أخبار يوسف بن الحجاج ونسبه

أخبار يوسف بن الحجاج ونسبه

هو يوسف بن الحجاج الصيقل، يقال: إنه من ثقيف، ويقال: إنه مولى لهم، وذكر محمد بن داود بن الجراح أنه كان يلقب لقوة وأنه كان يصحب أبا نواس، يأخذ عنه، ويروي له، وأبوه الحجاج بن يوسف محدث ثقة، وروى عنه جماعة من شيوخنا، منهم ابن منيع، والحسن بن الطيب الشجاع، وابن عفير الأنصاري، وكان يوسف بن الصيقل كاتباً، ومولده ومنشؤه بالكوفة.

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي، عن ابن شبة، قال: قال أحمد بن صالح الهشامي: قال لنا يوسف بن الصيقل يوماً، ورأى الشعراء بأيديهم الرقاع يطوفون بها، فقال: صنع الله لكم، ثم أقبل على إبراهيم الموصلي، فقال له: كنا نهزل، فنأخذ الرغائب، وهؤلاء المساكين الآن يجدون، فلا يعطون شيئاً، ثم قال لإبراهيم: أتذكر ونحن بجرجان مع موسى الهادي، وقد شرب على مستشرف عال جداً وأنت تغنيه هذا الصوت:

واستدارت رحالهم

 

بالرديني شرعـا

فقال: هذا لحن مليح، ولكني أريد له شعراً غير هذا، فإن هذا الشعر بارد، والتفت إلي فقال: اصنع في هذا الوزن شعراً، فقلت:

لا تلمني أن أجزعا

 

سيدي قد تمنعـا

فغنيته فيه بذلك اللحن، ومرت به إبل ينقل عليها، فقال أوقروها لهما مالاً، فأوقرت مالاً وحمل إلينا، فاقتسمناه، فقال إبراهيم: نعم، وأصاب كل واحد منا ستين ألف درهم.

فارس يضرب الكتـي

 

بة حتى تـصـدعـا

في الوغى حين لا يرى

 

صاحب القوس منزعا

واستدارت رحالـهـم

 

بالردينـي شـرعـا

ثم ثـارت عـجـاجة

 

تحتها الموت منقـعـا

في هذه الأبيات رمل ينسب إلى ابن سريج وإلى سياط، وفيه لابن جامع خفيف رمل بالبنصر.

أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، عن محمد بن عبد الله العبدي، فذكر مثل هذه القصة إلا أنه حكى أنها كانت بالرقة، لا بجرجان، وأن الرشيد كان صاحبها لا موسى.

أخبرني الحسن بن علي العنزي، عن محمد بن يونس الربيعي، قال: حدثني أبو سعيد الجنديسابوري، قال: لما ورد الرشيد الرقة خرج يوسف بن الصيقل، وكمن له في نهر جاف على طريقه، وكان لهارون خدم صغار يسميهم النمل يتقدمونه، بأيديهم قسي البندق، يرمون بها من يعارضه في طريقه، فلم يتحرك يوسف، حتى وافته قبة هارون على ناقة، فوثب إليه يوسف، وأقبل الخدم الصغار يرمونه، فصاح بهم الرشيد: كفوا عنه، فكفوا، وصاح به يوسف يقول:

أغيثاً تحمـل الـنـا

 

قة أم تحمل هرونا

أم الشمس أم البـدر

 

أم الدنيا أم الـدينـا

ألا كل الـذي عـدد

 

ت قد أصبح مقرونا

على مفرق هارون

 

فداه الآدمـيونــا

فمد الرشيد يده إليه، وقال له: مرحباً بك يوسف، كيف كنت بعدي؟ ادن مني، فدنا، وأمر له بفرس، فركبه، وسار إلى جانب قبته ينشده، ويحدثه، والرشيد يضحك، وكان طيب الحديث، ثم أمر له بمال، وأمر بأن يغنى في الأبيات: الغناء في هذه الأبيات لابن جامع خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي: وقال محمد بن داود: كان يوسف فاسقاً مجاهراً باللواط، وله فيه أشعار، فمنها قوله:

لا تبخلن علـى الـنـدي

 

م بردف ذي كشح هضيم

تعلو وينظـر حـسـرة

 

نظر الحمار إلى القضيم

وإذا فرغت فـلا تـقـم

 

حتى تصوت بـالـنـديم

فإذا أجاب فـقـل هـل

 

م إلى شهادة ذي الغريم

واتبع للذتـك الـهـوى

 

ودع الملامة للـمـلـيم

قال: وهذا الشعر يقوله لصديق له رآه قد علا غلاماً له، فخاطبه به.
ومن مشهور قوله في هذا المعنى:

لا تنيكن ما حـييت

 

غلاماً مكـابـره

لا تمرن باسـتـه

 

دون دفع المؤامره

إن هذا اللواط دين

 

تراه الأســاوره

وهم فيه منصفـو

 

ن بحسن المعاشره

ومن قوله في هذا المعنى أيضاً هذه الأبيات:

ضع كذا صدرك لي يا سيدي

 

واتخذ عندي إلى الحشـريدا

إنما ردفك سرج مـذهـب

 

كشف البزيون عنه فـبـدا

فأعرنيه ولا تـبـخـل بـه

 

ليس يبليه ركـوبـي أبـدا

بل يصفـيه ويجـلـوه ولا

 

أثـر تـراه فـيه أبـــدا

فادن يا حب وطب نفساً بـه

 

إن ذاك الدين تقضـاه غـدا

أخبرني إسماعيل بن يونس، قال: حدثني عمر بن شبة عن أحمد بن صالح الهاشمي، قال: هجا يوسف بن الصيقل القيان، فقال:

احذر فديتـك مـا حـيي

 

ت حبائل المتشـاكـلات

فلهن يفلسـن الـفـتـى

 

وكفى بهن مفـلـسـات

ويل امرىء غر تـجـي

 

ه رقاعهن مخـتـمـات

ورقـاعـهـن إلـيهـم

 

برقي القحاب مسطرات

وعلى القـيادة رسـلـه

 

ن إذا بعثـن مـدربـات

يهدمن أكياس الـغـنـي

 

من المؤنة والـهـبـات

حفر العلـوج سـواقـياً

 

للماء في الأرض الموات

فيصـير مـن إفـلاسـه

 

ومن الندامة في سبـات

قال: وشاعت هذه الأبيات وتهاداها الناس، وصارت عبثاً بالقيان لكل أحد، فكانت المغنية إذا عثرت قالت: تعس يوسف!  

أخبرني الحسن بن علي، قال: أخبرني عيسى بن الحسن الآدمي: قال: حدثني أحمد بن أبي فنن، قال: أحضر الرشيد عشرة آلاف دينار من ضرب السنة ففرقها، حتى بقيت منها ثلاثة آلاف دينار، فقال: ائتوني شاعراً أهبها له، فوجدوا منصوراً النمري ببابه، فأنشده، وكان قبيح الإنشاد، فقال له الرشيد: أعانك الله على نفسك، انصرف، فقال: يا أمير المؤمنين، قد دخلت إليك دخلتين، لم تعطني فيهما شيئاً، وهذه الثالثة، و والله لئن حرمتني لا رفعت رأسي بين الشعراء أبداً. فضحك الرشيد، وقال: خذها، فأخذها، ونظر الرشيد إلى الموالي ينظر بعضهم بعضاً، فقال: كأني قد عرفت ما أردتم: أن تكون هذه الدنانير ليوسف بن الصيقل، وكان يوسف منقطعاً إلى الموالي ينادمهم، ويمدحهم، فكانوا يتعصبون له، فقالوا: إي والله يا أمير المؤمنين، فقال: هاتوا ثلاثة آلاف دينار، فأحضرت، فأقبل على يوسف. فقال: هات، أنشدنا، فأنشده يوسف:

تصدت له يوم الرصافة زينب

فقال له: كأنك امتدحتنا فيها، فقال: أجل، والله يا أمير المؤمنين فقال: أنت ممن يوثق بنيته، ولا تتهم موالاته، هات من ملحك، ودع المديح، فأنشده أقوله:

العفو يا غضـبـان

 

ما هكذا الـخـلان

هبني ابتليت بذنـب

 

أما له غـفـران؟

وإن تعاظـم ذنـب

 

ففوقه الهـجـران

كم قد تقربت جهدي

 

لو ينفع القـربـان

يا رب أنت على ما

 

قد حل بي المستعان

ويلي ألست ترانـي

 

أهذي بها يا فلان؟

فقال الرشيد: ومن فلان هذا ويلك؟ فقال له الفضل بن الربيع. هو أبان مولاك يا أمير المؤمنين، فقال له الرشيد: ولم لم تنشدني كما قلت يا نبطي؟ فقال: لأني غضبان عليه، قال: وما أغضبك؟ قال: مدت دجلة، فهدمت داري وداره، فبنى داره، وعلاها، حتى سترت الهواء عني، قال: لا جرم، ليعطينك الماص بظر أمه عشرة آلاف درهم، حتى تبنى بناء يعلو على بنائه، فتستر الهواء عنه، ثم قال له: خذ في شعرك، فأنشده نحواً من هذا الشعر، فقال للفضل بن الربيع: يا عباسي، ليس هذا بشعر ما هو إلا لعب، أعطوه ثلاثة آلاف درهم مكان الثلاثة الآلاف دينار، فانصرف الموالي إلى صالح الخازن، فقالوا له: أعطه ثلاثة آلاف دينار كما أمر له أولاً، فقال: أستأمره، ثم أفعل، فقالوا له: أعطه إياها بضماننا، فإن أمضيت له وإلا كانت في أموالنا، فدفعها إليه بضمانهم، فأمضيت له، فكان يوسف يقول بعد ذلك: كنا نلعب، فنأخذ مثل هذه الأموال، وأنتم تقتلون أنفسكم، فلا تأخذون شيئاً!

هبت قبيل تبـلـج الـفـجـر

 

هند تقول ودمعـهـا يجـري

أني اعتراك وكنت في عهدي لا

 

سرب الدموع وكنت ذا صبـر

الشعر لرجل من الشراة يقال له: عمرو بن الحسن مولى بني تميم، يقوله في عبد الله بن يحيى الذي تسميه الخوارج طالب الحق، ومن قتل من أصحابه معه يرثيهم. والغناء لعبد الله بن أبي العلاء ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن الهشامي.