أهمية قناة السويس

أهمية قناة السويس

القناة تسهم في تدعيم الاقتصاد والتجارة العالمية

نشر المقال في آب / اغسطس 1962 ، العدد الثاني والعشرون ، الرائد العربي

لا شك ان قناة السويس ذات أهمية قصوى بالنسبة للملاحة الدولية . ولا شك انه لولا تحسن وسائل النقل والملاحة ، لما ازدهرت التجارة بين الدول ، ولما ارتبطت الشعوب برباطها الاقتصادي ، ولما ارتقت اساليب المعيشة بين الشعوب .

تختصر قناة السويس طريق البواخر المبحرة من بلاد الغرب الى بلاد الشرق وبالعكس لأنها تجنب هذه السفن الدوران حول القارة الافريقية عن طريق راس الرجاء الصالح . وتتراوح هذه المسافة بين 17 بالمئة و59 بالمئة من طول الطريق وتساعد السفن في توفير الوقود بما يتراوح بين 50 و70 بالمئة  تبعاً لحمولة السفينة وسرعتها . وتدليلاً على ذلك نذكر ان المسافة بين ميناء جنوى في ايطاليا وميناء بومباي في الهند عن طريق قناة السويس توازي 41.5 بالمئة من المسافة بين المينائين عن طريق راس الرجاء الصالح . من هنا يتضح فضل قناة السويس على الملاحة العالمية . وأكثر من هذا ، فان نظرة واحدة لما انتاب اوروبا ودول الغرب والشرق الاقصى من ازمات خلال فترة اغلاق القناة عقب العدوان الثلاثي عليها ، تكفي وحدها دليلاً على الدور الكبير الذي يقوم به هذا المرفق على مسرح الاقتصاد العالمي .

العدوان الثلاثي على القناة

تسبب تعطيل قناة السويس مدى خمسة اشهر ونصف الشهر ، نتيجة العدوان الثلاثي عليها ، في تأخير خمسين مليون طن من البضائع من الابحار في مجراها الطبيعي ، اما لعدم نقلها مطلقاً من مكان انتاجها الى مكان استهلاكها ، او بتأخير وصولها الى مستورديها ، اذا ما سلكت طريق رأس الرجاء الصالح . وترتب على ذلك :

– نقص كبير في مادة البترول في اسواق غرب اوروبا مما اضطرها الى فرض قيود على توزيع البترول للاغراض الانتاجية والاستهلاكية ، وبالتالي الى تخفيض المصانع انتاجها الصناعي ، بل ووضعت قيوداً على استخدام السيارات ، كما حددت ساعات الانارة والتدفئة .

– انخفضت احتياطات هذه الدول من الذهب والعملات الصعبة بسبب اضطرارها الى استيراد البترول الاميركي، الذي استغل اصحابه الفرصة ورفعوا اسعاره بنسبة 25 بالمئة .

–   انخفض النشاط بشكل ملحوظ في صناعات حيوية ، وبالتالي تأثرت اسعار الاوراق المالية .

– ارتفعت اسعار السلع بسبب تأخر شحنات الخامات والمواد الاولية المستوردة من الشرق الاقصى ، فنتج عن ذلك ان ارتفعت نفقات المعيشة في اغلب دول اوروبا الغربية وانعكس هذا الارتفاع الى ازمات مالية خطيرة . وما زالت بعض البلدان الاوروبية تعاني من آثارها حتى يومنا هذا .

قامت الجمهورية العربية المتحدة ، وبسرعة ، في تطهير القناة واعادة الملاحة عبرها . ولولا اسراعها في اعادة وضع القناة الى وضعها لتحولت الازمة الاوروبية الى كارثة اقتصادية عالمية.

الجمهورية العربية المتحدة تدعم السلام العالمي

طلب الرئيس جمال عبد الناصر ان لا تتوقف الملاحة في قناة السويس ولو لدقيقة واحدة . وتلقى المهندس محمود يونس هذه التوجيهات وسهر مع رجاله ومهندسيه ليلاً ونهاراً حتى حققوا المعجزة . بدأوا بدراسة مشروعات تطهير القناة من آثار العدوان ، ثم درسوا مشروعات تأمين الملاحة فيها ، ثم التفتوا الى مشروعات تحسين حركة مرور السفن حتى اصبحت قناة السويس تساير حركة الملاحة الدولية وتطور صناعة السفن في العالم . وقد قامت الدراسات على نوعين من الدراسات : دراسات فنية ودراسات اقتصادية . فتمحورت الدراسات الفنية حول طرق تحسين الخدمة في القناة ، وانصبت الدراسات الاقتصادية على ايجاد طرق تطوير القناة ، تمشياً مع تطور التجارة العالمية واتساع آفاقها .

يمثل البترول حوالى 72 بالمئة من مجموع البضائع العابرة للقناة . ولهذا السبب شملت الدراسات الاقتصادية التي قامت بها هيئة القناة ، انتاج البترول في الخليج العربي وشمال افريقيا ومدى احتياجات العالم اليه مستقبلاً وعدد الناقلات العملاقة التي تختار طريق القناة في تنقلاتها . وتمثل هذه الناقلات نحو 53.7 بالمئة من عدد البواخر العابرة للسويس ونحو 72 بالمئة من صافي الحمولة . ثم ان أهم مناطق شحن السفن التي تعبر القناة تقع في موانيء شمال وغرب اوروبا والمملكة المتحدة وبحر البلطيق وشمال وشرق وجنوب وغرب البحر الابيض المتوسط والبحر الاسود والموانيء الاميركية ، فضلاً عن موانيء البحر الاحمر وشرق افريقيا وعدن وموانيء الهند وباكستان وسيلان وبورما والخليج العربي وجنوب شرقي آسيا وجزر الهند الشرقية والشرق الاقصى واستراليا . هي اذن تشمل موانيء العالم كله . ثم ان السفن الناقلة التي تعبر القناة لا تقتصر حمولاتها على المواد البترولية ، كالمازوت والكيروسين والبترول الخام والبنزين والسولار والديزل ، لكنها تسهم ايضاً في نقل العديد من السلع التمونية العالمية من مصادر انتاجها الى مواطن استهلاكها . فالسفن العابرة للسويس تنقل الالآت والمصانع والمواد الخام والسكر والحبوب والاسمنت والمعادن والمطاط والاسمدة والفاكهة والشاي والطباق والنباتات الزيتية والاخشاب وخامات النسيج والملح والزجاج ومصنوعاته والورق والمنتجات الكيماوية واللحوم ، الى غير ذلك من السلع الانتاجية والسلع الاستهلاكية العديدة .

ارتباط الترسانات العالمية بنشاط الادارة العربية

على هدى هذه الحقائق التي سبق ان ذكرناها ، كان على هيئة القناة العربية ان تضع نصب اعينها اعتبارات عديدة ، بل كان عليها ان تعلم ان سياسة انشاء السفن في العالم تسير الآن وفق اعمال التحسين والتعميق التي تقوم بها الهيئة بسرعة وكفاية ، مما يشجع الترسانات البحرية على زيادة انتاجها وتوجهها ، يوماً بعد يوم ،  نحو بناء السفن والناقلات الضخمة التي كانت تترد سابقاً في تنفيذها ، بعد ان أيقنت هذه الترسانات البانية للسفن العملاقة ، ان هيئة القناة جادة في تنيذ اعمال جبارة لتحسين الملاحة في القناة . وهذه المؤسسات البحرية الدولية المتخصصة في بناء السفن والناقلات الكبيرة والحديثة هي على اتصال دائم بالادارة العربية للقناة للاطلاع على اساليب ومشاريع التوسيع والتحسين . ولهذا السبب ،اعتمدت هيئة قناة السويس مشروعين مهمين  وبدأت بتنفيذها ، وهما :

1 – المشروع الثامن المعدل الرامي الى :

أ – تعميق القناة بما يسمح بمرور السفن والناقلات التي يصل غاطسها الى 27 قدماً .

ب – توسيع القناة بحيث يتراوح قطاعها المائي بين  1850 و1900 متراً مكعباً ، كي يتمشى مع الزيادة المتوقعة في احجام السفن .

ج – توحيد طراز التكسيات على طول القناة والاستعاضة عن نحو 40 طرازاً قديماً قائماً حالياً على جانبي القناة والتي تقتضي صياتها تكاليف باهظة .

وقد بدأت هيئة قناة السويس في تنفيذ هذا المشروع في مطلع سنة 1958 ، واصبح الآن بمقدور السفن ذات غاطس 36 قدماً ونصف القدم العبور . وجرى ابلاغ هذا القرار الى كل شركات الملاحة واصحاب السفن في جميع انحاء العالم .

2 – مشروع ناصر الذي يهدف في مرحلته النهائية الى حفر قناة جديدة الى جانب القناة الحالية ، مع توسيع وتطهير القناة الحالية . وعند الانتهاء من المرحلة الاولى لهذا المشروع في سنة 1963  كما هو متوقع ، ستزداد طاقة القناة التصريفية بنحو 20 بالمئة . وتقدر كلفة هذه التحسينات بمجملها خلال السنوات الخمس 1956 – 1963 بنحو 63 مليون جنيه .

ايرادات القناة

بلغت ايرادات قناة السويس سنة تأميمها 32 مليون جنيه ، وكان أكثر الناس تفاؤلاً يرون ان ايرادات القناة بعد التأميم لن تزيد عن 42 مليون جنيه او43 مليوناً ، على ابعد تقدير . واذا بالرقم يزداد بمرور السنين ويصبح 45 مليون جنيه في عام 1958 ، ثم 47 مليون جنيه في سنة 1959  فثمانية واربعين مليوناً وخمسمئة الف حنيه سنة 1960 ، ووصلت الايرادات سنة 1961 الى خمسين مليون جنيه . اما لماذا تقفز الايرادات هذه القفزات ؟ . فوراء هذا سر كبير ، بل ان وراء كل مليون جنيه زيادة ، دخلت خزينة القناة اكثر من حكاية وجهود 908 موظفاً و 235 مرشداً يعملون حالياً في صمت بعيداً عن الاضواء . في نهاية كل يوم  كان رئيس خزانة قناة السويس يجد الايرادات تزداد باطراد وتسبق ايرادات الاعوام السابقة . وكان السر يكمن في ازدياد عدد السفن المارة بالقناة . وفي عملية حسابية بسيطة ، يمكننا ان نقدر ان ايرادات الهيئة في سنة 1962 ستصل الى حوالى 53 مليون جنيه ، معظمها بالعملة الصعبة القادمة من بلدان عديدة في جيوب ربان السفن او امناء صناديقها . واليوم تتعامل الهيئة بمجموعة من العملات الاجنبية الصعبة ، البالغة 14 نوعاً من العملات ، مع 51 دولة تعبر ناقلاتها القناة . واكبر الدول التي تستفيد حالياً من خدمات القناة هي : بريطانيا ، الولايات المتحدة الاميركية ، روسيا ، فرنسا ، ايطاليا ، النروج ، وليبيريا .

تبلغ الرسوم المفروضة على كل طن من الحمولة الصافية 34 قرشاً بالنسبة للسفن المحملة . اما الفارغة فتدفع 15.5 قرشاً فقط عن الطن الواحد . اما العائمات الصغيرة فلا تدفع اية رسوم شرط ان لا تزيد حمولتها عن 300 طن وان لا تنقل ركاباً . وهناك رسوم اخرى مثل رسوم السفن في الميناء ورسوم الارشاد ورسوم تعطيل المرشدين كأن يتم استدعائهم من دون مبرر ورسوم تغيير اماكن رسو السفن ورسوم استخدام القاطرات .

الخزينة الرئيسة في هيئة قناة السويس موجودة في بور سعيد ، ولها 7 خزائن فرعية تعمل بدون انقطاع ، ويتعامل معها 35 وكيلاً لمختلف شركات الملاحة الدولية . ومن الطريف ان خزينة بور سعيد ما زالت تحتفظ حتى الآن بمئة جنيه ذهباً ، موجودة منذ عشرات السنين ، ايام كانت رسوم العبور تدع بالذهب . كما لا تزال موازين الذهب موجودة حتى الآن .