إيقاعات الموسيقى العربية وأشكالها

إيقاعات الموسيقى العربية وأشكالها

أشكال الموسيقى العربية مرتبطة ارتباطاً جذريّاً بإيقاعاتها، بحيث نجد الكثير من القطع الموسيقية التي ألفت أو لحنت عليها، مثل القطعة الموسيقية التي أتت من تركيا وعنوانها “سماعي” أو “ساز سماعي” وهي مؤلفة على إيقاع “السماعي الثقيل”، ومثل جميع أجزاء النوبة الأندلسية التي تعتبر عماد الموسيقى والغناء التقليديين في جميع أقطار المغرب إلى الآن. فيقال في المغرب: بسيط العراق للموشح الملحن على إيقاع البسيط من نوبة مقام العراق. ويقال في الجزائر: انصراف المجنبة للموشح أو الزجل الملحن على إيقاع الانصراف من مقام الجنبة. ويقال في تونس: البطايحية “جمع بطايحي” للموشحات أو الأزجال الملحنة على إيقاع البطايحي، كما يقال في ليبيا مصدر لما نحن من موشحات أو أزجال على هذا الإيقاع.

الإيقاعات

يقول أبو نصر الفارابي في كتابه الموسيقى الكبير: “إن الإيقاع هو النقلة على النغم في أزمنة محدودة المقادير والنسب”. ويقول أيضا: “فأزمنة الإيقاع إذا قدّرت ينبغي أن يكون المقدر لها زمان هو أقل الأزمنة الحادثة فيما بين بدايات النغم ونهاياته، وهذا الزمان هو كل زمان بين نغمتين لم يمكن أن يقع بينهما نغمة أخرى ينقسم الزمان بها”.

وقول الرئيس ابن سينا في فصل الإيقاع من بحث الموسيقى من جملة كتاب النجاة والإيقاع: “كل نقرة ينقل عنها إلى نقرة أخرى، فإما أن تنتقل في مدة لا تمحي في نقلها عن الخيال صورة الأولى حتى تكونا في الخيال كالمتوافيين معا، وإما أن لا يكونا، والإيقاع إنما يؤلف من نقرات بينها مدد على القسم الأول”.

وهذا المقياس نسبي، إذ إن كل فترة من الزمن يمكن قسمتها مهما صغرت. والظاهر أن أبا نصر وابن سينا أرادا أن يضبطا وحدة زمانية تركز عليها مختلف الإيقاعات بما يحتويه كل صوت أو نغمة من تلك الوحدة الزمانية التي جعلها الفارابي عنصر قياس.

ويعرّف صفى الدين الاموري الإيقاع في رسالته بقوله: الإيقاع هو جماعة نقرات بينها أزمنة محدودة المقادير لها أدوار متساوية الكمية على أوضاع مخصوصة يدرك تساوي تلك الأزمنة والأدوار بميزان الطبع السليم. فكما أن أدوار عروض الشعر متفاوتة الأوضاع مختلفة الأوزان لا يفتقر الطبع السليم في إدراك تساوي كل نوع منها إلى ميزان العروض، كذلك لا يفتقر الطبع السليم إدراك تساوي أزمنة كل دور من أدوار الإيقاع إلى ميزان يدرك به ذلك، بل هو غريزة جبل عليها الطبع السليم.

من هنا فإن الإيقاع في الموسيقى والغناء هو ذلك التركيب الزمني المخصوص الذي يتكون من عدد من النقرات منها القوي ومنها الضعيف، أو الحركات أو الأصوات يعاد لمرات عديدة ليبعث في الإنسان وحتى في الحيوان انسجاماً مع ذلك الإيقاع.

الانسان إيقاعي بالطبع، والإيقاع ملازم لنا في جميع فترات حياتنا. فهو معنا في الحصص المتساوية بين دقات قلوبنا وبين تنفسنا. فلو اختلفت لدل ذلك على توعك في الجسم. وفي توازن خطواتنا عند المشي سواء كان الماشي ذا رجلين عاديين فينتج بمشيته إيقاعا ثانيا، أو كانت إحدى رجليه أطول أو أقصر من الأخرى فينتج حينئذ بمشيته إيقاعا ثلاثيا يعرف بالأعرج أو العائب. كما يبرز الإيقاع في جميع حركاتنا وسكناتنا فترى الانسان يبحث عن أي توازن مهما كان بسيطا في أعماله وأقواله ليسهل على نفسه القيام بها دون أن يشعر بعناء آنذاك.

وقديما استعمل العرب “الحداء” لحث الإبل على قطع المفاوز الطويلة واستمرارها في المشي دون أن يظهر عليها تعب ولا تتوقف عن السير. وهكذا يعتبر الحداء من أقدم غناء العرب يؤدى لتنشيط الإبل لتجد الراحة في أسفارها الطويلة الشاقة.

استعملت الشعوب في مختلف العصور دقات الطبول والغناء الموقع لحث العمال على القيام بالأشغال المضنية. وقد قامت في تونس مجموعة من العملة بدق أسس بناء البيوت على أنغام موقعة يقوم بها رئيسهم وهم يرددون معه كلمة “هيا” مع دق “الرزامة”.

أصبح الجنين اليوم يستمع إلى الموسيقى وإيقاعاتها وهو في بطن أمه. وما أن يطل على هذه الدنيا حتى يشتغل عن صيحته الأولى بما يقتحم أذنيه من موسيقى وغناء وإيقاع سواء من أمه التي تعتبر مدرسته الأولى أو من المحيط الذي تشغل فيه الموسيقى أوفر نصيب، خاصة بواسطة الوسائل السمعية البصرية من إذاعة وتلفزة ومسجلات وغيرها.

أول من تناول موضوع الإيقاع بالبحث من العلماء العرب هو الخليل ابن أحمد الفراهيدي، وقد قام بضبط موازين الشعر العربي، مما يدل على مدى رسوخ ضلعه في معرفة الإيقاع وتطبيقه على الشعر العربي أو على الموسيقى والغناء بطريقة تجعله يتربع على عرش هذا الفن. فقد أقر الخليل الوحدة الزمانية بالحرف وتبعه في ذلك إسحاق يعقوب اكمندي ثم أبو نصر الفارابي بعد ذلك بما يناهز القرن. وتبعه من جاء بعده وكوّن منها أدواراً أعرب عنها بالتفعيلات المتنوعة الأشكال والأوزان، تحدث بتكرارها الانسجام الإيقاعي المطلوب.