ابن أبي عيينة وأخباره

ابن أبي عيينة وأخباره

اسمه وكنيته ونسبه: أبو عيينة -فيما أخبرنا به علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن يزيد- اسمه وكنيته أبو المنهال، قال: وكل من يدعى أبا عيينة من آل المهلب فأبو عيينة اسمه وكنيته أبو المنهال، وكل من يدعى أبا رهم من بني سدوس فكنيته أبو محمد.

وابن أبي عيينة هو محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة. وقال أبو خالد الأسلمي: هو أبو عيينة المنجاب بن أبي عيينة، وهو الذي كان يهجو ابن عمه خالداً.

واسم أبي صفرة ظالم بن سراق، وقيل: غالب بن إسراق بن صبح بن كندي بن عمرو بن عدي بن وائل بن الحارث بن العتيك بن الأسد بن عمران بن الوضاح بن عمرو بن مزيقياء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن الراكب بن الأزد.

هذا النسب الذي عليه آل المهلب، وذكر غيرهم أن أصلهم من عجم عمان وأنهم تولوا الإزد، فلما سار المهلب وشرف وعلا ذكره استلحقوه. وممن ذكر ذلك الهيثم بن عدي وأبو عبيدة وابن مزروع وابن الكلبي وسائر من جمع كتاباً في المثالب وهجتهم به الشعراء فأكثرت.

أبو صفرة ليس عربياً: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: أخبرني الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني أبو عدب الله أحمد بن محمد بن حميد بن سليمان العدوي قال: أخبرني الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عياش الهمداني قال: وفد ابن الجلندي في الأزد، أزد عمان ومواليهم وأحلافهم، فكان فيمن وفد منهم أبو صفرة، وكان يلقب بذلك، لأنه كان يصفر لحيته، فدخل على عمر مع ابن الجلندي ولحيته مخضوبة مصفرة، فقال عمر لابن الجلندي: أكل من معك عربي؟ قال: لا، فينا العربي وفينا غير ذلك، فالتفت عمر -رحمه الله- إلى أبي صفرة، فقال له: أعربي أنت؟ قال: لا، أنا ممن من الله عليه بالإسلام.

أبو صفرة يختن وهو شيخ أشمط: قال: وقدم الحكم بن أبي العاصي الثقفي أخو عثمان بأعلاج من شهرك في خلافة عمر قد أسلموا، فأمر عمر عثمان بن أبي العاصي أن يختنهم، وقد كان أبو صفرة حاضراً فقال: ما لهؤلاء يطهرون ليصلوا! قال: إنهم يختنون.

قال: إنا والله هكذا مثلهم، قال: فسمع ذلك عثمان بن أبي العاصي، فأمر بأي صفرة فأجلس على جفنة فختن وإنه لشيخ أشمط فكان بها من قال: لسنا نشك في أن زوجته كذلك، فأحضرت وهي عجوز أدماء، فأمر بها القابلة فنظرت إليها وكشفتها، وإذا هي غير مختونة، وذلك منها قد أحشف ، فأمر بها فخفضت.

وقال في ذلك زياد الأعجم، وقد غضب على المهلب:

نحن قطعنا من أبي صفرة

 

قلفته كي يدخل البصـره

لما رأى عثمان غرمـولة

 

أتن على قلفته الشفـره

من عمل كتاب المثالب: وليس هذا من الأقوال المعول عليها، لأن أصل المثالب زياد لعنه الله، فإنه لما ادعي إلى أبي سفيان، وعلم أن العرب لا تقر له بذلك مع علمها بنسبه ومع سوء آثاره فيهم، عمل كتاب المثالب، فألصق بالعرب كلها كل عيب وعار، وحق باطل، ثم بنى على الهيثم بن عدي -وكان دعياً- فأراد أن يعر أهل البيوتات تشفياً منهم، وفعل ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى، وكان أصله يهودياً، أسلم جده على يدي بعض آل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فانتمى إلى ولاء بني تميم فجدد كتاب زياد وزاد فيه، ثم نشأ غيلان الشعوبي لعنه الله، وكان زنديقاً ثنوياً لا يشك فيه، عرف في حياته بعض مذهبه، وكان يوري عنه في عوراته للإسلام بالتشعب والعصبية، ثم انكشف أمره بعد وفاته، فأبدع كتاباً عمله لطاهر بن الحسين، وكان شديد التشعب والعصبية، خارجاً عن الإسلام بأفاعيله، فبدأ فيه بمثالب بني هاشم وذكر مناكحهم وأمهاتهم وصنائعهم، وبدأ منهم بالطيب الطاهر، رسول الله صلى الله عليه وسلم فغمصه وذكره، ثم والى بين أهل بيته الأذكياء النجباء عليهم السلام، ثم ببطون قريش على الولاء، ثم بسائر العرب، فألصق بهم كل كذب وزور، ووضع عليهم كل خبر باطل، وأعطاه على ذلك مائتي ألف درهم فيما بلغني.

وإنما جر هذا القول، ذكر المهلب وما قيل فيه، وأني ذكرته فلم أجد بداً من ذكر ما روي فيه؛ وفيما مر عن أهل النسب، ثم قلت ما عندي.

يقرأ كتاب المثالب على عبد الملك، فيأمر بإحراقه: أخبرني حبيب بن نصر قال: أخبرني عمر بن شبة قال: حدثني محمد بن يحيى أبو عثمان عن أبيه قال: دخل بعض الناس على عبد الملك بن مروان فقال له: هل عندك كتاب زياد في المثالب؟ فتلكأ، فقال له: لا بأس عليك، وبحقي إلا جئتني به. فمضى فجاء به، فقال له: اقرأ علي، فقرأه وجعل عبد الملك يتغيظ ويعجب مما فيه من الأباطيل، ثم تمثل قول الشاعر:

وأجرأ من رأيت يظهر غـيب

 

على عيب الرجال أولو العيوب

ثم أمر بالكتاب فأحرق .
رجع الخبر إلى سياقه أخبار ابن أبي عيينة.

أنفد أكثر شعره في هجاء ابن عمه “خالد”: وهو شاعر مطبوع ظريف غزل هجاء. وأنفد أكثر أشعاره في هجاء ابن عمه خالد. وأخبارهما تذكر على أثر هذا الكلام وما يصلح تصدير أخباره به. وكان من شعراء الدولة العباسية من ساكني البصرة.
حدثني عمي والصولي قالا: حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي قال: حدثني أبي قال: أبو عيينة اسمه كنيته، وهو ابن محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة.

كان أبوه يتولى الري للمنصور: وأخبرني محمد بن عرمان الصيرفي قال: حدثني العنزي قال: حدثني أبو خالد الأسلمي قال: أبو عيينة الشاعر هو أبو عيينة بن النمجاب بن أبي عيينة بن المهلب، وكان محمد بن أبي عيينة أبو أبي عيينة الشاعر يتولى الري لأبي جعفر المنصور، ثم قبض عليه وحبسه وغرمه.

حبس المنصور أباه: وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال: قال وهب بن جرير: رأيت في منامي كأن قائلاً يقول لي:

ما يلقى أبو حـرب

 

تعالى الله من كرب

فلم ألبث أن أخذ المنصور أما حرب محمد بن أبي عيينة المهلبي فحبسه، وكان ولاه الري فأقام بها سنين.

كان يحب امرأة نبيلة ويكنى عنها خوف أهلها: أخبرني عيسى بن الحسين الوراق ومحمد بن يحيى الصولي وعمي قالوا: حدثنا الحزنبل الأصبهاني قال: حدثني الفيض بن مخلد مولى أبي عيينة بن المهلب قال: كان أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة يهوى فاطمة بنت عمر بن حفص الملقب هزار مرد، وكانت امرأة نبيلة شريفة، وكان يخاف أهلها أن يذكرها تصريحاً، ويرهب زوجها عيسى بن سليمان، فكان يقول الشعر في جارية لها يقال لها: دنيا، وكانت قيمة دارها، ووالية أمورها كلها. وأنشدنا لابن أبي عيينة فيها، ويكنى باسم دنيا هذه:

ما لقلبي أرق من كـل قـلـب

 

ولحبي أشد مـن كـل حـب!

ولدنيا على جـنـونـي بـدنـيا

 

أشتهي قربها وتكره قـربـي

نزلت بي بلـية مـن هـواهـا

 

والبلايا تكون من كل ضـرب

قل لدنيا إن لم تجبك لـمـا بـي

 

رطبة من دموع من عينى كتبي

فعلام انتهرت باللـه رسـلـي

 

وتهددتم بـحـبـس وضـرب

أي ذنب أذنبته لـيت شـعـري

 

كان هـذا جـزاءه أي ذنـب؟

أخبرني علي بن سليمان قال حدثني محمد بن يزيد قال: كان أبو عيينة من أطبع الناس وأقربهم مأخذاً، من غير أدب موصوف ولا رواية كثيرة، وكان يقرب البعيد، ويحذف الفضول، ويقل التكلف. وكان أصغر من أخيه عبد الله ومات قبله.

وقيل لعبد الله: أنت أشعر أم أخوك؟ فقال: لو كان له علمي لكان أشعر مني، وكان يتعشق فاطمة بنت عمر بن حفص هزار مرد التي تزوجها علي بن سليمان، ويسر عشقها، ويلقبها بدنيا كتماناً لأمرها . وكانت امرأة جليلة نبيلة سرية من النساء، وكان أبوها من أشد الفرسان وشجعانهم، فذكر عيسى بن جعفر أن عيسى بن موسى قال للمهلب بن المغيرة بن المهلب: أكان يزيد بن خالد أشجع أم عمر بن حفص هزار مرد؟ فقال المهلب: لم أشهد من يزيد ما شهدته من عمر بن حفص، وذلك أني رأيته يركب في طلب حمار وحشي حتى إذا حازاه جمع جراميزه وقفز، فصار على ظهره، فقمص الحمار، وجعل عمر بن حفص يحز معرفته إما بسيف وإما بسكين معه حتى قتله.

كان جندياً، ولم يكن يهوى فاطمة بل جارية لها: قال محمد بن يزيد: وحدثت عن محمد بن المهلب أنه أنكر أن يكون أبو عيينة يهوى فاطمة، وقال: إنما كان جندياً في عداد الشطار ، وكانت فاطمة من أنبل النساء وأسراهن، وإنما كان يتعشق جارية لها، وهذه الأبيات التي فيها الغناء من قصيدة له جيدة مشهورة من شعره، يقولها في فاطمة هذه أو جاريتها، ويكنى عنها بدنيا، فمما اختير منها قوله:

وقالوا تجنبنا فقـلـت أبـعـد مـا

 

غلبتم على قلبي بسلطانكم غصبا!

غضاب وقد ملوا وقوفي ببابـهـم

 

ولكن دنيا لا ملولا ولا غضـبـى

وقد أرسلت في السر أنـي بـرية

 

ولم تر لي فيما ترى منهم ذنـبـا

وقالت لك العتبى وعندي لك الرضا

 

وما إن لهم عندي رضاء ولا عتبى

ونبئتها تلهوا إذا اشتـد شـوقـهـا

 

بشعري كما تلهي المغنية الشربـا

فأحببتها حبـاً يقـر بـعـينـهـا

 

وحبي إذا أحببت لا يشبه الحـبـا

فيا حسرتا نغصت قـرب ديارهـا

 

فلا زلفة منها أرجى ولا قـربـا

لقد شمت الأعداء أن حيل بينـهـا

 

وبيني ألا للشامتين بنا العـقـبـى

ومما قاله فيها وغني فيه: صوت

ضيعت عهد فتى لعهدك حافـظ

 

في حفظه عجب وفي تضييعك

ونأيت عنه فما لـه مـن حـيلة

 

إلا الوقوف إلى أوان رجوعك

متخشعاً يذري عليك دمـوعـه

 

أسفاً ويعجب من جمود دموعك

إن تقتليه وتـذهـب بـفـؤاده

 

فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك

عروضه من الكامل، الغناء في هذه الأبيات من الثقيل الأول بالوسطى. ذكر عمرو بن بانة أنه له، وذكر الهشامي أنه لمحمد بن الحارث بن بسخنر، وذكر عبد الله بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام أنه لإبراهيم الموصلي.

فذكر العتابي ومحمد بن الحسن جميعاً، أن محمد بن أحمد بن يحيى المكي حدثهما قال: حدثني عمرو بن بانة قال: ركبت يوماً إلى دار صالح بن الرشيد، فاجتزت بمحمد بن جعفر بن موسى الهادي -وكان معاقراً للصبوح- فألفيته في ذلك اليوم خالياً منه، فسألته عن السبب في تعطيله إياه، فقال: نيران علي غضبي -يعني جارية لبعض النخاسين ببغداد- وكانت إحدى المحسنات، وكانت بارعة الجمال ظريفة اللسان، وكان قد أفرط في حبها حتى عرف به، فقلت له: فما تحب؟ قال: تجعل طريقك على مولاها فإنه يستخرجها إليك، فإذا فعل دفعت رقعتي هذه إليها- ودفع إلي رقعة فيها:

ضيعت عهد فتى لعهدك حافـظ

 

في حفظه عجب وفي تضييعك

إن سمته أن تذهبـي بـفـؤاده

 

فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك

فقلت له: نعم، أنا أتحمل هذه الرسالة وكرامة، على ما فيها، حفظاً لروحك عليك، فإني لا آمن أن يتمادى بك هذا الأمر. فأخذت الرقعة وجعلت طريقي على منزل النخاس، فبعثت إلى الجارية: اخرجي، فخرجت، فدفعت إليها الرقعة، وأخبرتها بخبري فضحكت، ورجعت إلى الموضع الذي أقبلت منه فجلست جلسة خفيفة، ثم إذا بها قد وافتني ومعها الرقعة، فيها: صوت

وما زلت تعصيني وتغري بـي الـردى

 

وتهجرني حتى مرنت على الـهـجـر

وتقطع أسبابـي وتـنـسـى مـودتـي

 

فكيف ترى يا مالكي في الهوى صبري!

فأصبحت لا أدري أيأسـاً تـصـبـري

 

على الهجر أم جد البـصـيرة لا أدري

غنى في هذه الأبيات عمر بن بانة، ولحنه ثقيل أول بالبنصر، ولمقاسة بن ناصح فيها ثقيل آخر بالوسطى.
لحن عمرو في الأول والثالث بغير نشيد.

قال: فأخذت الرقعة منها وأوصلتها إليه، وصرت إلى منزلي، فصنعت في بيتي محمد بن جعفر لحناً وفي أبياتها لحناً، ثم صرت إلى الأمير صالح بن الرشيد، فعرفته ما كان من خبري، وغنيته الصوتين، فأمر بإسراج دوابه فأسرجت، وركب فركبت معه إلى النخاس مولى نيران، فما برحنا حتى اشتراها منه بثلاثة آلاف دينار، وحملها إلى دار محمد بن جعفر فوهبها له، فأقمنا يومنا عنده.

أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال: حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال: دخلت على الواثق يوماً وهو خليفة ورباب في حجره جالسة، وهي صبية، وهو يقلي عليها قوله:

ضيعت عهد فتى لعهدك حافـظ

 

في حفظه عجب وفي وتضييعك

وهي تغنيه ويردده عليها، فما سمعت غناء قط أحسن من غنائهما جميعاً، وما زال يردده عليها حتى حفظته.

رجع الخبر إلى حديث أبي عيينة شعر لأخيه في فاطمة محبوبته: أخبرني علي بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: قال عبد الله بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة في فاطمة -بنت عمر بن حفص لما تزوجها عيسى بن سليمان بن علي، وكان عيسى مبخلا ، وكانت له محابس يحبس فيها البياح ويبيعه، وكانت له ضيعة تعرف بدالية عيسى يبيع منها البقول والرياحين، وكان أول من جمع السماد بالبصرة وباعه، فقال فيه أبو الشمقمق:

إذا رزق العباد فإن عيسى

 

له رزق من استاه العباد

فلما تزوج عيسى فاطمة بنت عمر بن حفص قال عبد الله بن محمد بن أبي عيينة في ذلك:

أفاطم قد زوجت عيسى فأبـشـري

 

لديه بـذل عـاجـل غـير آجـل

فإنك قد زوجت عن غير خـبـرة

 

فتى من بني العباس ليس بعـاقـل

فإن قلت من رهط النبـي فـإنـه

 

وإن كان حر الأصل عبد الشمـائل

وقد قال فيه جعـفـر ومـحـمـد

 

أقاويل حتى قالـهـا كـل قـائل

وما قلت ما قـالا لأنـك أخـتـنـا

 

وفي البيت منا والذرا والكـواهـل

لعمري لقد أثبته فـي نـصـابـه

 

بأن صرت منه في محل الحـلائل

إذا ما بنو العباس يوماً تـنـازعـوا

 

عرا المجد واختاروا كرام الخصائل

رأيت أبا العباس يسمو بـنـفـسـه

 

إلى بيع بياحاتـه والـمـبـاقـل

قال مؤلف هذا الكتاب: وكان عبد الله، أخو أبي عيينة شاعراً، وكان يقدم على أخيه، فأخبرني جحظة قال: حدثني علي بن يحيى المنجم، قال: قال إسحاق الموصلي: شعر عبد الله بن أبي عيينة أحب إلي من شعر أبيه وأخيه. قال: وكان عبد الله صديقا لإسحاق.

يصرح أخوه بذكر فاطمة وأنه يعنيها: قال محمد بن يزيد: ومما قاله في فاطمة وصرح بذكر القرابة بينهما، وحقق على نفسه أنه يعنيها قوله:

دعوتك بالقـرابة والـجـوار

 

دعاء مصرح بادي السـرار

لأني عنك مشغول بنـفـسـي

 

ومحترق عليك بـغـير نـار

وأنت توقرين وليس عـنـدي

 

على نار الصبابة مـن وقـار

فأنت لأن ما بك دون مـا بـي

 

تدارين الـعــدو ولا أداري

ولو والله تشتـاقـين شـوقـي

 

جمحت إلى مخالعة الـعـذار

ألا يا وهب فيم فضحـت دنـيا

 

وبحت بسرها بين الجـواري

أما والراقصـات بـكـل واد

 

غواد نحو مـكة أو سـواري

لقد فضلتك دنيا فـي فـؤادي

 

كفضل يدي اليمين على اليسار

فقولي ما بدا لك أن تقـولـي

 

فإني لا ألومك أن تـضـاري

من ظريف شعره فيها: قال وقال فيها، وهو من ظريف أشعاره:

رق قلبي لك يا نور عـينـي

 

وأبى قلبـك لـي أن يرقـا

فأراك الله مـوتـى فـإنـي

 

لست أرضى أن تموتي وأبقى

أنا من وجد بدنـياي مـنـهـا

 

ومن العذال فيها مـلـقـى

صوت

زعموا أني صديق لـدنـيا

 

ليت ذا الباطل قد صار حقا

في هذا البيت ثم الذي قبله، ثم الأول لإبراهيم لحن ماخوري بالوسطى عن الهشامي.

قال: وقال فيها أيضاً في هذا الوزن، وفيه غناء محدث رمل طنبوري:

عيشـــهـــا حـــلـــو وعــــــيشـــــــك مـــــــر

 

ليس مـــســــــرور كـــــــمـــــــن لا يســـــــر

كمـــد فـــي الـــحـــب تـــســـخــــــن فـــــــيه

 

عينـــه أكـــثـــر مــــمـــــــا تـــــــقـــــــر

قلـــت لـــلائم فـــيهـــا الـــه عـــنـــــــهـــــــا

 

لا يقـــع بـــينـــــي وبـــــــينـــــــك شـــــــر

أتـــرانـــي مـــقـــصـــراً عـــن هـــــواهـــــــا

 

كل مــــمـــــــلـــــــوك إذاً لـــــــي حـــــــر

وقال فيها أيضاً، وأنشدناه الأخفش عن المبرد، وأنشدناه محمد بن العباس اليزيدي قال:

 

 

أنشدني عمي عبيد الله لأبي عيينة:

حين قالـت دنـيا عـلام نـهـارا

 

زرت؟ هلا انتظرت وقت المساء!

إن تكن معجـبـاً بـرأيك لا تـف

 

رق فاستحي يا قـلـيل الـحـياء

ذاك إذ روحها وروحي مـزاجـا

 

ن كأصفى خمر بـأعـذب مـاء

معنى له يأخذه البحتري: قال محمد بن يزيد: وقد أخذ هذا المعنى غيره منه ولم يسمه، وهو البحتري، فقال: صوت

جعلت حبك من قلبي بمـنـزلة

 

هي المصافاة بين الماء والراح

تهتز مثل اهتزاز الغصن حركه

 

مرور غيث من الوسمي سحاح

الغناء في هذين البيتين لرذاذ ثقيل أول مطلق في مجرى البنصر.

من شعره الذي يكنى فيه عن فاطمة: ومما قاله أبو عيينة في فاطمة هذه، وكنى فيه بدنيا قوله: صوت

ألم تنه قلبك أن يعـشـقـا

 

ومالك والعشق لولا الشقا

أمن بعد شربك كأس النهى

 

وشمك ريحان أهل التقـى

عشقت فأصبحت في العالم

 

ين أشهر من فرس أبلقـا

أدنياي من غمر بحر الهوى

 

خذي بيدي قبل أن أغرقـا

أنا ابن المهلب ما مثـلـه

 

لو أن إلى الخلد لي مرتقى

غنى فيه أبو العبيس بن حمدون، ولحنه ثاني ثقيل مطلق، وفيه لعريب ثقيل أول، رواه أبو العبيس عنها.
قصيدة يذكر فيها دنيا ويفخر بمآثر المهلب: وهذه قصيدة طويلة يذكر فيها دنيا ويفخر بعقب النسيب بأبيه، ويذكر مآثر المهلب بالعراق، ولكن مما قاله في دنيا منها قوله:

أدنياي من غمر بحر الهوى

 

خذي بيدي قبل أن أغرقـا

 

أنا لك عبد فكوني كـمـن

 

إذا سره عبده أعـتـقـا

 

ألم أخدع الناس عن وصلها

 

وقد يخدع العاقل الأحمقـا

 

بلى فسبقـتـهـم إنـنـي

 

أحب إلى الخير أن أسبقـا

 

ويوم الجنازة إذ أرسـلـت

 

على رقعة أن جز الخندقا

 

وعـج ثـم فـانـظـر لـنـا مـجـلــســـا

 

برفـــق وإياك أن تـــخـــرقــــــا

فجـئنـا كـغـصــنـــين مـــن بـــانة

 

قرينـــي خـــدنـــين قـــد أورقـــا

فقالت لأخت لها استنشديه من شعره المحكم المنتقى

 

 

فقلت أمرت بكتمانه

 

وحـــذرت إن شـــاع أن يســـرقــــا

فقـالـت بـعـيشــك قـــولـــي لـــه

 

تمـنـع لـعـلـك أن تـــنـــفـــقـــا            

من شعره في دنيا وقد أفحش فيه: ومن مشهور قوله في دنيا وهو مما تهتك فيه وصرح وأفحش وهي من جيد قوله قصيدته التي يقول فيها:

أنا الفارغ المشغول والشوق آفـتـي

 

فلا تسألوني عن فارغي وعن شغلي

عجبت لترك الحـب دنـيا خـلـية

 

وإعراضه عنها وإقبالـه قـبـلـي

وما بالها لما كتـبـت تـهـاونـت

 

بكتبي وقد أرسلت فانتهزت رسلـي

وقد جلفت ألا تـخـط بـكـفـهـا

 

إلى قابل خطا غلي ولا تـمـلـي

أبخلا علـيهـا كـل ذا وقـطـيعة

 

قضيت لدينا بالقطـيعة والـبـخـل

سلوا قلب دنيا كيف أطلقه الـهـوى

 

فقد كان في غل وثيق وفي كـبـل

فإن جحدت فاذكر لها قصر معـبـد

 

بمنصف ما بين الأبلة والـحـبـل

وملعبنا في النهر والـمـاء زاخـر

 

قرينين كالغصنين فرعين في أصل

ومن حولنا الريحان غضا وفوقـنـا

 

ظلال من الكرم المعرش والنخـل

إذا شئت مالت بي إليهـا كـأنـنـي

 

إلى غصن بان دعصين من رمـل

ليالي ألقاني الهوى فاستضفـتـهـا

 

فكانت ثناياها بلا حشـمة نـزلـي

وكم لذة لي في هواهـا وشـهـوة

 

وركضي إليها راكباً وعلى رجـل

وفي مأتم المهدي زاحمت ركنـهـا

 

بركني وقد وطنت نفسي على القتل

وبتنا على خوف أسكن قـلـبـهـا

 

بيسراي واليمنى على قائم النصـل

فيا طيب طعم العيش إذ هي جـارة

 

وإذ نفسها وإذ أهـلـهـا أهـلـي

وإذ هي لا تعتـل عـنـي بـرقـبة

 

ولا خوف عين من وشاة ولا بعـل

فقد عفت الآثار بـينـي وبـينـهـا

 

وقد أوحشت مني إلى دارها سبلـي

ولما بلوت الحب بعـد فـراقـهـا

 

قضيت على أم المحبين بالـثـكـل

وأصبحت معزولاً وقد كنـت والـياً

 

وشتان ما بين الـولاية والـعـزل

من شعره فيها، وقد وصف فيه قصراً: صوت ومما قاله فيها وفيه غناء:

ألا في سبيل الله ما جل بي مـنـك

 

وصبرك عني حين لا صبر لي عنك

وتركك جسمي بعد أخذك مهجـتـي

 

ضئيلاً كان من قـبـل ذا تـركـي

فهل حاكم في الحب يحكم بـينـنـا

 

فيأخذ لي حقي وينصفنـي مـنـك

لسليم في هذه الأبيات هزج مطلق في مجرى الوسطى، وفي هذه القصيدة يقول يصف قصراً كانوا فيه، وهي من عجيب شعره:

لقد كنت يوم القصر مما ظننت بي

 

بريئاً كما أن بريء من الـشـرك

يذكرني الفردوس طوراً فأرعـوي

 

وطوراً يواتيني إلى القصف والفتك

بغرس كأبكار الـجـواري وتـربة

 

كأن ثراها ماء ورد على مـسـك

وسرب من الغزلان يرتعن حولـه

 

كما استل منظوم من الدر من سلك

وورقاء تحكى الموصلي إذا غـدت

 

بتغريدها أحبب بها وبمن تحـكـي

فيا طيب ذاك القصر قصراً ومنزلاً

 

بأفيح سهل غير وعر ولا ضنـك

كأن قصور القوم ينظرن حـولـه

 

إلى ملك موف على منبر الملـك

يدل عليها مستـطـيلا بـظـلـه

 

فيضحك منها وهي مطرقة تبكـي

يعده الفضل بن الربيع أشعر زمانه: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني علي بن عمرو الأنصاري، قال: سمعت الأصمعي يذكر أن الفضل بن الربيع قال لجلسائه: من أشعر أهل عصرنا؟ فقالوا فأكثروا، فقال الفضل بن الربيع: أشعر أهل زماننا الذي يقول في قصر عيسى بن جعفر بالخريبة -يعني أبا عيينة:

زر وادي القصر نعم القصر والوادي

 

وحبذا أهله مـن حـاضـر بـادي

ترفا قـراقـيره والـعـيس واقـفة

 

والضب والنون والملاح والحـادي

يحذر سعيد بن عباد عاقبة زواج له: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن مجمع قال: تزوج سعيد بن عباد بن حبيب بن المهلب بنت سفيان بن معاوية بن المهلب -وقد كان تزوجها قبله رجلان فدفنتهما، فكتب إليه أبو عيينة:

رأيت أثاثها فرغبت فـيه

 

وكم نصب لغيرك بالأثاث

إلى دار المنون فجزتهـم

 

تحثهم بأربـعة حـثـاث

فصير أمرها بيدي أبيهـا

 

وعيشك من حبالك بالثلاث

وإلا فالسلام عليك مـنـي

 

سأبدأ من غد لك بالمراثي

يعاتب إسحاق لتأخره عن دعوة إلى مجلس: أخبرني محمد بن مزيد الصولي قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: كان علي بن هشام قد دعاني وداعا أبا عيينة وتأخرت عنه حتى اصطبحنا شديداً، وتشاغلت برجل كان عندي من الأعراب، وكان فصيحاً لأكتب عنه، وكان عنده ؟ بعض من يعاديني -قال حماد: كأنه يومئ بهذا القول إلى إبراهيم بن المهدي- فسأل أبا عيينة أن يعاتبني بشعر ينسبني فيه إلى الخلف فكتب إلي:

يا مليئاً بالوعد والخلف والمـط

 

ل بطيئاً عن دعوة الأصحـاب

لهجاً بـالأعـراب إن لـدنـيا

 

بعض من تشتهي من الأعراب

قد عرفنا الذي شغلت به عنـا

 

وإن كان غير ما في الكتـاب

قال: فكتبت إلى الذي حمل أبا عيينة على هذا -يعني إبراهيم بن المهدي:

قد فهمت الكتاب أصلحك الله وعندي إليك رد الجواب

 

ولعمري ما تنصفون ولا كا

 

ن الـذي جـاء مـنـكـم فـي حـســابـــي

لسـت آتـيك فـاعـــلـــمـــن ولا لـــي

 

فيك حـظ مـن بـعـد هـذا الــكـــتـــاب

ينسب إليه شعر وجد منقوشاً على حجر: أخبرني عيسى بن الحسين الوراقي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني إبراهيم بن إسحاق العمري قال: حدثنا أبو هاشم الإسكندراني، عن ابن لهيعة قال: حفر حفر في بعض أفنية مكة، فوجد فيه حجر عليه منقوش:

ما لا يكون فلا يكون بحـيلة

 

أبداً وما هو كائن فـيكـون

سيكون هو كائن في وقـتـه

 

وأخو الجهالة متعب محزون

يسعى القوي فلا ينال بسعيه

 

حظا ويحظى عاجز ومهين

قال ابن أبي سعد: هكذا في الحديث، وقد أنشدني هذه الأبيات جماعة لأبي عيينة.

هو عند الفضل بن الربيع أشعر من أبي النواس: حدثني عمي قال، حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك، قال: حدثني علي بن عمروس الأنصاري عن الأصمعي قال: قال لي الفضل بن الربيع: يا أصمعي، من أشعر أهل زمانك؟ فقلت: أبو نواس قال: حيث يقول ماذا؟ قلت: حيث يقول:

أما ترى الشمس حلت الحملا

 

وقام وزن الزمان فاعتـدلا

فقال: والله إنه لذهن فطن، وأشعر عندي منه أبو عيينة .

شعره في دنيا حين زوجت: حدثني عمي، قال: حدثني فضل اليزيدي: عن إسحاق أنه أنشده لأبي عيينة في دنيا التي كان يشبب بها، وقد زوجت وبلغه أنها تهدى إلى زوجها، وكان إسحاق يستحسن هذا الشعر ويستجيده:

أرى عهدها كالـورد لـيس بـدائم

 

ولا خير فيمن لا يدوم لـه عـهـد

وعهدي لها كالآس حسنا وبـهـجة

 

له نضرة تبقى إذا ما انقضى الورد

فما وجد العـذري إذ طـال وجـده

 

بعفراء حتى سل مهجته الـوجـد

كوجدي غداة البين عند التفـاتـهـا

 

وقد شف عنها دون أترابها البـرد

فقلت لأصحابي هي الشمس ضوءها

 

قريب ولكن في تناولـهـا بـعـد

وإني لمن تهـدي إلـيه لـحـاسـد

 

جرى طائري نحسا وطائره سعـد

أخوه يهجو عيسى بن سليمان وقد تزوج فاطمة محبوبته: أخبرني عمي قال حدثني أحمد بن يزيد الملبي قال: سألت أبي عن دنيا التي ذكرها أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة في شعره، وقلت: إن قوماً يقولون: إنها كانت أمة لبعض مغني البصرة، فقال: لا يا بني، هي فاطمة بنت عمر بن حفص هزار مرد بن عثمان بن قبيصة أخي المهلب، وكان عيسى بن سليمان بن علي أخو جعفر ابن سليمان تزوجها، وهجاه عبد الله بن محمد بن أبي عيينة، أخو أبي عيينة فقال:

أفاطم قد زوجت عيسى فأبشري

 

لديه بذل عاجـل غـير آجـل

فإنك قد زوجت عن غير خبرة

 

فتى من بني العباس ليس بعاقل

وذكر باقي الأبيات، وقد مضت متقدماً.

يصرح بنسبه الجامع له ولفاطمة: قال أحمد بن يزيد: ثم أنشدني أبي لأبي عيينة يصرح بنسبه الجامع له ولفاطمة من أبيات له:

ولأنت إن مت المصابة بي

 

فتجنبني قتلي بـلا وتـر

فلئن هلكت لتلطمن جزعا

 

خديك قائمة على قبـري

من شعره الذي يكنى فيه بدنيا: قال أحمد: وأنشدني أبي أيضاً في تصديق ذلك، وأنه كان يكنى بدنيا عن غيرها:

ما لدنيا تجفوك والذنب مـنـهـا

 

إن هذا منها لـخـب ومـكـر

عرفت ذنبهـا إلـي فـقـالـت

 

ابدءوا القوم بالـصـياح يفـروا

قد أمرت الفؤاد بالصبر عنـهـا

 

غير أن ليس مع الحـب أمـر

وكتمت اسمها حذاراً من الـنـا

 

س ومن شرهم وفي الناس شر

ويقولون بح لـنـا بـاسـم دنـيا

 

واسم دنيا سر على الناس ذخـر

ثم قالوا ليعلموا ذات نـفـسـي

 

أعوان دنـياك أم هـي بـكـر

فتنفسـت ثـم قـلـت أبـكـر

 

شب يا أخوتي عن الطوق عمرو

شعر له ينصح فيه بترك الإلحاح: أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثي هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدثني أبو خالد الأسلمي قال: كان ابن أبي عيينة المهلبي صديقي، وهو أبو عيينة بن المنجاب بن أبي عيينة، فجاءه رجل من جيرانه كان يستثقله، فسأله حاجة فقضاها، ثم سأله أخرى فوعده بها، ثم سأله ثالثة فقال:

خفف على إخوانك المؤنـا

 

إن شئت أن تبقى لهم سكنا

لا تلحقن إذا سألت ففي ال

 

إلحاف إجحاف بهم وعنـا

فقال الرجل وانصرف.

يطلب عزل أمير البصرة فلا يجاب ويمنح صلة عوضاً: أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد، قال: حدثني المبرد قال: وفد ابن أبي عيينة إلى طاهر بن الحسين يسأله أن يعزل أمير البصرة، وكان من قبله فدافعه، وعرض عليه عوضاً خطيراً من حاجته، ووعده أن يستصلح له ذلك الأمير ويزيله عما كرهه، فأبى عزله وأجزل صلته، فقال ابن أبي عيينة فيه:

يا ذا اليمينين قد أوقرتنـي مـنـنـا

 

تترى هي الغاية القصوى من المنن

ولست أستطيع من شكر أجيء بـه

 

إلا استطاعة ذي روح وذي بـدن

لو كنت أعرف فوق الكشر منـزل

 

أوفى من الشكر عند الله في الثمن

أخلصتها لك من قلـبـي مـهـذبة

 

حذواً على مثل ما أوليت من حسن

أسا والي البصرة جواره فطلب عزله فأجيب إلى طلبه: أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثني أبي عنه أبي عكرمة عامر بن عمران، وأخبرني به عمي عن أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال: كان إسماعيل بن سليمان والياً على البصرة خليفة لطاهر بن الحسين، فأساء مجاورة ابن أبي عيينة حتى تباعد بينهما وقبح، وأظهر إسماعيل تنقصه وعيبه، فخرج إلى طاهر ليشكو إسماعيل، ويسعى في عزله عن البصرة، فبعد ذلك عليه بعض البعد، وسافر طاهر بن الحسين إلى وجه أمر بالخروج إليه، فصحبه ابن أبي عيينة في سفره، فتذمم من ذلك، وأمر بإيصاله إليه، فلما دخل ابن أبي عيينة إليه سأله عن حوائجه وأدناه، وأمره برفعها فأنشده:

من أوحـشـتـه الـــبـــلاد لـــم يقـــم

 

فيهـا ومـــن آنـــســـتـــه لـــم يرم

ومـن يبــت والـــهـــمـــوم قـــادحة

 

في صـدره بــالـــزنـــاد لـــم ينـــم

ومـن ير الـنـقـص مـــن مـــواطـــئه

 

يزل عـن الـنـقـص مـوطـئ الـــقـــدم

والـقـرب مـمـن ينـأى بـجـــانـــبـــه

 

صدع عـلـى الـشـعـب غـير مـلــتـــئم

ورب أمـر يعــيا الـــلـــبـــيب بـــه

 

يظـل مـنـه فـي حـيرة الـــظـــلـــم

صبـر عـلـيه كـظـم عـلـى مــضـــض

 

وتـركـه مــن مـــواقـــع الـــنـــدم

يا ذا الــيمـــينـــين لـــم أزرك ولـــم

 

آتـــك مـــن خـــلة ومـــن عــــدم

إنـي مـن الـلـه فـي مـــراح غـــنـــى

 

ومـغـتـدى واســـع وفـــي نـــعـــم

زارتـــك بـــي هـــمة مـــنـــازعة

 

إلـى الـعـلا مـن كـرائم الـــهـــمـــم

وإنـنـي لـلـجـمـيل مــحـــتـــمـــل

 

في الـقـدر مـن مـنـصـبـي ومـن شـيمـي

وقد تعلقت منك بالذمم الكبرى التي لا تخيب في الذمم

 

 

فإن أنل بغيتي فأنت لها

 

في الـحـق حـق الـرجــاء والـــرحـــم

وإن يعـق عـائق فـلــســـت عـــلـــى

 

جمـيل رأي عـنـدي بـــمـــتـــهـــم

في قـدر الــلـــه مـــا أحـــمـــلـــه

 

تعـويق امـرئ فـي الـلـوح والــقـــلـــم

لم يضـق الـصـبـر والـفـجــاج عـــلـــى

 

حر كـريم بـالـصـبـر مـعـــتـــصـــم

ماض كحد السنان في طرف العامل أو حد مصلت خذم

 

 

إذا ابتلاه الزمان كشفه

 

عن ثـــوب حـــرية وعـــن كــــــرم

ما ســـاء ظـــنـــي إلا بـــواحـــــدة

 

في الـصـدر مـحـصـورة عـن الـكــلـــم

ليهـن قـوم جـزت الـــمـــدى بـــهـــم

 

ولـم تـقـصـر فـيهـــم ولـــم تـــلـــم

ولـــيس كـــل الــــدلاء راجـــــــعة

 

بالـنـصـف مـن مـلـئهــا إلـــى الـــوذم

ترجع بالحماة القليلة أحياناً ورنق الـصـبـابة الأمـم

 

 

ما تنبت الأرض كل زهرتها

 

ولا تـعــم الـــســـمـــاء بـــالـــديم

ما فـي نـقـص عـــن كـــل مـــنـــزلة

 

شريفة والأمـــور بـــالـــقـــســـــم

فأجابه طاهر:

من تستضفه الهمـوم لـم ينـم

 

إلا كنوم المريض ذي السـقـم

ولا يزال قلـبـه يكـابـد مـا

 

تولد فيه الهـمـوم مـن ألـم

وقد سمعت الذي هتـفـت بـه

 

وما بأذني عنك مـن صـمـم

وقد علمنا أن لست تصحـبـنـا

 

لفـاقة فـيك لا ولا عـــدم

إلا لحـق وحـرمة وعـلـى

 

مثلك رعي الحقوق والـحـرم

أنت امرء لا تزول عـن كـرم

 

إلا إلى مثلـه مـن الـكـرم

وأنت من أسرة جـحـاجـحة

 

فازوا بحسن الفعال والـشـيم

فما ترم من جـسـيم مـنـزلة

 

فالحكم فيه إليك فـاحـتـكـم

إن كنت مستسقياً سماحـتـنـا

 

منا تـجـدك الـيدان بـالـديم

إنا أناس لـنـا صـنـائعـنـا

 

في العرب معروفة وفي العجم

مغتنمو كسب كـل مـحـمـدة

 

والكسب للحمد غير مغـتـنـم

فاحتكم عليه أبو عيينة في عزل إسماعيل بن جعفر عن البصرة، فعزله عنها وأمر له بمائة ألف درهم.
شعره في والي البصرة بعد عزله: فقال أبو عيينة في عزله إسماعيل بن جعفر عن إمارة البصرة:

لا تعدم العزل يا أبا الحسـن

 

ولا هزالاً في دولة السمـن

ولا انتقالاً من دار عـافـية

 

إلى ديار البلاء والمـحـن

أنا الذي إن كفرت نعمـتـه

 

أذاب ما في جنبيك من عكن

يهجو نزاراً، فيرد عليه ابن زعبل: حدثني عيسى بن الحسين قال: حدثني محمد بن عبد الله الحزنبل الأصبهاني قال: كان ابن أبي عيينة قد هجا نزاراً بقصيدة له مضهورة، وفضل عليها قحطان، فقال ابن زعبل يهجوه ويرد عليه، واسمه عمرو بن زعبل:

بنـي أبـي عـيينة مــا

 

نطقت به من اللـغـط؟

على ما أنت ملـتـحـف

 

من الأوجاع في الوسـط

لما في الدبر مـن نـغـل

 

وما في العرض من سقط

أتتنا الخمـس والـمـائتـا

 

ن بالنعمـاء والـغـبـط

أمير مـن هـلال مـس

 

تطيل الباع مـنـبـسـط

شريف ليس بالـمـدخـو

 

ل في عرض ولا رهـط

أظـنـك مـــن يديه وا

 

قعاً لا شـك فـي ورط

ووالى الخرج فـياض ال

 

يدين بـنـائل سـبــط

له نعـم حـبـاك بـهـا

 

فلم تحفـظ لـم تـحـط

وقاض من أمـير الـمـؤ

 

منين يقوم بـالـقـسـط

يســـرك أن مـــن آ

 

ل قحطان على شـحـط

وأنـك إن ذكـرت يقــا

 

ل شيخ فاسق الشـمـط

أعبد من عـبـيد عـمـا

 

ن عاب مناقب السـبـط

وتهجو الغر من مـضـر

 

كفى هذا من الشـطـط

تيمـم فـي مـقـــيرة

 

مسيراً غير مـغـتـبـط

مجـــوفة مـــزينة

 

بودع لاح كـالـرقــط

بنوك تجرهـا بـالـقـل

 

س مؤتـزرين بـالـفـو

متى غمسـوا مـراديهـم

 

لجد السير تـحـتـلـط

وأنت بموضع الـسـكـا

 

ن يمسكـه بـلا غـلـط

عليك عبـاءة مـشـكـو

 

كة بالشوك لـم تـخـط

فطـيب ريح بـلـدتـنـا

 

فرارك خيفة الـشـرط

وأنك قد عرفـت بـكـث

 

رة التخليط والـغـلـط

ترى الخسران إن لم تـز

 

ن فـي يوم ولـم تـلـط

طلبه المأمون لهجائه نزاراً ففر إلى عمان: قال: وكان ابن أبي عيينة لما هجا نزاراً بلغ شعره المأمون، فنذر دمه، فهرب من البصرة وركب البحر إلى عمان، فلم يزل بها متواريا في نواحي الأزد حتى مات المأمون.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني ابن مهرويه عن أبيه بقصة ابن أبي زعبل، فذكر نحو الخبر المتقدم.

يشبب بوهبة ثم يعدل دنيا: حدثني عمي قال: حدثني أحمد بن يزيد المهلبي؛ قال: حدثني أبي قال: كان ابن أبي عيينة يشبب بوهبة جارية القروي، وهي التي يقول فيها فروج الزنى قوله:

يا وهب لم يبق لي شيء أسر به

 

إلا الجلوس فتسقيني وأسقـيك

ثم عدل عن التشبيب بها إلى دنيا، وذكرهما جميعاً في شعره فقال:

أرسلت وهبة لما رأتنـي

 

بعد سقم من هواها مفيقا:

أتغيرت كأن لم تكن لـي

 

قبل أن تعرف دنيا صديقا

قد لعمري كان ذاك ولكن

 

قطعت دنيا عليك الطريقا

شعر له يدل على أنه كان يكنى بدنيا عن فاطمة: أخبرني عمي قال: حدثني أحمد بن يزيد عن أبيه قال: لما ولي عمر بن حفص هزار مرد بالبصرة -قال ابن أبي عيينة في ذلك وفي دنيا يكنى بها عن فاطمة بنت عمر بن حفص صاحبته:

هنيئاً لدنيا هنـيئاً لـهـا

 

قدوم أبيها على البصره

على أنها أظهرت نخـوة

 

وقالت لي الملك والقدره

فيا نور عيني كذا عاجلاً

 

علي تطاولت بالإمـره

قال: وهذا دليل على أنه كان يكنى عن فاطمة بدنيا، لا أنه كان يهوى جاريتها دنيا.
قال أحمد بن يزيد: وفيها يقول أيضاً:

يا حسنها يوم قالـت لـي مـودعة

 

لا تنس ما قلت، من فيها إلى أذني

كأنني لـم أصـل دنـيا عـلانـية

 

ولم أزر أهل دنيا زورة الخـتـن

جسمي معي غير أن الروح عندكم

 

فالروح في وطن والجسم في وطن

فليعجب الناس مني أن لي جـسـداً

 

لا روح فيه ولي روح بـلا بـدن

وفي هذه الأبيات هزج طنبوري محدث.

يرثي أخاه داود وقد مات في طريقه إليه: أخبرني عمي قال: حدثني أحمد بن يزيد عن أبيه قال: ورد على ابن أبي عيينة كتاب من بعض أهله بأن أخاه داود خرج إليه ببريد ، فمات بهمذان، فقال ابن أبي عيينة عند ذلك يرثيه:

أنائحة الحمام قفي فـنـوحـي

 

على داود رهنا فـي ضـريح

لدى الأجيال من همذان راحـت

 

به الأيام للـمـوت الـمـريح

ولم يشهد جنازته الـبـواكـي

 

فتبكيه بـمـنـهـل سـفـوح

وكوني مثـلـه إذ كـان حـيا

 

جواداً بالغبوق وبالـصـبـوح

أنائحة الحمام فـلا تـشـحـي

 

عليه فليس بالرجل الشـحـيح

ولا بمـثـمـر مـالاً لـدنـيا

 

ولا فيها بمغـمـار طـمـوح

يبيع كثير مـا فـيهـا بـبـاق

 

ثمين من عـواقـبـه ربـيح

ومن آل المهلب فـي لـبـاب

 

لباب الخالص المحض الصريح

همـو أبـنـاء آخـرة ودنـيا

 

وأهداف المراثـي والـمـديح

يقدم إلى الكوفة فيحب قينة فيها: أخبرني عمي، قال: حدثنا أحمد بن يزيد عن أبيه قال: قدم أبو عيينة إلى الكوفة في بعض حوائجه، فعاشره جماعة من وجوه أهلها، وأقام بها مدة، وألف فيها قينة كان يعاشرها وأحبها حباً شديداً، فقال فيها:

لعمري لقد أعطيت بالكوفة المنى

 

وفوق المنى بالغانيات النـواعـم

ونادمت أخت الشمس حسناً فوافقت

 

هواي ومثلي مثلهـا فـلـينـادم

وأنشدتها شعري بدنيا فعـربـدت

 

وقال: ملول عـهـده غـير دائم

فقلت لها يا ظبية الكوفة اغفـري

 

فقد تبت مما قلـت تـوبة نـادم

فقالت قد استوجبت منا عـقـوبة

 

ولكن سنرعى فيك روح ابن حاتم

شعره في بستان له وضيعة: قال أحمد بن يزيد، قال لي أبي: كان لابن أبي عيينة بستان وضيعة في بعض قطائع المهلب بالبصرة، فأوطنها وصيرها منزله، وأقام بها، وفيها يقول:

يا جنة فاقت الجنان فما

 

تبلغها قيمة ولا ثـمـن

ألفتها فاتخذتها وطـنـاً

 

إن فؤادي لأهلها وطن

زوج حيتانها الضباب بها

 

فهذه كـنة وذا خـتـن

فانظر وفكر فيما نطقت به

 

إن الأريب المفكر الفطن

من سفن كالنعام مقـبـلة

 

ومن نعام كأنهـا سـفـن

ينشد الموصلي من شعره: أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدثنا الزبير بن بكار وقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، أن أبا عيينة أنشده لنفسه: صوت

لا يكن منك ما بدا لي بعينـي

 

ك من اللحظ حيلة واختداعـا

إن يكن في الفؤاد شـيء وإلا

 

فدعيني لا تقتليني ضـياعـا

فلعلي إذا قربـت تـبـاعـد

 

ت وأظهرت جفوة وامتناعـا

حين نفسي لا تستطيع لما قـد

 

وقعت فيه من هواها ارتجاعا

في هذه الأبيات رمل مطلق محدث.

كان أخوه عبد الله شاعراً وله شعر في عتاب خالد البرمكي: أخبرني عمي قال: حدثني أحمد بن يزيد قال: حدثني أبي قال: كان عبد الله بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة شاعراً، وهو القائل يعاتب محمد بن يحيى بن خالد البرمكي بأبيات رائية أولها:

اسلم وإن كان فيك عـنـي

 

قبض لـكـفـيك وازورار

تلحظني عابسـاً قـطـوبـا

 

كأنـمـا بـي إلـيك ثـار

لو كان أمر عتـبـت فـيه

 

يجوز منه لـي اعـتـذار

أو كنـت سـآلة حـريصـا

 

لحان مني لـك الـفـرار

أو كنت نذلاً عـديم عـقـل

 

لا منصب لي ولا نـجـار

أولم أكن حاملاً بنـفـسـي

 

ما تحمل الأنفس الكـبـار

وأنني من خـيار قـومـي

 

وكل أهلي فـتـى خـيار

عذرت إن نالنـي جـفـاء

 

منك وإن نالـنـي ضـرار

لكـن ذنـبـي إلـيك أنـي

 

قحطان لي الجـد لا نـزار

عليك مني الـسـلام، هـذا

 

أوان ينأى بـي الـمـزار

ما كنت إلا كلـحـم مـيت

 

دعا إلى أكله اضـطـرار

راحت على الناس لابن يحيى

 

محـمـد ديمة غـــزار

ولم يكن ما أنـلـت مـنـه

 

بقدر ما ينجلي الـغـبـار

قد أصبح الناس في زمـان

 

أعلامه السفـلة الـشـرار

يستأخر السابق الـمـذكـى

 

فيه ويستقـدم الـحـمـار

وليس للمرء مـا تـمـنـى

 

يوماً وما إن لـه اخـتـيار

ما قـدر الـلـه فـهـو آت

 

وفي مـقـاديره الـخـيار

يهجو قبيصة بن روح المهلبي، ويمدح داود بن عمه: أخبرني عمي قال: حدثنا أبو هفان، قال: كان ابن أبي عيينة قد قصد ربيعة بين قبيصة بن روح بن حاتم المعلبي واستماحه، فلم يجد عنده ما قدر فيه، فانصرف مغاضباً، فوجه إليه داود ابن مزيد بن حاتم بن قبيصة، وبلغ ما أحبه ورضيه من بره، ومعونته، فقال يمدحه ويهجو قبيصة:

أقبيص لست وإن جهدت بمدرك

 

سعي ابن عمك ذي العـلا داود

شتان بينك يا قـبـيص وبـينـه

 

إن المذمم ليس كالمـحـمـود

أختار داود بـنـاء مـحـامـد

 

واخترت أكل شبـارق وثـريد

قد كان مجد أبيك لو أحبـبـتـه

 

روح أبى خلف كمـجـد يزيد

لكن جرى داود جري مـبـرز

 

فحوى المدى وجريت جري بليد

داود محمـود وأنـت مـذمـم

 

عجباً لذاك وأنتمـا مـن عـود

ولرب عود قد يشق لمـسـجـد

 

نصفاً وسائره لـحـش يهـود

فالحش أنت له وذاك لمسـجـد

 

كم بين موضع مسلح وسجـود

هذا جزاؤك يا قـبـيص لأنـه

 

جادت يداه وأنت قفـل حـديد

يدعوه حذيفة مولى جعفر بن سليمان إلى مجلس فيقول في ذلك شعراً: حدثني جعفر بن قدامة قال: حدثنا حماد بن إسحاق قال: حدثني أبي قال: كانت لأبي حذيفة مولى جعفر بن سليمان جارية مغنية يقال لها: بستان، فبلغه أن أبا عيينة بن محمد بن عيينة ذكر لبعض إخوانه محبته لها ولاستماع غنائها فدعاه، وسأله أن يطرح الحشمة بينه وبينه، فأجابه إلى ذلك، وقال لما سكر وانصرف من عنده في ذلك:

ألم ترني على كسلي وفتري

 

أجبت أبا حذيفة إذ دعانـي

وكنت إذا دعيت إلى سماع

 

أجبت ولم يكن مني تواني

كأنا من بشاشتنا ظلـلـنـا

 

بيوم ليس من هذا الزمـان

يهجو عيسى بن موسى لأنه لم يعطه سماداً لضيعته: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بالقاسم بن مهرويه قال: حدثني محمد بن عمثان قال: كانت لعيسى بن موسى ضيعة إلى جانب ضيعة ابن أبي عيينة بالبصرة، وكان له إلى جانب ضيعته سماد كثير، فسأله أن يعطيه بعضه ليعمر ابن أبي عيينة به ضيعته، فلم يفعل فقال فيه:

رأيت الناس همه المعـالـي

 

وعيسى همه جمع السـمـاد

ورزق العالمين بكـف ربـي

 

وعيسى رزقه في است العباد

هكذا ذكره ابن مهرويه، وهذا بيت فاسد، وإنما هو:

إذا رزق العباد فإن عيسى

 

له رزق من استاه العباد

أخباره مع ابن عمه خالد وسبب هجائه إياه: ولابن أبي عيينة مع ابن عمه خالد أخبار جمة أذكرها هاهنا والسبب الذي حمله على هجائه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش ببعضها، عن محمد بن يزيد المبرد، وببعضها عن أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه، وقد جمعت روايتهما فيما اتفقا عليه، ونسبت كل ما انفرد به أحدهما أو خالف فيه غليه، وذكرت في فصول ذلك وخلاله ما لم يأتيا به مما كتبته عن الرواة، قالا جميعاً: ولي خالد بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب جرحان، فسأل يزيد بن حاتم أبا عيينة أن يصحبه ويخرج معه، ووعده الإحسان والولاية، وأوسع له المواعيد. وكان أبو عيينة جندياً، فجرد اسمه في جريدته، وأخرج رزقه معه، فلما حصل لجرجان أعطاه رزقه لشهر واحد، واقتصر على ذلك، وتشاغل عنه وجفاه، فبلغه أنه قد هجاه وطعن عليه، وبسط لسانه فيه، وذكره بكل قبيح عند أهل عمله ووجوه رعيته، فلم يقدر على معاقبته، لموضع أبيه وسنه ومحله في أهله، فدعا به، وقال له: إنه قد بلغني أنك تريد أن تهرب فإما أن أقمت لي كفيلاً برزقك أو رددته، فأتاه بكفيل فأعنته، ولم يقبله، ولم يزل يردده حتى ضجر، فجاءه بما قبض من الرزق فأخذه.

من هجائه لابن عمه: ولج أبو عيينة في هجائه وأكثر فيه حتى فضحه، فقال في هذا عن أحمد بن يزيد المهلبي:

دنيا دعوتك مسرعـاً فـأجـيبـي

 

وبما اصطفيتك في الهوى فأثيبـي

دومي أدم لك بالصفاء على النـوى

 

إني بعهدك واثق فـثـقـي بـي

ومن الدليل على اشتياقي عبرتـي

 

ومشيب رأسي قبل حين مشيبـي

أبكي إليك إذا الحمـامة طـربـت

 

يا حسن ذاك إلي مـن تـطـريب

تبكي على فنن الغصـون حـزينة

 

حزن الحبيبة من فراق حـبـيب

وأنا الغريب فلا ألام على البـكـا

 

إن البكا حسـن بـكـل غـريب

أفلا ينادى للـقـفـول بـرحـلة

 

تشفى جوى من أنفس وقـلـوب

ما لي اصطفيت على التعسف خالداً

 

والله ما أنـا بـعـدهـا بـأريب

تباً لصحبة خالـد مـن صـحـبة

 

ولخالد بن يزيد من مـصـحـوب

يا خالد بن قبيصة هـيجـت بـي

 

حرباً فدونك فاصطبر لحـروبـي

لما رأيت ضمير غشـك قـد بـدا

 

وأبيت غير تجـهـم وقـطـوب

وعرفت منك خلائقا جـربـتـهـا

 

ظهرت فضائحها على التجـريب

خليت عنك مفارقا لك عن قـلـى

 

ووهبت للشيطان منك نصـيبـي

فلئن نظرت إلى الرصـافة مـرة

 

نظراً يفرج كربة الـمـكـروب

لأمزقـنـك قـائمـاً أو قـاعـداً

 

ولأروين علـيك كـل عـجـيب

ولتـأتـين أبـاك فـيك قـصـائد

 

حبرتها بتـشـكـر مـقـلـوب

ولينشدن بـهـا الإمـام قـصـيدة

 

ولتشتمن وأنـت غـير مـهـيب

ولأوذينـك مـثـلـمـا آذيتـنـي

 

ولأشلين على نـعـاجـك ذيبـي

يهجو ابن عمه وقد كتب إليه أخوه بسلامته وسلامة أهل بتيه: قال أحمد بن يزيد في خبره: حدثني أبي قال: أعرس داود بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة بالبصرة، وأخوه غائب يومئذ مع ابن عمه خالد بجرجان، فكتب داود إلى أخيه يخبره بسلامته وسلامة أهل بيته، وبخبر نقله أهله إليه، فقال أبو عيينة في ذلك:

ألا ما لعينك متعـلة

 

ومنا لدموعك منهله

وكيف بجرجان صبر امـرئ

 

وحيد بها غـير ذي خـلـه

وأطول بليلـك أطـول بـه

 

إذا عسكر القوم بـالأثـلـه

وراعك من خـيلـه حـائر

 

من القوم ليست له قـبـلـه

يسوقك نحوهـم مـكـرهـاً

 

وداود بالمصر في غفـلـه

وما مـدنـف بـين عـواده

 

ينادي وفي سمعه ثـقـلـه

بأوجع منـي إذا قـيل لـي:

 

تأهب إلى الري بالرحـلـه

ومالي وللري لولا الـشـقـا

 

ء إن كنت عنها فلي عزلـه

أكلف أجبـالـهـا شـاتـيا

 

على فرس أو على بغـلـه

وأهون من ذاك لو سهـلـوه

 

ركوب القراقير في دجلـه

تروح إلينـا بـهـا طـربة

 

رواح الندامـى إلـى دلـه

أخالد خذ مـن يدي لـطـمة

 

تغيظ من قدمـي ركـلـه

جمعت خصال الردى جمـلة

 

وبعت خصال الندى جملـه

فمالك في الخير مـن خـلة

 

وكم لك في الشر من خلـه

ولما تناضل أهـلا الـعـلا

 

نضلت فأذعنت للنـضـلـه

فما لك في المجد يا خـالـد

 

مقرطسة لا ولا خصـلـه

وأسرعت في هدم ما قد بنى

 

أبوك وأشـياخـه قـبـلـه

وكانت من النبع عـيدانـهـم

 

نضاراً وعودك من أثـلـه

فيا عجباً نـبـعة أنـبـتـت

 

خلافاً وريحـانة بـقـلـه

ثيابك لـلـعـبـد مـطـوية

 

وعرضك للشم والـبـذلـه

أجعت بنـيك وأعـريتـهـم

 

ولم تؤت في ذاك من قلـه

إذا ما دعينا لقبض العـطـاء

 

وهيأت كيسك لـلـغـلـه

وجلة تمر تـغـادي بـهـا

 

فتأتي على آخر الـجـلـه

وتقصي بنيك وهم بالـعـرا

 

ء نزلهم الملـح والـمـلـه

ولو كان خبز وتمـر لـديك

 

لما طمعوا منك في فضلـه

وتصبح تقلس عـن تـخـمة

 

كأن جشاءك عن فـجـلـه

إذا الـحـي راعـهـم رائع

 

فأوهن من غادة طـفـلـه

وليث يصول علـى قـرنـه

 

إذا ما دعيت إلـى أكـلـه

فللـه درك عـنـد الـخـوا

 

ن من فارس صادق الحمله

وإن جاءك الناس في حـاجة

 

تفكرت يومين في العـلـه

وتلقـاهـم أبـداً كـالـحـاً

 

كأن قد عضضت على بصله

فهذا نصيبـي مـن خـالـد

 

لكـم هـنة بـتة بـتـلـه

وإني لصحبتـه مـبـغـض

 

ولا خير في صحبة السفلـه

ينشد مسلم بن الوليد من هجائه في ابن عمه: حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي قال: حدثني أبو الحسن بن المنجم قال: رأيت مسلم بن الوليد الأنصاري يوماً عند أبي، ثم خرج من عنده، فلقيه ابن أبي عيينة، فسلم عليه وتحفى به، ثم قال له: ما خبرك مع خالد؟ قال: الخبر الذي تعرفه، ثم أنشده قوله فيه:

يا حفص عاط أخاط عاطه

 

كأساً تهيج من نشـاطـه

قال: ومسلم يتبسم من هجائه إياه حتى مر فيها كلها، ثم ختمها بقوله:

وإذا تطاولت ولـت الـرؤ

 

وس فغط رأسك ثم طاطه

فقال مسلم: مه، إن لله! هتكته والله وأخزيته، وإنما كنت أظن أنك تمزح وتهزل إلى آخر قولك حتى ختمته بالجد القبيح، وأفرطت فيما خرجت به إليه، ثم مضى وهو يقول: فضحته والله، هتكته والله!.

يستنشده دعبل من هجائه لابن عمه فينشده: أخبرني عمي قال: حدثني أحمد بن يزيد قال: حدثني أبي قال: لقي دعبل أبا عيينة فقال له: أنشدني قولك في ابن عمك فأنشده:

يا حفص عاط أخاك عاطه

 

كأساً تهيج من نشـاطـه

صرفاً يعود لـوقـعـهـا

 

كالظبي أطلق من رباطه

صباً طرت عنه الهـمـو

 

م نعيمه بعد انبـسـاطـه

فبكى وحق لـه الـبـكـا

 

لشقائه بعد اغتـبـاطـه

جزع المخـنـث خـالـد

 

لما وقعت على قماطـه

فانظـر إلـى نـزواتـه

 

من منطقي وإلى اختلاطه

دعـنـي وإيا خـالـــد

 

فلأقطعن عرى نـياطـه

إنـي وجـدت كـلامــه

 

فبه مشابه من ضـراطـه

رجل يعـد لـك الـوعـي

 

د إذا وطئت على بساطـه

وإذا انـتـظـرت غـداءه

 

فخف البوادر من سياطـه

يا خال صد المـجـد عـن

 

ك فلن تجوز على صراطه

وعريت من حلل الـنـدى

 

عري اليتيم ومـن رياطـه

فإذا تـطـاولـت الـرؤو

 

س فغط رأسك ثم طاطـه

قال له دعبل: أغرقت والله في النزع وأسرفت، وهتكت ابن عمك وقتلته وغضضت منه، وإنما استنشدتك وأنا أظن أنك قلت كما يقول الناس قولاً متوسطاً، ولو علمت أنك بلغت به هذا كله لما استنشدتك .

أخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي وعمي قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني الحسين بن السري قال: لقي دعبل أبا عيينة فقال له: أنشدني بعض ما قلت في ابن عمك، ثم ذكر الخبر مثل ما ذكره أحمد بن يزيد، وقال فيه: إنما ظننت أنك قلت فيه قولاً أبقيت معه عليه بعض الإبقاء، ولو علمت أنك بلغت به هذا كله وأغرقت هذا الإغراق ما استنشدتك، وجعل يعيد “فغط رأسك ثم طاطه”، ويقول: قتله الله! من مختار هجائه في خالد: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني محمد بن يزيد قال: ومن مختار ما قاله في خالد قوله:

قل لـدنـيا بـالـلـه لا تـقــطـــعـــينـــا

 

واذكـرينـا فـي بـعـض مـا تـذكـــرينـــا

لا تـخـونـي بـالـغـيب عــهـــد صـــديق

 

لم تـخــافـــيه ســـاعة أن يخـــونـــا

واذكري عيشنا وإذ نفض الريح علينا الخيري والياسمينا

 

 

إذ جعلنا الشاهسفرام فراشاً

 

من أذى الأرض والـظـلال غـــصـــونـــا

حفـظ الـلـه إخـوتـي حـــيث كـــانـــوا

 

من بـلاد ســارين أم مـــدلـــجـــينـــا

فتـية نــازحـــون عـــن كـــل عـــيب

 

وهـم فـي الـمـــكـــارم الأولـــونـــا

وهم الأكثرون يعلم ذاك الناس، والأطيبون للأطيبـينـا

 

 

أزعجتني الأقدار عنهم وقد كنت بقربي منهم شحيحاً ضنينا

 

 

وتبدلت خالداً لعنة الله عليه ولعنة اللاعنينا

 

 

رجل يقهر اليتيم ولا يؤ

 

تى زكـاة وينـهـر الـمـــســـكـــينـــا

ويصـون الـثـــياب والـــعـــرض بـــال

 

ويرائي ويمـنـــع الـــمـــاعـــونـــا

نزع الله منه صالح ما أعطاه آمين عـاجـلاً آمـنـا

 

 

فلعمر المبادرين إلى مكة وفداً غادين أو رائحينا

 

 

إن أضياف خالد وبنيه

 

ليجـوعـون فـوق مـا يشــبـــعـــونـــا

وتـراهـم مـن غـير نـســك يصـــومـــو

 

ن ومـن غـير عـلة يحـــتـــمـــونـــا

يا بـنـــي خـــالـــد دعـــوه وفـــروا

 

كم عـلـى الـجـوع ويحـكـم تـصـبـرونـــا

من مشهور هجائه في خالد: قال محمد بن يزيد: ومن مشهور شعره في قصيدته التي أولها:

ألا خبروا إن كان عندكـم خـبـر

 

أنقفل أن نثوي على الهم والضجر؟

نفى النوم عن عيني تعرض رحـلة

 

بها الهم واستولى بها بعده السهـر

فإن أشك من ليلي يجرجان طولـه

 

لقد كنت أشكو فيه بالبصرة القصر

فيا حبذا بطن الخـرير وظـهـره

 

ويا حسن واديه إذا مـاؤه زخـر

ويا حبذا نهـر الأبـلة مـنـظـراً

 

إذا مد في إبانه النهـر أو جـزر

وفتيان صدق همهم طلب الـعـلا

 

وسيماهم التحجيل في الجد والغرر

لعمري لقد فارقتهـم غـير طـائع

 

ولا طيب نفساً بـذاك ولا مـقـر

وقائلة مـاذا نـأى بـك عـنـهـم

 

فقلت لها لا علم لي فسلي القـدر

فيا سفراً أودي بلـهـوى ولـذتـي

 

ونغصني عيشي عدمتك من سفـر

دعوني وإيا خالـد بـعـد سـاعة

 

سيحمله شعري على الأبلق الأغر

كأني بصدق القول لمـا لـقـيتـه

 

وأعلمته ما فيه ألقمته الـحـجـر

دنيء به عـن كـل خـير بـلادة

 

لكل قبيح عن ذراعيه قد حـسـر

له منظر يعمي العـيون سـمـاجة

 

وإن يختبر يوماً فيا سوء مختـبـر

أبوك لنا غـيث يعـاش بـوبـلـه

 

وأنت جراد لبس يبـقـي ولا يذر

له اثر في المكـرمـات يسـرنـا

 

وأنت تعفـي دائمـاً ذلـك الأثـر

لقد قنعت قحطان خزياً بخـالـد

 

فهل لك فيه يخزك الله يا مضر

قول الرشيد وقد أنشد بيتاً في هجاء خالد: أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدثني الزبير بن بكار قال: حدثني عمي قال: أنشد الرشيد قول بن أبي عيينة:

لقد قنعت قطحان خزياً بخـالـد

 

فهل لك فيه يخزك الله يا مضر

فقال الرشيد: بل يوقرون ويشكرون.

يجمع هجاء رجل ومدح أبيه في بيت: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: قال لنا أبو العباس محمد بن يزيد: لم يجتمع لأحد من الحدثين في بيت واحد هجاء رجل ومديح أبيه كما اجتمع لابن عيينة في قوله:

أبوك لنا غيث نعيش بوبـلـه

 

وأنت جراد ليس يبقى ولا يذر

من جيد هجائه في خالد أيضاً:

على إخوتي مني السلام تـحـية

 

تحية مثـن بـالأخـوة حـامـد

وقل لهم بعد الـتـحـية أنـتـم

 

بنفسي ومالي من طريف وتالـد

وعز عليهـم أن أقـيم بـبـلـدة

 

أخا سقم فيها قـلـيل الـعـوائد

لئن ساءهم ما كان من فعل خالد

 

لقد سرهم ما قد فعلت بخـالـد

وقد علموا أن ليس مني بمفلـت

 

ولا يومه المسكين مني بواحـد

أخالد لا زالت من اللـه لـعـنة

 

عليك وإن كنت ابن عمي وقائدي

أخالد كانت صحبـتـيك ضـلالة

 

عصيت بها ربي وخالفت والدي

وأرسل يبقي الصلح لما تكنفـت

 

عوارض جنبيه سياط القصـائد

فأرسلت بعد الشر أني مسـالـم

 

إلى غير ما لا تشتهي غير عائد

هو أهجى المحدثين في عصره: أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: زعم القحذمي أن الرشيد قال للفضل بن الربيع: من أهجى المحدثين عندك يا فضل في عصرنا هذا؟ قال: الذي يقول في ابن عمه:

لو كان ينقص يزدا

 

د إذاً نال السمـاء

خالد لـولا أبـوه

 

كان والكلب سواء

أنا ما عشت عليه

 

أسوأ الناس ثنـاء

إن من كان مسيئاً

 

لحقيق أن يسـاء

فقال الرشيد: هذا ابن أبي عيينة، ولعمري لقد صدقت.

يقرأ الهادي قصيدة أرسلها إليه فيرده من جيش خالد: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أبي قال: كان ابن أبي عيينة مع ابن عمه خالد بجرجان، فأساء به وجفاه، وكان لابن أبي عيينة صديقان من جند خالد من أهل البصرة، أحدهما مهلبي والآخر مولي للأزد، وكلهم شاعر ظريف، فكانوا يمدحون السراة من أهل جرجان فيصيبون منهم ما يقوتهم. وولى موسى الهادي الخلافة فكتب ابن عيينة إلى من كان في خدمة الخلفاء من أهله بهذه القصيدة:

كيف صـبـري ومـنــزلـــي جـــرجـــان

والـــعـــراق الـــبـــلاد والأوطـــان؟

نحـن فــيهـــا ثـــلاثة حـــلـــفـــاء

ونـدامـى عـلـــى الـــهـــوى إخـــوان

نتساقى الهوى ونطرب للذكر كما تطرب النشاوي القيان

 

وإذا ما بكى الحمام بكينا

لبــكـــاه كـــأنـــنـــا صـــبـــيان

يا زمـانـي الـمـاضـي بـبـغـداد عــد لـــي

طالـمـا قـد ســـررتـــنـــي يا زمـــان

يا زمـانـي الـمـسـيء أحـسـن فـقـــدمـــا

كان عـنـدي مـن فـعـلـــك الإحـــســـان

ما يريد العذال مني أما يترك أيضاً بغمـه الإنـسـان؟

 

ويقولون أملك هواك وأقصر

قلـت مـالـي عـلـى الـهـوى سـلــطـــان

أيهـا الـكـاتـم الـــحـــديث وقـــد طـــا

ل بـه الأمـر وانـتـهـى الـكـــتـــمـــان

قد لـعـمـري عـرضـت حـينــاً فـــبـــين

ليس بـعـد الـتــعـــريض إلا الـــبـــيان

واتـخـذ خـالـــداً عـــدواً مـــبـــينـــاً

ما تـعـادى الإنـســـان والـــشـــيطـــان

والـه عـنـه فـمـــا يضـــرك مـــنـــه

عض كـلـب لـيســـت لـــه أســـنـــان

ولعمري لولا أبوه لنالته بـسـوء مـنـي يد ولـسـان

 

قل لفتياننا المقيمين بالبا

ب ثـقـوا الـــنـــجـــاح يا فـــتـــيان

لا تـخـافـوا الـزمـان قـد قـام مـــوســـى

فلـكــم مـــن ردى الـــزمـــان أمـــان

أولـم تـأتـــه الـــخـــلافة طـــوعـــاً

طاعة لـيس بــعـــدهـــا عـــصـــيان؟

فهـي مـنـقـادة لـمــوســـى وفـــيهـــا

عن ســـواء تـــقـــاعـــس وحــــران

قل لـمـوسـى يا مـلـك الـمـلـك طــوعـــاً

بقـــياد وفـــي يديك الـــعـــنـــــان

أنت بحر لـنـا ورأيك فـينـا

خير رأي لـنـا سـلـطـان

فاكفنا خالداً فقد سامنا الخسـف

رماه لحتـفـه الـرحـمـن

كم إلى كم يغضى على الذل منه

وإلى كم يكون هذا الـهـوان؟          

قال: فلما قرأ هذه القصيدة موسى الهادي أمر له بصلة، وأعطاه ما فات من رزقه، وأقفله من جيش خالد إليه.

صوت

أين محل الحـي يا وادي؟

 

خبر سقاك الرائح الغادي

مستصحب للحرب خيفـانة

 

مثل عقاب السرحة العادي

بين خدور الظعن محجوبة

 

حدا بقلبي معها الحـادي

وأسمرا في رأسـه أزرق

 

مثل لسان الحية الصـادي

الشعر لدعبل بن علي الخزاعي، والغناء لأحمد بن يحيى المكي، خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن أبي عبد الله الهشامي.