الاجور ونسبة الربح النازعة نحو الانخفاض ومواقف النظام الكلاسيكي الاخرى التي تطبع الاقتصاد الماركسي .

3- ماذا يرى روستو بعد مرحلة الاستهلاك الشعبي ؟ . هل يستحيل التنبوء بما يأتي بعد ذلك ؟ .

إن التنبوء عملية صعبة هنا ، كما هي في كل حالة . الذي يقرر طبيعة المرحلة القادمة هو طبيعة تصرف الافراد في الاوضاع الجديدة . وقد بدأت بعض اعراض مرحلة جديدة تتضح في الولايات المتحدة الاميركية ، لكن التعميم على أساس هذه الاغراض عملية لا علمية . هذه الاعراض هي اتجاه عند الاميركيين لزيادة النسل وتوسيع الاسرة في وجه زيادة الدخل ، بدل ان تحول الزيادة الى رفع مستوى المعيشة . غير ان التعميم ،كما قلنا ، عملية لا علمية اذا اعتمدت على اعراض جزئية خلال فترة قلقة من مراحل النمو .

4- ماذا يمكن ان نقول عن روستو ؟ . هل هو ماركسي ؟ . الواقع ان الاجابة الدقيقة على هذا السؤال هي في غاية التعقيد . غير اننا نستطيع ان نشير الى ظاهرتين مهمتين في تفكير روستو من شأنهما ان تضعان بينه وبين ” الماركسية – العقائدية ” حداً فاصلاً لا يصعب بعده التمييز بين خطي التفكير .

الظاهرة الاولى ان فكر روستو ، بخلاف الفكر الماركسي ، ليس فكراً مذهبياً ، بمعنى انه لا يحاول ان يقدم مذهباً فكرياً مغلقاً ، ولا يدعي تفسير قواعد الارتباطات المجتمعية على اساس بديهيات مطلقة ، لأنه ينكر ان تكون للنوازع البشرية وتيرة واحدة ، وينكر بالتالي قدرة الفكر الاجتماعي على التنبوء الدقيق والمحدد . هذه نقطة تميز اولى بين روستو وبين الفكر الماركسي . بقيت ملاحظة اخرى . فهنالك فارق نوعي بين الماركسية وبين نظرية روستو . فالماركسية ليست علماً مجرداً وحسب ، ولا هي تسجيل لوقائع التاريخ وسياقه فقط ، انما هي في الاصل التزام حياتي لمعطيات النظرية ، وطريقة في التفكير . فالماركسية ليست علماً فقط ، لكنها ايضاً ، وفبل كل شيء ، مزاج فكري . وهنا يكمن الفارق العملي بينها وبين نظرية روستو .

” نظرية النمو ” لا تقدم اكثر من سلسلة من المشاهدات العلمية ، ترفض ان تتنبأ على أساسها كما ترفض ان تعتبرها بالضرورة طريقة ملزمة في الحياة .

في هاتين الملاحظتين يكمن فارق اساس بين روستو وماركس . فان كان الاثنان قد التقيا حول  “الجزئيات العلمية ” فمما لا شك فيه ان لكل واحد منهما رأيه المستقل في قيمة هذه المعلومات ودلالاتها الاجتماعية والتاريخية .