إيقاع الشعر العربي

إيقاع الشعر العربي

للشعر العربي إيقاعاته الخاصة التي تتكون بتكرار كل تفعيلة أو بربط تفعيلات مختلفة بعضها مع بعض، بما يكون في تكرارها معا إيقاعات موسعة، كما هو الشأن بالنسبة لأغلب أوزان العروض. وأصغر دائرة إيقاعية “تفعيلة” في الشعر العربي هي خماسية أي ذات خمس وحدات زمانية نجدها في تفعيلات وزن المتقارب “فعولن”. وهو ما طبق عليه الوزن الموسيقي المعروف في الجزائر بالانصراف، كما نجدها في تفعيلات وزن المتدارك “فاعلن”. وعليها نشأ الوزن المغربي المعروف بالمجرد الذي وصلنا بواسطة الغناء الصوفي للطريقة العيساوية نسبة إلى سيدي محمد بن عيسى دفين مدينة مكناس. وقد شاعت هذه الطريقة على جميع مدن وقرى وأقطار المغرب العربي وعلى عدد كبير من الأقطار الإفريقية الأخرى وخاصة منها المتاخمة للشمال الأفريقي.

من هذه التفعيلات ما كان ثلاثيا أو سداسيا إذا اعتبرنا قسمتها وهي المعروفة بـ “مفتعلن”. ويمكن أن ترسم بسوداء ومشالتين وسوداء، وهي أصل إيقاع خفيف الرمل الذي تناوله الكندي. وهو المتداول في جميع البلدان العربية والإسلامية. ويسميه البعض “أعرج” أو “عايب” لأنه يناسب مشية “العرج”. ويعرف في تركيا بالأقصاق وهو المعنى نفسه، ويعرف في المغرب “بمصرف البسيط” وفي الجزائر “بالخلاص” وفي تونس “بالختم”، لأنه تختم به النوبة. ويعرف في المشرق بالدارج أو اليورك سماعي، وهو يعتبر أيضا من أصول الفالس الغربي الذي اشتهر ما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر بمدينة فيينا عاصمة النمسا على وجه الخصوص.

باقي التفعيلات التي اخترعها الخليل بن أحمد لميزان الشعر العربي تعتبر سباعية أي تتكون من سبعة أزمنة منها:

1- الهزج وتفعيلته مفاعيلن ويمكن أن ترسم بمشالة وثلاث سوداوات.
2- الرمل وتفعيلته فاعلاتن ويمكن أن ترسم بسوداء ومشالة وسوداوين وهو مطبق في الموسيقى تحت اسم “دور هندي” ولحن عليه العديد من الموشحات.
3- الرجز وتفعيلته مستفعلن ويمكن أن ترسم بسوداوين ومشالة وسوداء.
4- السريع وتفعيلته مفعولات ويمكن أن ترسم بثلاث سوداوات ومشالة.
5- الوافر وتفعيلته مفاعلتن ويمكن أن ترسم بمشالة وسوداء فمشالتين وسوداء. وهذه التفعيلة تقابل وزن النوخت الموسيقي المتداول في أغلب البلدان العربية والإسلامية وحتى البلدان التي كان لها اتصال بالحضارة الإسلامية ومنها البلقان، وعليه العديد من ألحان الموشحات والأزجال.
6- الكامل وتفعيلته متفاعلن ويمكن أن يرسم بمشالتين وسوداء ثم مشالة وسوداء. ولو أمعنا النظر لوجدنا التفعيلتين الأخيرتين على شكل وزن موسيقي واحد وهو المعروف بالنوخت.

زاد الخليل بن أحمد في تنويع الإيقاع الشعري، فركّب هذه التفعيلات بعضها مع بعض محدثا بذلك إيقاعات أكبر وزنا، مثل فاعلاتن فاعلن في المديد، وفعولن مفاعيلن في الطويل، ومستفعلن فاعلن في البسيط. وجميعها ذوات اثنتي عشرة وحدة زمانية في أشكال مختلفة كان على الموسيقيين استثمارها في ألحانهم عبر العصور. كما أن هناك أشكالا أخرى من الوزن المتركب من اثنتي عشرة وحدة زمانية في التراث الأندلسي الذي بقي متداولا حتى الآن بإسبانيا أو فيما يسمى بالمدور شرقي بمصر والشام والبسعداوي في تونس.

استمر الخليل في تنويعه فأنتج إيقاعات ذات ثلاث عشرة وحدة زمانية. كما ربط بين التفعيلات ذوات السبع وحدات زمانية لينتج منها إيقاعات ذوات الأربع عشرة وحدة مثل مفاعيلن فاعلاتن.

ويواصل الخليل تراكيبه الإيقاعية الشعرية فيربط بين مستفعلن فاعلن فعولن في مخلع البسيط، منتجاً بذلك وزناً ذا سبع عشرة وحدة زمانية يربط بين مستفعلن مستفعلن مفعولات من السريع فينتج وزنا في إحدى وعشرين وحدة زمانية. وكذلك بين فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن من الخفيف وهو شكل آخر من وزن الاحدى والعشرين.

وقد أعطى الخليل بهذه التراكيب درسا مهما في كيفية اختراع الإيقاع ابتداء من الكلمة العربية التي عبر عن وزنها بالتفعيلة ثم بتركيب الكلمتين والثلاث كلمات.

كما قدّم الكندي الإيقاعات الآتية في رسالة بعنوان “أجزاء خبرية في الموسيقى”:

1- الثقيل في شكلين أولهما ذو خمس وحدات تمثل ثلاث نقرات خفيفة ونقرة قوية مضاعفة مكررة وهو بذلك مخالف للتفعيلتين الخماسيتين “فعولن” و”فاعلن” والثاني ذو ست وحدات تمثل ثلاث نقرات خفيفة ونقرة قوية مضاعفة ثم نقرة خفيفة، وهو ايضا مخالف للتفعيلة السداسية “مفتعلن”.

2- الماخوري وهو ذو ست وحدات تمثل نقرتين خفيفتين ونقرة واحدة تجمع أربع أزمنة ولا تماثلها أي تفعيلة.

3- الخفيف الثقيل ويجمع نقرتين خفيفتين ونقرة قوية ولا وجود لتفعيلة تماثلها ذات أربعة أزمنة.

4- الرمل ويجمع نقرتين ثقيلتين ونقرة ثقيلة ونصف. وإن كان ذا سبعة أزمنة لكنه لا يماثل أية تفعيلة من حيث الشكل.

5- خفيف الرمل.

6- خفيف الخفيف وهو يشمل ثلاث نقرات خفيفة، ليس له ما يشابهه من التفعيلات. وهو مستعمل في الموسيقى ويعرف في المشرق بالطائر وفي تونس بالهروب.

7- وأخيرا الهزج ويشمل نقرة خفيفة ونقرة ثقيلة ونصف، بحيث تمكن مقابلته بجزء من تفعيلة “علن” نمد اللام منها بحيث تصبح “علان”.

أما الفارابي فقد قدم من الإيقاعات في كتابه الموسيقي الكبير “سريع الهزج”. ويقول عنه إنه من الإيقاعات التي تؤدى بنقرة نقرة دائما، من غير أن يكون بين نقرتين منها نقرة، وهو ذو الضرب المتتالي على غرار الدسكو الحديث.

وقدم صفي الدين عبد المؤمن بن يوسف الأرموي في الفصل الثالث عشر من رسالته الأدوار مجموعة من الإيقاعات بطريقة الفارابي.

وجاء في كتاب “قانون الأصفياء في علم نغمات الأذكياء” لمحمود سيالة الصفاقسي أن أهل المغرب يلفظون لاما بدل التاء عند نطق الأسباب والأوتاد والفواصل بحيث يصبح السبب الخفيف لن بدل تن والوتد المفروق لان بدل تان والفاصلة الصغرى لللن بدلل تننن. وقد دخل هذا الاستعمال ضمن الترنمات في الغناء التقليدي. والمعروف أن هذا التعبير متداول في كل بلدان المغرب العربي من ليبيا إلى المغرب وتختص المغرب بتعويض التاء أو اللام بالنون. فنجد في ترنماتها في التراث الأندلسي “أننا”. ثم يبين صفى الدين أن أدوار الضروب المشهورة عند أرباب هذه الصناعة من العرب هي ستة وهي الثقيل الأول والثقيل الثاني والخفيف الثقيل وثقيل الرمل والرمل وخفيفه الهزج.