أغاني الخلفاء وأولادهم

أغاني الخلفاء وأولادهم

من ثبت عنه من الخلفاء أنه غنى ومن لم يثبت عنه ذلك: قال مؤلف هذا الكتاب: المنسوب إلى الخلفاء من الأغاني والملصق بهم منها لا أصل لجله ولا حقيقة لأكثره، لا سيما ما حكاه ابن خرداذبة فإنه بدأ بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر أنه تغنى في هذا البيت:

كأن راكبها غصنٌ بمروحةٍ

ثم والى بين جماعة من الخلفاء واحداً بعد واحد، حتى كأن ذلك عنده ميراث من مواريث الخلافة أو ركن من أركان الإمامة لابد منه ولا معدل عنه، يخبط خبط العشواء ويجمع جمع حاطب الليل. فاماعمر بن الخطاب فلو جاز هذا أن يروى عن كل أحد لبعد عنه؛ وإنما روي أنه تمثل بهذا البيت وقد ركب ناقةً فاستوطأها، لا أنه غنى به، ولا كان الغناء العربي أيضاً عرف في زمانه إلا ما كانت العرب تستعمله من النصب والحداء، وذلك جارٍ مجرى الإنشاد إلا أنه يقع بتطريب وترجيع يسير ورفعٍ للصوت. والذي صح من ذلك عن رواة هذا الشأن فأنا ذاكرٌ منه ما كان متقن الصنعة لاحقاً بجيد الغناء قريباً من صنعة الأوائل وسالكاً مذاهبهم لا ما كان ضعيفاً سخيفاً، وجامعٌ منه ما اتصل به خبرٌ له يستحسن ويجري مجرى هذا الكتاب وما تضمنه.

فأول من دونت له صنعةٌ منهم عمر بن عبد العزيز؛ فإنه ذكر عنه أنه صنع في أيام إمارته على الحجاز سبعة ألحان يذكر سعاد فيها كلها؛ فبعضها عرفت الشاعر القائل له فذكرت خبره، وبعضها لم أعرف قائله فأتيت به كما وقع إلي. فإن مر بي بعد وقتي هذا أثبته في موضعه وشرحت من أخباره ما اتصل بي، وإن لم يقع لي ووقع إلى بعض من كتب هذا الكتاب فمن أقل الحقوق عليه أن يتكلف إثباته ولا يستثقل تجشم هذا القليل فقد وصل إلى فوائد جمة تجشمناها له ولنظرائه في هذا الكتاب، فحظي بها من غير نصبٍ ولا كدح؛ فإن جمال ذلك موفر عليه إذا نسب إليه، وعيبه عنا ساقطٌ مع اعتذارنا عنه إن شاء الله.

ومن الناس ممن ينكر أن تكون لعمر بن عبد العزيز هذه الصنعة ويقول: إنها أصواتٌ محكمة العمل لا يقدر على مثلها إلا من طالت دربته بالصنعة وحذق الغناء ومهر فيه وتمكن منه. ولم يوجد عمر بن عبد العزيز في وقت من الأوقات ولا حال من الحالات اشتهر بالغناء ولا عرف به ولا بمعاشرة أهله، ولا جالس من ينقل ذلك عنه ويؤديه؛ وإنما هو شيء يحسن المغنون نسبته إليه. وروي من غير وجه خلافٌ لذلك وإثباتٌ لصنعته إياها، وهو أصح القولين؛ لأن الذين أنكروا ذلك لم يأتوا على إنكارهم بحجة أكثر من هذا الظن والدعوى، ومخالفوهم قد أيدتهم أخبارٌ رويت.

عمر بن عبد العزيز والغناء

أخبرني محمد بن خلف وكيع والحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق قال حدثني أبي عن أبيه وعن إسماعيل ابن جامع عن سياط عن يونس الكاتب عن شهدة أم عاتكة بنت شهدة عن كردم بن معبد عن أبيه: أن عمربن عبد العزيز طارحه لحنه في:

ألما صاحبي نزر سعادا

ونسخت هذا الخبر من كتاب محمد بن الحسين الكاتب قال حدثني أبو يعلى زرقان غلام أبي الهذيل وصاحب أحمد بن أبي داود قال حدثني محمد بن يونس قال حدثني هاتفٌ أراه قال أم ولد المعتصم قالت حدثتني علية بنت المهدي قالت حدثتني عاتكة بنت شهدة عن أمها شهدة عن كردم قال: طرح علي عمر بن عبد العزيز لحنه:

علق القلب سـعـادا

 

عادت القلب فعـادا

كلما عوتب فـيهـا

 

أو نهي عنها تمادى

وهو مشغوف بسعدى

 

قد عصى فيها وزادا

قال كردم: وكان عمر أحسن خلق الله صوتاً، وكان حسن القراءة للقرآن.

ونسخت من كتاب ابن الكرنبي بخطة حدثني أحمد بن الفتح الحجاجي في مجلس حماد بن إسحاق قال أخبرني احمد بن الحسين قال: رأيت عمر بن عبد العزيز في النوم وعليه عمامةٌ ورأيت الشجة في وجهه تدل على أنها ضربة حافرٍ، فسمعته يقول: قال عمر بن الخطاب: لا تعلموا نساءكم الخلع . قال حدثني محمد بن الحسين: فأقبلت عليه في نومي فقلت له: يا أمير المؤمنين، صوتٌ يزعم الناس أنك صنعته في شعر جرير:

ألما صاحبي نـزر سـعـادا

 

لوشك فراقها وذرا البعـادا

لعمرك إن نفع سعاد عنـي

 

لمصروفٌ ونفعي عن سعادا

إلى الفاروق ينتسب ابن ليلى

 

ومروان الذي رفع العمـادا

فتبسم عمر ولم يرد علي شيئاً.
نسبة هذين الصوتين ???????????صوت

ألما صاحبي نـزر سـعـادا

 

لوشك فراقها وذرا البعـادا

لعمرك إن نفع سعاد عنـي

 

لمصروفٌ ونفعي عن سعادا

إلىالفاروق ينتسب ابن ليلـى

 

ومروان الذي رفع العمـادا

الشعر لجرير يمدح عمربن عبد العزيز بن مروان. والغناء لعمر بن عبد العزيز ثقيلٌ أول مطلق في مجرى البنصر. وفيه خفيف ثقيلٍ ينسب إلى معبد.
?صوت

علق القلب سـعـادا

 

عادت القلب فعـادا

كلما عوتب فـيهـا

 

أو نهي عنا تمـادى

وهو مشغوفٌ بسعدى

 

قد عصى فيها وزادا

الغناء لعمر بن عبد العزيز خفيف ثقيلٍ. وفيه ثاني ثقيلٍ ينسب إلى الهذلي.

?????ذكر عمر بن عبد العزيز وشيء من أخباره هو أشج بني مروان: عمر بن عبد العزيز مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. ويكنى أبا حفص. وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكان يقال له أشج قريش؛ لأنه كان في جبهته أثر يقال إنه ضربة حافرٍ. فذكر يحيى بن سعيد الأموي عن أبيه أن عبد الملك بن مروان كان يؤثر عمر بن عبد العزيز ويرق عليه ويدينه، وإذا دخل عليه رفعه فوق ولده جميعاً إلا الوليد. فعاتبه بعض بنيه على ذلك، فقال له: أو ما تعلم لم فعلت ذلك؟ قال لا. قال: إن هذا سيلي الخلافة يوماً وهو أشج بني مروان الذي يملأ الأرض عدلاً بعد أن تملأ جوراً، فمالي لا أحبه وأدنيه ???????!.

أخبرني محمد بن يزيد قال حدثنا الرياشي قال حدثنا سالم بن عجلان قال: خرج عمر بن عبد العزيز يلعب فرمحته بغلةٌ على جبينه. فبلغ الخبر أمه أم عاصم، فخرجت في خدمها ،وأقبل عبد العزيز بن مروان إليها فقالت: أما الكبير فيخدم، وأما الصغير فيكرم، وأما الوسط فيضيع ! لما لا تتخذ لابني حاضناً حتى أصابه ما ترى ! فجعل عبد العزيز يمسح الدم عن وجهه، ثم نظر إليها وقال لها: ويحك ! إن كان أشج بني مروان، أو أشج بني أمية، إنه لسعيد !.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن أحمد المقدمي قال حدثنا عبيد الله بن سعد الزهري قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة قال سمعت ثروان مولى عمر بن عبد العزيز قال: دخل عمر بن عبد العزيز وهو غلام إصطبل أبيه، فضربه فرس على وجهه، فأوتي به أبوه يحمل. فجعل أبوه يمسح الدم عن وجهه ويقول: لئن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد.

أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا مصعب الزبيري قال: كانت بنتٌ لعبيد الله بن عمر بن الخطاب تحت إبراهيم بن نعيم النحام فماتت، فأخذ عاصم بن عمر بيده فأدخله منزله، وأخرج إليه ابنتيه حفصة وأم عاصم، فقال له: اختر فأختار حفصة فزوجها إياه. فقيل له تركت أم عاصم وهي أجملهما ! فقال: رأيت جاريةً رأئعة، وبلغني أن آل مروان ذكروها فقلت: علهم أن يصيبوا من دنياهم. فتزوجها عبد العزيز بن مروان، فولدت له أبا بكر وعمر وكانت عنده. وقتل إبراهيم بن نعيم يوم الحرة. وماتت أم عاصم عند عبد العزيز بن مروان؛ فتزوج أختها حفصة بعدها، فحملت إليه بمصر؛ فمرت بأيلة وبها مخنث أو معتوه وقد كان أهدى لأم عاصم حين مرت به فأثابته. فلما مرت به حفصة أهدى لها فلم تثبه. فقال: “ليست حفصة من رجال أم عاصم ” فذهبت مثلاً.

لما ولي بدأ بأهل بيته وأخذ ما كان في أيديهم وسمى أعمالهم المظالم: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا أبو بكر الرمادي وسليمان بن أبي شيخ قالا حدثنا أبو صالح كاتب الليث قال حدثني الليث قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز، بدأ بلحمته وأهل بيته، فأخذ ما كان في أيديهم وسمى أعمالهم المظالم. ففزعت بني أمية إلى فاطمة بنت مروان عمته. فأرسلت إليه: إنه قد عناني أمرٌ لا بد من لقائك فيه. فأتته ليلاً فأنزلها عن دابتها. فلما أخذت مجلسها قال: يا عمة، أنت أولى بالكلام لأن الحاجة لك فتكلمي. قالت: تكلم يا أمير المؤمنين. فقال: إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمةً، لم يبعثه عذاباً، إلى الناس كافة، ثم اختار له ما عنده فقبضه إليه، وترك لهم نهراً شربهم فيه سواء. ثم قام أبو بكر فترك النهر على حاله. ثم ولي عمر فعمل على عمل صاحبه، فلما ولي عثمان اشتق من ذلك النهر نهراً. ثم ولي معاوية فشق منه الأنهار. ثم لم يزل ذلك النهر يشق منه يزيد ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان حتى أفضى الأمر إلي، وقد يبس النهر الأعظم ولن يروى أصحاب النهر حتى يعود إليهم النهر الأعظم إلى ما كان عليه. فقالت له: قد أردت كلامك ومذاكرتك. فأما إذ كانت هذه مقالتك فلست بذاكرةٍ لك شيئاً أبداً. ورجعت إليهم فأبلغتهم كلامه.

وقال سليمان بن أبي شيخ في خبره: فلما رجعت إلى بني أمية قالت لهم: ذوقوا مغبة أمركم في تزويجكم آل عمر بن الخطاب.
كثير والأحوص ونصيب عند عمر بن عبد العزيز: أخبرني محمد بن خلف وكيع قال أخبرني عبد الله بن دينار مولى بني نصر بن معاوية قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن التيمي قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن سهيل عن حماد الراوية، وأخبرني محمد بن حسين الكندي خطيب القادسية قال حدثنا الرياشي قال حدثنا شيبان بن مالك قال حدثنا عبد الله بن إسماعيل الجحدري عن حماد الراوية، والروايتان متقاربتان وأكثر اللفظ للرياشي، قال: دخلت المدينة ألتمس العلم، فكان أول من لقيت كثيرعزة. فقلت: يا أبا صخر، ما عندك من بضاعتي؟ قال: عندي ما عند الأحوص ونصيب. قلت: وما هو؟ قال: هما أحق بإخبارك. فقلت له: إن لم نحث المطي نحوكم شهراً نطلب ما عندكم إلا ليبقى لكم ذكرٌ، وقل من يفعل ذلك، فأخبرني عما سألتك ليكون ما تخبرني به حديثاً آخذه عنك. فقال: إنه لما كان من أمر عمر بن عبد العزيز ما كان، قدمت أنا ونصيب والأحوص وكل واحد منا يدل بسابقته عند عبد العزيز وإخائه لعمر. فكان أول من لقينا مسلمة بن عبد الملك وهو يومئذٍ فتى العرب، وكل واحد منا ينظر في عطفيه لا يشك أنه شريك الخليفة في الخلافة، فأحسن ضيافتنا وأكرم مثوانا، ثم قال: أما علمتم أن إمامكم لا يعطي الشعراء شيئاً؟ قلنا: قد جئنا الآن، فوجه لنا في هذا الأمر وجهاً. فقال: إن كان ذو دينٍ من آل مروان قد ولي الخلافة فقد بقي ذوي دنياهم من يقضي حوائجكم ويفعل بكم ما أنتم له أهل. فأقمنا على بابه أربعة أشهرٍ لا نصل إليه، وجعل مسلمة يستأذن لنا فلا يؤذن. فقلت: لو أتيت المسجد يوم الجمعة فتحفظت من كلام عمر شيئاً !. فأتيت المسجد فأنا أول من حفظ كلامه سمعته يقول في خطبة له: لكل سفرٍ زادٌ لا محالة، فهتزودوا من الدنيا إلى الآخرة التقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من ثوابه وعقابه، فعمل طلباً لهذا وخوفاً من هذا. ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، وتنقادوا لعدوكم. واعلموا أنه إنما يطمئن بالدنيا من وثق بالنجاة من عذاب الله في الآخرة. فأما من لا يداوي جرحاً إلا أصابه جرحٌ من ناحية أخرى، فكيف يطمئن بالدنيا ! أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى نفسي عنه فتخسر صفقتي، وتبدو عيلتي، وتظهر مسكنتي يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق. فارتج المسجد بالبكاء، وبكى عمر حتى بل ثوبه، حتى ظننا أنه قاضٍ نحبه. فبلغت إلى صاحبي فقلت: جددا لعمر من الشعر غير ما أعددناه، فليس الرجل بدنيوي. ثم إن مسلمة استأذن لنا يوم جمعة بعد ما أذن للعامة. فدخلنا فسلمنا عليه بالخلافة فرد علينا. فقلت له: يا أمير المؤمنين، طال الثواء وقلت الفائدة وتحدثت بجفائك إيانا وفود العرب. فقال: يا كثير، أما سمعت إلى قول الله عز وجل في كتابه ” إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضةً من الله والله عليم حكيم ” أفمن هؤلاء أنت؟ فقلت له وأنا ضاحك: أنا ابن سبيلٍ ومنقطع به. قال: أولست ضيف أبي سعيد؟ قلت بلى. قال: ما أحسب من كان ضيف أبي سعيد ابن سبيل ولا منقطعاً به. ثم أستأذنته في الإنشاد، فقال: قل ولا تقل إلا حقاً؛ فإن الله سائلك. فقلت:

وليت فلم تشتم علياً ولـم تـخـف

 

برياً ولم تتبـع مـقـالة مـجـرم

وقلت فصدقت الذي قلت بـالـذي

 

فعلت، فأضحى راضياً كل مسلـم

ألا إنما يكفي الفتى بـعـد زيغـه

 

من الأود الباقي ثقاف الـمـقـوم

لقد لبست لبس الهلـوك ثـيابـهـا

 

وأبدت لك الدنيا بكف ومعـصـم

وتومض أحياناً بـعـين مـريضةٍ

 

وتبسم عن مثل الجمان المنـظـم

فأعرضت عنها مشمئزاً كـأنـمـا

 

سقتك مدوفاً من سمام وعـلـقـم

وقد كنت من أجبالها في مـمـنـعٍ

 

ومن بحرها في مزبد الموج مفعم

وما زلت سباقاً إلـى كـل غـايةٍ

 

صعدت بها أعلى البناء المـقـدم

فلما أتاك الملك عفـواً ولـم يكـن

 

لطالب دنيا بعـده مـن تـكـلـم

تركت الذي يفنى وإن كان مونـقـاً

 

وآثرت ما يبقى برأي مـصـمـم

فاضررت بالفاني وشمرت لـلـذي

 

أمامك في يومٍ من الهوال مظلـم

ومالك أن كنت الخـلـيفة مـانـعٌ

 

سوى الله من مالٍ رغـيبٍ ولا دم

سما لك همٌ في الـفـؤاد مـؤرقٌ

 

صعدت به أعلى المعالي بسـلـم

فما بين شرق الأرض والغرب كلها

 

منادٍ ينادي من فصـيح وأعـجـم

يقول: أمير المؤمنين ظلمـتـنـي

 

بأخـذٍ لـدينـارٍ ولا أخـذ درهـم

ولا بسط كف لامرئٍ ظـالـم لـه

 

ولا السفك منه ظالماً ملء محجـم

فلو يستطيع المسلمون تقـسـمـوا

 

لك الشطر من أعمارهم غير نـدم

فعشت به ما حج لله راكـبٌ

 

مغذٌ مطيفٌ بالمقام وزمـزم

فأربح بها من صفقةٍ لمبـايع

 

وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم

فقال لي: يا كثير، إن الله سائلك عن كل ما قلت. ثم تقدم إليه الأحوص فأستأذنه فقال: قل ولا تقل إلا حقاً؛ فإن الله سائلك. فأنشده:

وما الشعر إلا خطبةٌ من مؤلـفٍ

 

بمنطق حق أو بمنطق بـاطـل

فلا تقبلن إلا الذي وافق الرضـى

 

ولا ترجعنا كالنسـاء الأرامـل

رأيناك لم تعدل عن الحـق يمـنةً

 

ولا يسرةً فعل الظلوم المجـادل

ولكن أخذت القصد جهدك كـلـه

 

وتقفوا مثال الصالحـين الأوائل

فقلنا ولم نكذب بما قد بـدا لـنـا

 

ومن ذا يرد الحق من قول عاذل

ومن ذا يرد السهم بعد مـروقـه

 

على فوقه إن عار من نزع نابل

ولولا الذي قد عودتنـا خـلائفٌ

 

غطاريف كانت كالليوث البواسل

لما وخدت شهراً برحلي جسـرةٌ

 

تفل متون البيد بين الـرواحـل

ولكن رجونا منك مثل الـذي بـه

 

صرفنا قديماً من ذويك الأفاضل

فإن لم يكن للشعر عندك موضـعٌ

 

وإن كان مثل الدر من قول قائل

وكان مصيباً صادقـاً لا يعـيبـه

 

سوى أنه يبنى بناء الـمـنـازل

فإن لنا قربى ومـحـض مـودةٍ

 

وميراث آباءٍ مشوا بالمنـاصـل

فذادوا عدو السلم عن عقر دارهم

 

وأرسوا عمود الدين بعد تمـايل

فقلبلك ما أعطى الهـنـيدةٌ جـلةً

 

على شعر كعباً من سديسٍ وبازل

رسول الإله المصطفى بنـبـوةٍ

 

عليه سلامٌ بالضحى والأصـائل

فكل الذي عددت يكفيك بعـضـه

 

ونيلك خيرٌ من بحور الـسـوائل

فقال له عمر: يا أحوص، إن الله سائلك عن كل ما قلت. ثم تقدم إليه نصيب فأستأذن في الإنشاد، فأبى أن يأذن له وغضب غضباً شديداً، وأمره باللحاق بدابق . وأمر لي وللأحوص لكل واحد بمائة وخمسين درهماً.

وقال الرياشي في خبره: فقال لنا: ما عندي ما أعطيكم، فانتظروا حتى يخرج عطائي فأواسيكم منه. فانتظرنا حتى خرج فأمر لي وللأحوص بثلثمائة درهم، وأمر لنصيب بمائة وخمسين درهماً. فما رأيت أعظم بركةً من الثلاث المائة التي أعطاني، ابتعت بها وصيفةً فعلمتها الغناء فبعتها بألف دينار.

خبر دكين الراجز معه: أخبرني عمي عبد العزيز بن أحمد قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: قال دكين الراجز: امتدحت عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة، فأمر لي بخمس عشرة ناقة كرائم، فكرهت أن أرمي بهن الفجاج، ولم تطب نفسي ببيعهن. فقدمت علينا رفقة من مصر، فسألتهم الصحبة، فقالوا: ذاك إليك، ونحن نخرج الليلة، فأتيته فودعته وعنده شيخان لا أعرفهما. فقال لي: يا دكين إن لي نفساً تواقة، فإن صرت إلى أكثر مما أنا فيه فأتني ولك الإحسان. قلت: أشهد لي بذلك. قال: أشهد الله به. قلت: ومن خلقه؟ قال: هذين الشيخين. فأقبلت على أحدهما فقلت: من أنت أعرفك؟ قال: سالم بن عبد الله بن عمر. فقلت له لقد استسمنت الشاهد. وقلت للآخر: من أنت؟ قال: أبو يحيى مولى الأمير. فخرجت إلى بلدي بهن، فرمى الله في أذنابهن بالبركة حتى اعتقدت منهن الإبل والعبيد. فإني لبصحراء فلجٍ إذا ناعٍ ينعى سليمان. قلت: فمن القائم بعده؟ قال: عمر بن عبد العزيز. فتوجهت نحوه، فلقيني جريرٌ متصرفاً من عنده. فقلت: يا أبا حزرة، من أين؟ فقال: من عند من يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء. فانطلقت فإذا هو في عرصة دار وقد أحاط الناس به، فلم أخلص إليه فناديت:

يا عمر الخيرات والمكـارم

 

وعمر الدسائع العـظـائم

إني امرؤٌ من قطن بن دارم

 

طلبت ديني من أخي مكارم

إذ تنتحي والليل غـير نـائم

 

عند أبي يحيى وعند سالـم

فقام أبو يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، لهذا البدوي عندي شهادةٌ عليك، فقال: أعرفها، أدنُ يا دكين، أنا كما ذكرت لك، إن نفسي لم تنل شيئاً قط إلا تاقت لما هو فوقه، وقد نلت غاية الدنيا فنفسي تتوق إلى الآخرة، والله ما رزأت من أموال الناس شيئاً، ولا عندي إلا ألف درهم، فخذ نصفها. قال: فوالله ما رأيت ألفاً كان أعظم بركة منه. قال: ودكين الذي يقول:

إذا المرء يدنس من اللؤم عرضه

 

فكـل رداءٍ يرتـديه جـمـيل

وإن هو لم يرفع عن اللؤم نفسه

 

فليس إلى حسن الثناء سـبـيل

زهده بعد أن ولي الخلافة: أخبرني الحرمي عن الزبير عن هارون بن صالح عن أبيه قال: كنا نعطي الغسال الدراهم الكثيرة حتى يغسل ثيابنا في أثر ثياب عمر بن عبد العزيز من كثرة الطيب فيها يعني المسك. قال: ثم رأيت ثيابه بعد ذلك وقد ولي الخلافة فرأيت غير ما كنت أعرف.

حبه آل البيت: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن نافع بن أبي نعيم قال: قدم عبد الله بن الحسن بن الحسن على عمر بن عبد العزيز فقال: إنك لا تغنم أهلك شيئاً خيراً من نفسك فارجع، وأتبعه حوائجه.

قال الرياشي وحدثنا نصر بن علي قال حدثنا أبو أحمد محمد بن الزبير الأسدي عن سعيد بن أبان قال.

رأيت عمر بن عبد العزيز آخذاً بسرة عبد الله بن حسن وقال: اذكرها عندك تشفع لي يوم القيامة.

حدثني أبو عبيد الصيرفي قال حدثنا الفضل بن الحسن المصري قال حدثنا عبد الله بن عمر القواريري قال حدثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبان القرشي قال: دخل عبد الله بن حسن على عمر بن عبد العزيز وهو حديث السن وله وفرةٌ ، فرفع مجلسه وأقبل عليه وقضى حوائجه، ثم أخذ عكنةً من عكنه فغمزها حتى أوجعه وقال له: أذكرها عندك للشفاعة. فلما خرج لامه أهله وقالوا: فعلت هذا بغلام حديث السن ! فقال: إن الثقة حدثني حتى كأني اسمعه من في رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إنما فاطمة بضعةٌ مني يسرني ما يسرها ” وأنا أعلم أن فاطمة لو كانت حية لسرها ما فعلت بابنها. قالوا: فما معنى غمزك بطنه وقولك ما قلت؟ قال: إنه ليس أحدٌ من بني هاشم إلا وله شفاعة، فرجوت أن أكون في شفاعة هذا.

أكرم يزيد بن عيسى لأنه مولى علي: أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي قال أخبرني يزيد بن عيسى بن مورق قال: كنت بالشام زمن ولي عمر بن عبد العزيز، وكان بخناصرة ، وكان يعطي الغرباء مائتي درهم. قال فجئته فأجده متكئاً على إزار وكساء من صوف. فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل الحجاز. قال: من أيهم؟ قلت: من أهل المدينة. قال: من أيهم؟ قلت من قريش. قال: من أي قريش؟ قلت: من بني هاشم. قال: من أي بني هاشم؟ قلت: مولى علي. قال: من علي؟ فسكت. قال: من ؟! فقلت ابن أبي طالب. فجلس وطرح الكساء ثم وضع يده على صدره وقال: وأنا والله مولى علي، ثم قال: أشهد على عدد ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من كنت مولاه فعليٌ مولاه “. أين مزاحم ؟ كم تعطي مثله؟ قال: مائتي درهم. قال: أعطه خمسين ديناراً لولائه من علي. ثم قال: أفي فرضٍ أنت؟ قلت لا. قال: وافرض له، ثم قال: الحق بلادك فإنه سيأتيك إن شاء الله ما يأتي غيرك.

سمى عمر بن علي نحله غلامه مورقاً: قال أبو زيد فحدثني عيسى بن عبد الله قال حدثني أبي عن أبيه قال قال أبي: ولد لي غلامٌ يوم قام عمربن عبد العزيز، فغدوت عليه فقلت له: ولد لي في هذه الليلة غلام. فقال لي: ممن؟ قلت: من التغلبية. قال: فهب لي اسمه. قلت نعم. قال: قد سميته اسمي ونحلته غلامي مورقاً، وكان نوبياً فأعتقه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك؛ فولده اليوم موالينا.

كان يكرم عبد الله بن الحسن: أخبرني محمد بن العباس قال حدثنا عمر قال حدثنا عيسى بن عبد الله قال أخبرني موسى بن عبد الله بن حسن عن أبيه قال: كان عمر بن عبد العزيز يراني إذا كانت لي حاجةٌ أتردد إلى بابه. فقال لي: ألم أقل لك: إذا كانت لك حاجةٌ فارفع بها إلي ! فوالله إني لأستحي من الله أن يراك على بابي.

لم يفد من ولا يته شيئاً وخلف ولده فقراء: أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثني العمري عن العتبي عن أبيه قال: لما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة جمع ولده حوله، فلما رآهم استغبر ثم قال: بأبي ولأمي من خلفتهم بعدي فقراء !. فقال له مسلمة بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين، فتعقب فعلك وأغنهم، فما يمنعك أحدٌ في حياتك ولا يرتجعه الوالي بعدك. فنظر إليه نظر مغضب متعجب فقال: يا مسلمة، منعتهم إياه في حياتي وأشقى به بعد وفاتي ! إن ولدي بين رجلين: إما مطيع لله فالله مصلحٌ له شأنه ورازقه ما يكفيه، أو عاصٍ له فما كنت لأعينه على معصيته. يا مسلمة، إني حضرت أباك لما دفن فحملتني عيني عند قبره فرأيته قد أفضى إلى أمرٍ من أمر الله راعني وهالني، فعاهدت الله ألا أعمل بمثل عمله إن وليت؛ وقد اجتهدت في ذلك طول حياتي، وأرجو أن أفضي إلى عفوٍ من الله وغفران. قال مسلمة: فلما دفن حضرت دفنه، فما فرغ من شأنه حتى حملتني عيني، فرأيته فيما يرى النائم وهو في روضةٍ خضراء نضرة فيحاء وأنهارٍ مطردةٍ وعليه ثيابٌ بيضٌ، فأقبل علي فقال: يا مسلمة، لمثل هذا فليعمل العاملون. هذا أو نحوه، فإن الحكاية تزيد أو تنقص.

رثاء مسلمة بن عبد الملك: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ عن يحيى بن سعيد الأموي قال: لما مات عمر بن عبد العزيز وقف مسلمة عليه بعد أن أدرج في كفنه فقال: رحمك الله يا أمير المؤمنين ! فقد أورثت صالحينا بك اقتداءً وهدىً، وملأت قلوبنا بمواعظك وذكرك خشيةً وتقىً، وأثلت لنا بفضلك شرفاً وفخراً، وأبقيت لنا في الصالحين بعدك ذكراً.

كتابه إلى أسارى قسطنطينية: أخبرني الحسن قال أخبرنا الغلابي عن ابن عائشة عن أبيه: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الأسارى بقسطنطينية: أما بعد، فإنكم تعدون أنفسكم أسارى ولستم أسارى. معاذ الله ! أنتم الحبساء في سبيل الله. واعلموا أني لست أقسم شيئاً بين رعيتي إلا خصصت أهلكم بأوفر ذلك وأطيبه. ولقد بعثت إليكم خمسة دنانير، خمسة دنانير. ولولا أني خشيت إن زدتكم أن يحبسه عنكم طاغية الروم لزدتكم. وقد بعثت إليكم فلان بن فلان يفادي صغيركم وكبيركم، ذكركم وأنثاكم، حركم ومملوككم بما يسأل، فأبشروا ثم أبشروا.

كتاب الحسن البصري له ورده عليه: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عبد الله بن مسلم قال زعم لنا سليمان بن أرقم قال: كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز، وكان يكاتبه، فلما استخلف كتب إليه: ” من الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز “. فقيل له إن الرجل قد ولي وتغير. فقال: لو علمت أن غير ذلك أحب إليه لاتبعت محبته. ثم كتب: ” من الحسن بن أبي الحسن إلى عمر بن عبد العزيز. أما بعد، فكأنك بالدنيا لم تكن، وكأنك بالآخرة لم تزل “. قال: فمضيت إليه بالكتاب فقدمت عليه به. فإني عنده أتوقع الجواب إذ خرج يوماً غير يوم جمعة حتى صعد المنبر واجتمع الناس. فلما كثروا قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنكم في أسلاب الماضين، وسيرثكم الباقون حتى تصيروا إلى خير الوارثين. كل يومٍ تجهزون غادياً إلى الله ورائحاً، قد حضر أجله، وطوي عمله، وعاين الحساب، وخلع الأسلاب، وسكن التراب، ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد. ثم وضع يديه على وجهه فبكى ملياً ثم رفعهما فقال: يا أيها الناس، من وصل إلينا منكم بحاجته لم نأله خيراً، ومن عجز فوالله لوددت أنه وآل عمر في العجز سواء. قال: ثم نزل. فأرسل إلي فدخلت إليه؛ فكتب: ” بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنك لست بأول من كتب عليه الموت، وقد مات. والسلام “.

آخر خطبة له: أخبرني ابن عمار قال حدثني سليمان بن أبي شيخ قال حدثنا أبو مطرف المغيرة بن مطرف عن شعيب بن صفوان عن أبيه: أن عمر بن عبد العزيز خطب بخناصرة خطبةً لم يخطب بعدها، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثاً ولم تتركوا سدىً؛ وإن لكم معاداً يتولى الله فيه الحكم فيكم والفصل بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم الجنة التي عرضها السماوات والأرض. واعلموا أن الأمان غداً لمن حذر الله وخافه، وباع قليلاً بكثير، ونافذاً بباق، وخوفاً بأمانٍ. ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيخلفها من بعدكم الباقون، وكذلك حتى تردوا إلى خير الوارثين. ثم إنكم في كل يوم وليلة تشيعون غادياً إلى الله ورائحاً، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، ثم تضعونه في صدعٍ من الأرض في بطن لحد، ثم تدعونه غير موسدٍ ولا ممهد، قد خلع الأسلاب، وفارق الأحباب، ووجه للحساب، غنياً عما ترك، فقيراً إلى ما قدم. وايم الله إني لأقول لكم هذه المقالة ولا أعلم عند أحدٍ منكم أكثر مما عندي، وأستغفر الله لي ولكم. وما يبلغنا أحدٌ منكم حاجته يسعها ما عندنا إلا سددنا من حاجته ما قدرنا عليه، ولا أحدٌ يتسع له ما عندنا إلا وددت أن بدئ بي وبلحمتي الذين يلونني حتى يستوي عيشنا وعيشكم. وايم الله لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكان اللسان به مني ناطقاً ذلولاً عالماً بأسبابه، ولكنه من الله عز وجل كتابٌ ناطق، وسنةٌ عادلة، دل فيهما على طاعته ونهى فيهما عن معصيته. ثم بكى فتلقى دموعه بطرف ردائه؛ ثم نزل فلم ير على تلك الأعواد بعد حتى قبضه الله إليه. رحمة الله عليه.

?اشترى موضع قبره بعشرة دنانير: أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو سلمة المديني. عن إبراهيم بن ميسرة: أن عمر بن عبد العزيز اشترى موضع قبره بعشرة دنانير.

?وفاته: أخبرني اليزيدي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو سلمة المديني قال أخبرني ابن مسلمة بن عبد الملك قال حدثني أبي مسلمة قال: كنا عند عمر في اليوم الذي توفي فيه أنا وفاطمة بنت عبد الملك؛ فقلنا له: يا أمير المؤمنين، إنا نرى أنا قد منعناك النوم، فلو تأخرنا عنك شيئاً عسى أن تنام ??! قال: ما أبالي لو فعلتما. قال: فتنحيت أنا وهي وبيننا وبينه ستر. قال: فما نشبنا أن سمعناه يقول: حي الوجوه حي الوجوه. فابتدرناه أنا وهي فجئناه وقد أغمض ميتاً، فإذا هاتفٌ يهتف في البيت لا نراه: ” تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين “.

من أصواته في سعاد: ومن أصوات عمر في سعاد صوت

ألا يا دين قلبك من سليمـى

 

كما قد دين قلبك من سعادا

هما سبتا الفؤاد وأصبـتـاه

 

ولم يدرك بذلـك مـا أرادا

قفا نعرف منازل من سليمى

 

دوارس بين حومل أو عرادا

ذكرت بها الشباب وآل ليلى

 

فلم يرد الشباب بها مـرادا

فإن تشـب الـذؤابة أم زيدٍ

 

فقد لاقـيت أيامـاً شـدادا

عروضه من الوافر. الشعر لأشهب بن رميلة فيما ذكر ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني. وحكى ابن الأعرابي أنه سمع بعض بني ضبة يذكر أنها لابن أبي رميلة الضبي. والغناء لعمر بن عبد العزيز رملٌ بالوسطى عن الهشامي وحبشٍ وغيرهما. وفي نسخة عمرو بن بانة الثانية: لخزرجٍ رملٌ بالبنصر.

نسب الأشهب بن رميلة وأخباره نسبه: رميلة أمه، وهي أمةٌ لخالد بن الملك بن ربعي بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم بن عمرو بن تميم. وهو الأشهب بن ثور بن أبي حارثة بن عبد الدار بن جندل بن نهشل بن دارم في النسب. قال أبو عمرو: وولدها يزعمون أنها سبيةً من سبايا العرب، فولدت لثور بن أبي حارثة أربعة نفر، وهم رباب، وحجناء، والأشهب، وسويد.
إخوته وعزهم في الجاهلية والإسلام: فكانوا من أشد إخوةٍ في العرب لساناً ويداً، وأمنعهم جانباً. وكثرت أموالهم في الإسلام. وكان أبوهم ثورٌ ابتاع رميلة في الجاهلية، وولدتهم في الجاهلية، فعزوا عزاً عظيماً، حتى كانوا إذا وردوا ماءً من مياه الصمان حظروا على الناس ما يريدون منه. وكانت لرميلة قطيفةٌ حمراء، فكانوا يأخذون الهدب من تلك القطيفة فيلقونه على الماء، أي قد سبقنا إلى هذا، فلا يرده أحد لعزهم، فيأخذون من الماء ما يحتاجون إليه ويدعون ما يستغنون عنه.

يوم الصمان بينهم وبين أبناء عمومتهم: فوردوا في بعض السنين ماءً من مياه الصمان وورد معهم ناسٌ من بني قطن بن نهشل. وكانت بنو قطن بن نهشل وبنو زيد بن نهشل وبنو مناف بن درام حلفاء. وكانت الأعجاز حلفاء عليهم، وهم جندل وجرول وصخر بنو نهشل. فأورد بعضهم بعيره فأشرعه حوضاً قد حظروا عليه. وبلغهم ذلك فغضبوا منه واجتمعوا وأحلافهم، واجتمعت الأحلاف عليهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فضرب رباب بن رميلةٌ رأس نسير بن صبيح المعروف بأبي بدال، وأمه بنت أبي الحمام بن قراد بن مخزوم. وقال رباب في ذلك:

ضربته عشية الـهـلال

 

أول يومٍ عد من شـوال

ضرباً على رأس أبي بدال

 

ثمت ما أبت ولا أبالـي

ألا يؤوب آخر الليالـي

 

 

فجمع كل واحد منهما لصاحبه. فقالت بنو قطن: يا بني جرول ويا بني صخر ويا بني مناف ، ضرب صاحبكم صاحبنا ضربةً لا ندري أيموت منها أم يعيش، فأنصفونا؛ فأبى القوم أن يفعلوا؛ فاقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل.

وكان أبي بن أشيم أخو بني جرول وهو سيدهم خرج في حاجةٍ له، فلقيه بعض بني قطن فأسره وأتى به أصحابه. فقال نهشل بن حري: يا بني قطن، أطيعوني اليوم وأعصوني أبداً. قالوا: نعم، فقل. فقال: إن هذا لم يشهد شركم ولا حربكم، ولا يحل لكم دمه، وإن قومه أحر من يقاتلكم وشوكتهم؛ فخذوا عليه العهد أن يصرفهم عنكم وخلوا سبيله. قالوا: افعل ما رأيت. فأتاه نهشل بن حري فقال له: با أبا أسماء، إن قومك قد حالوا بيننا وبين حقنا وقاتلوا دونه، وقد أمكننا الله منك، وأنت والله أوفى دماً عندنا من بني رميلة، فوالله لأقتلنك أو تعطيني ما أسألك. قال: سل. قال: تجعل أن تصرف بني جرول جميعاً، فإن لم يطيعوك انصرفت ببني أشيم، فإن لم يطيعوك أتيتنا. قال: نعم. فخلي سبيله تحت الليل. فأتاهم وهم بحيث يرى بعضهم بعضاً فقال: يا بني جرول انصرفوا؛ أتعترضون على قوم يريدون حقهم ! ألا تتقون الله ! والله لقد أسرني القوم ولو أرادوا قتلي لكان فيه وفاءٌ بحقهم، ولكنهم يكرهون حربكم فلا تبغوا عليهم. فانصرف منهم أكثر من سبعين رجلاً. فلما رأى ذلك بنو صخر وبنو جرول قالوا: والله إن لنظلم قومنا إن قاتلناهم؛ وانصرفوا، وتخاذل القوم. فلما رأى ذلك الأشهب بن رميلة قال: ويلكم ! أفي ضربة من عصا لم تصنع شيئاً تسفكون دماءكم ! والله ما به من بأس، فأعطوا قومكم حقهم. فقال حجناء ورباب: والله لننصرفن فلنلحقن بغيركم ولا نعطي ما بأيدينا. فجعل الأشهب بن رميلة يقول: ويلكم ! أتخربون دار قومكم في ضربة عصاً لم تبلغ شيئاً ! فلم يزل بهم حتى جاؤوا برباب فدفعوه إلى بني قطن، وأخذوا منهم أبا بدال وهو المضروب فمات في تلك الليلة في أيديهم؛ فكتموه، وأرسلوا إلى عباد بن مسعود، ومالك بن ربعي، ومالك بن عوف، والقعقاع بن معبد، فعرضوا عليهم الدية. فقالوا: وما الدية وصاحبنا حي ! قالوا: فإن صاحبكم ليس بحي. فأمسكوا وقالوا: ننظر. ثم جاؤوا إلى رباب فقالوا: أوصنا بما بدا لك. قال: دعوني أصلي. قالوا: صل. فصلى ركعتين ثم قال: أما والله إني إلى ربي لذو حاجة، وما منعني أن أزيد في صلاتي إلا أن تروا أن ذلك فرقٌ من الموت، فليضربني منكم رجلٌ شديد الساعد حديد السيف. فدفعوه إلى أبي خزيمة بن نسير المكني بأبي بدال فضرب عنقه، فدفنوه؛ وذلك في الفتنة بعد مقتل عثمان بن عفان. فقال الأشهب يرثي أخاه ويلوم نفسه في دفعه إليهم لتسكن الحرب:

أعيني قلت عبرةٌ مـن أخـيكـمـا

 

بأن تسهرا ليل التمام وتـجـزعـا

وباكيةٍ تبـكـي الـربـاب وقـائلٍ

 

جزى الله خيراً ما أعف وأمنـعـا

وأضرب في الهيجا إذا حمس الوغى

 

وأطعم إذا أمسى المراضيع جوعـاً

إذا ما اعترضنا من أخينا أخـاهـم

 

روينا ولم نشفِ الغليل فينـقـعـا

قرونا دماً والضيف منتظر القـرى

 

ودعوةِ داعٍ قد دعانا فـأسـمـعـا

مردنا وكانت هفوةً من حلـومـنـا

 

بثديٍ إلى أولاد ضمرة أقـطـعـا

وقد لامني قومي ونفسي تلومـنـي

 

بما فال رأيي في ربابٍ وضـيعـا

فلو كان قلبـي مـن حـديد أذابـه

 

ولو كان من صم الصفا لتصـدعـا

مضى الحديث.
أصوات عمر في سعاد ونسخت من كتاب محمد بن الحسن الكاتب حدثني محمد بن أحمد ين يحيى المكي عن أبيه قال: لعمر بن عبد العزيز في سعاد سبعة ألحان.
منها:

يا سعاد التي سبتني فـؤادي

 

ورقادي هبي لعيني رقادي

ولحنه رملٌ مطلق.
ومنها:

حظ عيني من سعاد

 

أبداً طول السهـاد

ولحنه رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر.
ومنها:

سبحان ربي برا سعـادا

 

لا تعرف الوصل والوداد

ولحنه خفيف رملٍ.
ومنها:

لعمري لئن كانت سعاد هي المنى

 

وجنة خلد لا يمـل خـلـودهـا

ولحنه ثقيل أول.
ومنها:

أسعاد جودي لا شقيت سعادا

 

وأجزي محبك رأفةً وودادا

ولحنه خفيف رملٍ.
ومنها:

ألما صاحبي نزر سعادا

ومنها:

ألا يا دين قلبك من سليمى

وقد ذكرت طريقتهما.
كان محدثاً وفقيهاً وراوياً: وقد روي عن عمر بن عبد العزيز حديثٌ كثيرٌ وفقهٌ، وحمل عنه أهل العلم.

أخبرنا محمد بن جرير الطبري قال حدثنا عمران بن بكار الكلاعي قال حدثنا خالد بن علي قال حدثنا بقية بن الوليد عن مبشر بن إسماعيل عن بشر بن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عمر عن جده عبد العزيز عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” من أحب أن تمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار “.

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي وعمي قالا حدثنا العنزي قال حدثني وزير بن محمد أبو هاشم الغساني قال حدثني محمد بن أيوب بن سعيد السكري عن عمر بن عبد العزيز عن أمه عن أبيها عاصم بن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” نعم الإدام الخل “.

غناء يزيد بن عبد الملك

وممن حكي عنه أنه صنع في شعره غناءً يزيد بن عبد الملك، ولم يأت ذلك بروايةٍ عمن يحصل قوله كما حكي عن عمر بن عبد العزيز، وإنما وجد في الكتب أنه صنع لحناً في شعره، وذكره من لا يوثق به، ولم نروه عن أحد فلم نأت بأخباره ها هنا مشروحةً، وأتيت بها في أخباره مع حبابة بحيث يصلح. وأما اللحن الذي ذكر أنه صنعه فهو:

صوت

أبلغ حبابة أسقى ربعها المطـر

 

ما للفؤاد سوى ذكراكم وطـر

إن سار صحبي لم أملل بذكركم

 

أو غرسوا فهموم النفس والفكر

في هذين البيتين ثقيلٌ أول يقال إنه ليزيد بن عبد الملك. وذكر ابن المكي أنه لحبابة.
وحكي عن الهيثم بن عدي أن يزيد بن عبد الملك لما رأى حبابة تعلقها ولم يقدر على ابتياعها خوفاً من أخيه سليمان أو من عمر بن عبد العزيز، وقال فيها هذين البيتين وهو راحل عن الحجاز، وغناه فيهما معبد، فوصله بعد ذلك بما كان يغنيه، وأخذته حبابة وغيرها عنه. وذكر الهشامي أنه مما لا يشك فيه من غناء معبد. وقد مضت أخبار يزيد بن عبد الملك وحبابة في صدر هذا الكتاب فاستغني عن إعادتها هنا.

غناء الوليد بن يزيد

وممن غنى منهم الوليد بن يزيد: وله أصوات صنعها مشهورةٌ، وقد كان يضرب بالعود ويوقع بالطبل ويمشي بالدف على مذهب أهل الحجاز. أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن أبي سعد عن الفطراني عن محمد بن جبر قال حدثني من سمع خالد صامة يقول: كنت يوماً عند الوليد بن يزيد وأنا أغنيه:

أراني الله يا سلمى حياتي

وهو يشرب حتى سكر. ثم قال لي: هات العود، فدفعته إليه، فغناه أحسن غناء؛ فنفست عليه إحسانه، ودعوت بطبل فجعلت أوقع عليه وهو يضرب حتى دفع العود وأخذ الطبل فجعل يوقع به أحسن إيقاع، ثم دعا بدفٍ فأخذه ومشى به وجعل يغني أهزاج طويس حتى قلت قد عاش، ثم جلس وقد انبهر. فقلت: يا سيدي، كنت أرى أنك تأخذ عنا ونحن الآن نحتاج إلى الأخذ عنك ! فقال: اسكت ويلك ! فوالله أن سمع هذا منك أحدٌ ما دمت حياً لأقتلنك. فوالله ما حكيته عنه حتى قتل.

أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى قال أخبرنا أبو أيوب المديني قال ذكر أبو الحسن المدائني أن يحيى مولى العبلات المعروف بفيل وهو الذي غنى:

أزرى بنا أننا شالت نعامتنا

كان مقيماً بمكة. فلما قدمها الوليد بن يزيد سأل عن أحسن الناس غناءً وحكايةً لابن سريج؛ فقيل له: فيل. فدعاه وقال له: امش لي بالدف، ففعل. ثم قال له الوليد: هاته حتى أمشي به، فإن أخطأت فقومني. فمشى به أحسن من مشية فيل. فقال له يحيى: جعلت فداءك ! إيذن لي حتى أختلف إليك لأتعلم منك.
فمن مشهور صنعته في شعره:

وصفراء في الكأس كالزعفران

 

سباها التجيبي من عسـقـلان

تريك القذاة وعـرض الأنـاء

 

سترٌ لها دون لمس الـبـنـان

لحنه فيه خفيف رملٍ. وفيه لأبي كامل ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس. ولعمر الوادي فيه ثقيلٌ أول بالوسطى عن يونس والهشامي. وقد مضت أخباره مشروحة في المائة الصوت المختارة.

غناء الواثق

وممن دونت صنعته من خلفاء بني العباس الواثق بالله.

ولم نعلمه حكي ذلك عن أحد منهم قبله إلا ما قدمنا سوء العهدة فيه عن ابن خرداذبة؛ فإنه حكى أن للسفاح والمنصور وسائرهم غناء وأتى فيها بأشياء غثةٍ لا يحسن لمحصلٍ ذكرها.

غنى الواثق في شعر لأبي العتاهية بحضرة إسحاق ووصله: وأخبرني يحيى بن محمد الصولي قال حدثني أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت يوماً دار الواثق بغير إذن إلى موضع أمر أن أدخله إذا كان جالساً. فسمعت صوت عود من بيت وترنماً لم أسمع أحسن منه قط، فأطلع خادمٌ رأسه ثم رده وصاح بي فدخلت فإذا الواثق. فقال: أي شيء سمعت؟ فقلت: الطلاق لازمٌ لي وكل مملوك لي حرٌ لقد سمعت ما لم أسمع مثله قط حسناً ! فضحك فقال: وما هو ! إنما هذه فضلة أدب وعلم مدحه الأوائل واشتهاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحمهم والتابعون بعدهم وكثر في حرم الله ومهاجر رسول الله. أتحب أن تسمعه مني؟ قلت: إي والذي شرفني بخطابك وجميل رأيك. فقال: يا غلام، هات العود وأعط إسحاق رطلاً. فدفع الرطل إلي وضرب وغنى في شعر لأبي العتاهية بلحنٍ صنعه فيه:

أضحت قبورهم من بعـد عـزهـم

 

تسفي عليها الصبا والحرجف الشمل

لا يدفعون هواماً عن وجـوهـهـم

 

كأنهم خشبٌ بالـقـاع مـنـجـدل

فشربت الرطل ثم قمت فدعوت له؛ فأجلسني وقال: أتشتهي أن تسمعه ثانيةً؟ فقلت: إي والله، فغنانيه ودعا لي برطل، ففعلت كما فعلت ثانيةً ثم ثالثةً. وصاح ببعض خدمه وقال له: إحمل إلى إسحاق ثلثمائة ألف درهم. ثم قال: يا إسحاق، قد سمعت ثلاثة أصوات وشربت ثلاثة أرطال وأخذت ثلثمائة ألف درهم، فانصرف إلى أهلك ليسروا بسرورك؛ فانصرفت بالدراهم.
صنع مائة صوت ليس فيها صوت ساقط: أخبرني محمد قال سمعت أحمد بن محمد بن الفرات يقول سمعت عريب تقول: صنع الواثق مائة صوتٍ ما فيها صوتٌ ساقطٌ. ولقد صنع في هذا الشعر:

هل تعلمين وراء الحب منزلةً

 

تدني إليك فإن الحب أقصاني

هذا كتاب فتىً طالت بلـيتـه

 

يقول يا مشتكى بثي وأحزاني

لحناً من الرمل تشبه فيه بصنعة الأوائل.
نسبة هذا الصوت الشعر ليعقوب بن إسحاق الربعي المخزومي. والغناء للواثق رملٌ بالوسطى من رواية الهشامي.
أخبرني محمد بن العباس اليزيدي والحرمي بن أبي العلاء وعلي بن سليمان الأخفش قالوا حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال قال الزبير بن بكار: كتب ابن أبي مسرة المكي إلى أهل المدينة بيتين وهما:

هذا كتاب فتىً طالت بلـيتـه

 

يقول يا مشتكى بثي وأحزاني

هل تعلمين وراء الحب منزلةً

 

تدني إليك فإن الحب أقصاني

قال الزبير: وكنت غائباً، فلما قدمت قال لي أهل المدينة ذلك. فقلت لهم: أيكتب إليكم صاحبكم يعاتبكم فلا تجيبونه !.
شعر يعقوب بن إسحاق الربعي: أنشدني يعقوب بن إسحاق الربعي المخزومي لنفسه:

قال الوشاة لهندٍ عن تـصـارمـنـا

 

ولست أنسى هوى هندٍ وتنسـانـي

يعقوب ليس بمتـبـولٍ ولا كـلـفٍ

 

ويح الوشاة فإن الداء أضـنـانـي

ما بي سوى الحب من هندٍ وإن بخلت

 

حبي لهندٍ برى جسمـي وأبـلانـي

قد قلت حين بدا لي بخـل سـيدتـي

 

وقد تتابع بـي بـثـي وأحـزانـي

هل تعلمين وراء الحـب مـنـزلةً

 

تدني إليك فإن الحب أقـصـانـي

قالت نعم قلت ما ذاكم أسيدتـي

 

وطاعة الحب تنفي كل عصيان

قالت فدعنا بلا صرمٍ ولا صـلةٍ

 

ولا صدودٍ ولا في حال هجران

حتى يشك وشاةٌ قد رموك بنـا

 

وأعلنوا بك فـينـا أي إعـلان          

ومن غناء الواثق بالله: صوت غناؤه في شعر لذي الرمة:

خليلي عوجا من صدور الرواحـل

 

بجرعاء حزوى وأبكيا في المنازل

لعل انحدار الدمع يعـقـب راحةً

 

من الوجد أو يشفي نجي البلابـل

الشعر لذي الرمة. والغناء للواثق بالله رملٌ مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي. ولإسحاق فيهما رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر. ولحن الواثق منهما الذي أوله البيت الثاني وهو اللحن المحثوث المسجح وله ردةٌ في ” لعل “. ولحن إسحاق أوله البيت الأول ثم الثاني وهو أشدهما إمساكاً وفيه صياح.

غنى إسحاق الموصلي بحضرته صوتاً أخذته عنه شاجى فأجازه: أخبرنا أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا أبو أيوب المديني قال حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي: أنه دخل على إسحاق بن إبراهيم الطاهري وقد كان تكلم له في حاجة فقضيت. فقال له: أعطاك الله أيها الأمير ما لم تحط به أمنية ولم تبلغه رغبة. قال: فاشتهي هذا الكلام فاستعاده فأعدته. قال: ثم مكثنا ما شاء الله؛ وأرسل الواثق إلى محمد بن إبراهيم يأمره بإشخاصي إليه في الصوت الذي أمرني أن أتغنى فيه وهو:

لقد بخلت حتى لو اني سألتها

فأمر لي بمائة ألف درهم. فأقمت ما شاء الله ليس أحدٌ من مغنيهم يقدر على أن يأخذ هذا الصوت مني. فلما طال مقامي قلت: يا أمير المؤمنين، ليس أحد من هؤلاء المغنين يقدر على أن يأخذ هذا الغناء مني. فقال لي: ولم ويحك؟ قلت: لأني لا أصححه ولا تسخو نفسي لهم به. فلما فعلت يا أمير المؤمنين في الجارية التي أخذتها مني ؟”يعني شجا، وهي التي كان أهداها إلى الواثق وعمل لها المصنف الذي في أيدي الناس لإسحاق “. قال: وكيف؟ فقلت: لأنها تأخذه مني وأطيب به لها نفساً، وهم يأخذونه منها. قال: فأمر بها فأخرجت وأخذته على المكان. فأمر لي بمائة ألف درهم أخرى، وأذن لي في الانصراف. وكان إسحاق بن إبراهيم الطاهري حاضراً عنده، فقلت له عند وداعي إياه: أعطاك الله يا أمير المؤمنين ما لم تحط به أمنية ولم تبلغه رغبة. فالتفت إلي إسحاق بن إبراهيم فقال لي: ويحك يا إسحاق ! تعيد الدعاء ! فقلت: إي والله أعيده قاصٌ أنا أو مغنٍ. فانصرفت إلى بغداد وأقمت، حتى قدم إسحاق فجئته مسلماً. فقال: ويلك يا إسحاق ! أتدري ما قال أمير المؤمنين بعد خروجك من عنده؟ قلت: لا، أيها الأمير. قال: قال لي: ويحك ! كنا أغنى الناس عن أن نبعث إسحاق على لحننا فيفسده علينا. هذه رواية أبي أيوب.

تقدير إسحاق لغناء الواثق: قال أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى وأخبرني أبي رحمه الله عن إسحاق أنه قال: لما صنعت لحني في:

خليلي عوجا من صدور الرواحل

غنيته الواثق فاستحسنه وعجب من صحة قسمته، ومكث صوته أياماً ثم قال لي: يا إسحاق، قد صنعت لحناً في صوتك وفي إيقاعه، وأمر فغنيت به؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، بغضت إلي لحني وسمجته عندي. وقد كنت استأذنته مراتٍ في الانحدار إلى بغداد بعد أن ألقيت اللحن الذي كان أمرني بصنعه في:

لقد بخلت حتى لو اني سألتها

فمنعني ودافعني بذلك. فلما صنع لحنه الرمل في:

خليلي عوجا من صدور الرواحل

قلت له: يا أمير المؤمنين، قد والله اقتصصت وزدت؛ فأذن لي بعد ذلك. قال أبو الحسن علي بن يحيى قلت لإسحاق: فأيهما أجود الآن لحنك فيه أو لحنه؟ فقال: لحني أجود قسمةً وأكثر عملاً، ولحنه أظرف، لأنه جعل ردته من نفس قسمته، فليس يقدر على أدائه إلا متمكنٌ من نفسه. قال أبو الحسن: فتأملت اللحنين بعد ذلك فوجدتهما كما ذكر إسحاق. قال وقال لي إسحاق: ما كان يحضر مجلس الواثق أعلم منه بالغناء.

فأما نسبة هذين الصوتين، فإن أحدهما قد مضى ومضت نسبته. والآخر: صوت

أيا منشر الموتى أقدني مـن الـتـي

 

بها نهلت نفسي سقـامـاً وعـلـت

لقد بخلت حتى لو اني سـألـتـهـا

 

قذى العين من ضاحي التراب لضنت

الشعر لأعرابيٍ رواه إسحاق عنه ولم يذكر اسمه، والناس يغلطون فينسبونه إلى كثير ويظنونه من قصيدته التي أولها:

خليلي هذا رسم عزة فاعقلا

 

قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت

وهذا خطأ ممن قال ذلك. والغناء للواثق ثاني ثقيلٍ بالوسطى. ولإسحاق في البيت الثاني وبعده بيت ألحقه به ليس من الشعر ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى الوسطى. والبيت الذي ألحقه إسحاق به من شعره:

فإن بخلت فالبخل منها سجـيةٌ

 

وإن بذلت أعطت قليلاً وأكدت

كان يعرض غناءه على إسحاق فيدلي فيه برأيه: أخبرني عمي رحمه الله قال حدثني أبو جعفر بن الدهقانة النديم قال: كان الواثق إذا أراد أن يعرض صنعته على إسحاق نسبها إلى غيره وقال: وقع إلينا صوتٌ قديم من بعض العجائز ما سمعه أحدٌ، ويأمر من يغنيه إياه. وكان إسحاق يأخذ نفسه في ذلك بقول الحق أشد أخذٍ، فإن كان جيداً من صناعته قرظه ووصفه واستحسنه، وإن كان مطرحاً أو فاسداً أو متوسطاً ذكر ما فيه. فربما كان للواثق فيه هوًى فيسأله عن تقويمه وإصلاح فساده، وربما اطرحه بقول إسحاق فيه؛ إلى أن صنع لحناً في قول الشاعر:

لقد بخلت حتى لو اني سـألـتـهـا

 

قذى العين من ضاحي التراب لضنت

كان عنده مخارق لإسحاق فجفاه وأصلحت بينهما فريدة: فأعجب به واستحسنه، وأمر المغنين فغنوا فيه، وأمر بإشخاص إسحاق إليه من بغداد ليسمعه.

فكاده مخارق عنده وقال: يا أمير المؤمنين ،إن إسحاق شيطانٌ خبيث داهية، وإن قولك له فيما تصنعه: هذا صوتٌ وقع إلينا، لا يخفى عليه به أن الصوت لك ومن صنعتك ولا يوقع في فهمه أنه قديم، فيقول لك وبحضرتك ما يقارب هواك، فإذا خرج عن حضرتك قال لنا ضد ذلك. فأحفظ الواثق قوله وغاظه، وقال له: أريد على هذا القول منك دليلاً. قال: أنا أقيم عليه الدليل إذا حضر. فلما قدم به وجلس في أول مجلس اندفع مخارق يغني لحن الواثق:

لقد بخلت حتى لون اني سألتها

فزاد فيه زوائد أفسدت قسمته فساداً شديداً وخفيت على الواثق لكثرة زوائد مخارق في غنائه. فسأله الواثق عنه؛ فقال: هذا غناء فاسدٌ غير مرضي عندي. فغضب الواثق وأمر بإسحاق فسحب حتى أخرج من المجلس. فلما كان من الغد قالت فريدة للواثق: يا أمير المؤمنين، إن إسحاق رجل يأخذ نفسه بقول الحق في صناعته على كل حالٍ ساءته أو سرته، لا يخاف في ذلك ضرراً ولا يرجو نفعاً؛ وما لك منه عوض. وقد كاده مخارقٌ عندك فزاد في صدر الصوت من زوائده التي تعرف، وتركه في المصراع الثاني على حاله، ونقص من البيت الثاني، وقد تبينت ذلك. وأنا أعرضه على إسحاق وأغنيه إياه على صحته، واسمع ما يقول. ومازالت تلطف للواثق حتى رضي عنه وأمر بإحضاره. فغنته إياه فريدة كما صنعه الواثق. فلما سمعه قال: هذا صوتٌ صحيح الصنعة والقسمة والتجزئة، وما هكذا سمعته في المرة الأولى. ثم أخبر الواثق عن مواضع فساده حينئذٍ، وأبان ذلك له بما فهمه. وغنته فريدة عدة أصوات من القديم والحديث كلها يقول فيها بما عنده من مدحٍ لبعضها وطعنٍ على بعض. فاستحسن الواثق ذلك وأجازه يومئذٍ وحباه، وجفى مخارق مدة لما فعله به.

أخبرني جحظة قال حدثني ابن المكي عن أبيه قال: كان الواثق إذا صنع شيئاً من الغناء أخبر إسحاق به وعرضه عليه حتى يصلح ما فيه ثم يظهره.

وقد أخبرني الحسن بن علي عن يزيد بن محمد المهلبي بهذا الخبر فذكر نحو ما ذكرته ها هنا وفي ألفاظه اختلاف. وقد تقدم ذكره وابتدأناه في أخبار إسحاق. والأبيات الثانية التي غنى فيها الواثق وإسحاق أنشدنيها علي بن سليمان الأخفش وعلي بن هارون بن علي بن يحيى جميعاً عن هارون بن علي بن يحيى عن أبيه عن إسحاق لأعرابيً، وأنشدناها محمد بن عباس اليزيدي قال أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب لبعض الأعراب:

ألا قاتل اللـه الـحـمـامة غـدوةً

 

على الغصن ماذا هيجت حين غنت

فغنت بصوتٍ أعجميً فـهـيجـت

 

هواي الذي كانت ضلوعي أكنـت

فلو قطرت عين امرئ من صبـابةٍ

 

دماً قطرت عيني دمـاً وألـمـت

فما سكتت حتى أويت لصـوتـهـا

 

وقلت أرى هذي الحمامة جـنـت

ولي زفراتٌ لم يدمن قتـلـنـنـي

 

بشوقٍ إلى نادي التي قد تـولـت

إذا قلت هذي زفرة اليوم قد مضـت

 

فمن لي بأخرى في غدٍ قد أظـلـت

أيا منشر الموتى أعني على الـتـي

 

بها نهلت نفسي سقـامـاً وعـلـت

لقد بخلت حتى لو اني سـألـتـهـا

 

قذى العين من سافي التراب لضنت

فقلت ارحلا يا صاحبي فـلـيتـنـي

 

أرى كل نفس أعطيت ما تمـنـت

حلفت لهـا بـالـلـه مـا أم واحـدٍ

 

إذا ذكـرتـه آخـر الـلـيل أنـت

وما وجد أعرابـيةٍ قـذفـت بـهـا

 

صروف النوى من حيث لم تك ظنت

إذا ذكرت ماء العـضـاه وطـيبـه

 

وبطن الحصى من بطن خبت أرنت

بأعظم من وجدي بها غـير أنـنـي

 

أجمجم أحشائي على مـا أجـنـت          

غناه إسحاق فوصله وشعره فيه: أخبرني جحظة وابن أبي الأزهير ويحيى بن علي والحسين بن يحيى قالوا جميعاً أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه، وقد جمعت روايتهم في هذا الخبر وزدت فيه ما نقصه كل واحد منهم حتى كملت ألفاظه، قال: ما وصلني أحد من الخلفاء بمثل ما وصلني به الواثق؛ وما أحد منهم يكرمني إكرامه. ولقد غنيته لحني:

لعلك إن طالت حياتك أن ترى

 

بلاداً بها مبدًى لليلى ومحضر

فاستعاده مني ليلةً لا يشرب على غيره، ثم وصلني بثلثمائة ألف درهم. ولقد قدمت عليه في بعض قدماتي، فقال لي: ويحك يا إسحاق ! أما اشتقت إلي ! فقلت: بلى والله ياسيدي ! وقلت في ذلك أبياتاً إن أمرتني أنشدتها. قال: هات؛ فأنشدته:

أشكو إلى الله بعدي عن خليفـتـه

 

وما أقاسيه من همً ومـن كـبـر

لا أستطيع رحيلاً إن هممـت بـه

 

يوماً إليه ولا أقوى على السـفـر

أنوي الرحيل إليه ثم يمـنـعـنـي

 

ما أحدث الدهر والأيام في بصري

ثم استأذنته في إنشاد قصيدة مدحته بها فأذن لي؛ فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها:

لما أمرت بإشخاصي إلـيك هـوى

 

قلبي حنيناً إلـى أهـلـي وأولادي

ثم اعتزمت فلم أحفل بـبـينـهـم

 

وطابت النفس عن فضلٍ وحـمـاد

كم نعمةٍ لأبيك الـخـير أفـردنـي

 

بها وخص بأخرى بعـد إفـرادي

فلو شكرت أياديكم وأنـعـمـكـم

 

لما أحاط بها وصفـي وتـعـدادي

لأشكرنك ما غار الـنـجـوم ومـا

 

حدا على الصبح في إثر الدجى حاد

قال علي بن يحيى خاصةً في خبره: فقال لي أحمد بن إبراهيم: يا أبا الحسن، أخبرني لو قال الخليفة لإسحاق: أحضر لي فضلاً وحماداً أليس كان يفتضح إسحاق ! يعني من دمامة خلقتهما وتخلف شاهدهما.

خرج معه إسحاق إلى النجف، وشعره فيها وفي حنينه إلى ولده: قال إسحاق: ثم انحدرت مع الواثق إلى النجف، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد قلت في النجف قصيدة. فقال هاتها؛ فأنشدته قولي:

يا راكب العيس لا تعجل بنا وقـف

 

نحي داراً لسعدى ثم نـنـصـرف

لم ينزل الناس في سهلٍ ولا جبـلٍ

 

أصفى هواءً ولا أغذى من النجف

حفت ببرً وبحرٍ في جـوانـبـهـا

 

فالبر في طرفٍ والبحر في طرف

ما إن يزال نسـيمٌ مـن يمـانـيةٍ

 

يأتيك منهـا بـرياً روضةٍ أنـف

حتى انتهيت إلى مديحه فقلت وقد انتهيت إلى قولي فيه:

لا يحسب الجود يفني مـالـه أبـداً

 

ولا يرى بذل ما يحوي من السرف

فقال لي: أحسنت يا أبا محمد ! فكناني، وأمر لي بألف درهم. وانحدرنا إلى الصالحية التي يقول فيها أبو نواس:

فالصالحية من أكناف كلواذا

وذكرت الصبيان وبغداد فقلت:

أتبكي على بـغـداد وهـي قـريبةٌ

 

فكيف إذا ما ازددت منها غداً بعـدا

لعمرك ما فارقت بغداد عن قـلـى

 

لو أن وجدنا من فراقٍ لـهـا بـدا

إذا ذكرت بغداد نفسي تقـطـعـت

 

من الشوق أو كادت تموت بها وجدا

كفى حزناً أن رحت لم تستطع لهـا

 

وداعاً ولم تحدث لساكنهـا عـهـدا

فقال لي: يا موصلي لقد اشتقت إلى بغداد ! فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكن اشتقت إلى الصبيان، وقد حضرني بيتان. فقال: هاتهما. فقلت:

حننت إلى الأصبية الصغار

 

وشاقك منهم قرب المزار

وكل مفارقٍ يزداد شوقـاً

 

إذا دنت الديار من الـديار

فقال لي: يا إسحاق، سر إلى بغداد فأقم شهراً مع صبيانك ثم عد إلينا، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم.

امتياز إسحاق على المغنين في مجلسه: أخبرني جحظة عن ابن حمدون: أن إسحاق كان يحضر مجالس الخلفاء إذا جلسوا للشرب في جملة المغنين وعوده معه إلى أيام الواثق، فإنه كان إذا قدم عليه يحضر مع الجلساء بغير عود، ويدنيه الواثق ولا يغني حتى يقول له: غن، فإذا قال له غن جاؤوه بعود فغنى به، وإذا فرغ العود من بين يديه إكراماً من الواثق له.

برز إسحاق عليه في لحن اشتركا فيه: أخبرني الحسين بن يحيى عن وسواسة بن الموصلي عن حماد بن إسحاق قال: كتب حمدون بن إسماعيل إلى أبي: إن أمير المؤمنين الواثق يأمرك ان تصنع لحناً في هذا الشعر:

لقد بخلت حتى لو اني سألتها

وقد كان الواثق غنى فيه غناء أعجبه، فغنى فيه أبي. فلما سمعه الواثق قال: أفسد علينا إسحاق ما كنا أعجبنا به من غنائنا. قال حماد: ثم لم أعلم أن أبي صنع بعده غناءً حتى مات.
ومن مشهور أغاني الواثق: صوت

سقى العلم الفرد الذي في ظلاله

 

غزالان مكحولان مؤتلـفـان

أرغتهما ختلاً فلم أستطعهـمـا

 

ورمياً ففاتاني وقد رمـيانـي

ولحنه فيه من الثقيل الأول. ولإسحاق فيه رملٌ.
قصة لأعرابي عاشق مع إسحاق بن سليمان بن علي: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال أخبرني محمد بن منصور بن علية القرشي قال أخبرني جعفر بن عبيد الله بن جعفر الهاشمي عن إسحاق بن سليمان بن علي قال: لقيت أعرابياً بالسمية فصيحاً، فاستخففته وتأملته فإذا هو مصفرٌ شاحب ناحل الجسم، فاستنشدته فأنشدني الشيء بعد الشيء على استكراهٍ مني له. فقلت له ما بالك؟ فوالله إنك لفصيح ! فقال: أما ترى الجبلين؟ قلت بلى. قال: في ظلالهما والله يمنعني من إنشادك ويشغلني ويذهلني عن الناس. قلت: وما ذاك؟ قال: بنت عم لي قد تيمتني وذهبت بعقلي، والله إنه لتأتي علي ساعاتٌ ما أدري أفي السماء أنا أم في الأرض، ولا أزال ثابت العقل مالم يخامر ذكرها قلبي، فإذا خامره بطلت حواسي وعزب عني لبي. قلت: فما يمنعك منها؟ أقلة ما في يديك؟ قال: والله ما يمنعني منها غير ذلك. قلت: وكم مهرها؟ قال: مائة ناقة. قلت: فأنا ادفعها إليك إذاً لتدفعها إليها. قال: والله لئن فعلت ذلك إنك لأعظم الناس علي منةً. فوعدته بذلك واستنشدته ما قال فيها. فأنشدني أشياء كثيرةً منها قوله:

سقى العلم الفرد الذي في ظلاله

 

غزالان مكحولان مؤتلـفـان

البيتان. فقلت له: يا أعرابي، والله لقد قتلتني بقولك ” ففاتاني وقد قتلاني ” وأنا بريء من العباس أن لم أقم بأمرك. ثم دعوت بمركوب فركبته وحملت معي الأعرابي، فصرنا إلى أبي الجارية في جماعةٍ من أهلي و موالي حتى زوجته إياها وضمنت عنه الصداق واشتريت له مائة ناقة فسقتها عنه؛ وأقمت عندهم ثلاثاً ونحرت لهم ثلاثين جزورا، ووهبت للأعرابي عشرة آلاف درهم وللجارية مثلها، وقلت: استعينا بهذا على اتصالكما وانصرفت. فكان الأعرابي يطرقنا في كل سنة وامرأته معه فأهب له وأصله وينصرف.

غناؤه في شعر حسان: ومن أغانيه – أخبرني به ذكاء وجه الرزة عن أحمد بن العلاء عن مخارق وأنه أخذه عنه -: صوت

إن التي عاطيتني فرددتـهـا

 

قتلت قتلت فهاتها لم تقـتـل

كلتاهما حلب العصير فعاطني

 

بزجاجةٍ أرخاهما للمفصـل

يروي: ” كلتاهما جلب العصير ” و ” حلب العصير “. ويروي: ” للمَفصل ” و ” للمِفصل “. والمَفصل: الواحد من المفاصل، والمِفصل هو اللسان. ذكر ذلك علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن الحسن الأحول عن ابن الأعرابي.

الشعر لحسان بن ثابت. والغناء للواثق خفيف رملٍ بالبنصر. وفيه لإبراهيم الموصلي رملٌ مطلقٌ في مجرى الوسطى. وهذه الأبيات من قصيدة حسان المشهورة التي يمدح بها بني جفنة، وأولها:

أسألت رسم الدار أم لم تسأل

وهي من فاخر المديح، منها قوله:

أولاد جفنة عند قبـر أبـيهـم

 

قبر ابن مارية الكريم المفضل

يسقون من ورد البريص عليهم

 

بردى يصفق بالرحيق السلسل

بيض الوجوه كريمةٌ أنسابهـم

 

شم الأنوف من الطراز الأول

يغشون حتى ما تهر كلابهـم

 

لا يسألون عن السواد المقبـل

تفسير القاضي عبيد الله بن الحسن لهذا الشعر: نسخت من كتاب الشاهيني: حدثني ابن علي العنزي قال حدثني أحمد بن عبد الملك بن أبي السمال السعدي قال حدثني أبو ظبيان الحماني قال: اجتمعت جماعةٌ من الحي على شرابٍ لهم، فتغنى رجل منهم بشعر حسان:

إن التي عاطيتها فرددتـهـا

 

قتلت قتلت فهاتها لم تقـتـل

كلتاهما حلب العصير فعاطني

 

بزجاجةٍ أرخاهما للمفصـل

فقال رجل من القوم: ما معنى قوله ” إن التي عاطيتني ” فجعلها واحدة، ثم قال: ” كلتاهما حلب العصير ” فجعلهما اثنتين؟ فلم يعلم أحد منا الجواب. فقال الرجل من القوم: امرأته طالقٌ ثلاثاً إن بات أو يسأل القاضي عبيد الله بن الحسن عن تفسير هذا الشعر. قال أبو ظبيان: فحدثني بعض أصحابنا السعديين قال: فأتيناه نتخطى إليه الأحياء حتى أتيناه وهو في مسجده يصلي بين العشاءين. فلما سمع حسنا أوجز في صلاته، ثم أقبل علينا وقال: ما حاجتكم؟ فبدأ رجل منا كان احسننا بقيةً فقال: نحن، أعز الله القاضي، قومٌ نزعنا إليك من طرف البصرة في حاجة مهمة فيها بعض الشيء. فإن أذنت لنا قلنا. قال: قولوا. فذكر يمين الرجل والشعر. فقال: أما قوله ” إن التي ناولتني ” هي الخمرة. وقوله: ” قتلت ” يعني مزجت بالماء. وقوله: ” كلتاهما حلب العصير ” يعني به الخمر و مزاجها، فالخمر عصير العنب، والماء عصير السحاب؛ قال الله عز وجل: ” وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً ” انصرفوا إذا شئتم.

غناؤه لحناً على مثال لحن لمخارق: أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال: غنى مخارقٌ يوماً بحضرة الواثق:

حتى إذا الليل خبا ضوءه

 

وغابت الجوزاء والمرزم

خرجت والوطء خفيٌ كما

 

ينساب من مكمنه الأرقم

فاستملح الواثق الشعر واللحن، فصنع في نحوه:

قالت إذا الليل دجا فـأتـنـا

 

فجئتها حين دجـا الـلـيل

خفي وطء الرجل من حارسٍ

 

ولو درى حل بـي الـويل

ولحنه فيه من الرمل. وصنع فيه الناس ألحاناً بعده: منها لعريب خفيف رملٍ، ومنها ثقيلٌ أول لا أعلم لمن هو؛ وسمعت ذكاء ومحمد بن إبراهيم قريضاً يغنيانه وذكراً أنهما أخذاه عن أحمد بن أبي العلاء، ولا أدري لمن هو.

تحدث إسحاق إليه بقصة أعرابي عاشق وغنى في شعره فوصله ووصل الأعرابي: حدثني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حمدا بن إسحاق قال حدثني أبي قال: سرت إلى سر من رأى بعد قدومي من الحج، فدخلت إلى الواثق فقال: بأي شيء أطرفتني من أحاديث الأعراب وأشعارهم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، جلس إلي فتى من الأعراب في بعض المنازل، فحادثني فرأيت منه أحلى ما رأيت من الفتيان منظراً وحديثاً وأدباً. فاستنشدته فأنشدني:

سقى العلم الفرد الذي في ظلاله

 

غزالان مكحولان مؤتلـفـان

إذا أمنا التفا بجـيدي تـواصـلٍ

 

وطرفاهما للريب مستـرقـان

أرغتهما ختلاً فلم أستطعهـمـا

 

ورمياً ففاتاني وقد قـتـلانـي

ثم تنفس تنفساً ظننت أنه قد قطع حيازيمه. فقلت: ما لك بأبي أنت؟ فقال: أن لي وراء هذين الجبلين شجناً، وقد حيل بيني وبين المرور به ونذروا دمي، وأنا أتمتع بالنظر إلى الجبلين تعللاً بهما إذا قدم الحاج، ثم يحال بيني وبين ذلك. فقلت له: زدني مما قلت في ذلك. فأنشدني:

إذا ما وردت الماء في بعض أهله

 

حضور فعرض بي كأنك مازح

فإن سألت عني حضور فقل لهـا

 

به غبرٌ من دائه وهو صـالـح

فأمرني الواثق فكتبت له الشعرين. فلما كان بعد أيام دعاني فقال: قد صنع بعض عجائز دارنا الشعرين لحناً فاسمعه، فإن ارتضيته أظهرناه وإن رأيت فيه موضع إصلاح أصلحته. فغني لنا من وراء الستار، فكان في نهاية الجودة، وكذلك كان يفعل إذا صنع شيئاً. فقلت له: أحسن والله صانعه يا أمير المؤمنين ما شاء !. فقال: بحياتي؟ فقلت: وحياتك، وحلفت له بما وثق به، وأمر لي برطلٍ فشربته، ثم أخذ العود فغناه ثلاث مرات، وسقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف دلاهم. فلما كان بعد أيام دعاني فقال: قد صنع أيضاً عندنا في الشعر الآخر، وأمر فغني به؛ فكانت حالي فيه مثل الحال في الأول. فلما استحسنته وحلفت له على جودته ثلاث مرات، سقاني ثلاثة أرطال وأمر لي بثلاثين ألف درهم. ثم قال لي: هل قضيت حق هديتك؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ فأطال الله بقاءك، وتمم نعمتك، ولا أفقدنيها منك وبك. ثم قال: لكنك لم تقض حق جليسك الأعرابي ولا سألتني معونته على أمره، وقد سبقت مسألتك وكتبت بخبره إلى صاحب الحجاز وأمرته بإحضاره، وخطبت المرأة له وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالي. فقبلت يديه وقلت: السبق إلى المكارم لك، وأنت أولى بها من عبدك ومن سائر الناس.

نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني: منها الصوتان اللذان في الأخبار المتقدمة.
صوت

حتى إذا الليل خبا ضوءه

 

وغابت الجوزاء والمرزم

أقبلت والوطء خفيٌ كمـا

 

ينساب من مكمنه الأرقم

ذكر يحيى المكي أن اللحن لابن سريج رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر، وذكر الهشامي أنه منحولٌ.

طرب شيخ لسماع مغنية فرمى بنفسه في الفرات: فأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار وإسماعيل بن يونس وغيرهما قالوا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم عن ابن كناسة قال: إصطحب شيخٌ مع شباب في سفينةٍ في الفرات ومعه مغنية. فلما صاروا في بعض الطريق قالوا للشيخ: معنا جاريةٌ لبعضنا وهي مغنية، فأحببنا أن نسمع غناءها فهبناك، فإن أذنت لنا فعلنا. قال: أنا أصعد إلى طلل السفينة، فاصنعوا أنتم ما شئتم فصعد، وأخذت الجارية عودها فغنت:

حتى إذا الصبح بدا ضوءه

 

وغابت الجوزاء والمرزم

أقبلت والوطء خفيٌ كمـا

 

ينساب من مكمنه الأرقم

فطرب الشيخ وصاح ثم رمى بنفسه بثيابه في الفرات، وجعل يغوص في الفرات ويطفو ويقول: أنا الأرقم !أنا الأرقم ! فألقوا أنفسهم خلفه، فبعد لأيٍ ما استخرجوه، وقالوا له: يا شيخ، ما حملك على ما صنعت؟ فقال: إليكم عني ! فإني والله أعرف من معاني الشعر ما لا تعرفون. وقال إسماعيل في خبره فقلت له: ما أصابك؟ فقال: دب شيء من قدمي إلى رأسي كدبيب النمل ونزل في رأسي مثله، فلما وردا على قلبي لم أعقل ما عملت.

وأما ما في الخبر من الصنعة في: ” قالت إذا الليل دجا ” فإن لحن الواثق هو المشهور، وما وجدت في كتب ” الأغاني ” غيره، بل سمعت محمد بن إبراهيم المعروف بقريض وذكاء وجه الرزة يغنيان فيه لحناً من الثقيل الأول المذموم فسألتهما عن صانعه فلم يعرفاه، وذكرا جميعاً أنهما أخذاه عن أحمد بن أبي العلاء.

علمه بالغناء وعدد أصواته وذكر المشهور منها: وأخبرني الصولي عن أحمد بن محمد بن إسحاق عن حماد بن إسحاق قال: كان الواثق أعلم الخلفاء بالغناء، وبلغت صنعته مائة صوتً، وكان أحذق من غنى بضرب العود، قال: ثم ذكرها فعد منها:

يفرح الناس بالسماع وأبـكـي

 

أنا حزناً إذا سمعت السـمـاع

ولها في الفؤاد صـدعٌ مـقـيمٌ

 

مثل صدع الزجاج أعيا الصناعا

الشعر للعباس بن الأحنف. والغناء للواثق خفيف ثقيلٍ. وفيه لأبي دلف خفيف رملٍ.
ومنها:

ألا أيها النفس التي كادها الهـوى

 

أفأنت إذا رمت السلو غـريمـي

أفيقي فقد أفنيت صبري أو اصبري

 

لما قد لقيتـيه عـلـي ودومـي

الشعر والغناء للواثق خفيف رملٍ ومنها:

سقى العلم الفرد الذي في ظلاله

 

غزالان مكحولان مؤتلـفـان

أرغتهما ختلاً فلم أستطعهـمـا

 

ورمياً ففاتاني وقد قـتـلانـي

الغناء للواثق ثقيلٌ أول. وفيه لإسحاق رملٌ وهو من غريب صنعته، يقال إنه صنعه بالرقة.
ومنها:

كل يومٍ قـطـيعةٌ وعـتـاب

 

ينقضي دهرنا ونحن غضاب

ليت شعري أنا خصصت بهذا

 

دون ذا الخلق أم كذا الأحباب

فاصبر النفس لا تكونن جزوعاً

 

إنما الحب حسـرةٌ وعـذاب

فيه للواثق رملٌ، ولزرزور ثقيلٌ أول، ولعريب هزجٌ.
ومنها:

ولم أر ليلى بعد مـوقـف سـاعةٍ

 

بخيف منى ترمي جمار المحصبٍ

ويبدي الحصى منها إذا قذفت بـه

 

من البرد أطراف البنان المخضب

فأصبحت من ليلى الغداة كناظـرٍ

 

مع الصبح في أعقاب نجم مغرب

ألا إنمـا غـادرت يا أم مـالـكٍ

 

صدى أينما تذهب به الريح يذهب

الصنعة في هذا الشعر ثقيلٌ أول وهو لحن الواثق فيما أرى. ونسبه حبش، وهو قليل التحصيل، إلى ابن محرز في موضع، وإلى سليم في موضع آخر، و إلى معبد في موضع ثالث.
ومنها:

أمست وشاتك قد دبت عقاربهـا

 

وقد رموك بعين الغش وابتدروا

تريك أعينهم ما في صدورهـم

 

إن الصدور يؤدي غيبها النظر

الشعر للمجنون. والغناء للواثق ثاني ثقيلٍ. وفيه لمتيم ثقيلٌ أول. وقد نسب لحن كل واحد منهما إلى الآخر.
ومنها:

عجبت لسعي الدهر بيني وبينهـا

 

فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر

فيا هجر ليلى قد بلغت بي المدى

 

وزدت على ما لم يكن بلغ الهجر

الغناء للواثق رملٌ. وفيه لمعبد ثاني ثقيلٍ بالوسطى، ولابن سريج ثقيلٌ أول بالبنصر، ولعريب ثقيلٌ أول آخر.
ومنها:

كأن شخصي وشخصه حكيا

 

نظام نسرينتين في غصـن

فليت ليلـي ولـيلـه أبـداً

 

دام ودمنا به فلـم نـبـن

الشعر أظنه لعلي بن هشام أو لمراد . ولحن الواثق فيه ثقيلٌ أول. وفيه لعريب ثقيلٌ أول آخر. وفيه لأبي عيسى بن الرشيد ولمتيم لحنان لم يقع إلي جنسهما.
ومنها:

أهابك إجلالاً وما بك قـدرةٌ

 

علي ولكن ملء عينٍ حبيبها

وما فارقتك النفس يا ليل أنها

 

قلتك ولكن قل منك نصيبها

لحن الواثق فيه ثقيلٌ أول مطلق في مجرى الوسطى. وفيه لغيره لحن.
ومنها:

في فمي ماءٌ وهل ين

 

طق من في فيه ماءُ !

أنا مملوكٌ لمـمـلـو

 

كٍ عليه الـرقـبـاء

كنت حراً هـاشـمـياً

 

فاسترقتنـي الإمـاء

وسباني مـن لـه كـا

 

ن على الكره السبـاء

أحمد الله عـلـى مـا

 

ساقه نحوي القضـاء

ما بـعـينـي دمـوعٌ

 

أنفد الدمع الـبـكـاء

الغناء للواثق رملٌ.
ومنها :

أي عونٍ على الهموم ثلاث

 

مترعاتٌ من بعدهن ثلاث

بعدها أربعٌ تتمة عـشـرٍ

 

لا بطاءٌ لكنهن حـثـاث

فيه رملٌ ينسب إلى الواثق وإلى متيم.
ومنها :

أيا عبرة العينين قد ظمئ الحـد

 

فما لكما من أن تلمـا بـه بـد

ويا مقلةً قد صار يبغضها الكرى

 

كأن لم يكن من قبل بينهمـا ود

لئن كان طول العهد أحدث سلوةً

 

فموعد بين العين والعبرة الوجد

وما أنا إلا كاللذين تـخـرمـوا

 

على أن قلبي من قلوبهم فـرد

الشعر والغناء للواثق رملٌ. وفيه لأبي حشيشة هزجٌ، ذكر ذلك الهشامي الملقب بالمسك، وأخبرني جحظة أنه للمسدود. وأخبرني جحظة أن من صنعة أبي حشيشة في شعر الواثق خفيف رملٍ وهو:

سألته حـويجةً فـأعـرضـا

 

وعلق القلب به ومـرضـا

فاستل مني سيف عزمٍ منتضى

 

فكان ما كان وكابرنا القضـا

قال: وفي هذا الشعر أيضاً للواثق رملٌ، ولقلم الصالحية فيه هزج. وقد غلط جحظة في هذا الشعر، وهو لسعيد بن حميد مشهور، وله فيه خبر قد ذكرناه في موضعه .

غاضبه خادم له فقال فيه شعراً غنى فيه: أخبرني عمي عن علي بن محمد بن نصر عن جده ابن حمدون عن أبيه حمدون بن إسماعيل قال: كان الواثق يحب خادماً له كان أهدي إليه من مصر، فغاضبه يوماً وهجره، فسمع الخادم يحدث صباحاً له بحديث أغضبه عليه، إلى أن قال له: والله إنه ليجهد منذ أمس على أن أصالحه فما أفعل. فقال الواثق في ذلك:

يا ذا الذي بعذابي ظل مفتخـراً

 

هل أنت إلا مليكٌ جار إذ قدرا

لولا الهوى لتجازينا على قـدرٍ

 

وإن أفق مرةً منه فسوف ترى

قال: وغنى الواثق وعلويه فيه لحنين، ذكر الهشامي أن لحن الواثق خفيف ثقيلٍ، وفي أغانيه علويه: لحنه في هذا الشعر خفيف رملٍ.

غنى في شعر لعلي بن الجهم: حدثني الصولي قال حدثني بن أبي العيناء عن أبيه عن إبراهيم بن الحسن بن سهل قال: كنا وقوفاً على رأس الواثق في أول مجالسه التي جلسها لما ولي الخلافة، فقال: من ينشدنا شعراً قصيراً مليحاً؟ فحرصت على أن أعمل شيئاً فلم يجئني، فأنشدته لعلي بن الجهم:

لو تنصلـت إلـينـا

 

لوهبنا لك ذنـبـك

ليتني أملك قلـبـي

 

مثلما تملك قلـبـك

أيها الواثـق بـالـل

 

ه لقد ناصحت ربك

سيدي ما أبغض العي

 

ش إذا فارقت قربك

أصبحت حجتك العلي

 

ا وحزب الله حزبك

فاستحسنها وقال: لمن هذه؟ فقلت: لعبدك علي بن الجهم. فقال: خذ ألف دينار لك وله؛ وصنع فيه لحناً كنا نغني به بعد ذلك.
يوم له مع المغنين بسر من رأى: أخبرني محمد بن يحيى بن أبي عباد قال حدثني أبي قال: لما خرج المعتصم إلى عمورية استخلف الواثق بسر من رأى، فكانت أموره كلها كأمور أبيه. فوجه إلى الجلساء والمغنين أن يبكروا إليه يوماً حدد لهم، ووجه إلى إسحاق، فحضر الجميع. فقال لهم الواثق: إني عزمت على الصبوح، ولست أجلس على سرير حتى أختلط بكم ونكون كالشيء الواحد، فاجلسوا معي حلقةً، وليكن كل جليس إلى جانبه مغنٍ، فجلسوا كذلك. فقال الواثق: أنا أبدأ؛ فأخذ عوداً فغنى وشربوا وغنى من بعده، حتى انتهي إلى إسحاف فأعطي العود فلم يأخذه. فقل: دعوه. ثم غنوا دوراً آخر. فلما بلغ الغناء إلى إسحاق لم يغن، وفعل هذا ثلاث مرات. فوثب الواثق فجلس على سريره وأمر الناس فأدخلوا، فما قال لأحدٍ منهم: اجلس. ثم قال: علي بإسحاق !. فلما رآه قال: يا خوزي يا كلب ! أتنزل لك وأغني و ترتفع عني ! أترى لو أني قتلتك كان المعتصم يقيدني بك ! ابطحوه ! فبطح فضرب ثلاثين مقرعةً ضرباً خفيفاً، وحلف ألا يغني سائر يومه سواه. فاعتذر وتكلمت الجماعة فيه، فأخذ العود وما زال يغني حتى انقضى ذلك اليوم، وعاد الواثق إلى مجلسه.
شعره في خادم يهواه: وجدت في بعض الكتب عن ابن المعتز قال: كان الواثق يهوى خادماً له فقال فيه:

سأمنع قلبي مـن مـودة غـادر

 

تعبدني خبثاً بمكر مـكـاشـر

خطبت إليه الوصل خطبة راغبٍ

 

فلاحظني زهواً بطرف مهاجر

قال أبو العباس عبد الله بن المعتز: وللواثق في هذا الشعر لحن من الثقيل الأول.

ألقى على غلمانه صوتاً فأخذوه عنه: أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني الحسين بن يحيى أبو الحمار قال حدثني عبد أم غلام الواثق قال: دعى بنا الواثق مع صلاة الغداة وهو يستاك فقال: خذوا هذا الصوت، ونحن عشرون غلاماً كلنا يغني ويضرب، ثم ألقى علينا:

أشكو إلى الله ما ألقى من الكمد

 

حسبي بربي فلا أشكو إلى أحدٍ

فما زال يردده حتى أخذناه عنه.
نسبة هذا الصوت:

أشكو إلى الله ما ألقى من الكمد

 

حسبي بربي فلا أشكو إلى أحدٍ

أين الزمان الذي قد كنت ناعمةٍ

 

مهلةٌ بدنوي منـك يا سـنـدي

وأسأل الله يوماً منك يفرحـنـي

 

فقد كحلت جفون العين بالسهد

شوقاً إليك وما تدرين ما لقـيت

 

نفسي عليك وما بالقلب من كمد

الغناء للواثق ثقيلٌ أول بالبنصر. وفيه لعريب أيضاً ثقيلٌ أول بالوسطى.

كان إسحاق يصحح له غناءه: أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني محمد بن أحمد المكي قال حدثني أبي قال: كان الواثق يعرض صنعته على إسحاق، فيصلح الشيء بعد الشيء مما يخفى على الواثق؛ فإذا صححه أخرجه إلينا وسمعناه.
أمر مخارقاً وعلويه وعريب أن يعارضوا لحناً له: حدثنا جحظة قال حدثني حماد بن إسحاق قال حدثني مخارق قال: لما صنع الواثق لحنه في:

حوراءُ ممكورةٌ منعمةٌ

 

كأنما شف وجهها نزف

وصنع لحنه في ” سأذكر سرباً طال ما كنت فيهم ” أمرني وعلويه وعريب أن نعارض صنعته فيهما، ففعلنا واجتهدنا ثم غنيناه. فضحك فقال: أمنا معكم أن نجد من يبغض إلينا صنعتنا كما بغض إسحاق إلينا ” أيا منشر الموتى “. قال حماد: هذا آخر لحنٍ صنعه أبي. يعني الذي عارض به لحن الواثق في ” أيا منشر الموتى “.
غناه إسحاق صوتاً فتطير به: أخبرني جحظة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت يوماً إلى الواثق وهو مصطبحٌ، فقال لي: غني يا إسحاق بحياتك عليك صوتاً غريباً لم أسمعه منك حتى أسربه بقية يومي. فكإن الله أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت:

يا دار إن كان البلى قد محاك

 

فإنه يعجـبـنـي أن أراك

أبكي الذي قد كان لي مألفـاً

 

فيك فأتي الدار من أجل ذاك

-والغناء في هذا اللحن للأبجر رملٌ بالوسطى عن ابن المكي وهو الصواب، وذكر عمرو بن بانة أنه لسليم – قال فتبينت الكراهية في وجهه، وندمت على ما فرط مني. وتجلد فشرب رطلاً كان في يده، وعدلت عن الصوت إلى غيره. فكان والله ذلك اليوم آخر جلوسي معه.

وممن حكي عنه أنه صنع في شعره وشعر غيره المنتصر غناء المنتصر

فإني ذكرت ما روي عنه أنه غنى فيه على سوء العهدة في ذلك وضعف الصنعة، لئلا يشذ عن الكتاب شيءٌ قد روي وقد تداوله الناس. فمما ذكر عنه أنه غنى فيه: صوت

سقيت كأساً كشفت

 

عن ناظريه الخمرا

فنشطتنـي ولـقـد

 

كنت حزيناً خاثـرا

الشعر للمنتصر، وهو شعرٌ ضعيفٌ ركيك إلا أنه يغني فيه.

كان متحلفاً في قول الشعر ومتققدماً في غيره وكان يغني قبل الخلافة: وحدثني الصولي عن أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال: كان طبع المنتصر متخلفاً في قول الشعر وكان متقدماً في كل شيء غيره؛ فكان إذا قال شعراً صنع فيه وأمر المغنين بإظهاره، وكان حسن العلم بالغناء. فلما ولي الخلافة قطع ذلك وأمر بستر ما تقدم منه. من ذلك صنعته في شعره وهو من الثقيل الأول المذموم:

سقيت كأساً كشفت

 

عن ناظريه الخمرا

قال: ومن شعره الذي غنى فيه ولحنه ثاني ثقيلٍ: صوت

متى ترفع الأيام من وضعنـه

 

وينقاد لي دهرٌ علي جمـوحٌ

أعلل نفسي بالرجاء وإنـنـي

 

لأغدو على ما ساءني وأروح

قال: وكان أبي يستجيد هذين البيتين ويستحسنهما. ونذكر ها هنا شيئاً من أخبار المنتصر في هذا المعنى دون غيره أسوة ما فعلناه في نظرائه.

أراد الشرب علانية فجاء الناس ليروه فقال شعراً فتفرقوا: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن يحيى بن أبي عباد قال حدثني أبي قال: أراد المنتصر أن يشرب في الزقاق، فوافى الناس من كل وجه ليروه ويخدموه؛ فوقف على شاطئ دجلة وأقبل على الناس فقال:

لعمري لقد أسحرت خيلنا

 

بأكناف دجلة للملعـب

والشعر ” بأكناف دجلة للمصعب ” ولكنه غيره لأنه تطير من ذكر المصعب –

فمن يك منا يبـت آمـنـاً

 

ومن يك من غيرنا يهرب

قال: فعلم أنه يريد الخلوة بالندماء والمغنين، فانصرفوا، فلم يبق معه إلا من يصلح للأنس والخدمة.
جفا يزيد المهلبي لاختصاصه بالمتوكل ثم عفا عنه وأكرمه: حدثني الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال: كان أبي أخص الناس بالمنتصر، وكان يجالسه قبل مجالسته المتوكل. فدخل المتوكل يوماً على المنتصر على غفلة، فسمع كلامه فاستحسنه، فأخذه إليه وجعله في جلسائه. وكان المنتصر يريد منه أن يلازمه كما كان، فلم يقدر على ذلك لملازمته أباه؛ فعتب عليه لتأخره عنه على ثقةٍ بمودة وأنسٍ به. فلما أفضت إليه الخلافة استأذن عليه؛ فحجبه وأمر بأن يعتقل في الدار فحبس أكثر يومه. ثم أذن له فدخل وسلم وقبل الأرض بين يديه ثم قبل يده، فأمره بالجلوس؛ ثم التفت إلى بنان بن عمرو وقال: غن، وكان العود في يده:

غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن

 

ورمت بديلاً بي ولـم أتـبـدل

– قال: والشعر للمنتصر – فغناه بنانٌ. وعلم أبي أنه أراده بذلك فقام فقال: والله ما اخترت خدمة غيرك ولا صرت إليها إلا بعد إذنك. فقال: صدقت؛ إنما قلت هذا مازحاً؛ أتراني أتجاوز بك حكم الله عز وجل إذ يقول: ” وليس عليكم جناحٌ فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفوراً رحيماً “. ثم استأذنه في الإنشاد فأذن له فأنشده:

ألا يا قوم قد بـرح الـخـفـاء

 

وبان الصبر منـي والـعـزاء

تعجب صاحبي لضياع مثـلـي

 

ولـيس لـداء مـحـروم دواء

جفانـي سـيدٌ قـد كـان بـراً

 

ولم أذنب فما هذا الـجـفـاء

حللت بداره وعـلـمـت أنـي

 

بدار لا يخيب بهـا الـرجـاء

فلما شـاب رأسـي فـي ذراه

 

حجبت بعقب ما بعد اللـقـاء

فإن تنأى ستـور الإذن عـنـا

 

فما نأت المحـبة والـثـنـاء

وإن يك كادني ظلـمـاً عـدوٌ

 

فعند البحث ينكشف الغـطـاء

ألـم تـر أن بـالآفـاق مـنـا

 

جماجم حشو أقبرها الـوفـاء

وقد وصف الزمان لـنـا زيادٌ

 

وقال مقـالةً فـيهـا شـفـاء

ألا يا رب مغمومٍ سـيحـظـى

 

بدولتـنـا ومـسـرورٍ يسـاء

أمنتصر الخلائف جدت فـينـا

 

كما جادت على الأرض السماء

وسعت الناس عدلاً فاستقـامـوا

 

بأحكامٍ عـلـيهـن الـضـياء

وليس يفوتنا ما عـشـت خـيرٌ

 

كفانا أن يطول لك الـبـقـاء

قال: فقال له المنتصر: والله إنك لمن ذوي ثقتي وموضع اختياري، ولك عندي الزلفى، فطب نفساً. قال ووصلني بثلاثة آلاف دينار.
شعر الحسين بن الضحاك فيه: حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد الكندي قال: لما ولي المنتصر الخلافة دخل عليه الحسين بن الضحاك فهنأه بالخلافة وأنشده:

تجددت الدنيا بملـك مـحـمـد

 

فأهلاً وسهلاً بالزمان المـجـدد

هي الدولة الغراء راحت وبكرت

 

مشهرةً بالرشد في كل مشهـد

لعمري لقد شدت عرا الدين بيعةٌ

 

أعز بها الرحمن كل مـوحـد

هنتك أمير المؤمـنـين خـلافةٌ

 

جمعت بها أهواء أمة محـمـد

قال: فأظهر إكرامه والسرور به، وقال له: إن في بقائك بهاءً بالملك، وقد ضعفت عن الحركة، فكاتبني بحاجاتك ولا تحمل على نفسك بكثرة الحركة. ووصله بثلاثة آلاف دينار ليقضي بها ديناً بلغه أنه عليه.
قال: وقال الحسين بن الضحاك فيه وقد ركب الظهور وراءه الناس، وهو آخر شعر قاله:

ألا ليت شعري أبـدرٌ بـدا

 

نهاراً أم الملك المنتصـر

إمامٌ تـضـمـن أثـوابـه

 

على سرجه قمراً من بشر

حمى الله دولة سلطـانـه

 

بجند القضاء وجند القـدر

فلا زال ما بـقـيت مـدةٌ

 

يروح بها الدهر أو يبتكر

قال: وغنى فيه بنانٌ وعريب.
شعر يزيد المهلبي فيه: حدثني الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال: أول قصيدة أنشدها أبي في المنتصر بعد أن ولي الخلافة:

ليهنك ملكٌ بالـسـعـادة طـائره

 

موارده محمـودةٌ ومـصـادره

فأنت الذي كنا مرجي فلم نـخـب

 

كما يرتجى من واقع الغيب باكره

بمنتصرٍ باللـه تـمـت أمـورنـا

 

ومن ينتصر بالله فالله نـاصـره

فأمر المنتصر عريب أن تغني نشيداً في أول الأبيات وتجعل البسيط في البيت الأخير؛ فعملته وغنته به.
حدثني الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد قال: صلى المنتصر بالناس في الأضحى سنة سبع وأربعين ومائتين؛ فأنشده أبي لما انصرف:

ما استشرف الناس عيداً مثل عيدهم

 

مع الإمام الذي بالله ينـتـصـر

غدا بجمعٍ كجنح اللـيل يقـدمـه

 

وجهٌ أغر كما يجلو الدجى القمر

يأمهم صادعٌ بالحـق أحـكـمـه

 

حزمٌ وعلمٌ بمـا يأتـي ومـا يذر

لو خير الناس فاختاروا لأنفسـهـم

 

أحظ منك لما نالـوه مـا قـدروا

قال: فأمر لهم بألف دينار، وتقدم إلى ابن المكي أن يغني في الأبيات.

غناه بنان بن عمرو بشعر مروان فأمره ألا يغني في شعر آل أبي حفصة: حدثني الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى قال حدثني بنان بن عمرو المغني قال: غنيت يوماً بين يدي المنتصر:

هل تطمسون من السماء نجومها

 

بأكفكم أو تسترون هـلالـهـا

فقال لي: إياك وأن تغني بحضرتي هذا الصوت وأشباهه، فما أحب أن أغنى إلا في أشعار آل أبي حفصة خاصة.

غناء المعتز بالله

وممن هذه سبيله في صنعة الغناء المعتز بالله: فإني لم أجد له منها شيئاً إلا ما ذكره الصولي في أخباره؛ فأتيت بما حكاه للعلة التي قدمتها من أني كرهت أن يخل الكتاب بشيء قد دونه الناس وتعارفوه. فمما ذكر أنه غنى فيه: صوت

لعمري لقد أصحرت خيلنا

 

بأكناف دجلة للمصعـب

فمن يك منا يبـت آمـنـاً

 

ومن يك من غيرنا يهرب

الشعر لعدي بن الرقاع. والغناء للمعتز خفيف رملٍ. وهذه الأبيات من قصيدة لعدي يقولها في الوقعة التي كانت بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزبير بطسوج مسكن، فقتل فيها مصعبٌ بقرية من مسكن يقال لها دير الجاثليق، وذكرته الشعراء في هذه الأبيات:

لعمري لقد أصحرت خيلنا

 

بأكناف دجلة للمصعـب

يهزون كل طويل القـنـا

 

ة لدنٍ ومعتدل الثعـلـب

فداؤك أمي وأبـنـاؤهـا

 

وإن شئت زدت عليها أبي

وما قلتها رهـبةً إنـمـا

 

يحل العقاب على المذنب

إذا شئت نازلت مستقتـلاً

 

أزاحم كالجمل الأجـرب

فمن يك منا يبـت آمـنـاً

 

ومن يك من غيرنا يهرب

أخبار عدي بن الرقاع ونسبه نسبه: هو عدي بن زيد بن مالك بن عدي بن الرقاع بن عصر بن عك بن شعل بن معاوية بن الحارث وهو عاملة بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد. وأم معاوية بن الحارث عاملة بنت وديعة من قضاعة، وبها سموا عاملة. ونسبه الناس إلى الرقاع، وهو جد جده، لشهرته؛ أخبرني بذلك أبو خليفة عن محمد بن سلام.

شاعر أموي اختص بالوليد بن عبد الملك جعله ابن سلام في الطبقة الثالثة: وكان شاعراً مقدماً عند بني أمية مداحاً لهم خاصاً بالوليد بن عبد الملك. وله بنت شاعرة يقال لها سلمى، ذكر ذلك ابن النطاح. وجعله محمد بن سلام في الطبقة الثالثة من شعراء الإسلام. وكان منزله بدمشق. وهو من حاضرة الشعراء لا من باديتهم. وقد تعرض لجرير وناقضه في مجلس الوليد بن عبد الملك، ثم لم تتم بينهما مهاجاةٌ، إلا أن جريراً قد هجاه تعريضاً في قصيدته:

حي الهدملة من ذات المواعيس

ولم يصرح لأن الوليد حلف إن هو هجاه أسرجه وألجمه وحمله على ظهره، فلم يصرح بهجائه.

ما جرى بينه وبين جرير في حضرة الوليد بن عبد الملك: أخبرني أبو خليفة إجازةً قال حدثنا محمد بن سلام قال أخبرني أبو الغراف قال: دخل جرير على الوليد بن عبد الملك وهو خليفة وعنده عدي بن الرقاع العاملي. فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. فقال الوليد: هذا عدي بن الرقاع. فقال جرير: فشر الثياب الرقاع، قال: ممن هو؟ قال: العاملي. فقال جرير: هي التي يقول “فيها ” الله عز وجل ” عاملةٌ ناصبةٌ تصلى ناراً حاميةً “. ثم قال:

يقصر باع العاملي عن الندى

 

ولكن أير العاملي طـويل

فقال له عدي بن الرقاع:

أأمك كانت أخبرتك بطـولـه

 

أم انت امرؤٌ لم تدر كيف تقول

فقال لا! بل أدري كيف أقول. فوثب العاملي إلى رجل الوليد فقبلها وقال: أجرني منه. فقال الوليد لجرير: لئن شتمته لأسرجنك ولألجمنك حتى يركبك فيعيرك الشعراء بذلك. فكنى جريرٌ عن اسمه فقال:

إني إذا الشاعر المغرور حربنـي

 

جارٌ لقبرٍ على مران مرمـوس

قد كان أشوث آبـاءٍ فـورثـنـا

 

شغباً على الناس في أبنائه الشوس

أقصر فإن نزاراً لن يفاضـلـهـا

 

فرعٌ لئيمٌ وأصلٌ غير مغـروس

وابن اللبون إذا ما لز فـي قـرنٍ

 

لم يستطع صولة البزل القناعيس

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال قال أبو عبيدة: دخل جرير على الوليد بن عبد الملك وعنده عدي بن الرقاع العاملي. فقال له الوليد: أتعرف هذا؟ قال: لا، فمن هو؟ قال: هذا ابن الرقاع. قال فشر الثياب الرقاع، فممن هو؟ قال: من عاملة. قال: أمن التي قال الله تعالى فيها: “عاملةٌ ناصبةٌ تصلى ناراً حاميةً ” !. فقال الوليد: والله ليركبنك لشاعرنا ومادحنا والراثي لأمواتنا تقول هذه المقالة !! يا غلام بإكافٍ ولجام. فقام إليه عمر بن الوليد فسأله أن يعفيه فأعفاه. فقال: والله لئن هجوته لأفعلن ولأفعلن. فلم يصرح بهجائه وعرض، فقال قصيدته التي أولها:

حي الهدملة من ذات المواعيس

وقال فيها يعرض به:

قد جربت عركتي في كل معتركٍ

 

غلب الأسود فما بال الضغابيس

فضل جرير عليه كثيراً في مجلس بعض الخلفاء: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني سليمان بن عياش السعديب قال: ذكر كثير وعدي بن الرقاع العاملي في مجلس بعض خلفاء بني أمية، فامتروا فيهما أيهما أشعر وفي المجلس جرير. فقال جرير: لقد قال كثير بيتاً هو أشهر وأعرف في الناس من عدي بن الرقاع نفسه؛ ثم أنشد قول كثير:

أأن زم أجمالٌ وفـارق جـيرةٌ

 

وصاح غراب البين أنت حزين

قال: فحلف الخليفة لئن كان عدي بن الرقاع أعرف في الناس من بيت كثير ليسرجن جريراً وليلجمنه وليركبن عدي بن الرقاع على ظهره. فكتب إلى واليه في المدينة: إذا فرغت من خطبتك فسل الناس من الذي يقول:

أأن زم أجمالٌ وفـارق جـيرةٌ

 

وصاح غراب البين أنت حزين

وعن نسب ابن الرقاع. فلما فرغ الوالي من خطبته قال: إن أمير المؤمنين كتب إلي أن أسألكم من الذي يقول:

أأن زم أجمالٌ وفارق جيرةٌ

قال: فابتدروا من كل وجه يقولون: كثير كثير. ثم قال: وأمرني أن أسأل عن نسب ابن الرقاع؛ فقالوا: لا ندري؛ حتى قام أعرابي من مؤخر المسجد فقال: هو من عاملة.

نقد محمد بن المنجم بيتاً من شعره: أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه قال قال لي محمد بن المنجم: ما أحدٌ ذكر لي فأحببت أن أراه فإذا رأيته أمرت بصفعه إلا عدي بن الرقاع. قلت: ولم ذلك؟ قال: لقوله:

وعلمت حتى ما أسائل عالماً

 

عن علم واحدةٍ لكي أزدادها

فكنت أعرض عليه أصناف العلوم، فكلما مر به شيء لا يحسنه أمرت بصفعه.

جاءه شعراء ليعارضوه فردت عليهم بنته فأفحمتهم: حدثني إبراهيم بن محمد بن أيوب قال حدثنا عبد الله بن مسلم قال: كان عدي بن الرقاع ينزل بالشام، وكانت له بنت تقول الشعر. فأتاه ناس من الشعراء ليماتنوه وكان غائباً؛ فسمعت بنته وهي صغيرة لم تبلغ دور وعيدهم، فخرجت إليهم وأنشأت تقول:

تجمعتم من كل أوبٍ وبـلـدةٍ

 

على واحدٍ لا زلتم قرن واحد

فأفحمتهم.
كان من أوصف الشعراء للمطية: وقال عبد الله بن مسلم: ومما ينفرد به ويقدم فيه وصف المطية؛ فإنه كان من أوصف الشعراء لها.
استحسن أبو عمرو شعره: حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا محمد بن عباد بن موسى قال: كنت عند أبي عمرو أعرض أو يعرض عليه رجلٌ بحضرتي من شعر عدي بن الرقاع، وقرأت أو قرأ هذه الأبيات:

لولا الحياء وأن رأسي قد عسا

 

فيه المشيب لزرت أم القاسم

وكأنها وسط النساء أعارهـا

 

عينيه أحور من جآذر جاسم

وسنان أقصده النعاس فرنقت

 

في عينه سنةٌ وليس بـنـائم

فقال أبو عمرو: أحسن والله !. فقال رجل كان يحضر مجلسه أعرابي كأنه مدني: أما والله لو رأيته مشبوحاً بين أربعةٍ وقضبان الدفلى تأخذه لكنت أشد له استحساناً. يعني إذا كان يغني به على العود.

استحسن أبو عبيدة بيتاً له: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن أبي سعد عن علي بن المغيرة قال: كان أبو عبيدة يستحسن بيت عدي بن الرقاع:

وسنان أقصده النعاس فرنقت

 

في عينه سنةٌ وليس بنـائم

جداً ويقول: ما قال أحد في مثل هذا المعنى أحسن منه في هذا الشعر. وفي هذا الشعر غناء، نسبته: صوت

لولا الحياء وأن رأسي قد عسا

 

فيه المشيب لزرت أم القاسم

وكأنها وسط النساء أعارهـا

 

عينيه أحور من جآذر جاسم

وسنان أقصده النعاس فرنقت

 

في عينه سنةٌ وليس بـنـائم

ألمم على طللٍ عفا متقـادم

 

بين الذؤيب وبين غيب الناعم

عروضه من الكامل. الجآذر: جمع جؤذر وهي أولاد البقر الوحشية. وجاسمٌ: موضع. ويروى في هذا الشعر ” عاسم ” مكان “جاسم “. والوسنان: النائم، والوسن النوم، الواحدة منه سنة. والترنيق: الدنو من الشيء يريد أن يفعله، يقال: رنقت العقاب لصيدها إذا دنت منه، وترنيقها أيضاً أن تقصر عن الخفقان بجناحيها. ويقال: طيرٌ مرنقة إذا جاءت تطير ثم أرادت الوقوع ومدت أجنحتها فلم تخفق وترجحت. ويقال للقوم إذا قصروا في سيرهم، وللسابح إذا قصر في الخفق بيديه ورجليه: قد رنقوا ترنيقاً. الشعر لعدي بن الرقاع. والغناء لابن مسجح خفيف ثقيلٍ أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفيه ثقيلٌ أول بالبنصر ينسب إليه أيضاً وذكر الهشامي أنه من منحول يحيى بن المكي إليه.

استحسن أبو عمرو شعره واستحسن مدني الغناء به: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن عبد الله المعروف بالحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو قال: كنت عند أبي ورجلٌ يقرأ عليه شعر عدي بن الرقاع. فلما قرأ عليه القصيدة التي يقول فيها:

لولا الحياء وأن رأسي قد عسا

 

فيه المشيب لزرت أم القاسم

قال أبي: أحسن والله عدي بن الرقاع !. قال: وعنده شيخٌ مدني جالس، فقال الشيخ: والله لئن كان عديٌ أحسن لما أساء أبو عباد. قال أبي: ومن هو أبو عباد؟ قال: معبد. والله لو سمعت لحنه في هذا الشعر لكان طربك أشد واستحسانك له أكثر. فجعل أبي يضحك.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن جرير عن محمد بن سلام قال: عزل الوليد بن عبد الملك عبيدة بن عبد الرحمن عن الأردن وضربه وحلقه وأقامه للناس وقال للمتوكلين به: من أتاه متوجعاً وأثنى عليه فأتوني به. فأتى عدي بن الرقاع، وكان عبيدة إليه محسناً فوقف عليه وأنشأ يقول:

فما عزلوك مسبوقاً ولكـن

 

إلى الخيرات سباقاً جوادا

وكنت أخي وما ولدتك أمي

 

وصولاً باذلاً لي مسترادا

وقد هيضت لنكبتك القدامى

 

كذاك الله يفعل مـا أرادا

فوثب المتوكلون به إليه، فأدخلوه إلى الوليد واخبروه بما جرى. فتغيظ عليه الوليد وقال له: أتمدح رجلاً قد فعلت به ما فعلت !. فقال: يا أمير المؤمنين، إنه كان إلي محسناُ ولي مؤثراً، وبي براً؛ ففي أي وقت كنت أكافئه بعد هذا اليوم ! فقال: صدقت وكرمت ! فقد عفوت عنك وعنه لك ! فخذه وانصرف. فانصرف به إلى منزله.

عده جرير أنسب الشعراء لشعر له: أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أحمد بن يحيى ثعلب قال: قال نوح بن جرير لأبيه: يا أبت، من أنسب الشعراء؟ قال له: أتعني ما قلت؟ قال: إني لست أريد من شعرك إنما أريد من شعر غيرك. قال: ابن الرقاع في قوله:

لولا الحياء وأن رأسي قد عسا

 

فيه المشيب لزرت أم القاسم

الثلاثة الأبيات. ثم قال لي: ما كان يبالي أن لم يقل بعدها شيئاً.
عجب جرير من توفيقه في تشبيه دقيق: أخبرني الحسن بن علي عن هارون بن محمد بن عبد الملك عن أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: قال جرير: سمعت عدي بن الرقاع ينشد:

تزجي أغن كأن إبرة روقه

فرحمته من هذا التشبيه فقلت: بأي شيء يشبهه ترى ! فلما قال:

قلمٌ أصاب من الدواة مدادها

رحمت نفسي منه.

تابع روح بن زنباع ثم خالفه وتابع نائل بن قيس في نسبهم: أخبرني اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله عن ابن حبيب عن أبي عبيدة قال: مال روح بن زنباع الجذامي إلى يزيد بن معاوية لما فصل بين الخطبتين فقال: يا أمير المؤمنين، ألحقنا بإخوتنا من معدٍ فإنا معديون، والله ما نحن من قصب الشأم ولا من زعاف اليمن. فقال يزيد: إن أجمع قومك على ذلك جعلناك حيث شئت. فبلغ ذلك عدي بن الرقاع فقال:

إنا رضينا وإن غابت جماعتنـا

 

ما قال سيدنا روح بن زنبـاع

يرعى ثمانين ألفاً كان مثلـهـم

 

مما يخالف أحياناً على الراعي

قال: فبلغ ذلك نائل بن قيس الجذامي، فجاء يركض فرسه حتى دخل المقصورة في الجمعة الثانية، فلما قام يزيد على المنبر، وثب فقال: أين الغادر الكاذب روح بن زنباع؟ ! فأشاروا إلى مجلسه. فأقبل عليه وعلى يزيد ثم قال: يا أمير المؤمنين، قد بلغني ما قال لك هذا، وما نعرف شيئاً منه ولا نقر به، ولكنا قوم من قحطان يسعنا ما يسعهم ويعجز عنا ما يعجز عنهم. فأمسك روح ورجع حن رأيه. فقال عدي بن الرقاع في ذلك:

أضلال ليلٍ ساقطٍ أكـنـافـه

 

في الناس أعذر أم ضلال نهار

قحطان والدنا الذي ندعـى لـه

 

وأبو خزيمة خندف بن نـزار

أنبيع والدنا الذي نـدعـى لـه

 

بأبي معاشر غائبٍ مـتـواري

تلك التجارة لا زكاء لمثلـهـا

 

ذهـبٌ يبـاع بـآنـكٍ وإبـار

فقال له يزيد: غيرت يابن الرقاع. قال: إن ناثلاً والله علي أعزهما سخطاً، وأنصحما لي ولعشيرتي. قال أبو عبيدة: الإبار: جمع إبرة.

ما كان بينه وبين ابن سريج في حضرة الوليد بن عبد الملك: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده إبراهيم: أن الأحوص و ابن سريج قدما المدينة ، فنزلا في بعض الخانات ليصلحا من شأنهما، وقد قدم عدي بن الرقاع وكانت هذه حاله، فنزل عليهما. فلما كان في بعض الليل أفاضوا في الأحادث؛ فقال عدي بن الرقاع لابن سريج: والله لخروجنا كان لأمير المؤمنين أجدى علينا من المقام معك يا مولى بني نوفل. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنك توشك أن تلهينا فتشغلنا عما قصدنا له. فقال له ابن سريج: أو قلة شكرٍ أيضاً ! فغضب عديٌ وقال: أنك لتمن علينا أن نزلنا عليك؛ وإني أعاهد الله ألا يظلني وإياك سقفٌ إلا أن يكون بحضرة أمير المؤمنين. وخرج من عندهما. وقدم الوليد من باديته فأذن لهما فدخلا. وبلغه خبر ابن الرقاع وما جرى بينه وبين ابن سريج؛ فأمر بابن سريج فأخفي في بيت ودعا بعدي فأدخله؛ فأنشد قصيدةً امتدحه بها. فلما فرغ، أومأ إلى بعض الخدم فأمر ابن سريج فغنى في شعر عدي بن الرقاع يمدح الوليد:

عرف الديار توهماً فاعتادها

 

من بعدها شمل البلى أبلادها

فطرب عدي وقال: لا والله ما سمعت يا أمير المؤمنين بمثل هذا قط ولا ظننت أن يكون مثله طيباً وحسناً. ولولا أنه في مجلس أمير المؤمنين لقلت طائفٌ من الجن. أيأذن لي أمير المؤمنين أن أقول؟ قال: قل. قال: مثل هذا عند أمير المؤمنين وهو يبعث إلى ابن سريج يتخطى به قبائل العرب فيقال: ابن سريج المغني مولى بني نوفل بعث أمير المؤمنين إليه !. فضحك ثم قال للخادم: أخرجه فخرج. فلما رآه عديٌ أطرق خجلاً ثم قال: المعذرة إلى الله وإليك يا أخي، فما ظننت أنك بهذه المنزلة، وإنك لحقيقٌ أن تحتمل على كل هفوة وخطيئة. فأمر لهم الوليد بمال سوى بينهم فيه، ونادمهم يومئذٍ إلى الليل.

نسبة هذا الصوت المذكور في هذا الخبر وسائر ما مضى في أخبار عدي قبله من الأشعار التي فيها غناء: صوت

عرف الدار توهماً فاعتادهـا

 

من بعد ما شمل البلى أبلادها

إلا رواكد كلهن قد اصطلـى

 

حمراء أشعل أهلهـا إيقـادا

عروضه من الكامل. الشعر لعدي بن الرقاع. والغناء لابن محرز خفيف ثقيلٍ أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.
أفحمه كثير في حضرة الوليد بن عبد الملك: أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي قال: أنشد عدي بن الرقاع الوليد بن عبد الملك قصيدته التي أولها:

عرف الديار توهماً فاعتادها

وعنده كثير وقد كان يبلغه عن عدي أنه يطعن على شعره ويقول: هذا شعر حجازيٌ مقرورٌ إذا أصابه قر الشأم جمد وهلك. فأنشده إياها حتى أتى على قوله:

وقصيدةٍ قد بت أجمع بينها

 

حتى أقوم ميلها وسنادها

فقال له كثير: لو كنت مطبوعاً أو فصيحاً أو عالماً لم تات فيها بميلٍ ولا سناد فتحتاج إلى أن تقومها. ثم أنشد:

نظر المثقف في كعوب قناته

 

حتى يقيم ثقافه مـنـآدهـا

فقال له كثير: لا جرم أن الأيام إذا تطاولت عليها عادت عوجاء، ولأن تكون مستقيمةً لا تحتاج إلى ثقافٍ أجود لها. ثم أنشد:

وعلمت حتى ما أسائل واحداً

 

عن علم واحدةٍ لكي أزدادها

فقال كثير: كذبت ورب البيت الحرام ! فليمتحنك أمير المؤمنين بأن يسألك عن صغار الأمور دون كبارها حتى يتبين جهلك. وما كنت قط أحمق منك الآن حين تظن هذا بنفسك. فضحك الوليد ومن حضر، وقطع بعدي بن الرقاع حتى ما نطق.

أخبار المعتز في الأغاني ومع المغنين وما جرى هذا المجرى شعره في جارية يهواها: حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني علي بن محمد بن نصر قال حدثني جدي حمدون بن إسماعيل قال: اصطبح المعتز في يوم ثلاثاء ونحن بين يديه ثم وثب فدخل، واعترضته جارية كان يحبها ولم يكن ذلك اليوم من أيامها فقبلها وخرج؛ فحدثني بما كان وأنشدني لنفسه في ذلك: صوت

إني قمرتك يا سؤلـي ويا أمـلـي

 

أمراً مطاعاً بلا مطلٍ ولا عـلـل

حتى متى يا حبيب النفس تمطلنـي

 

وقد قمرتك مراتٍ فلم تـف لـي

يوم الثلاثاء يومٌ سـوف أشـكـره

 

إذ زارني فيه من أهوي على عجل

فلم أنل منه شيئاً غـير قـبـلـتـه

 

وكان ذلك عند أعظـم الـنـفـل

قال: وعمل فيه لحن خفيف وشربنا عليه سائر يومنا. الغناء في هذه الأبيات لعريب رملٌ عن الهشامي. ولأبي العبيس في الثالث والرابع هزجٌ.

طارحه بنان المغني في بيت من الشعر وتغنى فيه: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثني أبي قال: كان المعتز يشرب على بستان مملوء من النمام وبين النمام شقائق النعمان، فدخل إليه يونس بن بغا وعليه قباءٌ أخضر؛ فقال المعتز: صوت

شبهت حمرة خده في ثوبه

 

بشقائق النعمان في النمام

ثم قال: أجيزوا. فابتدر بنانٌ المغني، وكان ربما عبث بالبيت بعد البيت، فقال:

والقد منه إذا بدا في قرطـقٍ

 

كالغصن في لينٍ وحسن قوام

فقال له المعتز: فغن فيه الآن، فعمل فيه لحناً. لحن بنانٍ في هذين البتيين من خفيف الثقيل الثاني وهو الماخوري.

أخبر بوفاة أم يونس بن بغا ففتر المجلس ثم عاد أحسن ما كان: أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني محمد بن يحيى بن أبي عباد قال حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال: شرب المعتز ويونس بن بغا بين يديه يسقيه والجلساء والمغنون بين يديه وقد أعد الخلع والجوائز، إذ دخل بغا فقال: يا أمير المؤمنين، والدة عبدك يونس في الموت وهي تحب أن تراه؛ فأذن له فخرج. وفتر المعتز ونعس بعده، وقام الجلساء وتفرق المغنون، إلى أن صليت المغرب، وعاد المعتز إلى مجلسه، ودخل يونس وبين يديه الشموع. فلما رآه المعتز دعا برطلٍ فشربه وسقى يونس رطلاً وغناه المغنون، وعاد المجلس أحسن ما كان؛ فقال المعتز: صوت

تغيب فـلا أفـرح

 

فليتك ما تـبـرح

وإن جئت عذبتنـي

 

بأنك لا تـسـمـح

فأصبحت ما بين ذي

 

ن لي كبد تجـرح

على ذاك يا سـيدي

 

دنوك لي أصلـح

ثم قال: غنوا فيه، فجعلوا يفكرون. فقال المعتز لسليمان بن القصار الطنبوري: ويلك ! ألحان الطنبور أملح وأخف فغن فيه أنت؛ فغنى فيه لحناً؛ فدفع إليه دنانير الخريطة وهي مائة دينار مكية ومائتان مكتوبٌ على كل دينار منها ” ضرب هذا الدينار بالجوسق بخريطة أمير المؤمنين المعتز بالله ” ثم دعا بالخلع والجوائز لسائر الناس، فكان ذلك المجلس من أحسن المجالس.
لحن سليمان بن القصار في هذه الأبيات رملٌ مطلق.

لما قتل بغا هنأه الناس بالظفر: حدثني الصولي قال حدثني محمد بن عبد السميع الهاشمي قال حدثني أبي قال: لما قتل بغا دخلنا فهنأنا المعتز بالظفر، فاصطبح ومعه يونس بن بغا، وما رأينا قط وجهين اجتمعا أحسن من وجهيهما. فما مضت ثلاث ساعات حتى سكر، ثم خرج علينا المعتز فقال:

ما إن ترى منظراً إن شئته حسنـاً

 

إلا صريعاً يهادى بين سـكـرين

سكر الشراب وسكرٍ من هوى رشأٍ

 

تخاله والذي يهـواه غـصـنـين

ثم أمر فتغنى فيه بعض المغنين.

قصة المعتز ويونس بن بغا مع ديراني: حدثني الصولي قال حدثني أحمد بن محمد بن إسحاق الخراساني قال حدثني الفضل بن العباس بن المأمون قال: كنت مع المعتز في الصيد، فانقطع عن الموكب وأنا ويونس بن بغا معه، ونحن بقرب قنطرة وصيف، وكان هناك ديرٌ فيه ديرانيٌ يعرفني وأعرفه، نظيفٌ ظريفٌ مليح الأدب واللفظ. فشكا المعتز العطش. فقلت: يا أمير المؤمنين، في هذا الدير ديرانيٌ أعرفه خفيف الروح لا يخلو من ماء بارد، أفترى أن نميل إليه؟ قال نعم. فجئناه فأخرج لنا ماءً بارداً وسألني عن المعتز ويونس فقلت: فتيان من أبناء الجند؛ فقال: بل مفلتان من حور الجنة. فقلت له: هذا ليس في دينك. فقال: هو الآن في ديني. فضحك المعتز. فقال لي الديراني: أتأكلون شيئاً؟ قلت نعم. فأخرج شطيراتٍ وخبزاً وإداماً نظيفاً، فأكلنا أطيب أكل، وجاءنا بأطراف أشنانٍ. فاستظرفه المعتز وقال لي: قل له فيما بينك وبينه: من تحب أن يكون معك من هذين لا يفارقك. فقلت له، فقال: ” كلاهما وتمرا “. فضحك المعتز حتى مال على حائط الدير. فقلت للديراني: لا بد من أن تختار. فقال: الأختيار والله في هذا دمار، وما خلق الله عقلاً يميز بين هذين. ولحقهما الموكب، فارتاع الديراني. فقال له المعتز: بحياتي لا تنقطع عما كنا فيه، فإني لمن ثم مولى ولمن ها هنا صديق. فمزحنا ساعةً؛ ثم أمر له بخمسمائة ألف درهم. فقال : والله ما أقبلها إلا على شرط. قال: وما هو؟ قال: يجيب أمير المؤمنين دعوتي مع من أراد. قال: ذلك لك. فاتعدنا ليوم جئناه فيه، فلم يبق غايةً، وأقام للموكب كله ما احتاج إليه، وجاءنا بأولاد النصارى يخدموننا. ووصله المعتز يومئذٍ صلةً سنيةً؛ ولم يزل يعتاده ويقيم عنده.

ولي الخلافة وله سبع عشرة سنة، وشعره في ذلك: حدثني الصولي قال حدثنا عبد الله بن المعتز قال: بويع للمعتز بالخلافة وله سبع عشرة سنةً كاملة وأشهر. فلما انقضت البيعة قال:

توحدني الرحمن بالعز والعلا

 

فأصبحت فوق العالمين أميرا

هكذا ذكر الصولي في قافية الشعر. ووجدته في أغاني بنانٍ مرفوع القافية، وله فيه صنعة. ولعل المعتز قال البيت، فأضاف بنانٌ إليه آخر وجعل المخاطبة عن نفسه للمعتز فقال: صوت

توحدك الرحمن بالعز والعـلا

 

فأنت على كل الأنـام أمـير

تقاتل عنك الترك والخزر كلها

 

كأنهـم أسـدٌ لـهـن زئير

الغناء لبنانٍ لحنان خفيف ثقيلٍ وخفيف رملٍ. ومما قاله المعتز وغنى فيه قوله – ذكر الصولي أن عبد الله بن المعتز أنشده إياه لأبيه -: صوت

ألا حي الحبيب فدته نفسي

 

بكأسٍ من مدامة خانقينـا

فإني قد بقيت مع الليالـي

 

أقاسي الهم في يده سنينا

الغناء فيه لعريب خفيف رملٍ، ولبنانٍ هزجٌ.
وممن ذكر أن له صنعةً من الخلفاء المعتمد.

غناء المعتمد

قال محمد بن يحيى الصولي ذكر عبد الله بن المعتز عن القاسم بن زرزور أن المعتمد ألقى عليه لحناً صنعه في هذا الشعر وهو:

ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزراً

 

مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا

الشعر للفرزدق. والغناء للمعتمد، ولحنه فيه خفيف ثقيلٍ. هذه حكاية الصولي. وفي غناء عريب: لها في هذا البيت خفيف ثقيلٍ. ولا أعلم لمن هو منهما على صحة، إلا أن المشهور في أيدي الناس أنه لعريب. ولم أسمع للمعتمد غناءً إلا من هذه الجهة التي ذكرتها.