ازمة السكر في لبنان

ازمة السكر في لبنان

الياس الفرزلي

نشر المقال في ايلول / سبتمبر 1961 ، العدد الحادي عشر ، الرائد العربي

بمناسبة الضجة التي أثيرة حول قضية السكر في لبنان ، رأت مجلة الرائد العربي ان تقوم بتحقيق حول الموضوع يلقي ضوءاً على اوضاع هذه المادة  الغذائية الاساسية ، التي هي من العناصر المهمة في الاقتصاد اللبناني ، ليس بسبب الظروف الضاغطة الحالية ، وانما على أساس ما ينتظر ان يكون . فقضية السكر في لبنان جزء من ازمة حادة تجتازها الصناعة الوطنية في هذا البلد وفي كثير من البلدان ، بسبب التفاوت في التقدم الصناعي بين دول بلغت مرحلة الكمال الصناعي  واخرى في طريق التصنيع وغيرها ما تزال في طور التخلف .

قصة السكر لا تختلف من حيث المبدأ عن ازمة صناعة النسيج وسائر الصناعات الوطنية الاخرى التي يصعب عليها ، في ظل نظام اقتصادي حر ، ان تقف على قدميها امام تدفق البضائع الاجنبية ، سواء من البلدان الرأسمالية او من البلدان الاشتراكية .

يبلغ استهلاك لبنان من السكر حوالى 35 الف طن سنوياً ، منها خمسة الآف طن استيراد وثلاثون الف طن انتاج محلي . وهذا يعني ان مصانع السكر اللبنانية تزود السوق بحوالى ثلاثين الف طن من السكر الابيض الذي ينتج من الشوندر وتتراوح كميته ، حسب السنين ، بين خمسة الآف وعشرة الآف طن والباقي يكرر من السكر الاحمر المستورد .

في لبنان اربعة مصانع للسكر ، واحد منها تهدم اثناء الحوادث الأخيرة ، والثاني يقع في منطقة الزلقة – جل الديب في المتن الشمالي ، وقد أقفل ابوابه ولكنه قابل لإستئناف العمل في اي وقت . اما الثالث قيقتصر عمله على تكرير السكر الاحمر المستورد وهو يقع قرب مدينة طرابلس . والرابع قائم في البقاع وهو يعمل جزئياً وموسمياً . وهو المصنع الوحيد الذي ينتج السكر من الشوندر ، بينما المصانع الاخرى فهي مصانع تكرير . وقد كلف مصنع البقاع مبالغ طائلة لا تقل عن ثمانية ملايين ليرة لبنانية . إلا ان عمله شل في بادئ الامر بسبب عدم توفر المياه الكافية والمادة الاولية ، أي الشوندر، ولا يزال انتاجه الحالي خاضعاً لتوفر المياه او شحها .

إن ملكية كل هذه المصانع تعود لمساهمين قلة نظموا أنفسهم بشكل شركات مساهمة ، ثم دمجوا هذه الشركات بعضها ببعض رغبة في توحيد سياسة انتاج وتصريف وتسعير السكر .

يستهلك لبنان حالياً 60 بالمئة من سكره ، المصنع محلياً والمستورد ، بطريقة مباشرة و40 بالمئة بطريقة غير مباشرة بادخاله في تصنيع بعض المشروبات والحلويات وسواها . وهذه النسبة تقريبية وغير دقيقة بسبب عدم ضبط الاحصاءات بطريقة علمية ، لكن يمكن استخلاصها من العناصر المحيطة بالموضوع .

يقتصر السكر المستورد ، في الغالب ، على السكر الانكليزي البالغ الجودة والمبلور بشكل كامل. والفرق بين جودة السكر الانكليزي والوطني ليس بنسبة تبرر اقبال عامة المستهلكين عليه ، اذا ما ظهر فرق محسوس في السعر بين الصنفين . و كانت الحكومة اللبنانية ، رغبة منها في حماية مصانع السكر الوطنية ، قد أخضعت السكر المستورد الى رسوم مالية وجمركية عالية نسبياً ، وفرضت على المنتجين سعراً موحداً لقاء هذه الحماية . ونتج عن ذلك فرق في سعر نوعي السكر المشار اليهما اعلاه يبلغ تسعة قروش لبنانية عن الكيلوغرام الواحد في الاحوال العادية ، مما يشجع المستهلك اللبناني على استهلاك السكر الوطني بشكل أوسع من استهلاكه للسكر الاجنبي المستورد .

ليست هذه سياسة مستغربة ، إذ ان ازدواجية تسعير السكر في مختلف انحاء العالم أمر مألوف جداً . فبينما نجد السكر الانكليزي يصل الى مرفأ بيروت بكلفة 35 ليرة استرلينية للطن الواحد ، نجد سعره في اسواق لندن حوالى 90 ليرة استرلينية للطن الواحد . والغاية من ذلك ، بدون شك ، تشجيع المنتج الانكليزي على تصدير انتاجه وارغام المستهلك البريطاني على دفع رسم للدولة على سلعة ، ولو غذائية ، تعتبر من الغذاء الكمالي بالقياس الى سواها . اما الفرق بين الرسوم التي تفرضها الحكومة البريطانية وتلك التي تفرضها الحكومة اللبنانية هو ان الاولى تفرض رسماً على الانتاج بينما الثانية تفرض الرسم على المستهلك . ولهذا الاختلاف في فرض الضريبة مبرراته . فالحكومة الانكليزية تعلم ، تمام العلم ، ان صناعتها قد وصلت الى درجة من الكمال والنمو يسمح لها بفرض الضرائب عليها من دون ان يتأثر الانتاج وكميته ، خاصة وان حكومة لندن تعفي الشركات المصدرة من الضرائب لتتيح لها ان تزاحم الاسعار العالمية في الاسواق الخارجية ، وبنوع خاص تلك الاسواق الاجنبية الجديدة . إلا ان المشترع اللبناني لا يمكنه ان يتبع السياسة الضرائبية نفسها نظراً لكون الظروف التي تواجه الصناعة اللبنانية في هذا المضمار تجعلها في موقف أضعف بكثير من صناعات الدول المتقدمة . وأن هذه الظروف تتمثل بالسوق الضيقة ، وبالتالي الانتاج المحدود الذي يرفع من اسعار الوحدة الانتاجية بالقياس للصناعات الاجنبية ، كذلك بدائية عملية الانتاج المحلية وقلة مهارة العمال وانعدام توفر الاخصائيين والى ما هنالك من ظروف لم تعد خافية على احد .

على المشترع اللبناني ان يفكر بتغذية صندوق الخزينة وحماية الصناعة الوطنية في آن واحد . وأفضل طريقة وأقصرها لبلوغ هذا الهدف المزدوج هي فرض الضريبة الجمركية والمالية على السكر الاجنبي المستورد . وهذه الرسوم هي على الشكل التالي :

                        رسم جمرك                  رسم  مالي                   رسم بلدي

سكر أحمر           3 ق.ل.                        12 ق. ل.                     3 بالمئة

سكر ابيض           7 ق.ل .                        26 ق.ل.                      3 بالمئة

وقد تبلغ هذه الرسوم في بعض الاحيان نسبة مئوية تعادل مئة بالمئة ، وذلك وفقاً لتطور الاسعار وتأرجح سعر السكر في العالم .

من البديهي ان يفكر المرء ان هذا الرسم ليس بالرسم اليسير والخفيف . إنه في الواقع يضاهي أعلى الرسوم المفروضة على البضائع الاجنبية ، حتى تلك التي تعتبر من كماليات الحياة . والذي دعا الحكومة الى فرض مثل هذا الرسم هو ان أسعار انتاج السكر الوطني كانت مرتفعة للغاية ، ليس فقط بسبب الاحوال العامة التي أشرنا اليها والتي تنطبق على كل الصناعات الصغيرة ، لكن لاسباب تتعلق بمصانع السكر بنوع خاص . فقد سبق ان ذكرنا ان هذه المصانع تخص عدداً قليلاً من المساهمين . وهذا العدد القليل يجني الارباح كما انه يتحمل كل المصاريف والخسائر عند وقوعها . يضاف الى ذلك ان انتاج معامل السكر في لبنان تفوق حاجة البلاد . فبينما هي تنتج 30 الف طن من السكر سنوياً ، تقدر طاقاتها الانتاجية بتسعين الف طن . ولهذا الواقع المحزن نتائج وذيول تؤثر على اسعار الكلفة الانتاجية وتصبح امكانية المضاربة في السوق المحلي أضعف وأكثر صعوبة وتعقيداً .

يذهب أصحاب معامل السكر الى أكثر من ذلك تبريراً للاسعار الحالية المرتفعة ، فيذكرون ان الحكومات السابقة اضطرتهم الى بناء مصنع البقاع رغبة منها في تزويد لبنان بمصنع ينتج السكر من الشوندر مباشرة ، وبذلك كلفتهم ما يزيد عن ثمانية ملايين ليرة لبنانية من المصاريف في تشغيل معمل لا يدر عليهم حتى الآن اية أرباح ، لا بل انهم يضطرون الى تغطية العجز الذي يلحق بهم عن طريق الارباح التي يجنونها من مصانع التكرير .

كانت الرسوم المذكورة لغاية بداية السنة الحالية ( 1961 ) كافية لحماية الانتاج الوطني وتمكين الصناعيين اللبنانيين من متابعة أعمالهم . إلا ان حادثاً ظهر في الاسواق العالمية تمثل بتدفق السكر الابيض من البلدان الشيوعية ، وجزئياً السكر الاسرائيلي المهرب ، بأسعار متدنية للغاية وغير معقولة ، حتى ان سعر طن السكر الابيض أصبح ادنى من سعر طن السكر الاحمر ، رغم ما يخسره هذا الاخير من وزن لدى تكريره وما يتطلبه من يد عاملة وتجهزات عديدة . وتشير الوقائع الرقمية الى خطورة تدفق السكر الابيض من الدول الاشتراكية التي تتمتع الصناعة واليد العاملة والانتاج الزراعي فيها باوضاع تختلف تمام الاختلاف مما هو عليه الوضع في البلدان غير الشيوعية . وهذه البلدان تكتفي في معظم الاحيان باسعار تغطي اجور اليد العاملة ، مستعينة بالتصدير باسعار زهيدة عن توقف الانتاج وبطالة العمال . والذين يتابعون ازمة العلاقات الكوبية الاميركية يتذكرون ، بلا ريب ، قصة ” كوتا السكر ” ، وهي الكمية التي كانت تستوردها الولايات المتحدة الاميركية من كوبا بأسعار مرتفعة لتكون بمثابة مساعدة لهذا البلد . ويمكن تلخيص الحرب الاقتصادية التي شنتها الولايات المتحدة ضد كوبا عندما امتنعت الاولى عن استيراد سكر الثانية باسعار مرتفعة مما أوقع خسائر كبرى في اقتصاد كوبا .

كذلك بريطانيا ، التي سبق ان أشرنا الى الفرق بين سعر سكرها المعد للاستهلاك المحلي وذلك المعد للتصدير . فقد كانت بريطانيا تستورد ، بموجب كوتا معينة ، السكر من بلدان الكومنولث باسعار مرتفعة لتعود فتصدره ، بعد تكريره ، بسعر اقل بكثير من سعر الكلفة ، بغية مساعدة بلدان الكومنولث والابقاء على علاقات اقتصادية جيدة مع هذه البلدان . وتتبع فرنسا سياسة مشابهة بالنسبة لبعض بلدان القارة الافريقية في ما يسمونه باسرة الشعوب الناطقة بالفرنسية . من هنا تتضح خطورة المزاحمة التي تتعرض لها مصانع السكر في لبنان ، حتى ان بعض اصحاب الرأي الاقتصاديين يقولون بضرورة الاستغناء عن معامل السكر الوطنية والاعتماد على الاستيراد كلياً ، واغتنام فرصة المزاحمة العالمية لتقديم السكر بسعر منخفض جداً للمستهلك اللبناني .

يأتي الرد على هذا الرأي من ناحيتين اثنتين : ناحية الصناعة الوطنية الناشئة وضرورة تشجيعها وحمايتها والاعتماد عليها لتأمين تصنيع البلد وتثبيت اقتصاده في مواجهة الازمات وعدم استمرار لبنان بالاعتماد على الخدمات كمورد رئيس لثروته ، وناحية صناعة السكر بنوع خاص  لاسيما السكر المنتج من الشوندر ، إذ ان هذه الصناعة تعتمد على يد عاملة وطنية ، وكذلك على المزارعيين المحليين الذين يعتمدون على مواسم الشوندر في قوتهم اليومي .

يقول مؤيدو الابقاء على صناعة السكر وحمايتها انه لو أخذنا بالرأي القائل بالاعتماد على الاستيراد وتوقيف المعامل ، لوجب ايضاً التوقف عن انتاج التفاح والحمضيات والاعتماد على استيرادها ، إذ ان هذه المواسم متوفرة خارجياً باسعار اقل من اسعارها المحلية . وهذا الرأي ، لا شك بعيد عن المصلحة اللبنانية ومضر بالاقتصاد الوطني في أكثر من قطاع من قطاعاته .

لقد أثار أصحاب مصانع السكر ضجة كبرى مؤخراً حول هذا الموضوع استرعت اهتمام وزارة الاقتصاد الوطني فقررت ، بعد الدرس ، اتخاذ التدابير التالية :

1 – اخضاع استيراد السكر الاجنبي للاجازة المسبقة .

2 – عدم منح هذه الاجازة الا للاشخاص الذين كانوا يستوردون السكر ، وبنسبة استرادهم له خلال السنوات الخمس الاخيرة .

 3 – تخفيض سعر السكر الوطني من 62 قرشاً للكيلو الواحد الى 60 قرشاً .

كان القصد من هذا القرار :

1 – حماية الصناعة الوطنية ومزارع الشوندر من مزاحمة السكر الاجنبي الذي يرد الى لبنان باسعار اغراقية .

2 – المحافظة على حقوق المستهلك عن طريق تخفيض سعر السكر .

3 – وضع حد لامكانيات التلاعب في منح اجازات السكر لاغراض استغلالية عن طريق تخصيص اصحاب الحق بالاستيراد دون غيرهم ، وجعل مخصصاتهم تتناسب مع استيراداتهم الفعلية بتاريخ سابق لفرض الاجازة .

قد لا تكون كل هذه التدابير كافية لحماية صناعة السكر في لبنان . فعلى الرغم من ان سعر كيلو السكر في لبنان منخفض بالنسبة للكثير من البلدان المنتجة او المستوردة فقد لا يطول هذا الانخفاض . ففي حين نرى سعر كيلو السكر الابيض في لبنان 60 قرشاً نجده في الجمهورية العربية المتحدة حوالى 82 قرشاً ، وفي بريطانيا حواى 90 قرشاً ، وكذلك سعره في الدول الاشتراكية ذاتها اغلى سعراً من لبنان . لذلك لا بد من مواجهة هذا الوضع بشجاعة وحزم وتصحيح اساسي ، قد يكون مؤذيا للبعض . فالمطلوب ان ينتقل اصحاب مصانع التكرير الى الانتاج المباشر من الشوندر والغاء مصانع التكرير نهائياً وتنمية زراعة الشوندر والعمل على تخفيض كلفة الانتاج بشكل ملموس تدريجياً . وعلى الحكومة تشجيع المزارعين على رفع انتاجيتهم ومساعدتهم في خفض تكاليفهم ، كما عليها ان تؤمن المياه الكافية واللازمة لري المساحات المزروع بالشوندر وتلك اللازمة كذلك لتشغيل معامل الانتاج .