أضواء على الفن السابع : الافلام العربية : ما هي علتها ؟

أضواء على الفن السابع

الافلام العربية : ما هي علتها ؟

فريد جبر

نشر المقال في شباط / فبراير 1962 ، العدد السادس عشر ، الرائد العربي

للصحافة الفنية وغير الفنية آراء متضاربة حول هذا الموضوع . مجلة ” روز اليوسف ” تقول إن السبب يعود الى تكرار الوجوه والدوران حول محور واحد . وتقول مجلة ” آخر ساعة ” إن السبب هو بعد تلك الافلام عن الواقعية وسيطرة المخرجين القدامى الذين لا يفسحون في المجال امام النشئ الجديد . وتقول مجلة ” الكواكب ” ان السينما ما زالت عندنا تعتمد على ارهاق الاعصاب !.

كلها آراء حرة ، أصحابها متفرجون من اصحاب الاذواق المرهفة الحساسة ، ومن هواة الفنون الجميلة كافة ومن بينها السينما .

لا ريب في ان أهل القلم من كتاب وصحفيين لهم في الميدان الفني جولات موفقة ، وفي ميدان النقد آراء محترمة ، ومنهم محفوظ وجوهر والسباعي وعبد القدوس ، وهم يؤلفون الآن الرباعي الذي يمسك بيديه مقدرات السينما العربية ، وقد نفحوا تلك السينما بأقوى ما انتجوا وأفضل ما ألفوا . وإن ننسى لا ننسى : لا أنام، بين الاطلال ، رد قلبي ، اني راحلة ، وغيرها من الروايات الناجحة التي حققت أفضل النتائج . غير ان هؤلاء الكتاب الكبار لا يستطيعون ان يقدموا للسينما كل يوم قصة او رواية ممتازة ، ولا يقوون على ان يزودوها بمواضيع تنجح في الافلام . فالقضية اذن هي قضية ايجاد حل ، ايجاد المعين الذي تستطيع ان تنهل منه السينما العربية مواضيع شيقة ترتفع بها الى أعلى وتحافظ على مكانتها .

تخاطب الافلام العربية بشكل شبه دائم تفكير المشاهد لا احساسه . إنها تهدف الى جعل المتفرج يغوص في التحليل وفي مراقبة الاحداث وانتظار النتائج . وفي رأي ان العمل الفني الناضج هو العمل الذي يشعر به المتفرج في قرارة نفسه ، وما يحس به في وجدانه لا الذي يفهمه بعقله . إن في استطاعة المشاهد ان يفهم وان يؤول ما شاء على قدر ما تسمح له به طاقته الفكرية . يستطيع ان يتحسس الموضوع وان يتجاوب معه بطرق عديدة . لكن المخرج المصري يأبى الا ان يعتبر المشاهد العربي غبياً ، فيعمد الى حشر التفاصيل والتفسيرات والتعليلات ، وكأنه يريد ان يشرب المتفرج الموضوع شرباً ..

كم من مرة سمعنا في الافلام المصرية هذه الكليشهات : الكذب عيب ، السرقة حرام ، يا ويل السارق من عذاب ربنا ، الشر مكلف !.. ثم كم هم يبالغون في وصف الحب وكم يسهبون في شرحه ، وكم يتبارون في تنميق كلمات الغزل !. كل هذه الاقاويل تأخذ طريقها تواً وبسهولة فائقة الى رأس المتفرج بدون ان تتوقف ولو لبرهة واحدة عند محطة القلب . عندها يبدأ المتفرج في تحليلها وتمحيصها ويطرب لسماعها . لكن ما هو الأثر الذي تتركه في نفسه ؟ . هل يتحرك احساسه ؟ . لا ، ابداً . هل يتجاوب معها شعوره ؟ . لا ، ابداً . إنه يشعر بأن الذي يراه لا يتعدى كونه فلماً بعيداً كل البعد عن عالمه . انه فلم سينمائي لا غير ، بعيد عن الواقعية الحقة ، هذه الواقعية التي تستقر في النفوس والمشاعر . فالواقعية الحقة والعميقة هي أقصر الطرق الى النفس. والواقعية الفسيحة والرحبة تتفق كل الاتفاق مع تجاربنا الشخصية ، مع خبرتنا في الحياة ، وكل قصة تؤخذ من الواقع العميق لا ريب ابداً في انها تصادف تجاوباً في مختلف القلوب ، حتى تلك التي لا يعرف أصحابها السينما الا ملهاة وتسلية وطرباً وتمضية وقت ..

حاول بعض المخرجين العرب ان يقتحموا ابواب الواقعية . ومن بين هؤلاء المخرج الشاب يوسف شاهين الذي قدم لنا منذ خمس سنوات تقريباً فيلم ” ابن النيل ” واتبعه بفيلم ” باب الحديد ” ثم ” صراع في الميناء ” ، كما حاول عاطف سالم ان يلج الباب نفسه في فيلم ” انا الماضي ” ، وهنري بركات في بعض الاجزاء من افلامه ، خاصة القديم منها مثل ” ارحم دموعي ” ومن بعده فيلم ” حدث ذات ليلة ” وغيرها . وكان محمد كريم ، وهو شيخ مخرجي مصر قد سبقهم الى ذلك الميدان عندما قدم لنا اول فيلم عربي كامل بالمعنى الصحيح ” زينب ” والذي رفع مخرجه الى ان يتربع على القمة نفسها التي تربع عليها ايزنشتين وكابرا وكرامردافيز وغيرهم من اساطين الاخراج ، حتى جاء عبد الوهاب يطلب اليه ان يفصل له مواضيع على قياسه ويختار زوايا التصوير التي تبرزه والابطال الذين لا يلمعون امامه ! . وقبل كريم المهمة ، هذه المهمة التي زعزعت ثقته بنفسه وبعثرت مواهبة وعصفت به وبعبد الوهاب . وعندما هجر عبد الوهاب الشاشة ، أراد كريم ان يعود الى الافلام الواقعية فضل الطريق . وما فيلم ” جنون الحب ” وفيلم ” الحب لا يموت ” الا البرهان الساطع على ذلك الفشل.

عندما كنت صغيراً ، كنت أصادف دائماً على جوانب ساحة الشهداء في بيروت شباناً يتسكعون في الطرقات ، وكنت أتساءل : ماذا ينتظر هؤلاء ؟ . وبماذا بفكرون يا ترى ؟ . وكيف ينظرون الى الحياة ؟ . إن العالم يبدو لنا في كثير من الاحيان معقداً ، بحيث لا يصعب علينا فهمه . لكن السينما تستطيع ان تساعدنا في معرفة الجواب والحلول واجلاء الغموض والتوغل في نفسية شخصيات القصة . فقد رأينا في السينما الايطالية والفرنسية والاميركية والبريطانية افلاماً كثيرة تتحدث عن امثال هؤلاء المتسكعين . وقد نالت الافلام تلك جوائز عالمية ونجاحاً منقطع النظير . ومن بين تلك افلام ” هيروشيما حبيبتي ” ، ” مصعد الى المقصلة ” ، “سرج الجميل” ، “ابناء العم ” ، ” انينا فانيني ” وغيرها من الافلام الناجحة جداً .

كل افلام تتسرب الى احساس المتفرج وتتحدث اليه ، الى نفسيته ، الى شعوره ووجدانه الداخلي . تخلق مواضيعها في اعماق هذا المشاهد شعوراً لاوعٍ يتجاوب معه من دون تردد . اما في الافلام العربية ، فان كل شيء يجب ان يحدث في مخيلة المتفرج الذي يعلله بحسب ميوله واهوائه . إن براعة المخرج تنحصر في مقدرته على نقل أفكاره الى أفكار المشاهدين ، وهي مهمة صعبة للغاية . ولكي ينجح بها المخرج عليه ان يمتلك مواهب فائقة ، وهذه المواهب يجب ان تكون معززة بالثقافة السينمائية التامة . أما في الفيلم العربي فيحدث دائماً العكس . فالمخرج يحاول دائماً ان ينقل أفكار المتفرج وذوقه اليه ، ثم يحشر له الانفعالات والمداورات والمناورات لكسب عطف الجمهور . وبذلك تأتي الاشياء الضرورية الأساسية في شكلها الضعيف ، هزيلة وطويلة من دون أي معنى . يأتي بعد ذلك دور الممثلين ، وهو العامود الفقري في الانتاج السينمائي العربي . فكل فيلم يظهر فيه عبد الحليم حافظ او فريد الاطرش او فاتن حمامة او ماجدة يباع بأغلى الاثمان وبأفضل الشروط . وهذا هو أحد اسباب فشل الفيلم المصري ، إذ انه يرزح تحت ثقل الاسماء . فلماذا لا يأتى بشخصيات عادية لم يكن لها اي دور كبير في فيلم من قبل ؟. الجواب بسيط . اننا ننتج افلاماً للربح السريع ! .

ليس المهم اذن في الفيلم اسم البطل ولا الحوادث . فالحوادث تتكرر دائماً في كل الافلام تقريباً . انما ما يختلف هي طريقة معالجة الحوادث وتقديمها . وهذا شيء لا بأس به . إنما يجب ان تختلف الزاوية التي تقدم بها قصة الفيلم وان يصبح أبطالها الحقيقيون من يجب ان يرسخ في اذهان المشاهد لا اسم الممثل ولا الموضوع نفسه ولا الحوادث والاحداث . إن الناحية الروحية في الافلام يجب ان تسود .

رأيت أفلاماً عربية عديدة ، تحاشت كلها التطرق الى معركة الجزائر. واذا حدث ان تعرضت لها فكانت كمن يسمع وعظاً وخطاباً قصد استدرار تصفيق الجماهير ، جماهير مقعد الدرجة الثانية والاسعار المخفضة .. لكن هذه الحرب لم تعالج مرة على صعيدها الروحي ، صعيد المنطق والعاطفة . فقد عولجت دوماً على صعيد المبالغة والكلمات الحماسية الرنانة ، ليس إلا .

إن حرب الجزائر هي حرب روحية قبل كل شيء ، حرب تشغل العالم وتعتبر من أعقد مشكلات الساعة . لذلك يجب ان تعالج وتقدم كما عولجت وقدمت من قبل ” قصة رجل حقيقي ” او “الرسالة التي لم ترسل” او ” روما مدينة مفتوحة ” او ” وداعاً ايها النقود ” وغيرها من الافلام التي تعرضت للحرب من الناحية الجوهرية والنفسية . وقد كاد فيلم ” رد قلبي ” ان يلامس هذه الناحية ويتطرق لها ، لكن المخرج عز الدين ذو الفقار ما لبث ان أسرع في العودة الى الخطب والوعظ والارشاد ، قصد ارغام الجماهير على التصفيق !. كل هذه الافلام، تعتمد على تحريك المشاعر واثارة العطف بصدق وهدوء . إنها كأغنية ” راجعون ” يتجاوب صداها في الاعماق ، فيحس بها المستمع بقلبه ، ويشعر بأن هاتفاً يهزه بعنف ويدعوه الى الجهاد المقدس بعزيمة وايمان..

يعود ضعف الافلام العربية الى سبب جوهري مهم . انها أفلام للعقل لا للقلب ، أفلام لم يحاول مخرجوها نقل افكارهم الى مخيلة المشاهد واحساسه ، بل تركوه فريسة التفكير التحليلي ، فريسة الحوادث المتتالية . ولن تغزو الافلام العربية الاسواق العالمية إلا اذا استكملت كل عناصر النجاح ودخلت ميدان الروح والاحساس .